
الطفل صفر... والأب اللي اتقال لدليدة إنه مات»
«أنا عارفك...»
الكلمة فضلت معلقة في الضلمة.
ثانية...
اتنين...
تلاتة...
ولا حد قدر يتحرك.
دليدة كانت واقفة مكانها، وإيدها في إيد يونس، لكن جسمها كله كان بيرتعش.
الصوت اللي سمعته...
صوت طفل.
مش صوت راجل.
مش تسجيل.
مش جهاز.
طفل حقيقي.
وصوتُه كان قريب بشكل يخوف.
قريب لدرجة إن دليدة حست إنه واقف جنبها.
لفت بسرعة.
مفيش حد.
— مين؟!
صوتها خرج مخنوق.
— مين اللي قال كده؟!
يونس رفع الكشاف بسرعة ولف بيه في كل الاتجاهات.
— محدش يتحرك!
رامي وسيف رفعوا إيديهم قدامهم.
مازن قرب من كريم.
حسام كان واقف مكانه كأنه فقد القدرة على الكلام.
أما عبدالرحمن...
فكان بيبص للضلمة قدامه بعينين مليانين رعب.
دليدة لاحظت.
قربت منه.
— بابا عبدالرحمن...
ما ردش.
— إنت سمعت؟
عبدالرحمن بلع ريقه.
— أيوه.
— عارف الصوت ده؟
سكت.
دليدة هزته من كتفه.
— عارفه؟!
رفع عينه لها.
لكن قبل ما يتكلم...
جاء الصوت تاني.
أوضح.
وأقرب.
— دودي...
دليدة شهقت.
يونس شد إيدها.
— مترديش.
الصوت قال:
— متخافيش.
دليدة بصت حواليها.
— إنت مين؟!
صمت.
ثم:
— أنا اللي أمي قالت لكِ متدوريش عليه.
دليدة اتجمدت.
— أمي؟
الصوت:
— أيوه.
حسام غمض عينيه.
— يا نهار أسود...
يونس بص له.
— إنت عارف.
حسام ما ردش.
يونس قرب منه.
— المرة دي مفيش سكوت.
— يونس...
— مين الطفل ده؟
حسام رفع عينه ببطء.
— مش طفل.
سكت الجميع.
دليدة:
— إيه؟
حسام:
— اللي بتسمعوه ده مش طفل موجود هنا.
رامي:
— يعني إيه؟
حسام أشار للسماعة القديمة الموجودة في الحائط.
— الصوت جاي من نظام التسجيل الداخلي.
سيف قرب.
— بس الجهاز مقفول.
حسام:
— الجهاز الرئيسي مقفول.
ثم أشار لأسفل.
— لكن النظام الاحتياطي... شغال.
كريم ضحك بمرارة.
— يعني حتى الأصوات بتكدب علينا؟
حسام:
— لأ.
كريم:
— أمال إيه؟
حسام بص لدليدة.
— الصوت حقيقي.
دليدة قربت منه.
— حقيقي إزاي؟
حسام:
— لأن ليلى سجلته من عشرين سنة.
دليدة اتجمدت.
— أمي؟
— أيوه.
يونس:
— وليه كانت بتسجل صوت طفل؟
حسام سكت.
عبدالرحمن قال:
— لأنه كان أهم طفل في المشروع.
دليدة:
— الطفل صفر؟
عبدالرحمن رفع عينه لها.
— أيوه.
ساد صمت ثقيل.
دليدة قربت منه.
— إنت كنت عارف؟
— أيوه.
— من إمتى؟
عبدالرحمن ما ردش.
— من إمتى يا بابا؟
— من قبل ما تولدي.
دليدة رجعت خطوة.
— يعني إيه؟
عبدالرحمن أخد نفس عميق.
— يعني إن الحكاية اللي اتحكت لكِ طول عمرك... كانت ناقصة.
— ناقصة؟
— كانت كذبة.
دليدة دموعها نزلت.
— أنا عايزة الحقيقة.
عبدالرحمن:
— الحقيقة إن أبوكي اللي اتقال لكِ إنه مات...
سكت.
دليدة:
— مين؟
عبدالرحمن بص لها مباشرة.
— ما ماتش.
دليدة اتجمدت.
— إيه؟
— أبوكي الحقيقي عايش.
قلبها وقف للحظة.
— مين؟
عبدالرحمن:
— حسام.
الصمت وقع عليهم كالصاعقة.
دليدة بصت لحسام.
حسام ما قدرش يرفع عينه.
— إنت؟
حسام دموعه نزلت.
— أيوه.
دليدة رجعت للخلف.
— إنت أبويا؟
حسام حاول يقرب.
— دليدة...
— ماتقربش!
وقف مكانه.
— طول الوقت؟
— أيوه.
— طول الوقت وإنت عارف؟
— أيوه.
— وكنت بتبص لي وأنا بنادي فؤاد بابا؟
حسام بكى.
— أيوه.
— وكنت ساكت؟
— كنت خايف.
دليدة صرخت:
— خايف من إيه؟!
حسام:
— أخسرك.
— إنت ماكانش عندك حق تخاف!
— عارف.
— ماكانش عندك حق تخبّي عليا!
— عارف.
— ماكانش عندك حق تخليني أعيش عشرين سنة وأنا فاكرة إن أبويا مات!
حسام:
— عارف.
دليدة قربت منه.
— ليه؟
حسام رفع عينه.
— لأن فؤاد هو اللي أنقذك.
دليدة:
— فؤاد؟
— أيوه.
— يعني إيه؟
حسام:
— يوم ما المشروع انهار... كان لازم واحدة من الأطفال تختفي.
دليدة:
— وأنا؟
— إنتِ.
— ليه؟
— لأنهم كانوا عارفين إنك بنتي.
دليدة سكتت.
حسام كمل:
— وكانوا عارفين إن أمك هتعمل أي حاجة علشان تحميك.
— طب وفؤاد؟
— فؤاد كان خارج المشروع.
دليدة:
— خارج المشروع؟
حسام:
— في البداية.
سكت لحظة.
— لكن لما عرف إن ليلى حامل فيكي... دخل.
دليدة:
— دخل ليه؟
حسام:
— علشان يحميك.
عبدالرحمن قاطعه:
— وعلشان كان عليه دين لليلى.
دليدة بصت له.
— دين؟
عبدالرحمن:
— ليلى أنقذت حياته قبل المشروع بسنين.
— وإزاي؟
— دي حكاية طويلة.
دليدة:
— عندنا الليل كله.
حسام ضحك بحزن.
— لأ يا دليدة...
بص للممر.
— الليلة دي مفيش وقت.
يونس تدخل:
— لأ، فيه.
حسام:
— يونس...
— إحنا مش هنطلع من هنا غير لما كل واحد يقول الحقيقة.
كريم:
— وأنا أول واحد موافق.
رامي:
— وأنا.
سيف:
— وأنا.
مازن:
— محدش هيتحرك.
حسام بص لهم.
وبعدين قال:
— طيب.
سحب كرسي قديم وقعد.
— اسمعوا.
الجميع قرب.
حسام مسح دموعه.
— من تلاتة وعشرين سنة... بدأ المشروع.
دليدة:
— ليه؟
— في البداية كان اسمه "صفر".
يونس:
— ليه؟
— لأنهم كانوا بيدوروا على طفل يقدر يستقبل تغييرات في الذاكرة من غير ما يفقد نفسه.
كريم:
— يعني تجربة؟
— أيوه.
يونس:
— وإيه علاقتها بينا؟
حسام:
— ولا واحد فيكم اتولد مخصوص للمشروع.
دليدة:
— أمال؟
— المشروع هو اللي دخل حياتكم بعد ما اتولدتوا.
— ماعدا الطفل صفر؟
حسام سكت.
— الطفل صفر كان مختلف.
يونس:
— مين هو؟
حسام بص لدليدة.
