
كان النهار يلفظ أنفاسه الأخيرة حين عادت العائلة إلى المنزل.
وللمرة الأولى منذ ساعات طويلة، لم يكن أحد يرغب في الحديث.
كانت خطواتهم مثقلة، وملامحهم تحمل آثار يومٍ طويل لم يكن متعبًا للأجساد بقدر ما كان مرهقًا للقلوب والعقول، فمنذ الصباح، توالت الأحداث عليهم بلا رحمة؛ اعترافات طارق، وانكشاف الحقيقة التي قلبت سنوات من الألم رأسًا على عقب، ثم موته، وما تركه ذلك من صدمة لم يكن أحد منهم مستعدًا لها.
دخلوا المنزل بصمت، وكأن كل واحد منهم كان يحمل في داخله عالمًا كاملًا من الأفكار التي يعجز عن إخراجها إلى كلمات.
كانت عائشة أول من جلست، وأسندت ظهرها إلى المقعد وهي تزفر ببطء، ثم مررت يدها على وجهها المنهك.
أما عزت، فجلس إلى جوارها وظل صامتًا للحظات، ينظر أمامه بشرود.
ولم تكن ديلان أفضل حالًا.
كان التعب قد استنزفها تمامًا. حملها في شهرها الخامس، الذي بدأ يزداد وضوحًا وثقلًا، لم يعد يسمح لها بتحمل الأيام العصيبة كما كانت تفعل من قبل، فكيف وقد اجتمع فوق إرهاق جسدها ذلك الحمل الثقيل من المشاعر؟.
اقترب منها باران فور دخولهم، ووضع يده بحنان على ظهرها.
باران: هل أنتِ بخير؟.
رفعت عينيها إليه بابتسامة صغيرة، رغم شحوب وجهها.
ديلان: أنا بخير... فقط متعبة قليلًا.
نظر إليها طويلًا، وكأنه لم يقتنع تمامًا، لكنه لم يضغط عليها.
كان يعرفها.
ويعرف أنها حين تقول "أنا بخير"، قد تكون في الحقيقة تقول: لا أملك طاقة لأشرح كم أنا متعبة.
وبعد دقائق، اقترح عزت أن يتناولوا العشاء معًا.
لم يكن أحد يملك رغبة حقيقية في إعداد الطعام، ولا حتى القدرة النفسية على الوقوف طويلًا في المطبخ.
لذلك، توقف باران في الطريق واشترى طعامًا جاهزًا يكفي الجميع.
وحين اجتمعوا حول المائدة، لم تكن الأطباق الفاخرة هي ما يهمهم، بل مجرد وجودهم معًا تحت سقف واحد، بعد يوم كان يمكن أن يغيّر حياة كل واحد منهم إلى الأبد.
جلست ديلان إلى جوار باران، بينما جلست عائشة وعزت في الجهة المقابلة.
في البداية، ظل الصمت سيد المكان.
كان صوت الملاعق الخافت هو الشيء الوحيد الذي يُسمع.
ثم قالت عائشة بنبرة متعبة:
عائشة: أظن أنني لم أعد أحتمل يومًا آخر كهذا.
ابتسم عزت ابتسامة باهتة.
عزت: ولا أنا.
رفع باران عينيه عن طبقه وقال:
باران: لقد مررنا بأيام صعبة من قبل... لكنني لا أظن أنني عشت يومًا شعرت فيه أن كل شيء انكشف أمامنا دفعة واحدة.
ساد الصمت من جديد.
خفضت ديلان عينيها، فقد عاد إلى ذاكرتها صوت طارق وهو يعترف بكل شيء.
كل كلمة.
كل تفصيل.
كل حقيقة كانت قد دفنتها الأشهر السابقة تحت طبقات من الألم والشك.
كانت تسمعه من جديد وهو يروي كيف خدع مراد، وكيف شارك في المؤامرة التي دمرت زواجهما، وكيف لاحقه حتى السيارة، ثم عبث بفراملها.
ارتجفت أصابعها دون أن تشعر.
لاحظ باران ذلك، فوضع يده فوق يدها أسفل الطاولة وضغط عليها برفق.
رفعت عينيها إليه.
لم يقل شيئًا.
ولم تكن بحاجة إلى أن يقول.
كانت يده وحدها تقول لها:
أنا هنا.
ابتسمت له ابتسامة صغيرة، ثم أعادت نظرها إلى طبقها.
قال عزت بعد لحظات:
عزت: مهما كان ما حدث... انتهى الأمر الآن، والحقيقة ظهرت أخيرًا.
تنهد باران.
باران: نعم... لكنها ظهرت بعد فوات الأوان للأسف.
كان في صوته ألم واضح.
فهو لم يكن يفكر في طارق وحده او مدحت.
كان يفكر في مراد.
أخيه.
الرجل الذي رحل منذ سنوات، وترك وراءه أسئلة كثيرة، وظلمًا كبيرًا لم يعرف أحد كيف يجيب عنه، لكن والديه لم يكونا يعلمان بما تفوه به طارق قبل وفاته، بل كل ما كانا يعلمانه هو تورط دنيز معه، في ترويج المخدرات بالاجبار، وحادثة مدحت التي إنتهت بوفاة طارق وسجن الاخير على ضمن القضية.
قالت عائشة بحزن:
عائشة: مسكين مدحت... لو أنه عرف الحقيقة يومها، ربما كان كل شيء اختلف.
لم تجب ديلان.
كانت الكلمات تؤلمها أكثر مما تستطيع احتماله، فهي تدرك حجم الحقيقة كاملة لو كشفت.
فقد أمضت أشهر وهي تسأل نفسها إن كانت قد أخطأت، وإن كان مراد قد مات وهو يحمل عنها صورة سيئة، وإن كانت هي السبب في كل ما حدث.
لكنها اليوم عرفت الحقيقة.
لم تكن هي السبب.
لم تكن الخيانة التي شك فيها مراد حقيقة.
ولم تكن الكلمات التي نقلت إليه عنها صادرة منها.
كان هناك من صنع كل ذلك بعناية، ثم تركهما يدفعان ثمن كذبته.
بعد فترة قصيرة، انتهى العشاء.
لم يطل الحديث أكثر من ذلك.
كان التعب قد غلب الجميع.
تبادلوا كلمات قليلة قبل أن يتفرقوا إلى غرفهم، بينما أخذ باران ديلان إلى شقتهما.
ما إن أُغلق الباب خلفهما حتى شعرت ديلان وكأن آخر ذرة من القوة غادرت جسدها.
خلعت حجابها ونقابها، ووضعت أغراضها جانبًا، غيرت ملابسها لاخرى مريحة، ثم جلست على حافة الأريكة.
راقبها باران للحظات، وهو الآخر يغير ثيابه لاخرى من اجل النوم.
باران: تعالي.
نظرت إليه.
مد يده إليها.
باران: أنتِ بحاجة إلى الراحة.
وضعت يدها في يده، فساعدها على النهوض، ثم اتجها معًا نحو الفراش.
وبعد أن استلقيا، لم يستغرق الأمر سوى لحظات حتى جذبها باران إلى صدره.
استقرت ديلان بين ذراعيه كما لو أن جسدها يعرف مكانه قبل أن تفكر هي فيه.
وضعت رأسها على صدره، وأغمضت عينيها.
كان هذا المكان قد أصبح بالنسبة إليها أكثر من مجرد حضن.
كان أمانًا،
ملاذًا،
وطنًا صغيرًا لا تستطيع النوم خارجه،
ومنذ أن أصبح باران جزءًا من حياتها، صار لصوت قلبه تأثير غريب عليها.
دقاته المنتظمة تحت أذنها كانت تهدئ شيئًا في داخلها لا تستطيع الكلمات تهدئته.
كانت تستمع إليها كما لو أنها موسيقى خاصة بها وحدها.
ابتسم باران حين شعر بها تقترب أكثر، طبع قبلة مشبعة بالشوق والحنان على رأسها، وراح يتلاعب بخصلة من شعرها بين اصابعه، ويقربها من انفه ليشم عبيرها الذي ينعش قلبه.
