
انتهت مراسم الدفن والعزاء بعد ساعات طويلة بدت أثقل من أن تُقاس بالوقت.
كان الحزن قد ألقى بظلاله على الجميع، وترك في الوجوه ملامح إنهاك لا تخطئها العين، فقد رحلت زوجة أخ سليم بعد ساعات قليلة من ولادتها، تاركة خلفها طفلًا جاء إلى الدنيا دون أن تمنحه أمه فرصة لتضمه إلى صدرها، أو تسمع بكاءه الأول، أو ترى ملامحه التي حملت معها بداية حياة جديدة.
كان الفقد قاسيًا.
قاسيًا إلى الحد الذي جعل الكلمات عاجزة عن مواساته.
وبعد أن انصرف معظم المعزين، وجد باران وسليم نفسيهما جالسين بعيدًا عن الآخرين، في زاوية هادئة من المكان.
كان سليم شاردًا، يحدق في نقطة مجهولة أمامه، وعيناه تحملان حزنًا عميقًا لم يكن بحاجة إلى تفسير.
جلس باران إلى جواره بصمت.
لم يحاول أن يملأ الفراغ بالكلمات، فقد كان يعرف أن بعض الأحزان لا تحتاج إلى حديث، بل إلى شخص يجلس بجوارك فقط، دون أن يطلب منك شيئًا.
وبعد صمت طويل، قال سليم بصوت خافت:
سليم: الحمد لله على ما أعطى، وعلى ما أخذ.
خفض باران رأسه قليلًا، ثم قال:
باران: نعم يا أخي... لله في خلقه شؤون، ولله حكم في أمور كثيرة لا نفهمها في اللحظة التي تقع فيها.
نظر إليه سليم دون أن يتكلم.
تابع باران:
باران: أحيانًا تحدث لنا أمور نظنها شرًا خالصًا، ونشعر أننا لا نفهم لماذا اختار الله لنا هذا الطريق بالذات، لكن فهمنا محدود، وإدراكنا قاصر، ولذلك لا نرى الخير الذي قد يكون قابعًا في قلب ما نظنه شرًا.
تنهد، ثم تابع بنبرة هادئة:
باران: قد يحفظ الله لنا خيرًا لا نراه، وقد يبعد عنا أمرًا نظنه في البداية خسارة، ثم تمر الأيام والسنوات، فنكتشف أن ما حسبناه شرًا كان يحمل في داخله شيئًا من الرحمة لم نكن نراه.
سكت قليلًا، ثم أضاف:
باران: وربما لو لم يقع ذلك الأمر الذي أوجعنا، لما وصلنا إلى ذلك الخير الذي ينتظرنا بعده، عندها فقط نفهم، ونحمد الله، وندرك أن تدبيره كان أرحم بنا من تدبيرنا لأنفسنا.
حدق سليم فيه لحظات، ثم هز رأسه ساخرًا رغم حزنه.
سليم: أراك تتحدث بالألغاز يا صديقي.
ابتسم باران وقال.
باران: ربما.
عندها قال سليم..
سليم: المهم... كيف حالك أنت يا باران؟.
التفت إليه باران.
تابع سليم:
سليم: منذ عودتك لم أسمع عنك شيئًا، كأنك اختفيت تمامًا، حتى هاتفك لم يعد يرن، ولم أجد وسيلة أتواصل بها معك.
ابتسم باران ابتسامة صغيرة ثم اجابه قائلا.
باران: ألم أقل لك إن بعض الأشياء تحدث لنا، ولا ندرك سبب حدوثها إلا بعد مرور وقت؟.
رفع سليم حاجبه بعدم فعم وقال.
سليم: لا تبدأ فلسفتك من جديد.
ضحك باران واردف.
باران: أنا لا أتفلسف يا رجل.
ليرد عليه سليم بنبرة فيها أستهجان..
سليم: إذن تحدث معي بطريقة أفهمها.