— أبوكي الحقيقي.
دليدة شهقت.
— حسام؟
— لأ.
سكت.
— أبوكي الحقيقي التاني.
دليدة عقدت حاجبيها.
— إنت بتقول إيه؟
حسام:
— أنا أبوكي من ناحية الدم.
ثم بص لعبدالرحمن.
— لكن فيه رجل تاني كان له علاقة بأمك وبحياتك أكتر مما تتخيلي.
دليدة:
— مين؟
حسام:
— اسمه...
توقف.
فجأة انطفأت الشاشة.
وصوت الطفل رجع:
— متقولش اسمه.
الجميع اتجمد.
حسام رفع رأسه.
— إنت؟
الصوت:
— أيوه.
يونس:
— إنت سامعنا؟
الصوت:
— من أول كلمة.
رامي:
— إزاي؟
الصوت ضحك.
— لأنكم قاعدين جوه المكان اللي أنا عشت فيه نص عمري.
دليدة:
— إنت الطفل صفر؟
صمت.
ثم جاء الرد:
— أيوه.
دليدة قربت من السماعة.
— سليم؟
الصوت سكت.
— سليم؟
الصوت:
— الاسم ده... أمي هي اللي اختارته.
حسام غمض عينيه.
دليدة:
— يبقى إنت أخويا؟
الصوت:
— أيوه.
دليدة دموعها نزلت.
— إنت عايش؟
— عايش.
— فين؟
— تحتكم.
يونس بص للأرض.
— تحتنا؟
الصوت:
— مش حرفيًا.
— أمال؟
— في المكان اللي محدش منكم فكر يفتش فيه.
دليدة:
— قول.
الصوت:
— غرفة الصفر.
حسام وقف فجأة.
— مستحيل.
الصوت:
— لسه خايف يا حسام؟
حسام:
— إنت ماينفعش تكون هنا.
— ليه؟
— لأنك خرجت من المشروع من عشرين سنة.
— أنا ماخرجتش.
حسام سكت.
— إنت اللي خرجتني.
حسام انهار.
— كنت بحاول أنقذك.
الصوت:
— زي ما بتقول دايمًا.
دليدة بصت لحسام.
— إنت عملت إيه؟
حسام:
— خرجته.
— لوحدك؟
— لأ.
— مع مين؟
حسام:
— مع ليلى.
دليدة:
— وأبويا؟
حسام:
— كان موجود.
— مين أبويا؟
حسام:
— فؤاد مش أبوكي بالدم.
دليدة:
— عارفة.
حسام:
— وأنا أبوكي.
دليدة:
— عارفة.
حسام:
— لكن الرجل اللي كان مع ليلى وقتها...
سكت.
الصوت من السماعة قال:
— هو سبب وجودي.
يونس:
— يعني إيه؟
الصوت:
— يعني إنكم بتدوروا على الأب الغلط.
كريم:
— طب مين أبو دليدة الحقيقي؟
الصوت:
— فؤاد مش أبوها.
دليدة:
— وحسام؟
الصوت:
— حسام أبوها.
دليدة بصت لحسام.
— طب إنت قلت فيه رجل تاني.
الصوت:
— الرجل التاني مش أبوها.
يونس:
— أمال مين؟
الصوت:
— هو أبو المشروع.
سكت الجميع.
يونس:
— صاحب المشروع؟
الصوت:
— أيوه.
دليدة:
— اسمه إيه؟
الصوت:
— فؤاد الشاذلي.
دليدة اتجمدت.
— بابا؟
الصوت:
— أيوه.
حسام صرخ:
— كدب!
الصوت:
— إنت عارف إنها مش كدبة.
حسام:
— فؤاد دخل المشروع بعد ولادتها.
الصوت:
— لأ.
عبدالرحمن تدخل:
— فؤاد كان واحد من مؤسسي المشروع.
دليدة بصت له.
— إنت كمان كنت عارف؟
عبدالرحمن:
— أيوه.
دليدة:
— طب ليه كل واحد فيكم كان ساكت؟!
عبدالرحمن:
— لأن فؤاد ماكانش مجرد رجل أعمال.
— أمال كان إيه؟
— كان العقل اللي موّل المشروع.
دليدة شهقت.
— يعني بابا هو اللي عمل ده؟
عبدالرحمن:
— مش لوحده.
— مين معاه؟
عبدالرحمن بص لحسام.
— ليلى.
دليدة:
— أمي؟
حسام:
— أيوه.
دليدة:
— بس التسجيل قال إنها واحدة من صانعي المشروع!
حسام:
— لأنه كان حقيقي.
دليدة:
— يعني أمي كانت واحدة منهم؟
حسام:
— في البداية.
— وبعدين؟
حسام:
— اكتشفت إن المشروع بيتحول لحاجة تانية.
يونس:
— إيه الحاجة التانية؟
حسام:
— السيطرة على الذاكرة.
كريم:
— يعني يمسحوا ذاكرة الناس؟
— أيوه.
يونس:
— وده اللي حصل لي؟
حسام:
— أيوه.
يونس:
— مين مسح ذاكرتي؟
حسام:
— عبدالرحمن طلب.
يونس لف له.
— ليه؟
عبدالرحمن:
— علشان أنقذك.
— من مين؟
— من فؤاد.
دليدة اتصدمت.
— بابا؟
عبدالرحمن:
— فؤاد كان شايف إنك إنتِ المفتاح.
دليدة:
— مفتاح لإيه؟
عبدالرحمن:
— لاستمرار المشروع.
يونس:
— وليه أنا؟
عبدالرحمن:
— لأنك الوحيد اللي جسمه وذاكرته رفضوا التعديل.
يونس:
— وده معناه؟
حسام:
— إنك كنت قادر تفتكر.
يونس:
— فكان لازم أموت؟
عبدالرحمن:
— فؤاد أصدر القرار.
الصمت.
دليدة بصت للأرض.
— بابا كان عايز يقتل يونس؟
عبدالرحمن:
— في المرحلة الأخيرة... أيوه.
دليدة:
— وكنت عارف؟
— أيوه.
— وسكت؟
— حاولت أوقفه.
— بس ماوقفتوش.
عبدالرحمن:
— فشلت.
يونس ضحك ضحكة موجوعة.
— كل واحد فيكم فشل.
حسام:
— عارف.
يونس:
— أمي ماتت.
حسام:
— أيوه.
يونس:
— دليدة اتسرقت.
— أيوه.
يونس:
— كريم عاش باسم مش مكانه.
— أيوه.
يونس:
— وأنا اتعذبت واتمسحت ذاكرتي.
— أيوه.
يونس رفع صوته:
— وكل ده علشان مشروع!
صوت الطفل خرج من السماعة:
— لأ.
الكل سكت.
الصوت:
— كل ده علشان شخص واحد.
دليدة:
— مين؟
الصوت:
— فؤاد.
دليدة غمضت عينيها.
— بابا.
الصوت:
— أبوكي كان عايز حاجة واحدة.
يونس:
— إيه؟
الصوت:
— الخلود.
كريم:
— الخلود؟
الصوت:
— مش خلود الجسم.
— أمال؟
— خلود العقل.
رامي:
— يعني؟
الصوت:
— كان عايز ينقل ذاكرته وشخصيته من جسد لجسد.
سيف:
— مستحيل.
الصوت:
— عشان كده الأطفال.
دليدة:
— يعني إحنا كنا تجارب؟
الصوت:
— لأ.
سكت.
— كنتم أوعية.
دليدة حطت إيدها على بوقها.
يونس:
— وأنا؟
الصوت:
— إنت كنت أول واحد قدر يحتفظ بذاكرته رغم النقل.
يونس:
— نقل إيه؟
الصوت:
— الذاكرة.
يونس لمس رأسه.
وفجأة...
رجعت له صورة.
غرفة بيضاء.
فؤاد واقف.
ليلى واقفة جنبه.