باران: يبدو أنك لن تنامي إلا هنا.
رفعت رأسها قليلًا، وقالت بنبرة ناعمة:
ديلان: ومن قال إنني أريد النوم في مكان آخر؟.
ضحك بهدوء.
باران: لم أقل شيئًا.
أعادت رأسها إلى صدره.
ديلان: أنا أحب أن أسمع قلبك.
باران: ولماذا؟.
سكتت لحظة، ثم قالت:
ديلان: لأنه يطمئنني.
توقفت قليلًا، وأضافت:
ديلان: عندما أسمع دقاته، أشعر أن كل شيء بخير... حتى لو لم يكن كذلك.
شد باران ذراعيه حولها أكثر.
باران: وأنا عندما أضمك، أشعر أنني أستطيع أن أواجه أي شيء.
سادت بينهما لحظة صمت دافئة،
رفع باران يده برفق، وأحاط ذقنها بأصابعه، ثم رفع وجهها إليه حتى التقت عيناه بعينيها. ظلّ يحدّق فيها طويلًا، وكأنّه يحاول أن يحفظ تفاصيلها في ذاكرته من جديد؛ ملامحها الهادئة، ارتباكها الخجول، وتلك النظرة التي كانت قادرة وحدها على أن تُربك قلبه وتُنسيه كل ما حوله.
في تلك اللحظة، لم يرَ أمامه سوى ديلان زوجته… المرأة التي أحبها، والتي انتظر طويلًا أن تصبح له، والتي كان وجودها بقربه أشبه بطمأنينة عوّضته عن كل ما مضى.
ابتسم لها ابتسامة صغيرة، تحمل من الحب أكثر مما تستطيع الكلمات أن تقوله، ثم مال نحوها ببطء، وكأنّه يمنحها الوقت لتقرأ في عينيه كل ما عجز عن البوح به.
وحين لامست شفتاه شفتيها، خطف منها قبلة حالمة، هادئة، لكنها كانت محمّلة بكل ما اختزنه قلبه من عشق وشوق وامتنان. قبلة لم تكن مجرّد لحظة عابرة، بل كانت وعدًا صامتًا بأن يبقى إلى جوارها، وأن يصون قلبها الذي أصبح بالنسبة إليه أغلى ما يملك.
وحين ابتعد عنها قليلًا، ظلّت عيناه معلّقتين بعينيها، وكأنّه لم يكتفِ بعد… وكأنّ قلبه، مهما اقترب منها، سيظلّ يطلب المزيد من قربها، ومن ذلك الشعور الذي لم يعرفه قبلها.
أما ديلان، فبقيت صامتة، وقلبها يخفق بين ضلوعها بعنف، بينما كانت ابتسامتها الصغيرة تقول له ما لم تستطع الكلمات قوله: أنها تحبه كما يحبها تمامًا.
لكن الماضي لم يكن قد غادر قلب ديلان تمامًا.
قالت بصوت خافت:
ديلان: باران...
باران: نعم؟.
ديلان: هل فكرت في مراد اليوم؟.
تنهد باران؛
لم يحتج إلى إجابة؛
فقد كان يفكر فيه منذ اللحظة التي سمع فيها اعترافات طارق.
قال:
باران: منذ أن بدأ طارق يتحدث... وأنا لا أستطيع التفكير في شيء آخر.
رفعت ديلان رأسها مرة أخرى ونظرت إليه.
ديلان: أشعر وكأنني أعيش كل ما حدث من جديد.
مرر باران يده على شعرها بحنان.
باران: أعرف.
ديلان: لأشهر وأنا أظن أن مراد مات، وهو يكرهني أو يظن أنني خذلته... أسابيع وأنا أسأل نفسي إن كنت قد أخطأت في شيء، وإن كنت تصرفت بطريقة أخرى لما حدث كل ذلك.
ارتجف صوتها.
ديلان: ثم اكتشفت اليوم أن كل شيء كان كذبة.
أغمض باران عينيه لحظة.
باران: نعم.
ديلان: خدعوه يا باران.
قالتها وهي تحبس دموعها.
ديلان: خدعوه حتى النهاية... حرموه من أن يعيش حياته كما كان ينبغي أن يعيشها، حرموه من أشهر كان يمكن أن تكون مختلفة.
ثم سكتت لحظة، وأضافت بألم:
ديلان: وحتى موته... لم يكن حادثًا.
احتضنها باران بقوة أكبر.
باران: لا تفكري في الأمر الآن.
ديلان: كيف لا أفكر فيه؟.
رفعت عينيها إليه.
ديلان: أمضيت أشهرا وأنا أحمل ذنبًا لم يكن ذنبي.
ثم سالت دمعة على خدها.
ديلان: كنت أظن أنني السبب في كل شيء.
مسح باران دمعتها بإبهامه وهو ينظر لها بحب.
باران: لم تكوني السبب، ديلان، فمراد كان مقدرا له عيش ذلك، وأما هم فليسوا إلا اسباب ادت لذلك.
ديلان: أعرف ذلك الآن...
ابتسمت ابتسامة حزينة.
ديلان: لكن معرفة الحقيقة لا تمحو الأشهر التي عشتها وأنا أتألم.
صمت باران.
كان يعرف أن بعض الجروح لا تشفى بمجرد ظهور الحقيقة.
قد تتوقف عن النزف، لكن أثرها يبقى.
ثم قالت ديلان:
ديلان: باران... أريد منك شيئًا.
باران: اطلبي يا قلب باران.
ديلان: لا تخبر والديك بكل تفاصيل ما قاله طارق عن مراد.
نظر إليها باستغراب.
باران: ولماذا!!؟.
خفضت عينيها.
ديلان: لأنهم تعبوا بما يكفي.
ثم أخذت نفسًا عميقًا.
ديلان: لا أريد أن تعود المواجع من جديد، لقد عرفنا الحقيقة، وهذا يكفينا.
ظل باران صامتًا.
فأكملت:
ديلان: طارق فعل ما فعل، و هو ومراد الآن بين يدي الله، الله وحده يعلم ما في القلوب، وهو وحده من سيحكم بينهما بالعدل.
ثم مسحت دموعها.
ديلان: لم يعد لي شيء أطلبه لطارق سوى الرحمة والمغفرة... ولا أريد أن أقضي بقية حياتي وأنا أحمل في قلبي الكراهية، وايضا ما فعله طارق دمر عائلة، ولا اريد ان تتدمر عائلة أخرى، فهل سيسامح والداك دنيز فيما فعلته، او ما إشتركت بفعله سواء كان بعلمها او بدونه.
نظر إليها باران طويلًا وقال..
باران: صحيح فقد غاب عني هذا الجانب، ان دنيز متورطة بكل ما حدث كما قلتي سواء كانت تعلم كل التفاصيل او لا.
عندها قالت ديلان وهي تضع يدها على خده.
ديلان: لذلك لا أريد أن ننبش في جراحٍ لم تلتئم بعد، ولا أن نعيد إلى قلوبنا وجعًا نحاول جاهدين أن نتركه خلفنا.
باران: أنتِ متأكدة؟.
أومأت.
ديلان: نعم.
ثم ابتسمت ابتسامة هادئة، رغم الحزن الذي بقي في عينيها.
ديلان: أنا لا أريد أن أعيش بقلب مليء بالمرارة يا باران، صحيح ظلموني وعشت اياما صعبة لكن لا اريد ذلك.
اقترب منها أكثر.
باران: وماذا تريدين؟.
وضعت يدها فوق صدره بالقرب من قلبه.
ديلان: أريد هذا❤️.
ابتسم.
باران: ماذا؟.
ديلان: حياتي الجديدة معك.
ثم قالت بصوت أكثر دفئًا:
ديلان: أريد أن أطوي هذه الصفحة.
سكتت قليلًا، ثم أضافت:
ديلان: لا أستطيع أن أعيش وأنا أحمل الحقد في قلبي، لقد أخذ الماضي مني أشياء كثيرة، ولن أسمح له بأن يأخذ مني ما تبقى.
