
رواية حب تحت الرماد الفصل العشرون20 بقلم رباب حسين
هناك لحظات لا تأتي لتُغيّر حياتنا فقط... بل تأتي لتُسقط كل ما بنيناه في لحظة واحدة.
غزل التي ظنت أن أقسى ما يمكن أن تواجهه هو أن ترى جواد يتألم بسببها، لم تكن تعرف أن القدر سيضعها أمام اختبار أقسى من كل ما مضى.
وكارما التي بدأت تنطق كلمة "ماما" من جديد لم تكن تعرف أن الحياة قد تكون قاسية بما يكفي لتنتزع منها هذا الأمان مرة أخرى.
وفي الجهة الأخرى... كان جواد يهرب من البيت حتى لا يرى غزل بينما كان هناك جزءًا منه يتقرب منها أكثر فأكثر دون أن تدرك أن الصغيرة أصبحت ترى فيها الأم التي فقدتها.
أما كنان ورزان... فقد بدأت فرحتهما تكتمل لكن خلف تلك الفرحة كانت هناك قلوب أخرى تتهاوى بصمت. سيلين أدركت أخيرًا أن كنان لم يعد ينظر إليها كما كانت تتمنى، وأن إصرارها على استعادته قد يحول حبها إلى شيء آخر أكثر خطورة.
ونادر... يقف بجوار سيف وديونه التي قد تجره وتجر العائلة بأكملها إلى الهاوية.
ونديم... يقترب من ليان خطوة ثم يتراجع عشر خطوات خوفًا من هذا الشعور الذي يتخلل صدره؛ أن يتعرض إلى هذا الألم من جديد. بينما الحقيقة أن ليان لم تدخل قلبه لتحتل مكان أحد... بل لتفتح بابًا ظن أنه أغلقه إلى الأبد.
كل واحد منهم يحمل سرًا... وكل سر ينتظر اللحظة المناسبة لينفجر. لكن الأسرار ليست أخطر ما في الحكاية... الأخطر أن هناك من بدأ يتحرك في الخفاء وأن ما حدث لغزل لم يكن مجرد حادث عابر.
فبينما يظن الجميع أن العائلة تستعد للأفراح... قد يكون أحدهم يستعد لإشعال النار تحت الرماد. وفي هذه المرة... لن يكون الألم مقتصرًا على قلب واحد.
فهل كانت تلك السيارة مجرد حادث؟ أم أن سقوط غزل على الطريق كان بداية سقوط أقنعة كثيرة؟
وأول من سقط بجوارها كانت تلك الطفلة التي رأت فيها صورة الأم التي سلبت منها. وها هي تراها تختفي من أمامها وهي مقيدة. صرخت بهذا الطريق الفارغ حتى وصل صوتها إلى أحد العاملات في الحضانة. خرجت من الباب تنظر يمينًا ويسارًا تبحث عن صوت تلك الطفلة التي تصرخ حتى وقعت عينيها على كارما. ركضت نحوها على الفور وجثت بجوارها وقالت بفزع: فيه إيه يا كارما؟!
تمسكت كارما بها وكأنه طوق النجاة وقالت: إلحقي ماما. العربية خبطتها وجريت.
ابتسام: ماما! دي مامتك؟ طيب استني هنا. هجيب نمرة بابا من الحضانة واتصل بيه يجي.
عادت ابتسام إلى الحضانة وهي تتصل بالإسعاف. ثم أنهت المكالمة واتصلت بالشرطة وقدمت بلاغ بالحادث. ثم بحثت عن رقم جواد واتصلت به على الفور. حين رأى جواد رقم الحضانة يتصل به تلقى المكالمة بقلق وقال: ألو.
ابتسام: أيوة يا أستاذ جواد. مرات حضرتك عملت حادثة برا الحضانة. العربية خبطتها وجريت.
جواد بتعجب: مراتي!