حسام بيصرخ.
طفل صغير مربوط.
وكان الطفل...
يونس.
فتح عينيه.
— أنا شفت ده.
دليدة قربت منه.
— شفت إيه؟
يونس:
— باباكي.
دليدة اتجمدت.
— فؤاد؟
— أيوه.
— كان بيعمل إيه؟
يونس:
— كان بيقول...
سكت.
— كان بيقول: "لو نجح رقم 19، مش هحتاج طفل تاني."
دليدة دموعها نزلت.
— يعني أنا كنت جزء من الخطة؟
الصوت:
— لأ.
دليدة:
— أمال؟
الصوت:
— إنتِ كنتِ الخطة البديلة.
حسام:
— كفاية.
الصوت:
— ليه؟ الحقيقة وجعتك؟
حسام:
— إنت مش فاهم.
— أنا فاهم أكتر منك.
حسام:
— إنت طفل.
الصوت ضحك.
— كنت طفل.
ثم سكت.
— دلوقتي أنا أكتر حاجة فؤاد كان بيخاف منها.
يونس:
— إيه؟
الصوت:
— ذاكرته.
دليدة:
— إنت فاكر كل حاجة؟
الصوت:
— تقريبًا.
— مين أخدك؟
الصوت:
— حسام.
دليدة بصت له.
حسام:
— أيوه.
— ليه؟
حسام:
— لأن ليلى طلبت مني.
الصوت:
— ولأنها كانت عارفة إن فؤاد هيقتلني.
دليدة:
— بس إنت قلت إن فؤاد أنقذني.
حسام:
— أنقذك علشان كان محتاجك.
دليدة:
— يعني كل حبه ليا كان كدبة؟
الصوت سكت.
دليدة:
— جاوب!
الصوت:
— لأ.
— إيه؟
— حبه ليكي كان حقيقي.
دليدة بكت.
الصوت:
— ودي كانت أكبر نقطة ضعف عنده.
حسام:
— ليلى عرفت ده.
دليدة:
— وعملت إيه؟
حسام:
— استخدمته.
— إزاي؟
— خلت فؤاد يختار بين المشروع وبينك.
دليدة:
— واختار إيه؟
حسام:
— اختارك.
دليدة سكتت.
يونس:
— يبقى ليه الملف اختفى؟
الصوت:
— لأن فؤاد أخفاه.
كريم:
— فين؟
الصوت:
— عنده.
دليدة:
— في البيت؟
الصوت:
— لأ.
— في الشركة؟
— لأ.
— أمال؟
الصوت:
— في قبر.
حسام اتصدم.
— قبر مين؟
الصوت:
— ليلى.
الجميع سكت.
دليدة:
— أمي؟
الصوت:
— أيوه.
دليدة:
— إزاي؟
الصوت:
— لأن فؤاد كان فاكر إن محدش هيفتش جوه قبرها.
يونس:
— والملف هناك؟
الصوت:
— كان.
— كان؟
— فؤاد أخده.
دليدة:
— إمتى؟
الصوت:
— قبل موتها بيوم.
دليدة:
— طب مين قتل أمي؟
الصوت سكت.
حسام:
— قول.
الصوت:
— ليلى ما ماتتش بسبب فؤاد.
دليدة اتجمدت.
— إيه؟
الصوت:
— فؤاد أمر بقتلها.
حسام:
— إنت قلت مش بسببه!
الصوت:
— قلت إنها ماتتش بسبب المشروع.
سكت.
— ماتت لأنها اكتشفت الحقيقة الأخيرة.
يونس:
— إيه الحقيقة؟
الصوت:
— إن فؤاد نفسه كان ضحية.
دليدة:
— ضحية؟
الصوت:
— أيوه.
— مين ضحيته؟
الصوت:
— المشروع.
كريم:
— مش فاهم.
الصوت:
— فؤاد ما بدأش المشروع.
سكت.
— هو أخده.
دليدة:
— مين بدأه؟
الصوت:
— رجل تاني.
يونس:
— مين؟
الصوت:
— والد فؤاد.
دليدة اتجمدت.
— جدي؟
الصوت:
— أيوه.
حسام:
— المشروع بدأ قبل فؤاد.
الصوت:
— بسنين.
يونس:
— واسم "صفر"؟
الصوت:
— كان اسم التجربة الأولى.
دليدة:
— ومين كان الطفل صفر؟
الصوت:
— أول حفيد تم اختباره.
كريم:
— مين؟
الصوت سكت طويلًا.
ثم قال:
— فؤاد.
دليدة حطت إيدها على رأسها.
— يعني بابا كان أول طفل؟
الصوت:
— أيوه.
— وتجربوا عليه؟
— أيوه.
— وبعدين هو كبر وبقى صاحب المشروع؟
— أيوه.
يونس:
— يبقى فؤاد كان بيعمل فينا اللي اتعمل فيه.
الصوت:
— بالضبط.
سكت الجميع.
دليدة:
— طب ليه؟
الصوت:
— لأنه أقنع نفسه إن اللي حصل له كان لازم يحصل.
— وإن اللي حصل لينا لازم يحصل؟
— أيوه.
دليدة:
— بس أمي رفضت.
— أيوه.
— وحسام ساعدها.
— أيوه.
— وعبدالرحمن حاول ينقذ يونس.
— أيوه.
— وفؤاد حاول يوقفهم.
— أيوه.
يونس:
— ونادر؟
الصوت:
— نادر كان منفذ.
— تابع لفؤاد؟
— في البداية.
يونس:
— وبعدين؟
الصوت:
— خان فؤاد.
كريم:
— ليه؟
الصوت:
— لأنه عرف إن فؤاد ناوي يستخدم الطفل صفر مرة تانية.
دليدة:
— يعني سليم؟
الصوت:
— أيوه.
دليدة:
— كان عايز يعمل فيه إيه؟
الصوت:
— يرجع يفتح ذاكرته القديمة.
يونس:
— ليه؟
الصوت:
— علشان يوصل للمكان الوحيد اللي فؤاد نفسه ما قدرش يوصله.
دليدة:
— فين؟
الصوت:
— عقل الطفل صفر.
حسام:
— كفاية.
الصوت:
— لا.
حسام:
— كفاية!
الصوت:
— لسه ما عرفوش أخطر حاجة.
دليدة:
— قول.
الصوت:
— الطفل صفر مش بس شاهد.
سكت.
— هو حافظ مفتاح المشروع.
يونس:
— مفتاح إيه؟
الصوت:
— مكان كل الملفات.
كريم:
— الملفات كلها؟
— أيوه.
دليدة:
— وإنت عارف مكانها؟
— أيوه.
— فين؟
الصوت:
— في البيت اللي فؤاد عاش فيه قبل ما يبقى فؤاد الشاذلي.
دليدة:
— بيت جدي؟
الصوت:
— أيوه.
دليدة:
— والبيت ده فين؟
الصوت:
— موجود.
يونس:
— فين؟
الصوت:
— جنب المكان اللي اتولدتِ فيه.
دليدة بصت لحسام.
— أنا اتولدت هنا؟
حسام:
— أيوه.
— في الشركة؟
— تحت الشركة.
دليدة:
— وفين بيت جدي؟
حسام:
— على بعد كيلومترين من هنا.
رامي:
— يعني نقدر نروح دلوقتي؟
حسام:
— لأ.
رامي:
— ليه؟
حسام:
— لأن فؤاد هناك.
دليدة:
— بابا؟
حسام:
— أيوه.
دليدة بصت له.
— عايزاني أخاف؟
حسام:
— عايزك تعيشي.
دليدة:
— عشت عشرين سنة في كذبة.
سكتت.
— المرة دي هواجه.
يونس وقف جنبها.
— وأنا معاكي.
كريم:
— وأنا.
رامي:
— وإحنا كلنا.
حسام:
— مش فاهمين إنتوا داخلين على إيه.