نظر إليها باران بعينين امتلأتا بالمشاعر لاتخلو من نظرة عابثة.
باران: وما الذي تبقى؟.
ابتسمت وهي تبادله نظرة حب.
ديلان: أنت.😍💘💞💞
ثم وضعت يدها على بطنها.
ديلان: وطفلنا.
نظر باران إلى بطنها، وكأن الكلمة وحدها أشعلت في داخله نورًا.
وضع كفه فوق بطنها برفق.
باران: طفلنا...
ابتسمت ديلان.
ديلان: نعم.
باران: أشعر أحيانًا أنني ما زلت لا أصدق أننا سنصبح أبوين.
ضحكت بخفة.
ديلان: وأنا كذلك.
ثم قالت:
ديلان: أشعر أنني أنتظر كل يوم حتى أراه بين يديك.
توقفت، وقد تلألأت عيناها.
ديلان: أتخيله صغيرًا... تضعه بين ذراعيك، ثم تنظر إليّ بذلك الوجه السعيد الذي أعرفه.
ضحك باران.
باران: وهل تتخيلين أنه سيشبهني؟.
اجابته إجابة لاتخلو من مكر.
ديلان: لا.
رفع حاجبه بإستغراب.
باران: لا!!!؟.
ابتسمت بمكر لطيف وقالت بنبرة تفيض بدلال انثوي اصبحت تجيده، كيف لا وهو كان من رفع الغبار عن ذلك الجانب فيها.
ديلان: أريده أن يشبهني أنا.😁
ضحك باران للمرة الأولى بصدق منذ ساعات.
باران: إذن لا خيار أمامي سوى أن أتمنى أن يأخذ منك كل شيء.
اقتربت منه أكثر.
ديلان: وأنا أتمنى أن يأخذ منك قلبك.
باران: مكانه موجود بالفعل.
ديلان: أين؟.
وضع يده فوق قلبه.
باران: هنا.
ثم وضعها فوق بطنها.
باران: وهنا أيضًا.
غمر الصمت الغرفة.
صمت مختلف هذه المرة.
لم يكن صمت الألم،
بل صمت الطمأنينة،
ومع ذلك، لاحظ باران أن التعب بدأ يغلب ديلان.
كانت جفونها تثقل شيئًا فشيئًا.
فقال:
باران: غدًا سأصطحبك إلى الطبيبة.
فتحت عينيها قليلًا.
ديلان: غدًا؟.
باران: نعم، فلقد تأخرنا هذه المرة عن موعد الطبيبة.
ديلان: لكن لدينا الكثير من الأمور...
قاطعها بحزم حنون:
باران: لا يهمني شيء منها.
ثم مرر يده على خدها بحنان.
باران: لقد تعبتِ كثيرًا هذه الأيام. أريد أن أطمئن على صحتك وصحة طفلنا.
ابتسمت.
ديلان: أظن أنني بخير.
باران: سأشعر بالاطمئنان أكثر عندما تقول الطبيبة ذلك.
ضحكت بخفوت.
ديلان: حسنًا كما تريد.
ثم تذكرت شيئًا.
ديلان: وربما نعرف جنس طفلنا غدًا.
ابتسم باران وهو يستشعر ذلك.
باران: أخيرًا.
ديلان: هل لديك أمنية؟.
فكر للحظة.
ثم قال:
باران: لدي أمنية واحدة.
ديلان: ما هي؟.
نظر إليها بحب.
باران: أن يكون طفلنا بخير... هذا كل ما أريده.
ابتسمت ديلان، وشعرت بدفء يملأ قلبها.
ديلان: وأنا كذلك.
ثم همست:
ديلا: لكنني أشعر أنني سأبكي عندما أعرف إن كان ولدًا أم بنتًا.
باران: وأنا ربما أبكي قبلك.
ضحكت.
ديلان: أنت!!!؟.
باران: نعم، وما الغريب في ذلك.
قالها بنبرة هادئة مستفسرا.
ديلان: باران الذي يحاول دائمًا أن يبدو قويًا؟.
قالتها بنبرة تدعي في الاستهجان ليرد عليها بنبرة يغلب عليها المزاح..
باران: أمامك أنتِ؟ لا أضمن شيئًا.
ثم عاد باران إلى وجهها، ورفع كفّه إلى خدّها، يمرّر أصابعه عليه برفقٍ بالغ، وكأنّه يخشى أن تكون هذه اللحظة حلمًا عابرًا فيستيقظ منه. ثبّت وجهها بين يديه، وأطال النظر إليها، وكانت عيناه تختصران سنواتٍ كاملة من الشوق والانتظار، وكل ما عجز عن قوله خلال الأيام التي فرّقت بينهما.
كان يتأمل ملامحها بصمت، وكأنّه يستعيد أمام عينيه كل شيء؛ خوفه عليها، لحظات فقدها، الألم الذي كاد أن يسرقها منه، وسوء الفهم الذي أثقل قلبيهما طويلًا… ثم ذلك الطريق الشاق الذي سلكاه حتى وصلا أخيرًا إلى هذه اللحظة.
اقترب منها ببطء، وفي عينيه عشقٌ لم يعد قادرًا على إخفائه، ثم التقت شفتاه بشفتيها في قبلة طويلة، هادئة في بدايتها، قبل أن تحمل معها كل ما اختزنته روحه من حبٍّ واشتياق وحنين.
لم تتراجع ديلان، بل أغمضت عينيها واستجابت له، وكأن قلبها كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن بعيد. أحاطت يداها به في تلقائية، بينما شدّها هو إليه بحنان، وكأنّه يريد أن يعوّضها في لحظة واحدة عن كل مرة اضطرا فيها إلى الابتعاد.
وفي تلك اللحظة، تلاشت من حولهما ضوضاء العالم.
لم يعد هناك ماضٍ يؤلمهما، ولا خوفٌ من غدٍ مجهول، ولا جراحٌ قديمة تعيدهما إلى الوراء… كان هناك فقط باران وديلان، وقلبان أنهكهما الطريق، ثم التقيا أخيرًا في مكانٍ واحد، روحان أنهكهما العشق والاشتياق، ظلّتا طويلًا تبحثان عن مأمنٍ لهما، حتى وجدتا في قربهما ملاذًا أخيرًا. فغاصا في بحر الحب والهيام، ينهلان من دفئه حتى يهدأ الشوق في قلبيهما، ويستكين ذلك الحنين الذي أضناهما طويلًا… وكأن كل ما مرّا به لم يكن إلا طريقًا قادهما أخيرًا إلى بعضهما..
وحين ابتعد باران عنها قليلًا، ظلّ جبينه قريبًا من جبينها، وأنفاسهما تختلط في هدوء، بينما ابتسمت ديلان والدموع تلمع في عينيها.
همس لها:
باران: أتعلمين؟ بعد كل ما مررنا به، ما زلت أشعر وكأنني أحبك للمرة الأولى.
ارتعشت ابتسامتها، وقالت بصوت خافت:
ديلان: وأنا… أشعر وكأن قلبي كان ينتظرك طوال الوقت.
ابتسم باران، ثم ضمّها إليه من جديد، وأغمض عينيه.
وفي أحضانه، شعرت ديلان للمرة الأولى أن كل تلك الأشهر من الألم لم تعد سوى صفحاتٍ قديمة أُغلقت أخيرًا… وأن ما بقي بينهما الآن هو الحب، والطمأنينة، ووعدٌ صامت بأن تكون الأيام القادمة أرحم من كل ما مضى.
ابتسمت، ثم عادت تستلقي على صدره.
احتواها بذراعيه.
وضعت أذنها فوق قلبه من جديد.
دقات قلبه كانت هادئة ومنتظمة.
وكأنها تقول لها إن هذه الليلة ليست كسابقاتها.