ابتسام: أيوة. كانت بتوصل كارما تقريبًا وعملت الحادثة قدام الباب برا. أنا خرجت على صوت كارما وهي بتصرخ "ماما".
فتح جواد عينيه بصدمة وقال بصوت مكسور: غزل!
ركض على الفور خارج الشركة وأخذ سيارته وذهب إلى هناك. قلبه كاد أن يخرج من صدره وكأنه يتسابق معه ليصل إليها ويطمئن عليها. كان يقود السيارة وعقله مشتت. لا يعرف كيف يسير بالطريق. عينيه تمتلء بالدموع ويده ترتعش وهي تمسك بمقود السيارة.
خرجت ابتسام من الحضانة ومعها أحد المعلمات التي أحتضنت كارما وطمئنتها قليلًا. ولكن كارما كانت تسلط عينيها على غزل بخوف. وكأنها تخشى ألا تراها مرة أخرى مثل داليا.
بعد دقائق كان جواد يقترب بسيارته وهو لا يعرف كيف وصل إلى هنا. وحين رأى تجمع بالطريق قبل الحضانة أوقف السيارة بمنتصف الطريق وخرج منها ركضًا. حين رأته كارما ركضت نحوه وقالت بخوف: ألحق يا بابا. ماما بتموت.
حملها جواد وقلبه يتهاوى بين قدميه. ركض نحوها وجثا بجوار غزل وأنزل كارما بجواره وهو يسلط عينيه على غزل بخوف. وضع يده أولًا على رقبتها يتحسس نبض قلبها. وحين شعر به تنفس الصعداء وأرخى كاتفيه براحة وتنهد كأنه تذكر كيف يتنفس. ثم نظر إلى ابتسام وقال: حصل إيه؟
ابتسام: محدش عارف. كارما كانت معاها وهي اللي شافت الحادثة.
كارما ببكاء: ماشفتش حاجة، هي كانت ماسكة إيدي وبتتكلم معايا وفجأة سمعت صوت عربية بتقرب ورانا بسرعة وبعدين لقيت ماما سابت إيدي وهي بتصرخ وطارت في الهوا وبعدين وقعت كده زي ما هي.
ابتسام: البنت كانت بتصرخ من الخوف، ربنا يجازيه على اللي عمله ده. على العموم الإسعاف زمانها جاية دلوقتي وإن شاء تيجي سليمة.
نظر جواد إلى غزل وتأمل ملامحها عن قرب. إشتاق إليها حد الجنون وخوفه من فقدانه أكد له أن غزل حب لم ولن ينتهي بقلبه مهما طال العمر. مرر أنامله داخل شعرها وهو يدعو الله أن تعود إليه سالمة وتعود إليه عاشقة كما كانت بالماضي.
كارما: هي مش هتموت يا بابا صح؟
أحتضنها جواد وقال: ﻷ يا حبيبتي. إن شاء الله غزل هترجع بالسلامة.
بعد وقت جاءت سيارة الإسعاف وحمل المسعفين غزل إلى داخلها. ثم اتصل جواد بأمل وأمرها أن تأتي وتأخذ كارما من الحضانة وهي تصرخ بجواره معترضة. ثم نظر إلى ابتسام وقال: الناني بتاعتها هتيجي تاخدها دلوقتي.
أومأت إليه ثم جثا جواد أمام كارما وقال: خليكي في البيت دلوقتي ولما تفوق غزل هاجي أخدك تشوفيها.
كارما ببكاء: ﻷ يا بابا. إنت قولت كده على ماما ولما جيت تاخدني كانت مشيت. أنا هاجي معاك.
جواد: يا حبيبتي ماتخفيش هي هتبقى كويسة.
كارما: ﻷ ﻷ... أنا هاجي معاك. أنا خايفة يا بابا. عشان خاطري خدني معاك.
حملها جواد وأخذها معه. فهو يعلم أن موت والدتها قد ترك أثر بداخلها فلم تعد تتقبل فكرة أن تخسر أحد مجددًا.
