
بعد رحيلك يا أبي
كانت تنتظر عودته.
في البداية، لم تفهم معنى غيابه.
كانت تظن أنه تأخر فقط، وأن الباب سيفتح بعد قليل، وسيدخل بابتسامته المعتادة ويقول لها:
"اشتقتِ لي يا صغيرتي؟"
كانت تجلس قرب الباب كلما سمعت صوتًا في الخارج.
تنهض بسرعة…
ثم تعود بخيبة صغيرة.
لكن قلبها كان يرفض أن يصدق.
فالأطفال لا يفهمون الرحيل بسهولة.
كيف يمكن لشخص كان هنا بالأمس، يضحك معها ويحتضنها، أن يصبح فجأة مجرد صورة؟
في ذلك اليوم، رأت دموع والدتها للمرة الأولى.
كانت والدتها تحاول أن تكون قوية أمامها، لكنها لم تستطع.
اقتربت منها الطفلة وسألتها بصوت خائف:
"ماما… لماذا الجميع يبكي؟"
لم تجبها والدتها.
فقط احتضنتها بقوة.
وفي ذلك الحضن، شعرت الطفلة بشيء لم تعرفه من قبل…
أن هناك ألمًا أكبر من البكاء.
مرت الأيام، لكنها بقيت تنتظر.
كانت تضع ملابسها بسرعة في الصباح، ثم تتذكر أنه لن يأتي ليأخذها إلى المدرسة.
كانت تنظر إلى كرسيه الفارغ على مائدة الطعام.
كانت تحتفظ بمكانه وكأنه سيعود في أي لحظة.
وفي الليل…
كانت تغلق عينيها وتتخيل صوته.
تتخيل يده تمسح على شعرها.
تتخيل حضنه الذي كان يمحو كل خوف.
لكن عندما تفتح عينيها…
تجد الحقيقة أمامها.
كان والدها قد رحل.
ومع رحيله، رحل جزء من طفولتها.
كبرت بعد ذلك اليوم بطريقة لم يفهمها أحد.
تعلمت أن تخفي حزنها.
أن تبتسم حتى عندما تريد البكاء.
أن تقول "أنا بخير" وهي ليست كذلك.
لكنها احتفظت بشيء واحد…
ذكرى والدها.
كانت تخاف أن تنساه.
تخاف أن تنسى صوته، ضحكته، وطريقة مناداته لها.
لذلك كانت تحتفظ بكل شيء يخصه.
صورة قديمة.
ساعة لم تعد تعمل.
وكلمات قليلة قالها لها قبل رحيله.
"كوني قوية يا صغيرتي."
كانت تكره هذه الجملة أحيانًا…
لأنها كانت تشعر أنها تطلب منها أن تكون قوية في وقت كانت تحتاج فيه فقط أن تعود إلى حضنه.
ولم تكن تعرف وقتها…
أنها ستكبر سنوات طويلة وهي تبحث عن ذلك الحضن في كل مكان.