يونس:
— بالعكس.
بص للشاشة.
— لأول مرة فاهمين.
دليدة قربت من الجهاز.
— سليم.
الصوت سكت.
— لو إنت أخويا فعلًا...
— أنا أخوكي.
— ليه ما تظهرش؟
— لأني مش جاهز.
— بتخاف مني؟
— بخاف عليكِ.
— ليه؟
— لأن فؤاد مش لوحده.
دليدة:
— مين معاه؟
صمت.
— سليم؟
الصوت جاء أهدأ.
— الشخص اللي اختار الأرقام... مش هو أكبر خطر.
يونس:
— أمال مين؟
الصوت:
— الشخص اللي اختار الأسماء.
حسام تجمد.
— ليلى؟
الصوت:
— لأ.
دليدة:
— مين؟
الصوت:
— عبدالرحمن.
يونس لف لأبوه.
— إنت؟
عبدالرحمن اتصدم.
— أنا ما اخترتش أسماء.
الصوت:
— لأ.
سكت.
— إنت ما اخترتش أسماءكم.
يونس:
— أمال؟
الصوت:
— إنت اخترت مين يعيش.
عبدالرحمن وجهه شحب.
دليدة:
— يعني إيه؟
الصوت:
— يوم الحادثة الأخيرة...
سكت.
— كان قدام عبدالرحمن خمسة أطفال.
كريم:
— خمسة؟
— أيوه.
— وكان لازم يختار ثلاثة.
دليدة:
— هو؟
الصوت:
— أيوه.
عبدالرحمن بدأ يهز رأسه.
— لأ...
الصوت:
— اختار دليدة.
ثم:
— واختار يونس.
ثم سكت.
كريم:
— وأنا؟
الصوت:
— ما اختاركش.
كريم بص لعبدالرحمن.
— إيه؟
عبدالرحمن انهار.
— كريم...
كريم قرب منه.
— إنت ما اخترتنيش؟
عبدالرحمن:
— كنت طفل.
— أنا بسألك.
— لأ.
كريم رجع خطوة.
— مين اختارني؟
الصوت:
— ليلى.
كريم:
— ليه؟
— لأنها عرفت إنك مش الطفل 18.
دليدة:
— يعني كريم ماكانش متبدل صدفة؟
الصوت:
— لأ.
— أمال؟
— ليلى هي اللي حطته مكانه.
كريم:
— ليه؟
الصوت:
— علشان تحمي الطفل 18.
كريم ضحك والدموع في عينه.
— يعني أنا كنت ستارة؟
الصوت:
— لأ.
— أمال إيه؟
— كنت ابنه.
كريم سكت.
الصوت:
— ليلى ما شافتكش بديل.
سكت.
— شافتك طفلها.
كريم نزل عينه.
— طب ليه ما قالتليش؟
الصوت:
— لأنها ماتت قبل ما تقدر.
كريم:
— كانت بتحبني؟
الصوت:
— جدًا.
كريم غمض عينيه.
لأول مرة من بداية الليلة...
ماكانش غاضب.
كان موجوع.
دليدة قربت منه.
— كريم...
بصلها.
— إحنا مش أرقام.
ابتسم بوجع.
— عارف.
— إحنا ولادها.
كريم:
— وإنتِ أختي؟
دليدة:
— أيوه.
— حتى لو أنا مش أخوكي بالدم؟
— حتى لو الدنيا كلها قالت عكس كده.
كريم دموعه نزلت.
— أول مرة أحس إن ليا أخت.
دليدة حضنته.
يونس وقف بعيد، وعينه دمعت.
حسام بص لهم.
والصوت من الجهاز قال:
— دلوقتي فهمتوا ليه ليلى ماتت.
دليدة وهي لسه حاضنة كريم:
— ليه؟
— لأنها حاولت تجمعكم.
يونس:
— مين كان مانعها؟
— فؤاد.
دليدة سابت كريم.
— بابا؟
— أيوه.
— طب ليه؟
الصوت:
— لأنه عرف إن اجتماعكم هيكسر آخر حاجة فاضلة من المشروع.
— إيه؟
— السر.
دليدة:
— أي سر؟
الصوت:
— إن المشروع كله مبني على كذبة.
يونس:
— كذبة إيه؟
الصوت:
— إن الإنسان يقدر يتملك ذاكرة إنسان تاني.
سكت.
— لكنه ما يقدرش يتملك إرادته.
يونس:
— وأنا؟
الصوت:
— إنت أثبت ده.
دليدة:
— وإيه علاقتي؟
الصوت:
— إنت أثبتِ حاجة تانية.
— إيه؟
— إن الحب بيقدر يرجع ذاكرة حاولوا يمسحوها.
يونس بص لها.
الصوت:
— كل مرة كنتِ تقربي من يونس... ذكرياته كانت بترجع.
دليدة:
— يعني أنا السبب؟
الصوت:
— لأ.
— أمال؟
— إنتِ كنتِ المفتاح.
يونس قرب منها.
— وعشان كده كانوا بيخافوا منك.
الصوت:
— وعشان كده فؤاد حماكي.
دليدة:
— وعشان كده أمي خبّتني.
الصوت:
— وعشان كده أنا عشت.
دليدة:
— ليه؟
الصوت:
— علشان أحميكي لحد ما تقدري تعرفي الحقيقة بنفسك.
سكتت.
— سليم...
الصوت:
— نعم؟
— أنا عايزة أشوفك.
صمت طويل.
ثم:
— هتشوفيني.
دليدة ابتسمت وسط دموعها.
— إمتى؟
— لما تفتحي الباب الأخير.
حسام:
— لأ!
الصوت ضحك.
— الباب فتح خلاص يا حسام.
وفجأة...
صوت معدني اتسمع من آخر الممر.
تك.
تك.
تك.
باب قديم بدأ يتحرك.
الجميع لف.
حسام وشه اتغير.
— لأ...
يونس:
— إيه؟
حسام:
— دي غرفة الصفر.
دليدة:
— أخويا جواها؟
حسام:
— لأ.
دليدة:
— أمال مين؟
حسام بص للباب.
— محدش.
يونس:
— يبقى مين فتحه؟
حسام ما ردش.
الباب اتفتح ببطء.
نور خافت خرج من جوه.
وفي منتصف الغرفة...
كان فيه كرسي.
وفوق الكرسي...
صورة.
دليدة قربت.
كانت صورة ليلى.
لكن الصورة مش زي الصور القديمة.
كانت ليلى واقفة...
وإلى جوارها رجل.
دليدة وقفت.
الرجل كان واضح.
يونس قرب.
كريم قرب.
رامي وسيف ومازن وقفوا خلفهم.
دليدة رفعت الصورة.
وشها ابيض.
— ده...
حسام:
— أيوه.
دليدة:
— بابا؟
حسام:
— أيوه.
يونس:
— فؤاد؟
حسام:
— أيوه.
دليدة بصت للصورة.
— بس دي قبل ما أتولد.
حسام:
— أيوه.
— وده معناه؟
حسام سكت.
دليدة قلبت الصورة.
كان مكتوب خلفها:
«اليوم الأول من التجربة. الأب: فؤاد الشاذلي. الأم: ليلى. الطفل: صفر.»
دليدة شهقت.
— أمي كانت متجوزة بابا؟
حسام:
— لأ.
يونس:
— أمال؟
حسام:
— كانت شريكته.
دليدة:
— وبعدين؟
حسام:
— فؤاد حبها.
دليدة:
— وهي؟
حسام سكت.
الصوت من السماعة قال:
— كانت بتحب حسام.
حسام غمض عينيه.
دليدة بصت له.
— يعني إنت وأمي...
حسام:
— أيوه.
— وإنت أبويا؟
— أيوه.
— وفؤاد؟
— كان بيحبها.
دليدة:
— وكان بيحبني؟
— أيوه.
— علشان كده خدني؟
حسام:
— علشان كده.