هذه الليلة لا تحمل سؤالًا بلا جواب،
ولا اتهامًا،
ولا خوفًا من مجهول،
كل ما مضى أصبح خلفهما،
مراد أصبح بين يدي الله،
وطارق انتهى أمره،
وديلان، للمرة الأولى منذ سنوات، شعرت أنها تستطيع أن تتنفس دون أن تبحث في ذاكرتها عن خطأ لم ترتكبه.
أغمضت عينيها.
همست:
ديلان: باران؟.
باران: نعم، حبيبتي؟.
ديلان: شكرًا لأنك بقيت معي.
ضمها إليه أكثر.
باران: لن أذهب إلى أي مكان.
ثم قبّل رأسها.
باران: نامي الآن.
ابتسمت وهي تغلق عينيها.
ديلان: ليلة سعيدة يا باران.
باران: ليلة سعيدة يا ديلان.
ظل يحتضنها، بينما استقرت أنفاسها شيئًا فشيئًا.
وبين ذراعيه، شعرت بالأمان الذي طالما بحثت عنه.
أما باران، فظل مستيقظًا للحظات، ينظر إلى وجهها الهادئ، ثم إلى بطنها الذي يحمل بداخله بداية حياتهما الجديدة.
ووضع يده عليه بحنان.
وقال في سره:
لن أسمح للماضي أن يصل إليكما مرة أخرى.
ثم أغمض عينيه أخيرًا.
وتحت سقف واحد، وبين ذراعين متعانقتين وقلبين أنهكهما الماضي، ناما تلك الليلة بسلام...
وكأنهما، للمرة الأولى، أغلقا بابًا قديمًا إلى الأبد، وفتحا في المقابل نافذة تطل على حياة جديدة لا مكان فيها إلا للحب والسكينة.
لم يكن الصباح قد اكتمل بعد حين تسللت أول خيوط الضوء من بين ستائر الغرفة، فلامست بهدوء أطراف السرير، وأضفت على المكان مسحة ذهبية رقيقة.
كان كل شيء ساكنًا.
لا أصوات في الخارج سوى همسات بعيدة للحياة وهي تستيقظ ببطء، ولا شيء في الغرفة سوى أنفاس زوجين غلبهما التعب في الليلة الماضية، فناما متعانقين كما لو أن كل واحد منهما وجد في الآخر ملاذه الأخير.
كان باران أول من استيقظ.
فتح عينيه ببطء، وبقي للحظات ساكنًا، كأنه يخشى أن يوقظ ديلان.
كانت مستلقية على صدره، ورأسها ما يزال في الموضع الذي نامت فيه، وذراعها ملتفة حوله بعفوية، بينما كان وجهها هادئًا بصورة لم يرها عليها منذ أيام.
تأملها طويلًا.
كانت ملامحها أكثر رقة وهي نائمة، وكأن النوم انتزع منها كل آثار القلق والتعب، ولم يترك سوى تلك المرأة التي أحبها حتى أصبح وجودها جزءًا من نبضه.
ابتسم دون أن يشعر.
رفع يده ببطء، وأبعد خصلة شعر سقطت قرب وجهها، ثم مرر أطراف أصابعه على جبينها برفق.
همس:
باران: صباح الخير، يا أجمل ما حدث لي.
تحركت ديلان قليلًا، لكنها لم تستيقظ.
ابتسم باران، ثم قبّل جبينها قبلة خفيفة.
باران: نامي... ما زلتِ متعبة.
لكن ديلان فتحت عينيها بعد لحظات، وحدقت فيه بنعاس.
ديلان: هل كنت تتحدث إليّ؟.
ضحك بخفوت.
باران: كنت أحاول أن أقول لك صباح الخير دون أن أوقظك.
أغمضت عينيها من جديد، ثم تمتمت:
ديلان: نجحت... تقريبًا.
ضحك .
ثم رفعت رأسها قليلًا ونظرت إليه.
ديلان: كم الساعة؟.
باران: ما زال الوقت مبكرًا.
تنهدت براحة، وعادت تستقر على صدره.
ديلان: إذن دعني أبقى هكذا قليلًا.
باران: كما تريدين.
سكت لحظة، ثم قال مازحًا:
باران: لكنني بدأت أشك أنك أصبحتِ تستغلين قلبي كوسادة.
فتحت عينيها ونظرت إليه.
ديلان: ليست وسادة.
باران: إذن ماذا؟.
وضعت يدها فوق صدره.
ديلان: هذا مكاني.
تغيرت ملامحه فورًا، وتحولت ابتسامته العابثة إلى نظرة امتلأت حبًا، ولهجته لاتخلو من الخبث.
باران: وهل تنوين تركه يومًا؟.
هزت رأسها وقالت بعفوية.
ديلان: لا.
اقترب منها وقبّل جبينها.
باران: وأنا لا أريدك أن تتركيه.
بقي الاثنان على حالهما دقائق أخرى، يتبادلان النظرات والابتسامات الصغيرة، وبعض القبلات حانية خاطفة، وكأن العالم كله يمكن أن ينتظر قليلًا.
ثم شعر باران بحركتها وهي تحاول النهوض.
قال فورًا:
باران: إلى أين؟.
ديلان: أريد أن أنهض.
جلس قبلها وساعدها على الجلوس.
باران: ببطء.
نظرت إليه وضحكت.
ديلان: باران، أنا حامل ولست مريضة.
باران: أعرف.
ثم أضاف وهو يمد يده إليها:
باران: لكنك زوجتي، وهذا يكفيني لأقلق عليكِ.
وضعت يدها في يده، فساعدها على الوقوف.
وبينما كانت ترتب ملابسها، كان يراقبها بعناية.
لاحظ أنها توقفت للحظة وأسندت يدها إلى طرف السرير.
اقترب منها بسرعة.
باران: هل تشعرين بالدوار؟.
ديلان: قليلًا فقط.
أمسك ذراعها.
باران: اجلسي.
ديلان: أنا بخير.
باران: ديلان.
قال اسمها بنبرة جعلتها تبتسم رغمًا عنها.
ديلان: حسنًا.
أعادها إلى السرير، ثم ذهب ليحضر لها كوبًا من الماء.
جلس إلى جوارها وأعطاها إياه.
باران: اشربي ببطء.
تناولت الكوب من يده.
ديلان: أنت تبالغ.
باران: وسأبالغ أكثر.
شربت الماء وهي تبتسم.
ديلان: أخشى أن يأتي يوم لا تسمح لي فيه حتى بحمل كوب الماء وحدي.
باران: إذا كان ذلك سيجعلني أطمئن عليك، فنعم.
ضحكت.
ديلان: لا أستطيع مجادلتك عندما تتحدث بهذه الطريقة.
باران: لأنك تعرفين أنني على حق.
ديلان: بل لأنني أحبك.
توقفت الكلمات بينهما للحظة.
نظر إليها باران، وكأن اعترافها البسيط أصاب مكانًا حساسًا في قلبه.
قال بهدوء:
باران: قوليها مرة أخرى.
ضحكت بخجل.
ديلان: ولماذا؟.
باران: لأنني أحب سماعها.
خفضت عينيها بخجل.
ديلان: أحبك يا باران.
اقترب منها، وقبّل يدها، ثم طبع قبلة حانية على وجنتها التي توردت بسحر كلماته ولمساته.
باران: وأنا أحبك أكثر مما أستطيع أن أقول.
ثم وضع يده على بطنها برفق.
باران: وأحب هذا الصغير الذي جعلني أخاف عليكِ من كل شيء.
نظرت إلى يده، ثم وضعت يدها فوقها.
ديلان: أحيانًا أشعر أنه يسمعنا.
ابتسم.
باران: إذن عليه أن يعرف منذ الآن أن أباه يحب أمه كثيرًا.
ضحكت ديلان.
ديلان: وسيعرف أن أمه تحب أباه أكثر.
باران: مستحيل، قالها وكانه قرار جازم.
ديلان: بل حقيقة، قالتها وهي تشاكسه ثم اضافت..
ديلان: سنترك الحكم لطفلنا.