لحق جواد بسيارة الإسعاف ثم اتصل بأمل وأخبرها بما حدث وطلب منها أن تخبر خالد وتخرج له سيارة من المنزل لتأتي به إلى المستشفى.
في هذه الأثناء وصلت الشرطة إلى مكان الحادث ووجدت ابتسام ومديرة الحضانة تقف بالخارج. نزل الضابط مصطفى من السيارة واقترب منهما وقال: فيه حد قدم بلاغ عن حادث.
ابتسام: أيوة يا فندم والإسعاف جات خدتها من شوية.
مصطفى: اللي خبطها وقف ولا خبطها ومشي؟
ابتسام: لأ يا فندم. خبطها وجري.
نظر مصطفى حوله إلى الأعلى يبحث عن أي كاميرات بالطريق. وهو يقول: طيب حد شاف العربية أو رقمها؟
ابتسام: لما خرجت كانت البنت بتصوت ومفيش حد جنبها.
وجد مصطفى كاميرا مثبتة على باب الحضانة من الخارج فأشار إليها وقال: الكاميرا دي تباعكم؟
المديرة يسرية: أيوة تبع الحضانة.
مصطفى: طيب عايز أشوف تسجيل الكاميرا.
يسرية: اتفضل حضرتك في مكتبي.
أشار مصطفى إلى العساكر وطلب منهم أن ينتظروا بالخارج. ثم دخل إلى الحضانة وتوجه إلى مكتب يسرية. بدأ البحث في تسجيل الكاميرات وقال: إنتي سمعتي البنت بتصرخ الساعة كام بالظبط؟
ابتسام: حوالي الساعة الساعة ١٠.
بحث مصطفى عن التوقيت وجد الكاميرا قد سجلت الحادث. ثبت الصورة على الشاشة وحاول أن يرى رقم السيارة لكن لم يرى الأرقام. فالسيارة بدون لائحة مرور. أعاد تسجيل الحادث ووجد أن السيارة كانت تتبع غزل من أول الطريق وحين أصبح الطريق فارغًا تحركت نحوها بسرعة عن قصد ثم غادر سريعًا بعد أن وقعت غزل بالأرض. فقال مصطفى: واضح إن الحادث مدبر مش حادث مروري عادي. تعرفوا راحوا أنهي مستشفى؟
نظرت ابتسام ويسرية إلى بعضهما البعض بدهشة. ثم قالت ابتسام: أنا معايا رقم أستاذ جواد. هو راح وراها المستشفى.
مصطفى: هو يقربلها إيه؟
ابتسام: مراته.
يسرية: بس اللي أعرفه إن اسم مراته داليا. لكن هو كان بيقولها غزل.
ابتسام: بس كارما كانت بتقولها يا ماما!
مصطفى: هنعرف كل حاجة من التحقيق إن شاء الله.
أخذ رقم جواد واتصل به على الفور. كان جواد يحمل كارما بين ذراعيه ويركض إلى داخل المستشفى خلف غزل التي وُضعت على السرير المتحرك ودخلت إلى الطوارئ.
وقف جواد بالخارج وتلقى المكالمة. ثم أعطى مصطفى اسم المشفى.
بشركة نادر؛ كان سيف يجلس بمكتبه يتابع بعض الأعمال البسيطة الخاصة بالشركة. ثم سمع صوت رنين هاتفه يعلن عن استلام رسالة. أمسك بالموبايل وفتحها. وجد صورته مع غزل بمدينة الملاهي وهو يقبل يدها وجواد وكارما من خلفه. ثم تلقى رسالة أخرى وحين قرأها فتح عينيه بصدمة وركض على الفور نحو مكتب نادر. دخل المكتب دون أن يطرق الباب، فنظر نادر إليه بفزع وقال: إيه يا سيف فيه إيه؟!