يونس:
— وده سبب العداوة؟
حسام:
— جزء منها.
دليدة:
— والجزء التاني؟
حسام:
— فؤاد كان عايز يثبت إن جيناته وقدراته أهم من أي حد.
يونس:
— قدرات؟
حسام:
— أيوه.
دليدة:
— أنا عندي قدرات؟
حسام:
— لأ.
سكت.
— لكن يونس عنده استجابة عصبية مختلفة.
يونس:
— زي إيه؟
حسام:
— ذاكرته ما بتتخزنش بالطريقة العادية.
دليدة:
— وده اللي خلاه رقم 19؟
حسام:
— أيوه.
يونس:
— وليه الرقم 19 تحديدًا؟
حسام:
— لأن قبلك كان فيه 18 محاولة.
كريم:
— وأنا؟
حسام:
— كنت محاولة تغيير الهوية.
دليدة:
— ورقم 17؟
حسام:
— إنتِ أول حالة نجحت في الاحتفاظ بهوية كاملة رغم التعديل.
يونس:
— ورقم 18؟
الصوت من السماعة:
— أنا كنت أول حالة رفضت النظام بالكامل.
كريم:
— ورقم 20؟
حسام بص للحائط.
— رقم 20 مش طفل.
دليدة:
— قول.
— رقم 20 كان اسم الخطة.
يونس:
— خطة إيه؟
حسام:
— الخطة النهائية.
دليدة:
— إيه هي؟
حسام:
— جمع الثلاثة في مكان واحد.
يونس:
— ليه؟
حسام:
— علشان تشغيل الجهاز الأصلي.
دليدة:
— جهاز إيه؟
حسام:
— جهاز نقل الذاكرة.
سيف:
— يعني كل اللي حصل كان علشان الجهاز؟
حسام:
— لأ.
سكت.
— الجهاز كان مجرد وسيلة.
دليدة:
— وسيلة لإيه؟
حسام:
— علشان فؤاد ينقل ذاكرته.
يونس:
— لجسمي؟
حسام:
— في البداية.
دليدة:
— لكن؟
حسام:
— فؤاد اكتشف إن جسمك بيرفضه.
يونس:
— فاختار مين؟
حسام بص لدليدة.
— إنتِ.
دليدة:
— أنا؟
حسام:
— لأنك ابنته.
دليدة:
— يعني كان عايز ينقل ذاكرته ليا؟
حسام:
— أيوه.
دليدة رجعت للخلف.
— عشان كده؟
حسام:
— عشان كده ليلى كانت مرعوبة.
دليدة:
— وعشان كده أمي قتلوها؟
حسام:
— أيوه.
دليدة بصت للصورة.
— بابا كان عايز ياخد عقلي؟
الصوت من السماعة:
— كان عايز يعيش فيكي.
دليدة دموعها نزلت.
— وأنا كنت هضيع؟
الصوت:
— أيوه.
يونس مسك إيدها.
— مش هيحصل.
دليدة بصت له.
— إنت وعدتني قبل كده.
— ووعدي ليكي يكي... إني مش هسمح لأي حد ياخد منك نفسك.»
الكلمة خرجت من يونس هادية...
لكنها كانت أقوى من أي صرخة اتقالت في المكان.
دليدة فضلت باصة له.
عينيها مليانة خوف...
لكن وسط الخوف كان فيه حاجة تانية.
أمان.
لأول مرة من بداية الليلة...
حست إن فيه شخص واحد على الأقل مش بيحاول يخبي عنها حاجة.
يونس قرب منها أكتر.
— ووعدي ليكي إني مش هسمح لفؤاد... ولا لأي حد... إنه يهدد عقلك أو ذاكرتك. او يشغل عقلك فالتفكير في السلبيات
دليدة بصت له بوجع.
— حتى لو كان أبويا؟
يونس سكت.
دليدة كملت:
— حتى لو الشخص اللي عايز ياخد مني نفسي هو نفس الشخص اللي رباني؟
يونس:
— حتى لو كان أبوكي.
دليدة دموعها نزلت.
— إنت مش فاهم...
— فاهم.
— لأ، مش فاهم.
مسحت دموعها بسرعة.
— أنا مش عارفة أكرهه.
يونس بص لها.
— ومحدش قال لكِ لازم تكرهيه.
— بس هو قتل أمي.
— آه.
— وحاول يقتلك.
— آه.
— وكان عايز يستخدم جسمي علشان يعيش.
سكتت.
— إزاي أحب شخص زي ده؟
يونس قرب خطوة.
— يمكن لأن الإنسان مش بيحب كل حاجة في الشخص اللي رباه.
سكت.
— ساعات بنحب الذكريات... حتى لو الشخص نفسه خانها.
دليدة بصت له.
— وأنا فاكرة حاجات حلوة معاه.
— عارفة.
— كان أول واحد شالني لما وقعت.
— عارفة.
— كان بيخاف عليا من المرض.
— عارف.
— كان بيقعد جنبي وأنا صغيرة لما أخاف من الضلمة.
يونس سكت.
دليدة ضحكت وسط دموعها.
— دلوقتي عرفت ليه كان دايمًا بيكره إني أقفل النور.
يونس عقد حاجبيه.
— ليه؟
— كان بيقول لي إن الضلمة بتخلي الإنسان يشوف حاجات مش موجودة.
سكتت.
ثم قالت:
— يمكن كان بيتكلم عن نفسه.
حسام بص لها بألم.
— دليدة...
لفت له.
— إيه؟
— فؤاد كان بيحبك.
دليدة ردت بسرعة:
— الحب مش مبرر.
حسام نزل عينه.
— عارف.
— ومش معنى إنه حبني إنه كان بريء.
— عارف.
— ومش معنى إنه أنقذني إنه ماكانش جزء من اللي حصل.
حسام:
— عارف.
دليدة قربت منه.
— بس فيه سؤال واحد مش قادره أطلعه من دماغي.
— اسألي.
— ليه أنا؟
حسام رفع عينه.
— إنتِ كنتِ أكتر حاجة فؤاد خاف يخسرها.
— طب ليه كان عايز ينقل نفسه ليا؟
حسام سكت.
عبدالرحمن قال:
— لأن فؤاد كان عارف إن جسده بدأ ينهار.
دليدة لفت له.
— إيه؟
— المرض.
— أي مرض؟
عبدالرحمن:
— مرض عصبي نادر.
يونس:
— من إمتى؟
— من سنين.
حسام قاطعه:
— من يوم ما بدأ المشروع الأول.
دليدة:
— يعني التجارب اللي عملها...
حسام:
— كانت محاولة لعلاج نفسه.
دليدة:
— وبعدين تحولت لإيه؟
حسام بص لها.
— لتحويل الإنسان إلى وعاء.
سكت الجميع.
رامي قال:
— يعني الراجل بدأ وهو عايز ينقذ نفسه... وانتهى بيه الحال إنه يقرر مين يعيش ومين يموت؟
حسام:
— بالضبط.
سيف:
— طب وليه الأطفال؟
حسام:
— لأن عقل الطفل بيكون أكثر مرونة.
مازن:
— مرونة لإيه؟
حسام:
— لتعديل الذاكرة.
كريم ضحك بسخرية.
— يا سلام...
بص لذراعيه.
— وأنا كنت إيه بقى؟
حسام:
— إنت كنت حالة مختلفة.
كريم:
— حالة؟
— كانوا بيختبروا تغيير الهوية.
كريم:
— يعني ياخدوا طفل ويحطوه مكان طفل تاني؟
حسام:
— أيوه.
كريم:
— ونجحت التجربة؟
حسام بص له.
— جزئيًا.
كريم:
— جزئيًا؟
— لأنك فضلت كريم.
سكت.
— مهما حاولوا يغيروا المكان والاسم والذكريات... جزء منك فضل رافض.
كريم دموعه لمعت.