ضحكا معًا، وكان ذلك الضحك البسيط كافيًا ليبدد شيئًا من ثقل الأيام الماضية.
بعد أن ارتدت ديلان ملابسها كذلك فعل باران، وصلت فرضها خلف باران بعد ان اخذا حماما، وكانا قد تأخرا اليوم في النوم حتى فاتهم وقت الصلاة على غير عادتهما، أصر باران على أن تتناول شيئًا قبل أن يبدآ يومهما.
أعد لها إفطارًا بسيطًا، ووضعه أمامها بنفسه.
نظرت إلى المائدة ثم إليه.
ديلان: منذ متى وأنت تجيد إعداد الإفطار؟.
باران: منذ أن أصبحت زوجك، وهل نسيتي انني عشت في الغربة وحدي لمدة سنتين.
ديلان: أظن أنك تعلمت فقط لأنك تخشى أن أشتكي منك لاني عائشة وأبي عزت.
اقترب منها.
باران: أنا أخشى عليكِ أكثر مما أخشى شكواك لوالدي.
جلست تتناول طعامها، بينما ظل هو يتأكد من أنها أكلت ما يكفي.
وحين فرغت، أخذ الكوب من أمامها.
باران: الآن اتفقنا.
ديلان: على ماذا؟.
باران: لنذهب إلى الطبيبة.
رفعت رأسها.
ديلان: اليوم؟.
باران: نعم، ولا اريد مزيدا من التأخير، اريد ان اطمئن عليكما.
ثم أخرج هاتفه.
باران: سأحجز لك موعدًا الآن.
راقبته ديلان وهو يفتح قائمة الأرقام، ثم اتصل بالطبيبة التي تابعت حملها منذ بدايته.
انتظر حتى جاءه الرد.
باران: صباح الخير، دكتورة، أنا باران أوزدمير، زوج ديلان تكين.
صمت يستمع إليها.
باران: نعم، أردنا موعدًا اليوم إن أمكن بدلا عن الموعد الذي افلتناه، لقد كانت الأيام الماضية صعبة عليها، وأريد أن أطمئن على صحتها وصحة الجنين.
استمع مجددًا، ثم ابتسم.
باران: نعم، يناسبنا.
التفت إلى ديلان وسألها بعينيه عن الوقت، ثم قال للطبيبة:
باران: سنكون عندك في الموعد.
أنهى المكالمة.
باران: في الحادية عشرة.
ابتسمت ديلان.
ديلان: جيد.
لكن باران لم يضع الهاتف.
كان عليه أن يتصل بعمله أيضًا.
ضغط على رقم الشركة، وبعد لحظات جاءه الرد.
باران: صباح الخير، أريد أن أبلغكم أنني لن أتمكن من الحضور اليوم.
استمع إلى الطرف الآخر، ثم تابع:
باران: لدي موعد مهم مع زوجتي لدى الطبيبة، وأريد أن أكون معها.
كانت ديلان تنظر إليه بصمت.
ثم أضاف:
باران: أجل، سأتابع الأمور غدًا بحول الله، وإذا حدث أي أمر عاجل، يمكنكم التواصل معي هاتفيًا.
أنهى الاتصال.
نظرت إليه ديلان مبتسمة.
باران: أخذت اليوم إجازة كاملة من أجل موعد واحد؟.
جلس إلى جوارها واضاف.
باران: ليس موعدًا عاديًا.
ديلان: وما المختلف فيه؟، قالتها مستفسرة.
أمسك يدها يضعها بين كفيه وقال.
باران: سأكون معك حين نرى طفلنا.
سكنت ابتسامتها للحظة.
ديلان: باران...
باران: أريد أن أكون بجانبك عندما نسمع نبضه، وعندما تخبرنا الطبيبة أن كل شيء بخير، وربما...
توقف متعمدًا لتقول ديلان.
ديلان: وربما ماذا؟.
ابتسم وهو ينظر إليها ويده على بطنها.
باران:وربما نعرف أخيرًا إن كان صغيرنا ولدًا أم فتاة.
وضعت يدها على بطنها فوق يده وهتفت.
ديلان: أشعر أن قلبي سيتوقف عندما تقول لنا.
باران: أما أنا، فسأحاول أن أبدو هادئًا.
ضحكت وقالت.
ديلان: لن تنجح.
باران: ولماذا؟، قالها ممازحا.
ديلان: لأنني أعرفك.
ابتسم لها بحب وقال.
باران: وأنتِ تعرفين أنني لا أستطيع إخفاء مشاعري عندما يتعلق الأمر بكِ.
مر الوقت ببطء، وكأن الساعات قررت أن تتعمد إطالة انتظار اللحظة التي طالما تحدثا عنها.
وحين اقترب موعدهما، خرج باران مع ديلان.
فتح لها باب السيارة بنفسه، وانتظر حتى جلست بأمان، ثم أغلقه قبل أن يستقل مكانه.
طوال الطريق، كانت يدها بين يديه.
لم يكن هناك حديث كثير.
فقد كانت لكل منهما أفكاره.
لكن تلك المرة لم تكن الأفكار ثقيلة.
كان هناك شيء جديد يملأ القلب.
انتظار.
فضول.
وفرح خجول.
قالت ديلان وهي تنظر من النافذة:
ديلان: هل تعتقد أن طفلنا بخير؟.
نظر إليها سريعًا.
باران: بإذن الله.
ثم شد على يدها.
باران: وسيكون بخير.
قالت وهي تتحسس بطنها:
ديلان: أريد فقط أن أسمع ذلك من الطبيبة.
باران: وستسمعينه.
ثم أضاف:
باران: وأنا سأكون بجانبك.
التفتت إليه و اهدته إبتسامة عريضة.
ديلان: أعرف.
وصل الاثنان إلى العيادة.
ساعدها باران على النزول، ثم سار إلى جوارها ممسكًا بيدها.
كان واضحًا أنه يحاول أن يبدو هادئًا، لكنه كان أكثر توترًا منها.
حين دخلت ديلان غرفة الفحص، تبعها باران وجلس إلى جوارها.
وحين حان دورهما، استقبلتهما الطبيبة بابتسامة.
الطبيبة: أهلًا بكما، كيف حالك يا ديلان؟.
ديلان: بخير، الحمد لله.
ابتسمت الطبيبة.
الطبيبة: أخبريني، هل ما زلتِ تعانين من الدوار أو التعب؟.
أجاب باران قبلها:
باران: التعب كان شديدًا خلال الأيام الماضية.
نظرت إليه الطبيبة مبتسمة.
الطبيبة: يبدو أن زوجك قلق أكثر من اللازم.
ابتسمت ديلان.
ديلان: هو كذلك فعلًا.
قال باران:
باران: وهل هناك شيء اسمه قلق أكثر من اللازم عندما يتعلق الأمر بزوجتي؟.
ضحكت الطبيبة.
الطبيبة: يبدو أنني أمام زوج شديد الحب.
نظرت ديلان إلى باران بخجل.
ديلان: جدًا.
ابتسمت الطبيبة، ثم بدأت الفحص.
ساد الصمت.
وفجأة...
صدر صوت خافت من جهاز الفحص.
دقات منتظمة.
سريعة.
واضحة.
تجمدت ديلان في مكانها.
اتسعت عيناها، وكأنها لم تستوعب في اللحظة الأولى ما تسمعه.
أما باران، فرفع رأسه نحو الشاشة، ثم نظر إلى الطبيبة.
باران: هذا...
ابتسمت الطبيبة.
الطبيبة: نعم، وهو صوت قلب طفليكما.
نظرا باران لديلان متعحبا وهو يكاد لايصدق ما تسمع اذنيه ليسأل الطبيبة مرة اخرى..
باران: قلت طفلينا هل هذا ما سمعته.
اومأت الطبيبة برأسها واضافت..
الطبيبة: أجل فهما توأمين، أسمعا...هذا نبض قلب احدهما ..... وهذا نبض الآخر.