اقترب منه سيف ووضع الموبايل أمام عينيه بيد مرتعشة وقال: عرف مكاني. عزيز الونش عرف مكاني وبيهددني.
أمسك نادر الهاتف ونظر إلى الصورة. ثم وقف بصدمة وقرأ الرسالة: "فاكر إنك هتعرف تهرب مني؟ لو في بطن أمك هجيبك. يا الفلوس تيجي يا تقول على الحبايب الله يرحمهم."
نادر: يا نهارك اللي مش فايت! ده بيهدد العيلة كلها. ده كلنا كنا معاك في اليوم ده.
سيف بتوتر: هو كده عرف أنا فين. يعني لو مسددناش الفلوس هنروح في داهية.
نادر: هو أنت ليه جامعني معاك في الحوار.
سيف: ما إحنا في مركب واحدة من زمان. هتيجي تخلع دلوقتي!
نارد بتهكم: ﻷ استنى لما عزيز الونش يخلص عليا وعليهم. بقولك إيه يا سيف لازم تتصرف وتشوف حل معاه.
سيف: حل إيه؟! هو ده بيتفاهم؟ ده بيطير على طول. يا أما أبيع له كلية بقى ولا فص كبد.
كاد نادر يتحدث ولكن أعلن هاتف سيف عن مكالمة وهو يمسك به. فألقاه بعيدًا عنه بذعر. نظر سيف إلى الهاتف وقال: يا نادر!
نادر: اتخضيت يا عم بفيلم الرعب اللي إنت معيشني فيه ده.
أحضر سيف الهاتف ونظر به ثم قال: ده حمايا. اسكت بقى لحد ما أرد.
سيف: ألو.
خالد بفزع: إلحق يا سيف. غزل عملت حادثة وهي بتوصل كارما الحضانة.
سيف بصدمة: إيه! حادثة إيه؟! جرالها إيه يا عمي؟
خالد: ماعرفش. أمل بلغتني وطلعت عربية توصلني المستشفى وأنا رايح على هناك. بتقولي عربية خبطتها وجريت.
سيف بتوتر: طيب... طيب أنا جاي. أديني اسم المستشفى يا عمي وأنا جايلك حالًا.
بلغه خالد باسم المشفى ثم أنهى سيف المكالمة ونظر إلى نادر الذي ينظر إليه بتوتر وقال: فيه إيه؟ مين مات؟
سيف: يا عم بعد الشر عليها. دي غزل عملت حادثة. مصيبة لا يكون عزيز اللي وراها.
نارد: أكيد هو اللي وراها. يخرب بيته ده مش بيضيع وقت. بقولك روح المستشفى بسرعة وطمني. أنا عندي إجتماع مهم مش هقدر ألغيه.
أومأ إليه سيف وغادر المكتب على الفور. نظر نادر إلى أثره بتعجب من ملامح الخوف التي ارتسمت على وجه سيف. وتسائل هل سيف أحبها حقًا؟!
وصل خالد إلى المشفى ثم سأل عامل الإستقبال عن غزل وأخبره أنها بالطوارئ. ذهب إلى هناك فوجد جواد يقف بالخارج وبيده كارما. اقترب منه بخوف وقال: خير.. حصلها إيه؟!
جواد: ماتخفش يا عمي. بخير إن شاء الله. أقعد بس إرتاح هنا والدكتور هيخرج يطمنا دلوقتي.
جلس خالد بجواره وهو ينظر إلى الباب بتوتر ثم نظر إلى جواد وقال: إنت جيت معاها؟!
جواد: الحادثة كانت قدام الحضانة وكلموني عشان أجي على طول.
خالد: يارب قومها بالسلامة يارب.
جواد: يارب.
أمسكت كارما بيد خالد وقالت: ماتخفش يا جدو. هي هتفوق إن شاء الله.
أحتضنها خالد وقال: إدعيلها يا كارما.
اقترب منهما مصطفى وقال: المريضة اللي عملت حادثة موجودة هنا؟
جواد: أيوة. مين حضرتك.