— علشان كده طول عمري كنت بحس إني غريب؟
حسام:
— أيوه.
كريم هز رأسه.
— يعني إحساسي ماكانش وهم.
دليدة قربت منه.
— إحساسك كان بيقول الحقيقة قبل ما إحنا نعرفها.
كريم بص لها.
— وأنا فعلًا أخوكي؟
دليدة ابتسمت بحزن.
— أيوه.
— حتى لو مش من نفس الدم؟
— الدم مش هو اللي بيعمل الأخ.
كريم ابتسم.
— طب يونس؟
دليدة بصت ليونس.
كريم:
— هو أخونا؟
حسام رد:
— مش بالدم.
يونس:
— لكن ليلى اعتبرته ابنها.
دليدة:
— وأنا كمان.
كريم:
— يبقى خلاص.
مد إيده ليونس.
— أخويا.
يونس بص لإيده لحظة.
وبعدين صافحه.
— أخويا.
رامي ابتسم.
— طب وأنا؟
سيف ضربه على كتفه.
— إنت اسكت.
رامي:
— ليه؟ أنا كمان عايز أخوات.
مازن ضحك لأول مرة من بداية الليلة.
لكن الضحكة ماتت بسرعة...
لأن جهاز التسجيل أصدر صوتًا مفاجئًا.
بيب...
الكل لف.
الشاشة القديمة نورت.
ظهرت جملة:
«وقتكم خلص.»
يونس قرب.
— سليم؟
الشاشة انطفت.
ثم نورت تاني.
«فؤاد عرف إنكم في غرفة الصفر.»
حسام شهق.
— مستحيل.
دليدة:
— إزاي؟
ظهرت جملة جديدة:
«هو في الطريق.»
رامي:
— مين؟
الشاشة:
«فؤاد.»
صمت.
ثم:
«ومعه شخص آخر.»
سيف:
— مين؟
ظهرت كلمة واحدة:
«نادر.»
يونس شد فكه.
— نادر حي.
حسام:
— قلت لكم.
دليدة:
— وسليم؟
الشاشة فضلت ساكتة.
دليدة قربت.
— سليم... لو إنت سامعني رد.
ثواني.
ثم ظهرت:
«أنا مش بعيد.»
دليدة:
— فين؟
«خلفكم.»
الكل لف مرة واحدة.
ولا حد.
دليدة شهقت.
يونس رفع الكشاف.
— سليم!
صوت خافت خرج من السماعة:
— متلفوش كتير...
رامي:
— إنت بتعمل فينا إيه؟!
الصوت ضحك.
— بحاول أخليكم تفضلوا عايشين.
يونس:
— اظهر.
— مش دلوقتي.
يونس:
— ليه؟
— لأن فؤاد لو شافني... هيعرف إن كل اللي بناه انهار.
دليدة:
— وأنا؟
سكت الصوت.
— ليه بتخاف تظهر قدامي؟
الصوت:
— مش بخاف منك.
— أمال؟
— بخاف أشوفك.
دليدة اتوجعت.
— ليه؟
— لأن آخر مرة شفتك فيها...
سكت.
— كنتِ طفلة.
دليدة همست:
— وإنت كنت طفل؟
— أيوه.
— كنت بتعرفني؟
— كنتِ أختي.
— وكنت بتناديني دودي؟
— أيوه.
دليدة دموعها نزلت.
— طب ليه سيبتني؟
الصوت تغير.
— أنا ما سبتكيش.
— أمال؟
— اتاخدت منك.
— مين أخدني؟
صمت.
ثم:
— فؤاد.
دليدة غمضت عينيها.
— بابا؟
— أيوه.
— ليه؟
— لأنه كان عارف إنك الوحيدة اللي ممكن تمنعيه.
يونس:
— تمنعه من إيه؟
الصوت:
— من نفسه.
يونس:
— وضح.
— فؤاد كان بيبدأ يموت من جوه.
كريم:
— وإنت قلت إنه كان عايز الخلود.
— مش بس الخلود.
دليدة:
— أمال إيه؟
الصوت:
— كان عايز يمحي الشخص اللي كانه... ويبدأ من جديد.
يونس:
— في جسمي؟
— في البداية.
سكت.
— لكن بعد ما اكتشفك...
دليدة:
— اكتشف إيه؟
الصوت:
— إن جسمك يحمل نفس البصمة العصبية اللي كان بيدور عليها.
حسام:
— كفاية يا سليم.
الصوت:
— ليه؟
حسام:
— لأنها بنتي.
— وأنا أخوها.
حسام:
— علشان كده بالضبط.
سليم:
— إنت كنت عارف من البداية إن فؤاد هيستخدمها.
حسام:
— حاولت أحميها.
— متأخر.
حسام سكت.
دليدة بصت له.
— إنت كنت تعرف إن فؤاد عايزني؟
— أيوه.
— من إمتى؟
— من قبل ما تتولدي.
دليدة شهقت.
— كل حاجة كانت قبل ما أولد؟
حسام:
— المشروع كان موجود قبلك.
— لكن اسمي كان موجود فيه.
— لأن ليلى سجلتك.
— ليه؟
حسام:
— لأنها كانت عايزة تضمن إنك ما تختفيش.
دليدة:
— وسليم؟
الصوت:
— أمي سجلتني قبلك.
دليدة:
— ليه؟
— علشان لما المشروع يبدأ... يكون فيه شاهد.
يونس:
— شاهد على إيه؟
الصوت:
— على فؤاد.
كريم:
— طب وإنت كنت بتعمل إيه كل السنين دي؟
الصوت سكت.
ثم قال:
— بفتكر.
يونس:
— كل حاجة؟
— كل حاجة.
— حتى يوم الحادثة؟
— أيوه.
— مين قتل الأطفال؟
صمت.
— سليم؟
الصوت:
— مفيش أطفال ماتوا يومها.
الجميع اتصدم.
دليدة:
— إيه؟
— الأطفال اتوزعوا.
حسام:
— سليم...
— واحد اتاخد.
— مين؟
— أنا.
— والتاني؟
— دليدة.
— والتالت؟
الصوت سكت.
يونس قال:
— أنا؟
— أيوه.
يونس:
— طب الطفل الرابع؟
الصوت:
— كريم.
كريم:
— والخامس؟
صمت طويل.
دليدة:
— سليم؟
الصوت:
— الخامس...
توقف.
— هو اللي فؤاد لسه بيدور عليه.
يونس:
— مين؟
الصوت:
— مش هقول.
دليدة:
— ليه؟
— لأنه لو عرف إنكم عرفتوا مكانه... هيموت.
حسام:
— هو عايش؟
الصوت:
— أيوه.
دليدة:
— فين؟
الصوت:
— قريب.
يونس:
— قريب فين؟
الصوت:
— أقرب مما تتخيل.
وفجأة...
صوت ارتطام قوي جاء من فوقهم.
دَوّي!
الغبار نزل من السقف.
رامي:
— حد دخل!
سيف:
— لازم نخرج.
حسام:
— لأ.
يونس:
— ليه؟
حسام بص للباب.
— لأن المخرج الوحيد بقى وراهم.
دليدة:
— مين؟
حسام:
— فؤاد.
صوت خطوات بدأ يقترب من الممر.
خطوة...
خطوة...
خطوة...
عبدالرحمن:
— لازم نلاقي مخرج تاني.
حسام:
— مفيش.
يونس:
— فيه.
حسام بص له.
— فين؟
يونس قرب من الحائط.
— الرقم عشرين.
حسام:
— إيه؟
يونس أشار للحائط.
— إنت قلت إن 20 اسم الخطة.
دليدة قربت.
— يعني؟
يونس:
— لو كانت الخطة جمع الثلاثة...
بص للأرقام.
17...
18...
19...
20...
ثم قال:
— يبقى لازم يكون فيه باب مرتبط بيهم.
كريم مرر إيده على الحائط.