أشار سليم بيده وهو يتحدث.
سليم: أنا أستمع إليك، هيا، أخبرني.
تنفس باران بعمق، ثم بدأ:
باران: أتذكر هاتفي القديم؟.
سليم: بالطبع.
باران: لقد سقط من يدي ذات يوم وتحطم تمامًا.
ابتسم سليم.
سليم: أتذكر أنك أخبرتني بذلك.
باران: في ذلك الوقت كنت أستعد للعودة إلى الوطن، ولم يكن معي ما يكفي من المال لأشتري هاتفًا حديثًا، خصوصًا أنني كنت قد سجلت في بعض الدورات وكنت أحرص على استغلال كل مبلغ معي في شيء يفيدني ويطور مهاراتي و ويزيد من خبرتي.
أومأ سليم.
سليم: نعم، هذا هو نهجك دائما.
تابع باران:
باران: لذلك اكتفيت بهاتف بسيط، كل ما كنت أريده منه أن أستطيع الاتصال بأهلي والاطمئنان عليهم.
ابتسم سليم.
سليم: ولهذا لم أستطع التواصل معك عبر مكالمات الفيديو.
باران: بالضبط.
ثم قال:
باران: وفي الوقت نفسه، كنت أنت قد بدأت تجربتك مع إحدى المؤسسات التي عرضت عليك العمل، وسافرت إلى مدينة أخرى من أجل ذلك.
أومأ سليم.
سليم: نعم، أتذكر، حاولت الاتصال بك أكثر من مرة، ثم اتصلت أنت بي وأخبرتني بما حدث.
باران: صحيح.
صمت باران لحظة.
ثم قال:
باران: لكن الأمر لم يتوقف عند الهاتف.
نظر إليه سليم باهتمام.
سليم: ماذا تقصد؟.
أجابه باران:
باران: في تلك الفترة، كنت أسهر على كل فلس أملكه، كنت أريد أن أستفيد من كل شيء يمكن أن يطورني، ويزيد خبرتي، ويمنحني فرصة أفضل عندما أعود إلى الوطن، لذلك لم يعد الهاتف مهمًا بالنسبة إليّ.
ثم ابتسم ابتسامة حزينة.
باران: ولم أكن أعلم أن ذلك الهاتف البسيط، وذلك الانشغال بالدراسة والعمل، سيجعلانني أفوّت شيئًا مهمًا جدًا في حياتي.
سأله سليم:
سليم: ماذا؟.
نظر باران إلى الأرض لحظة.
باران: زفاف مراد أخي رحمه الله.
سليم: رحمه الله.
ساد الصمت.
قال باران:
باران: في ذلك الوقت كان أخي مراد يستعد لزواجه، وأنا كنت بعيدًا، لم تصلني تفاصيل حفل زفافه، ولم أرَ حتى صورة واحدة من ذلك اليوم.
تنهد سليم.
سليم: آه...
ثم قال بحزن:
سليم: نعم، سمعت بالأمر عندما عدت مأخرا، وعندما عرفت بوفاته، لم أعرف ماذا أقول لك، لكنك ترى ظروفي أيضًا... لقد وصلت إلى أرض الوطن منذ يومين فقط، وها أنت ترى ما حدث.
وضع باران يده على كتفه.
باران: لا عليك يا أخي، أعرف أنك لم تكن بعيدًا عني بإرادتك.
سكت لحظة، ثم أضاف:
باران: وكل ما حدث كان له سبب.
نظر إليه سليم باستغراب.
سليم: ما الذي تقصده؟.
ابتسم باران.
باران: لأنني لو كنت قد رأيت حفل زفافه... ورايت الصور والتفاصيل....
توقف.
ثم قال:
باران: كنت رأيت عروسه.
رمقه سليم بنظرة متسائلة.
سليم: عروسه؟.
باران: نعم.
ثم ابتسم باران ابتسامة غامضة.