مصطفى: الرائد مصطفى رؤوف. هي خلصت كشف ولا لسه؟
جواد: أهلًا يا فندم، لأ الدكتور لسه ماخرجش.
مصطفى: هي ليها عداوة مع حد؟
جواد: ﻷ.. مافتكرش. عمي هو فيه مشكلة عندها.
مصطفى: ﻷ... ليه حضرتك بتسأل السؤال ده؟
مصطفى: هو إنت تقربلها إيه؟
خالد: أنا أبوها.
أشار مصطفى إلى كارما وقال: إنتي اللي كنتي معاها في الحادثة؟
كارما: اه.
ثم نظر إلى جواد وقال: إنت جوزها؟
جواد: ﻷ... أنا جواد الخولي وهي وصية على أسهم بنتي في الشركة بتاعت العيلة.
مصطفى: البنت كانت بتقولها يا ماما ليه؟
جواد: هي بتحبها أوي وبتعتبرها أمها بعد مع أمها الحقيقية ماتت.
مصطفى: اممم... الحادثة مدبرة. العربية من غير نمر وكانت ماشية وراها من بدري وأول لما الطريق فضي خبطها وجري.
وقف خالد وقال: يعني إيه؟! مين اللي هيعمل فيها كده؟
مصطفى: ما عشان كده يا حج بسأل فيه عداوة مع حد أو حد مهددها أو فيه حد ليه مصلحة إنها تموت؟
شرد خالد قليلًا ثم نظر إلى جواد وقال: مفيش حد ليه مصلحة إنها تموت غيرك. عشان لو ماتت غزل هتبقى إنت الواصي على بنتك. وطبعًا بعد ما اتخطبت لسيف عرفت خلاص أن الأسهم هتروح منك فا حاولت تخلص منها. صح؟!
نظر جواد إليه بصدمة وقال: إنت بتقول إيه يا عمي؟! أنا استحالة أعمل كده ولا يمكن أئذي حد وخصوصًا غزل.
مصطفى: ثواني بس كده من غير زعيق. وفهمني يا حج الموضوع ده.
خالد: أمها وصت بنتي على ميراثها عشان كانت صاحبتها. وبعدين البيه كان بيحاول يلعب عليها عشان يتجوزها ويضمن أن الأسهم تبقى معاه ويبقى هو صاحب الشركة أو يملك أكتر من نصها. لكن بنتي رفضته واتخطبت لابن عمه. يبقى مين المستفاد من قتلها يا حضرة الرائد!
مصطفى: هو طبعًا.
جواد: يا فندم أنا عمري ما أعمل كده ولا فارق معايا أسهم ولا شركة. حضرتك هو منفعل دلوقتي عشان قلقان عليها. لكن أنا متأكد إن غزل نفسها عمرها ما هتتهمني.
مصطفى: خليك هنا قدامي ماتتحركش. لما يخرج الدكتور ونسألها.
وقف جواد جانبًا يتنهد بضيق. وخالد يرمقه بغضب. بعد قليل خرج الطبيب المعالج ونظر إلى جواد الذي اقترب منه بقلق وقال: إرتجاج في المخ. إحنا عملها إشاعات على الجسم الحمد لله مفيش كسور. شوية كدمات كده وهتخف إن شاء الله. وكمان اطمنا إن مفيش نزيف داخلي ولا حاجة.
خالد: يعني هو كويسة يا دكتور؟
الطبيب: أيوة يا حج اطمن.
مصطفى: ينفع أخد أقوالها في الحادثة؟
الطبيب: ﻷ مش دلوقتي. هي عندها إرتجاج ومحتاجة راحة. ويفضل تنام شوية عشان المخ يرتاح. إحنا أديناها مسكن قوي ونامت. لما تفوق تقدر حضرتك تستجوبها.