— هنا.
دليدة:
— إيه؟
كريم:
— الحائط ده فاضي من جوه.
رامي:
— متأكد؟
كريم خبط عليه.
طَق... طَق...
الصوت أجوف.
يونس:
— ابعدوا.
رجع خطوتين.
ضرب الحائط بكتفه.
دَوّي!
جزء من الحائط تشقق.
حسام صرخ:
— لأ!
يونس:
— ليه؟
حسام:
— لأن الباب ده...
سكت.
دليدة:
— إيه؟
حسام:
— هو باب الخروج الوحيد.
يونس:
— طب افتحه.
حسام:
— مش هقدر.
دليدة:
— ليه؟
حسام بص لها.
— لأنه ما بيفتحش إلا بصوت واحد.
— صوت مين؟
حسام:
— ليلى.
سكت الجميع.
دليدة:
— أمي ماتت.
حسام:
— عارف.
— يبقى إزاي؟
حسام بص للجهاز.
— التسجيل.
دليدة:
— عندك تسجيل لصوتها؟
— أيوه.
يونس:
— شغله.
حسام هز رأسه.
— لو شغلناه...
دليدة:
— الباب هيفتح؟
— أيوه.
— يبقى شغله.
حسام ضغط زرًا.
صوت تشويش خرج.
ثم صوت ليلى.
هادئ.
دافي.
كأنها واقفة بينهم.
«لو سمعتم صوتي... يبقى وصلتوا لغرفة الصفر.»
دليدة بدأت تبكي.
«ومتخافوش.»
سكت التسجيل لحظة.
«لأن أخطر حاجة في المشروع... مش الجهاز.»
يونس قرب.
«ولا فؤاد.»
حسام غمض عينيه.
«ولا نادر.»
ثم:
«أخطر حاجة... هي الحقيقة اللي أنا أخفيتها عنكم.»
دليدة:
— ماما...
التسجيل كمل.
«أنا ماكنتش ضحية بالكامل.»
سكت.
«وأنا ماكنتش بريئة بالكامل.»
يونس بص لحسام.
«أنا كنت واحدة من اللي بدأوا المشروع.»
دليدة دموعها نزلت.
«لكن لما عرفت الحقيقة... حاولت أوقفه.»
صوتها ارتعش.
«وأول حاجة عملتها... إني حاولت أنقذ أولادي.»
دليدة غطت فمها.
«دليدة... سليم... ويونس.»
يونس اتجمد.
«لكن فيه طفل رابع.»
كريم رفع عينه.
«طفل أنا ماقدرتش أنقذه.»
صمت.
ثم:
«ولو وصلتوا للحظة دي... يبقى هو لسه عايش.»
دليدة:
— مين؟
التسجيل كمل:
«لكن مش هقول اسمه.»
حسام بدأ يبكي.
«لأن الاسم نفسه... هو المفتاح.»
فجأة...
الباب المعدني اهتز.
تك.
ثم:
تك.
ثم انفتح ببطء.
نور أبيض قوي خرج من الداخل.
الجميع غطى عينيه.
وبعد ثوانٍ...
هدأ النور.
الغرفة اللي ورا الباب كانت مختلفة تمامًا.
مش غرفة قديمة.
كانت غرفة حديثة.
شاشات.
أجهزة.
أسلاك.
وأجهزة كمبيوتر شغالة.
رامي قال:
— ده مستحيل.
سيف:
— المكان ده متجهز.
مازن:
— يعني حد بيستخدمه لحد دلوقتي.
يونس دخل أول واحد.
دليدة وراه.
كريم وحسام وعبدالرحمن والباقي دخلوا.
وفجأة...
الشاشات كلها اشتغلت في نفس اللحظة.
واحدة...
اتنين...
تلاتة...
عشرة...
عشرين شاشة.
وفي كل شاشة...
صورة مختلفة.
طفل.
امرأة.
رجل.
ملف.
تاريخ.
رقم.
دليدة قربت من أول شاشة.
ظهر اسم:
«سليم — 18»
الشاشة الثانية:
«يونس — 19»
الثالثة:
«دليدة — 17»
الرابعة:
«كريم — هوية بديلة»
لكن الشاشة الخامسة...
كانت سوداء.
مفيش اسم.
ولا صورة.
فقط كلمة:
«صفر.»
يونس قرب منها.
وفجأة الشاشة اشتغلت.
ظهر رجل كبير في السن.
كان جالسًا أمام الكاميرا.
دليدة بصت للشاشة.
— مين ده؟
حسام ما ردش.
عبدالرحمن وشه شحب.
يونس:
— بابا؟
عبدالرحمن:
— مش أنا.
الرجل رفع رأسه.
ابتسم.
وقال:
— أخيرًا وصلتوا.
دليدة قربت.
— مين إنت؟
الرجل:
— الشخص اللي كان فؤاد بيحاول يدفن اسمه من عشرين سنة.
حسام همس:
— مستحيل.
الرجل ابتسم.
— حسام...
حسام ارتعش.
— إنت عارفني؟
الرجل:
— أنا اللي علمتك كل حاجة.
حسام:
— لا...
الرجل:
— وأنا اللي خليتك تدخل المشروع.
دليدة بصت لحسام.
— مين ده؟
حسام ما ردش.
الرجل بص للكاميرا مباشرة.
— دليدة.
هي تجمدت.
— إنتِ شبه أمك جدًا.
دليدة:
— إنت كنت تعرف أمي؟
— أكتر مما تتخيلي.
— مين إنت؟
الرجل:
— أنا...
توقف.
ثم قال:
— جدك.
دليدة اتجمدت.
يونس:
— والد فؤاد؟
الرجل:
— أيوه.
كريم:
— بس هو مات!
الرجل ضحك.
— دي كانت أول كذبة فؤاد قالها.
دليدة قربت من الشاشة.
— إنت عايش؟
— عايش.
— من عشرين سنة؟
— أكتر.
— فين؟
الرجل:
— في المكان اللي كان فؤاد فاكر إنه ملكه.
سكت.
— لكن الحقيقة...
ابتسم.
— إنه كان ملكي أنا.
حسام:
— ليه رجعت؟
الرجل:
— ما رجعتش.
حسام:
— أمال؟
الرجل:
— أنا ما مشيتش أصلًا.
سكت الجميع.
يونس:
— إنت فين؟
الرجل رفع عينه.
ثم نظر بعيدًا عن الكاميرا.
— وراكم.
الكل لف.
ولا حد.
دليدة بصت للشاشة.
الرجل كان بيضحك.
— مش كل اللي تشوفوه بعينيكم حقيقي.
يونس:
— اظهر!
الرجل:
— قريب.
ثم ظهرت رسالة على كل الشاشات:
«المرحلة الثانية بدأت.»
دليدة:
— مرحلة إيه؟
الشاشات بدأت تعرض نفس الصورة.
صورة قديمة.
خمسة أطفال.
لكن هذه المرة...
الوجه المشطوب ظهر.
دليدة قربت.
عينيها اتسعت.
— ده...
يونس:
— إيه؟
دليدة حطت إيدها على فمها.
— أنا شفت الطفل ده قبل كده.
حسام:
— فين؟
دليدة بصت له.
— في البيت.
عبدالرحمن:
— بيت مين؟
— بيت بابا.
يونس:
— فؤاد؟
دليدة هزت رأسها.
— أيوه.
سكتت.
— كانت صورة صغيرة في مكتبه.
حسام:
— متأكدة؟
— أيوه.
يونس:
— وإنتِ كنتِ فاكرة مين الطفل؟
دليدة:
— كنت فاكرة إنه يونس.
يونس اتجمد.
— أنا؟
دليدة:
— كنتِ صغيرة في الصورة... بس الطفل كان شبهك.
يونس قرب من الشاشة.
بص للصورة.
وببطء...
رفع إيده.
— ده مش أنا.