باران: لكن دعنا نترك هذه النقطة الآن.
اتسعت ابتسامة سليم فجأة.
سليم: لحظة...
ثم ضحك.
سليم: آه تذكرت الآن!.
رفع باران حاجبه.
باران: ماذا تذكرت؟.
سليم: زواجك!..
ضحك باران.
باران: نعم.
سليم: مبارك لك يا رجل، لكن...
توقف سليم قليلًا، ثم قال بنبرة مازحة:
سليم: أين حبيبتك التي كنت تمسيني وتصبحني على غزل ولوعة وشوق؟.
رفع حاجبه وهو يبتسم بسخرية لطيفة:
سليم: وأين حبيبتك التي صدّعتَ رأسي سنوات وأنت لا تكف عن الحديث عن حبك لها؟، لا تقل لي إنك نسيتها أخيرًا!.....
أين ذهبت تلك الحكاية كلها؟، وكيف تزوجت فجأة من دون مقدمات؟.
انفجر باران ضاحكًا.
باران: وما الذي أحاول أن أقوله لك منذ الصباح؟.
سليم: يا رجل!!...، أنا أستمع إليك!.
وأشار سليم إلى فمه.🫢🤐
سليم: انظر، سأصمت. لن أتكلم.
ابتسم باران.
ثم قال:
باران: حبيبتي التي أحببتها...
قاطعه سليم بسرعة:
سليم: صاحبة الشعر الكستنائي؟.
ثم ضحك.
ثم أضاف مازحًا:
سليم: بما أنك لم تكن تعرف اسمها يومًا، اضطررت إلى إطلاق هذا الاسم عليها.
هز باران رأسه وهو يبتسم.
باران: هي نفسها زوجتي الآن.
تجمدت ابتسامة سليم.
حدق فيه لحظات، وكأنه لم يفهم ما سمعه.
سليم: ماذا قلت؟.
باران: قلت إنها زوجتي.
سليم: لا، لا...
اقترب منه.
سليم: قل غير ذلك!
ضحك باران.
باران: هي نفسها.
استغرب سليم، وحدّق في باران بذهول، وقد اتسعت عيناه حتى كادتا تجحظان، بينما ظل فمه مفتوحًا للحظات من شدة المفاجأة، قبل أن يقول غير مصدّق:
سليم: لكن كيف؟، وأين وجدتها؟، وكيف تقابلتما؟، ومتى؟ وأين كانت طوال هذه السنوات؟.
ضحك باران على كلام صديقه، من اثر الدهشة وقال.
باران: على رسلك يا رجل.
وأشار سليم إلى فمه مرة أخرى.
سليم: حسنًا، حسنًا، لن أتكلم.
أخذ باران نفسًا عميقًا، وأطرق رأسه للحظات، وكأن ذاكرته عادت به إلى سنوات بعيدة، يستحضر تفاصيلها واحدةً تلو الأخرى؛ الأيام التي حمل فيها ذلك الحب في قلبه، واللحظات التي ظن فيها أنه فقدها إلى الأبد، ثم رفع رأسه ببطء، وبدأ يسرد على مسامع سليم الحكاية التي ظلّت محفورة في قلبه طوال تلك السنوات.
باران: كل ما حدث كان طريقًا للوصول إليها.
ثم نظر أمامه وكأنه يراه واقفة امامه، فإبتسم ثغره وهو يقول.
باران: كنت أظن أنني فقدتها حين سافرت، لم أكن أعرف اسمها، ولا حتى مكانها، ولا كيف يمكنني العثور عليها، كنت أعرف عنها أشياء قليلة جدًا، لكنني أحببتها حبًا صادقًا، عفيفًا... حبًا لم أطلب منها يومًا شيئًا سوى أن أحافظ عليه في قلبي.
استمع سليم بصمت.