اقترب منهم سيف ركضًا وقال بأنفاس متقطعة: خير يا عمي؟ طمني يا دكتور؟
نظر إليه مصطفى وقال: ثواني يا أستاذ. كده يا أستاذ جواد ماعنديش حل غير إني أخدك معايا القسم. هتفضل عندنا لحد ما ناخد أقوال الأستاذة غزل.
جواد بضيق: يا فندم اللي بيحصل ده ملوش أي داعي. أنا مليش أي علاقة بالحادثة.
مصطفى: حضرتك هتتفضل معانا شوية ولما نتأكد تقدر تروح مفيش أي مشكلة. اتفضل معانا من غير صوت عشان دي مستشفى.
زفر بضيق ثم نظر إلى سيف وقال: خلي بالك من كارما ورجعها البيت.
سيف: هو فيه إيه يا حضرة الظابط؟
مصطفى: والد المجني عليها وجه اتهام للأستاذ إن هو المستفاد من موتها عشان كده هنتحفظ عليه.
نظر سيف إلى خالد بدهشة ثم ذهب جواد مع مصطفى إلى قسم الشرطة. اقتربت كارما من سيف وقالت: بابا ماعملش حاجة لماما. ليه يا جدو قولت للظابط كده؟
نظر إليها خالد ولم يجب. ثم نظر إلى سيف فقال: أقعد إنت يا عمي إرتاح. ماتخفيش يا كارما بابا هيرجع على طول أول ما يتأكدوا إنه ماعملش حاجة.
حملها سيف بين ذراعيه. أما جواد فصعد إلى سيارة الشرطة وهو ينظر إلى المشفى بحزن. إلى متى سيظل متهمًا في عيون كل من حوله؟! وصل الأمر أن يتم اتهامه بقتل المرأة الوحيدة التي أحبها بصدق!
حين وصل إلى قسم الشرطة اتصل على الفور بعز الدين وأخبره ما حدث وطلب منه أن يبلغ نديم ونادر وكنان بالأمر. ثم استدعاه مصطفى للتحقيق. وحين سمعوا بما حدث مع جواد ذهبوا إلى القسم على الفور.
بالتحقيق؛ شاهد جواد تسجيل الحادث فشرد بالفراغ وقال: مين ليه مصلحة يخلص منها بالشكل ده؟
مصطفى: لحد دلوقتي مفيش غيرك متهم قدامي.
زفر جواد وقال: يا فندم أنا جواد الخولي. رئيس مجلس إدارة شركات الخولي للأثاث والديكور. ولو طمعان في الأسهم زي ما بيقول أبوها كنت خليت مراتي تكتبهم باسمي من زمان. والناس كلها عارفة هي كانت بتحبني أد إيه. ليه استنى لما تموت! وليه ماعترضش إنها تعين واصي غيري على الأسهم لو طمعان فيهم!
مصطفى: هو كلام حضرتك منطقي بس أبوها هو اللي اتهمك. على العموم كده كده لو مفيش دليل غير كلامه وهي برأتك هتخرج طبعًا. أنا أسف بس ده القانون ولازم يطبق.
جواد: مفيش مشكلة. بس أنا مش فاهم. مين عايز يقتل غزل!
لا أحد يعرف إجابة هذا السؤال حتى الآن. سمح مصطفى لجواد بأن يمكث في مكتبه حتى يتم التحقيق مع غزل.
حل الليل واستعادت غزل وعيها. كان نادر ونديم وكنان بقسم الشرطة. أما بالمشفى فلم يكن هناك سوى سيف وخالد وكارما وأمل.
دخلوا جميعًأ غرفتها بعد أن سمح لهم الطبيب. وعندما رأتهم ابتسمت بوهن وقالت: إنتوا هنا؟
اقترب منها خالد وقبل جبهتها وقال: طبعًا يا حبيبتي.
ابتسمت إليه غزل ونظرت إلى كارما وقالت: إنتي كويسة يا حبيبتي؟
إحتضنتها كارما وهي تبكي وقالت: أنا خفت يجرالك حاجة يا ماما.