دليدة:
— أمال مين؟
يونس سكت.
لأن الصورة...
بدأت تتغير.
وجه الطفل ظهر أوضح.
ملامحه اتكشفت.
العينين...
الأنف...
شكل الوجه...
دليدة بصت ليونس.
ثم بصت للصورة.
ثم رجعت له.
وهمست:
— سليم؟
الصورة اهتزت.
ثم ظهرت كلمة:
«خطأ.»
كلمة ثانية:
«سليم ليس الطفل صفر.»
كلمة ثالثة:
«يونس ليس الطفل صفر.»
كلمة رابعة:
«دليدة ليست الطفل صفر.»
كريم:
— أمال مين؟
الشاشة اسودت.
ثواني...
ثم ظهر سطر واحد:
«الطفل صفر... لم يكن طفلًا.»
الجميع اتجمد.
يونس:
— يعني إيه؟
ظهرت جملة جديدة:
«كان أول شخص تم نقل ذاكرته.»
دليدة:
— مين؟
الشاشة بدأت تكتب ببطء...
حرف...
ثم حرف...
حتى ظهر الاسم كاملًا:
«فؤاد الشاذلي.»
دليدة رجعت خطوة.
— بابا...
حسام:
— لأ.
الشاشة أظهرت صورة فؤاد وهو شاب.
ثم صورة أخرى لرجل أكبر سنًا.
ثم صورة ثالثة...
ثم رابعة...
نفس العينين.
نفس الابتسامة.
نفس النظرة.
يونس:
— مش معقول.
عبدالرحمن:
— كان بينقل ذاكرته من جسد لجسد.
حسام:
— كل السنين دي...
دليدة:
— كان فؤاد اللي بنشوفه...
سكتت.
— هو فعلًا فؤاد؟
لم يجب أحد.
فجأة...
وصل صوت من خلفهم.
هادئ جدًا.
قريب جدًا.
— السؤال ده...
الكل لف.
الرجل صاحب المعطف الأسود كان واقف عند الباب.
لكن هذه المرة...
لم يكن وحده.
كان بجانبه رجل آخر.
وجهه مخفي.
دليدة بصت للأول.
— سليم؟
الرجل لم يرد.
أما الرجل الثاني...
فرفع رأسه ببطء.
دليدة شهقت.
حسام وقع على الكرسي.
عبدالرحمن همس:
— فؤاد...
يونس شد دليدة خلفه.
فؤاد ابتسم.
لكن ابتسامته لم تكن ابتسامة الأب الذي عرفته دليدة.
كانت باردة.
فارغة.
كأن الشخص اللي قدامهم...
مافيش فيه أي مشاعر.
قال فؤاد:
— وحشتيني يا دودي.
دليدة كانت بتبص له والدموع في عينيها.
— بابا...
فؤاد:
— أيوه.
— إنت كنت عايز تاخد ذاكرتي؟
ابتسم.
— مش ذاكرتك.
— أمال؟
— حياتك.
يونس وقف قدامها.
— مش هتقدر.
فؤاد بص له.
وفجأة ابتسامته اختفت.
— إنت بالذات...
سكت.
— كان المفروض تموت من عشرين سنة.
يونس:
— وأنا لسه عايش.
فؤاد:
— ودي أكبر غلطة حصلت في حياتي.
دليدة:
— ليه؟
فؤاد بص لها.
— لأنك لما قابلتيه...
سكت.
— بدأت ذاكرتك إنتِ كمان ترجع.
يونس:
— إيه؟
فؤاد:
— الحب كان العامل الوحيد اللي ماقدرتش أتحكم فيه.
دليدة بصت ليونس.
فؤاد كمل:
— وعلشان كده...
رفع يده.
— لازم واحد فيكم يختفي الليلة.
حسام صرخ:
— فؤاد!
فؤاد ما بصش له.
— وأنا المرة دي...
بص لدليدة.
— مش هسيب الاختيار لحد غيرك.
دليدة:
— اختيار إيه؟
فؤاد:
— تختاري.
وأشار إلى يونس.
— هو...
ثم أشار إلى سليم.
— ولا أخوكي.
دليدة اتجمدت.
يونس:
— متسمعيش له.
سليم تقدم خطوة.
— دليدة...
فؤاد ابتسم.
— اختاري يا دودي.
دليدة بصت ليونس.
ثم بصت لسليم.
دموعها نزلت.
— أنا مش هختار.
فؤاد:
— لازم.
— لأ.
— لازم تختاري واحد يعيش.
دليدة هزت رأسها.
— مش هختار.
فؤاد:
— يبقى الاتنين هيموتوا.
يونس:
— جرب.
فؤاد:
— هتفتكر.
يونس سكت.
فؤاد قرب.
— هتفتكر كل حاجة.
يونس وضع يده على رأسه.
صورة ضربت عقله.
غرفة.
ليلى.
فؤاد.
حسام.
خمسة أطفال.
ثم صوت ليلى:
«لو اضطررت أختار... هختارهم كلهم.»
يونس فتح عينيه.
— أنا فاكر.
فؤاد اتجمد.
— إيه؟
يونس رفع رأسه.
— فاكر آخر حاجة أمي قالتها.
فؤاد:
— مستحيل.
يونس:
— قالت إنك مش هتقدر تملكنا.
دليدة قربت منه.
يونس مسك إيدها.
— وقالت إن المفتاح مش في عقل حد فينا.
فؤاد:
— اسكت.
يونس:
— المفتاح...
بص لدليدة.
— فينا كلنا.
فؤاد بدأ يتراجع.
لأول مرة...
الخوف ظهر في عينيه.
سليم ابتسم.
— قلت لك يا فؤاد.
فؤاد لف له.
— إنت!
سليم:
— انتهت لعبتك.
فؤاد:
— لا.
سليم:
— بدأت الحقيقة.
فؤاد ضغط زرًا في يده.
فجأة...
كل الأبواب أغلقت.
دَوّي!
الأنوار انطفأت.
وصوت إنذار ملأ المكان.
رامي:
— إحنا اتحبسنا!
سيف:
— فين المخرج؟
مازن:
— مفيش!
دليدة مسكت إيد يونس.
— يونس!
— أنا هنا.
وفجأة...
صوت طفل خرج من السماعات.
لكن هذه المرة...
لم يكن صوت سليم.
كان صوت طفل آخر.
صوت صغير جدًا.
وقال:
— دودي...
دليدة تجمدت.
— مين؟
الصوت:
— أنا قلت لكِ من زمان...
سكت.
ثم قال:
— متصدقيش فؤاد.
دليدة:
— إنت مين؟
الصوت:
— أنا الطفل الخامس.
حسام انهار.
— لأ...
يونس:
— مين إنت؟!
الصوت ضحك.
ثم قال:
— أنا الشخص الوحيد اللي فؤاد ما قدرش يمسح ذاكرته.
دليدة:
— قول اسمك!
ثواني من الصمت...
ثم خرجت الإجابة:
— اسمي...
انقطعت الأنوار تمامًا.
وآخر حاجة ظهرت على الشاشة كانت جملة واحدة:
«لو عايزة تعرفي أبوكي الحقيقي... اسألي فؤاد مين أنقذ ليلى في آخر ليلة.»
ثم ظهر سطر أخير...
«لأن فؤاد مش أبوكي الوحيد... وحسام مش أبوكي الوحيد.»
دليدة شهقت.
ويونس بص لها.
ومن وسط الظلام...
جاء صوت فؤاد:
— دلوقتي بس...
ضحكة قصيرة خرجت منه.
— هتعرفي مين أبوكي الحقيقي.
ثم سُمع صوت طلقة.
دَوّي!
صرخة دليدة ملأت الغرفة:
— يــــونــــس!!!
وانتهى الصوت...
لكن قبل ما الشاشة تسود تمامًا...
ظهر اسم واحد فقط:
«آدم.»
ثم اختفى.