كان باران يقف عند رأس ديلان وعيناه مسمرتان على الجهاز، واذناه لاتصدق ما يسمع، ليبتسم وتخرج شهقة من ديلان ليتزين وجهها بأبتسامة عريضة تهديها له، لينزل باران طابعا قبلة هادىة حانية على راسها وهو يقول..
باران: هل سمعت هناك إثنان.
اومات ديلان برأسها ولم تستطع ان تجيبه من فرط المشاعر التي تجتاحها، ليلتفت هو لطبيبة ويقول..
باران: وهل يمكننا معرفة جنسهما.
اجابته الطبيبة بكل ثبات..
الطبيبة : أجل واظنهما توأم ذكر..
لم تستطع ديلان أن تخفي ما اجتاح قلبها في تلك اللحظة؛ فبينما كانت عيناها معلّقتين بصورة جنينيها على شاشة الفحص، انسكبت دمعة دافئة على خدها، تحمل في لمعانها فرحةً لم تجد الكلمات طريقًا للتعبير عنها.
لمح باران دمعتها، فسارع إلى مسحها بطرف إصبعه، ثم أمسك يدها بين يديه، ونظر إليها بعينين امتلأتا حبًا وامتنانًا.
باران: لا تبكي، حبيبتي… قالها بصوتٍ خافتٍ دافئ، ثم ابتسم لها، الأيام القادمة ستكون عوض الله لنا عن كل ما مررنا به… عوضًا جميلًا يحمل لنا طفلين.
ارتجفت شفتا ديلان بابتسامة امتزجت بالدموع، وهمست:
ديلان: توأم يا باران… لا أصدق أننا سنصبح والدين لطفلين.
شدّ على يدها بحنان، وعيناه تعودان إلى شاشة الفحص، حيث ظهرت بداية الحياة التي نبتت بينهما.
باران: بل هناك قلوب ستنبض من أجلنا… قلبك، وقلبي، وقلبان صغيران سيملآن بيتنا ضحكًا وحياة.
ضحكت ديلان وسط دموعها، بينما اقترب باران منها وقبّل جبينها قبلة حانية، ثم همس:
باران: بعد كل ما عانيناه، أرسل الله إلينا أجمل هدية… ولم يرسل لنا طفلًا واحدًا، بل اثنين.
خفضت ديلان عينيها، ووضعت يدها على بطنها بحنان، وكأنها تحاول أن تشعر بهما رغم أن وجودهما لم يكن يُرى إلا على الشاشة.
وفي تلك اللحظة، لم تعد تتذكر الخوف ولا الألم ولا السنوات التي أثقلت قلبها… كان كل ما تشعر به هو امتنان عميق؛ فقد بدا لها أن الحياة، بعد أن أخذت منهما الكثير، قررت أخيرًا أن تعطيهما أكثر مما تمنّيا..
كان صوت قلب طفلهما ملحن صنفوية الحياة، يعلن انه مازالت هناك حياة لم تعش، ولايوجد يأس مع قدرة الله .
وضعت ديلان يدها على فمها، واغرورقت عيناها بالدموع.
لم تستطع منع ابتسامتها.
ظل يستمعان إلى ذلك النبض الصغير، وكأنه يستمع إلى أعظم موسيقى سمعها في حياته.
أما ديلان، فكانت تتابع وعيناه ترتفعان للسماء بالدعاء والحمد.
استمرت الطبيبة في الفحص، ثم قالت بعد لحظات:
الطبيبة: الحمد لله، كل شيء يبدو مطمئنًا، نمو الجنينين جيد، والحركة مناسبة، ولا توجد ملاحظات تدعو للقلق، لكن لايجب ان ترهقي نفسك كثيرا، وهذا اتضح لي الآن.
تنفست ديلان براحة وقالت.
ديلان: لاتقلقي سامشي على التعليمات.
الطبيبة: كتبت لك بعض الفيتامينات والمقويات الغذائية، لكن لاتهملي غذائك فهو مهم جد من اجلك ومن أجل النمو السليم للجنين، فهما إثنان وليس واحد.
ابتسمت ديلان وقال باران..
باران: لاتقلقي يا حظرة الطبيبة، من اليوم ستكون اول إهتماماتي.
وأغمض باران عينيه للحظة، وكأن تلك الجملة أزاحت جبلًا عن صدره.
وفي تلك اللحظة، لم يكن أي منهما يعرف أن تلك الثواني القليلة ستصبح واحدة من أجمل الذكريات التي سيحملانها معهما طوال العمر.
فبعد كل ما مرّا به...
بعد الخوف والفقد والخيانة والدموع...
كان الله يمنحهما الآن لحظة مختلفة.
لحظة لا تحمل وجع الماضي.
بل تحمل حياة صغيرة تنبض أمام أعينهما.
حياة ستكون، منذ تلك اللحظة، جزءًا من قلبهما إلى الأبد.
خرج باران وديلان من عيادة الطبيبة، لكنهما لم يكونا الشخصين نفسيهما اللذين دخلا إليها قبل قليل.
كانت ديلان تسير إلى جواره بخطوات هادئة، إلا أن وجهها كان يحمل ابتسامة لم تستطع إخفاءها، فيما كان باران يمسك يدها وكأنه يخشى أن يفلت منها ذلك الشعور الجميل الذي غمر قلبيهما معًا.
لقد عرفا أخيرًا،
عرفا جنس طفليهما،
ذلك السر الصغير الذي ظل يكبر داخل رحم ديلان، حتى أصبح اليوم حقيقة يمكنهما أن يتحدثا عنها، وأن يتخيلا ملامح صاحبيها، وأن يبدآ في رسم أحلامهما حولهم.
فتح باران لها باب السيارة، وانتظر حتى جلست، ثم انحنى قليلًا قبل أن يغلق الباب.
باران: هل أنتِ سعيدة؟.
نظرت إليه ديلان، ثم ابتسمت.
ديلان: أكثر مما تتخيل.
أغلق الباب، واستدار إلى الجهة الأخرى، ثم جلس خلف المقود.
وقبل أن يدير المحرك، التفت إليها.
كانت يدها مستقرة فوق بطنها، وعيناها شاردتين في مكان بعيد.
قال برقة:
باران: ما زلتِ تفكرين فيهما؟.
ابتسمت.
ديلان: نعم فيه... فيهما، ثم صغحكت على تلعثمها.
ضحك باران هو الآخر وقال.
باران: صحيح.
ثم مد يده إليها.
ديلان: أظن أنني سأحتاج إلى بعض الوقت حتى أعتاد قول ذلك.
وضعت يدها في يده.
باران: وأنا أيضًا.
صمتا للحظات.
ثم قالت ديلان:
ديلان: أتصدق أننا قبل أشهر كنا نظن أن حياتنا ستظل أسيرة كل ما حدث لنا؟.
نظر إليها باران.
باران: لا لم اكن اظن ذلك، لان الله لاينسى عباده الصابرين.
ثم رفع يدها إلى شفتيه وقبّلها.
باران: لكن يبدو أن الله كان يخبئ لنا شيئًا أجمل مما تخيلنا.
لم تجبه.
اكتفت بأن ابتسمت، وشعرت بدفء ينساب إلى قلبها.
كان الطريق أمامهما هادئًا، والنهار يمضي ببطء نحو المساء.
لكن باران لم يكن يريد العودة إلى المنزل بعد.
قال وهو يقود:
باران: سنذهب أولًا إلى المستشفى.
التفتت إليه ديلان.
ديلان: إلى دنيز؟.
باران: نعم، أريد أن أطمئن عليها بعد ما حدث، خصوصًا أنها مرت بما يكفي في الأيام الماضية.
هزت ديلان رأسها.
ديلان: وأنا أريد رؤيتها أيضًا.
ترددت لحظة، ثم قالت:
ديلان: ربما تحتاج إلى وجود أحد بجانبها الآن أكثر من أي وقت مضى.
أومأ باران، ثم أضاف:
باران: وسأمر أيضًا على سليم وأخيه، كنت قد وعدته أن ألتقي به اليوم، وأريد أن أعرف ما حدث مع زوجة أخيه وطفلهما.