ربتت غزل على ظهرها وقالت: ماتخفيش يا قلبي أنا كويسة أهو.
سيف: حمد الله على السلامة يا حبيبتي.
غزل: الله يسلمك.
كانت تنظر خلفه وكأنها تبحث عن جواد ثم قالت كارما: ماما قولي للظابط إن بابا ملوش دعوة بالحادثة.
عقدت غزل حاجبيها ونظرت إلى سيف فقالك بخجل: عمي... قال إن هو المستفيد من الحادث عشان لو بعد الشر جرالك حاجة هياخد الوصاية على الأسهم.
نظرت إليه غزل بصدمة وقالت: معقول يا بابا تعمل كده؟!
خالد: ما الظابط بيقول الحادث مدبر ومقصود. هيكون مين اللي عمل كده يعني؟! هو إنتي ليكي عداوة غير معاه.
كارما: بابا ماعملش كده. لا يمكن يعمل كده. أرجوكي يا ماما خرجيه.
تنهدت غزل وربتت على شعرها وقالت: حاضر يا حبيبتي.
زفر خالد وخرج من الغرفة ولحق به سيف. وقف بجواره وقال: يا عمي أنا عارف إنك خايف على غزل بس هي غصب عنها عشان البنت دي اللي ملهاش ذنب.
خالد بضيق: وأنا مليش غيرها. طبيعي أخاف عليها.
سيف: ماتخافش عليها يا عمي. أنا هحطها في عينيا ومش هسمح لحد يأذيها حتى لو كان جواد. أنا هعرف أحميها. بس عشان كارما أكيد غزل هتخرجه. لكن أنا ليا كلام معاه وهعرف أوقفه عند حده.
خالد: طيب، بس نفسي هي تقتنع باللي أنا بقوله.
سيف: أنا هقنعها عشان تاخد بالها منه. غزل طيبة وفاكرة الناس كله زيها.
أومأ إليه خالد وعاد سيف إلى الداخل. قالت غزل: اتصل بالظابط وقوله يخرج جواد.
سيف: لازم يجي ياخد الأقوال بنفسه. وأكيد الدكتور بلغه عشان يجي.
بعد وقت جاء الضابط وأخذ أقوال غزل ولم توجه إلى جواد أي تهمة. وبعد أن رحل الضابط وقف الطبيب وقال: لازم الأنسة ترتاح شوية. هتاخد مسكن تاني وتنام. لو سمحتوا طالما اطمنتوا عليها اتفضلوا روحوا.
خالد: أنا هفضل معاها.
سيف: ﻷ يا عمي إنت لسه تعبان ومحتاج ترتاح. حضرتك روح وأنا هفضل معاها وخد كارما وأمل معاك.
كارما: يعني بابا كده هيخرج؟
سيف: هتروحي تلاقيه في البيت يا حبيبتي إن شاء الله.
غادروا وظل سيف بجوارها حتى نامت. أما كنان فكان يقف بجوار جواد بعد أن غادر القسم والحزن يخيم عليه. اقترب منه وربت على كتفه فنظر إليه جواد وقال: آخر حاجة كان ممكن تيجي في بالي إن أنا وغزل نوصل لهنا. الراجل اللي كان المفروض أحط إيدي في إيده وأطلبها منه رماني بإيده في القسم وبيتهمني إني بحاول أقتلها! أنا ليه بيحصل معايا كده يا كنان؟ ده أنا كنت هموت النهاردة لما عرفت إن جرالها حادثة لدرجة إني مش عارف أنا وصلت عند الحضانة إزاي!
نظر إليه كنان ولم يجب. لم يجد من الكلمات ما تواسيه. أما نديم فكان يسمع ما قاله جواد والحزن يخيم عليه من حالته. هو عاشق ولكن سيف ونادر يفرقان بينه وبينها.
فهل سيبوح نديم بالسر أم لا؟