ابتسمت ديلان.
ديلان: ربما تكون قد ولدت بالفعل.
باران: أتمنى ذلك.
وبينما كان يتحدث، اهتز هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
كان اسم أوكتاي ظاهرًا.
تغيرت ملامحه قليلًا.
التقط الهاتف.
باران: نعم، أوكتاي.
جاءه صوت صديقه من الطرف الآخر.
اوكتاي: باران، أردت أن أطلعك على آخر المستجدات.
ساد الصمت داخل السيارة.
أصغى باران باهتمام.
باران: ماذا حدث؟.
قال أوكتاي:
اوكتاي: ملف مدحت انتهى من مرحلة التحقيق، النيابة أنهت إجراءاتها وأحالت الملف إلى المحكمة المختصة للنظر فيه.
شد باران على المقود.
باران: إذن وصل الأمر إلى المحكمة.
أوكتاي: نعم.
تنفست ديلان ببطء، وقد فهمت من نظرة باران أن الأمر يتعلق بمدحت.
تابع أوكتاي:
اوكتاي: الأدلة الموجودة ضده قوية جدًا، لدينا اعترافه، والأداة التي استُعملت في الجريمة وعُثر عليها تحمل بصماته، إضافة إلى بقية الأدلة التي جُمعت أثناء التحقيق.
قال باران:
باران: وهل حُددت العقوبة؟.
تردد أوكتاي قليلًا قبل أن يجيب:
اوكتاي: لا يمكننا اعتبارها محسومة قبل صدور الحكم، النيابة ستطلب عقوبة مشددة بالنظر إلى طبيعة الأفعال والأدلة، لكن المحكمة هي التي ستحدد العقوبة النهائية بعد المحاكمة ودراسة الملف كاملًا.
سأل باران:
باران: وهل يستطيع الدفاع تخفيف الحكم؟.
اوكتاي: يستطيع دفاعه تقديم ذلك بالتأكيد، ويمكنه التمسك بالاعتراف، أو محاولة إبراز ظروف مخففة، أو الطعن في بعض الوقائع إن كان لديه ما يستند إليه، لكن الاعتراف وحده ليس كل شيء؛ لدينا أيضًا الأدلة المادية.
ثم أضاف:
اوكتاي: لذلك، حتى لو حاول الدفاع تخفيف المسؤولية، فالقضية ليست سهلة بالنسبة إليه.
أغمض باران عينيه للحظة ثم أعاد فتحهما.
كان يشعر بمزيج غريب من الراحة والثقل.
الراحة لأن مدحت لن يستطيع الإفلات بسهولة.
والثقل لأن كل خطوة في هذه القضية كانت تعيد إلى ذاكرته مقدار الألم الذي سببه ذلك الرجل طارق لديلان وعائلتها.
قال:
باران: ومتى ستكون أول جلسة؟.
اوكتاي: لم يتحدد الموعد بعد. بعد إحالة الملف ستتولى المحكمة تحديد موعد الجلسة، وسأبلغك فور صدور القرار.
باران: حسنًا.
صمت لحظة، ثم قال:
باران: شكرًا لأنك أخبرتني.
اوكتاي: لاتشكرني يا صديقي فهو واجبي.
أنهى الاتصال.
بقي الهاتف في يده لحظات، ثم وضعه جانبًا.
كانت ديلان تنظر إليه بصمت.
لم تسأله مباشرة، فقد عرفت من ملامحه فحوى المكالمة.
بعد دقائق، بدأت ملامح المستشفى تظهر أمامهما.
ومع اقترابهما منه، شعرت ديلان بمزيج من المشاعر.
كان المكان نفسه الذي شهد في الأيام الأخيرة خوفهم ودموعهم وانتظارهم الطويل.
المكان الذي دخل إليه طارق حيًا للمرة الأخيرة، ثم خرجت منه عائلته تحمل خبر موته.
والمكان الذي كانت فيه دنيز الآن، تحاول أن تتعافى من كل ما حدث.
وضعت ديلان يدها على بطنها دون وعي.
لاحظ باران حركتها.
باران: لا تدعي كل ما حدث يخيفك.
نظرت إليه.
ديلان: لا أخاف.
ثم ابتسمت.
ديلان: ربما فقط أشعر أنني أريد أن أحمي أطفالنا من كل شيء.
أمسك يدها.
باران: وأنا سأحميكم ما استطعت.
دخل الاثنان إلى المستشفى.
وقبل أن يتوجها إلى غرفة دنيز، توقف باران قليلًا.
باران: سأذهب أولًا إلى قسم الولادة لأبحث عن سليم وأخيه.
ديلان:وانا سأذهب لارى دنيز.
ابتسم.
باران: كنت أعرف أنك ستقولين ذلك.
سارا معًا في الممر اولا ثم أستقلا المصعد ايضا، وبعد خروجهما بالطابق الثاني تفرقا، لتتوجه ديلان لغرفة دنيز، بينما بقي باران التفت لجهة الاخرى المخصصة، للنساء التي وضعن اطفالهن.
وبعد قليل وقبل ان تتحرك ديلان، لمح باران سليم قادمًا من الجهة المقابلة.
ما إن وقعت عيناهما على بعضهما حتى ابتسم سليم.
سليم: باران!.
اقترب منه، وتعانقا بحرارة.
قال باران:
باران: كنت سأتي إليك كما اتفقنا.
ابتسم سليم.
سليم: وأنا كنت أنتظرك.
ثم نظر إلى أخيه الذي كان يقف بالقرب منهما.
سليم: هذا أخي فؤاد .
صافحه باران بحرارة.
باران: مبارك لكم مسبقا، هل وضعت زوجتك بألف خير.
ابتسم الرجل بإبتسامة لم ترتقي لاذنيه وقال.
فؤاد: شكرًا لك.
سأل باران:
باران: وكيف حال زوجتك الآن؟، وهل وضعت؟.
ابتسم الرجل هذه المرة بصورة مختلفة، وكأن الخبر الذي سيقوله يحمل فرحة مخنوقة.
فؤاد: نعم... انتهت الولادة منذ قليل، لكن زوجتي بقيت بالداخل، لقد تعسرت ولادتها، ونحن ننتظر.
اقترب باران منه ووضع يده على كتفه وقال.
باران: لاتقلق ، فسيخرج الفريق الطبي ليطمإنك على ذلك، وانت طبيب وتعلم هذا.
ثم التفت إلى سليم الذي لم يكن افضل حالا، فعلامات التوتر كانت واضحة على كليهما، زادتها ساعات السهر والانتظار.
إلتفتت ديلان ألى سليم، كانت عيناها تلمعان.
قالت:
ديلان: وهل الطفل بخير؟.
سليم: بخير والحمد لله، إنها فتاة جميلة.
ابتسمت ديلان بسعادة صادقة.
ديلان: مبارك لكم.
شكرهما الرجل لكن ملامحه لم تكن مستقرة فقد كان متجهما، حتى خرجت اخيرا الطبيبة تمسح على وجهها من اثار التعب، لكن في ملاحمها شيء اقلقهم.
إقترب فؤاد منها وقال...
فؤاد: طبيبة فتون أخبريني كيف هي حالة زوجتي..
تجهم وجه الطبيبة اكثر وقالت بنبرة حزينة..
فتون: انا آسفة يا فؤاد، فعلت ما بوسعي لكنها أرادة الله.
صاح بها فؤاد..
فؤاد: ماذا تقولين ما بها زوجتي؟.
فتون: البقاء لله، جميلة فارقت الحياة.
لم يستطع فؤاد التماسك فترنح جسده من هول مصيبته، ليتلقفه اخاه مع باران..
سليم: أخي لاتفعل بنفسك ذلك هذه ارادة الله، ولا دخل لك بها..
فؤاد: لقد اتعبها هذا الحمل كثيرا، لكنها هي من اصرت عليه.
سليم: كانت تريد ان تمنحك طفل آخر، واخ لامير وهاقد اهدته اختا رائعة، لتكون سنده وقلبا حنين عليه في المستقبل.
باران: لا تقنط من رحمة الله، هذه اقدار نعيشها، والحمد لله على ما اعطى وعلى ما اخذ.
رفع فؤاد رأسه للسماء قائلا:
فؤاد: الحمد لله على كل شيء، وإنا لله وإنا إليه راجعون
كانت ديلان واقفة تستمع في ذهول لما يحدث امامها، عندها قال لها باران..
باران: تعالى اوصلك لغرفة دنيز، واعود لسليم لاقف معه في محنته، وساتصل بأبي ليعيدك للبيت وابقي مع امي حتى اعود ولاترهقي نفسك فقد سمعت كلام الطبيبة.
إلتفت باران لسليم وقال:
باران: سنذهب الآن اوصل زوحتي لغرفة إبنة عمي للاطمئنان عليها واعود لك يا صاحبي.
كانت ملامح سليم قد تغيرت، بسبب المصاب الجلل، اومأ لباران ليتحرك الاخر مبتعدا مع زوجته ناحية غرفة دنيز، افترقا بعد أن اتفقا على موعد اللقاء، ثم توجه باران وديلان إلى غرفة دنيز..
وقبل أن يدخلا، أمسك باران يد ديلان، نظر إليها ليبثها الاطمئنان، خصوصا بعد الذي سمعته والان هما امام إمراة اخرى فقدت طفلها هي الاخرى أيضا.
صمت باران.
كانت الجملة مؤلمة التي ترددت في داخله، لكنها كانت الحقيقة.
ثم فتح الباب.
دخل الاثنان بهدوء.
كانت دنيز مستلقية على السرير، وملامحها لا تزال شاحبة، لكنها بدت أكثر استقرارًا من اليوم السابق.
حين رأت ديلان، ابتسمت ابتسامة ضعيفة.
بعد ان القيا التحية عليها، إقتربا من السرير، ووضعت ديلان يدها على كتف دنيز.
اقترب باران من دنيز.
باران: جئت لأطمئن عليكِ.
نظرت إليه.
دنيز: شكرًا.
ثم خفضت عينيها.
دنيز: أظن أنكم تعبتم بسببي كثيرًا.
قال باران بهدوء:
باران: لا تقولي ذلك.
ثم أضاف:
باران: ما مررتِ به لم يكن ذنبك وحدك، والآن أهم شيء أن تتعافي.
اقتربت ديلان منها وجلست إلى جوارها.
ديلان: كيف تشعرين الآن؟.
قالت دنيز:
دنيز: أفضل قليلًا.
أمسكت ديلان يدها.
ديلان: الحمد لله.
لم تكن هناك كلمات قادرة على تعويضها عن طفل فقدته، ولاعن نعمة الامومة.
ولم تحاول ديلان أن تبحث عن كلمات كبيرة.
اكتفت بأن بقيت إلى جوارها.
أما باران، فوقف عند طرف السرير، يراقبهما بصمت.
وفي تلك اللحظة، أدرك أن الحياة كانت تجمع في يوم واحد بين صورتين متناقضتين تمامًا:
قلب صغيرين ينبضين في بطن ديلان، يفتح أمامهما بابًا جديدًا من الأمل...
وقلب آخر كان ينبغي أن يولد ويكبر، لكنه رحل قبل أن تعرفه أمه.
رفعت دنيز عينيها إليه، كانت لوحدها بالغرفة، فقد غادرت والدتها لتذهب للبيت حتى ترتاح قليلا، لتعود إليها مساءا، بعد ان إطمئنت على صحتها.
وللمرة الأولى منذ أيام، لم يكن في الغرفة اتهام ولا غضب.
فقط أناس أنهكتهم الحياة، يحاولون أن يلتقطوا أنفاسهم بعد عاصفة طويلة.
رفعت ديلان انظارها إلى ديلان وقالت...
ديلان: ستتجاوزين هذا.
نظرت إليها دنيز طويلًا.
ثم قالت بصوت مكسور:
دنيز: أتمنى ذلك.
ابتسمت ديلان.
ديلان: وأنا متأكدة أنك ستفعلين.
أستأذن باران ليغادر تاركا ديلان رفقة دنيز، بعد ان إعتذر لدنيز بسبب ما حدث مع صديقه، ليخرج من الغرفة متوجها نحو الجهة الاخرى .
بعد ان خرج باران من الغرفة، رفعت دنيز عينيها ناحية ديلان، ابتسمت ابتسامة ضعيفة.
ثم ساد صمت قصير، قبل ان تفتح دنيز شفتيها لتلقي بكلامها امام ديلان.
دنيز: ديلان ارجوكي سامحيني على ما فعلته بك، واظن كل ما حدث معي، كان عقابا من الله على افعالي وذنوبي، التي إقترفتها بحقك انت ومراد.
ديلان: لا تقولي ذلك يا دنيز، فنحن بشر وتأتي علينا لحظات، نضعف فيها ويستغلها الشيطان ليحرضنا على بعضنا، لكن المسلم يحب ان يعترف بخطئه ويتوب توبو نصوحة لربه، بعد ان يعاهد نفسه ان لايعود لذلك الذنب مرة اخرى.
عندها نزلت دمعة ساخنة على خد دنيز وقالت..
دنيز: لقد ندمت على كل ما فعلته، وقد رايت نتائج اخطائي وتهوري، واعاهدك يا ديلان ساختفي من حياتك انت وباران، وساشق طريقي ان ايضا بعيدا عنكم، لعل الله ينظر لي بعد الان بعين الرحمة، بعد كلما فعلته.
شدت ديلان على كف دنيز وقالت..
ديلان: نحن بشر ولانعلم بما في الغيب، لكن يجب ان نرأف بحالنا ونسامح اخواننا، فربنا الذي خلقنا يعفو عنا ويسامحنا فلما لانسامح بعضنا نحن ايضا، وإذا اردت من اليوم سنكون اختين، فانا كما تعلمين ليس لي اخت، واذا قبلت فساكون اختك.
ابتسمت دنيز وسط دموعها وقالت..
دنيز: حقا ديلان بعد كل ما فعلته بك تقبلين بي اختا.
ديلان: ولما لا نتشارك احزاننا قبل افراحنا.
عندها إرتمت دنيز لتحتضن ديلان قائلة..
دنيز: وانا لا اطمع اكثر من ذلك بل لم اتخيله ان يحدث بتاتا، شكرك لك ياديلان، وفعلا انت جوهرة ونادرة، وقلبك الطيب هذا عملة نادرة في هذا الزمن، وانا محظوظة بأخت مثلك.
ديلان: لاتقولي هذا يا دنيز، فقط لاتتركي نفسك تتحكم بك.
دنيز: اعاهدك امام الله يا ديلان ساكون لك نعم الاخت، التي لم تلدها لك امك، فيكفي انك سامحتني على ما فعلته بك.
لم تكن هناك كلمات قادرة على تعويضها عن طفل فقدته، اكثر من ان تمنحها حظن اخت حقيقية لها.
ولم تحاول ديلان أن تبحث عن كلمات كبيرة.
اكتفت ديلان بالبقاء إلى جوارها، دون أن تثقل عليها بالكلمات، وكأن حضورها وحده كان كافيًا ليخبرها بأنها ليست وحدها.
وبعد أن أدركا أن ما خسراه لم يعد سوى فصلٍ من الماضي، وجدا نفسيهما يتعلمان، للمرة الأولى، كيف يتشبثان بالمستقبل دون أن يسمحا للخوف بأن يقودهما إليه.
وفي الخارج، كان المساء يهبط ببطء على المدينة، ويلفّ شوارعها بسكونٍ هادئ.
أما داخل تلك الغرفة، فكان لكل واحدٍة منهن جرحٌ تحمله بصمت، وذكرى لم تُمحَ بعد، وحكايةٌ لم تصل إلى نهايتها... وكأن الحياة، رغم كل ما مرّ بهم، كانت لا تزال تخبئ لهم فصولًا أخرى لم تُكتب بعد.