تابع باران سرد تفاصيل حكايته، فيما أخذت عيناه تتلألآن ببريقٍ امتزج فيه الحنين بالحب، وكأن كل كلمة كان ينطق بها تعيد إليه لحظاتٍ عاشها بكل جوارحه. خرج صوته دافئًا، هادئًا، مشبعًا بذلك الحب والحنان اللذين ظلّا يسكنان قلبه طوال تلك السنوات، وقال:
بارلن: وحين ابتعدت عنها، كانت هي تمر بظروف صعبة، كان زوج أمها رجلًا سيئًا، وكانت حياتها بعيدة كل البعد عن الهدوء.
خفض باران عينيه، وقد أثقل قلبه استحضار حجم المعاناة التي عاشتها ديلان في تلك الفترة، وما حملته وحدها من ألمٍ وخوفٍ وانكسار.
صمت للحظات، وكأنه يحاول أن يستجمع نفسه قبل أن يتابع، ثم رفع عينيه وقال بصوتٍ خافتٍ يفيض تأثرًا:
باران: لكن الله حفظها لي بطريقة لم أكن أتخيلها.
سأل سليم مستغربا:
سليم: وكيف؟.
ابتسم باران، فازدانت ملامحه ببشاشةٍ صادقة عكست السعادة التي يعيشها الآن، وكأن مجرد الحديث عن حياته الحالية كان كفيلًا بأن يملأ قلبه امتنانًا وفرحًا. ثم قال بنبرةٍ دافئة:
باران: أمي.
رفع سليم حاجبيه مستفسرا.
سليم: أمك؟.
اجابه بكل بساطة.
باران: نعم أمي.
ثم إسترسل في الحديث بنفس النبرة وقال:
باران: شاء الله أن تتعرف إليها أمي، وأن تعجب بأخلاقها وتربيتها وطريقة تعاملها، وبعد فترة، أصبحت أمي ترى أنها فتاة تصلح زوجة لمراد أخي، فخطبتها له.
صمت باران للحظات، وقد عادت إليه ذكرى ذلك اليوم بكل ثقلها، يوم علم بالحقيقة وشعر وكأنها أُلقيت فوق قلبه دفعةً واحدة. ارتسم على ملامحه شيء من الألم، قبل أن يأخذ نفسًا هادئًا ويتابع حديثه:
باران: وهكذا تزوجها مراد رحمه الله.
تنهد سليم واخذ نفسا وهو ينظر بذهول إلى باران وقال بصوت خافت وكأنه يخشى ان يفشي سرا خطيرا...
سليم: إذن حبيبتك أصبحت زوجة أخيك؟.
أومأ باران له بالايجاب وقال.
باران: نعم.
ثم تابع مسترسلا مرة اخرى، في سرد كل تلك اللحظات وما حدث معه بنفس النبرة:
باران: لكن بعد الزواج بدأت أمور كثيرة تعكر صفو العلاقة بينهما. دخلت الأكاذيب والشكوك بينهما، وحدثت أشياء جعلت مراد يبتعد عنها، حتى وصل الأمر إلى أنه قرر ألا يقترب منها.
ساد الصمت بينهما ؛ صمتا ثقيلا ثقل تلك الكلمات التي خرجت من فم باران ليواصل حديثه قاىلا.
بارلن: وفي الوقت الذي ظننت فيه أنني فقدتها إلى الأبد، كان الله يحفظها لي بطريقة لم أفهمها إلا بعد مرور الوقت.
ابتلع باران ريقه وكأنه يبتلع غصته التي اثقلت قلبه حينها قال...
باران: ثم وقع الحادث الذي مات فيه مراد.
خفض سليم رأسه وقال.
سليم: رحمه الله.
اكمل باران مواصلا في سرد ما حدث معه ومع حبيبته.
باران: وبعد وفاته، طلب مني والدي أن أتزوجها.
نظر إليه سليم وقد إستغرب من الامر ليسأله.
سليم: لماذا؟.
رد بران وهو يبتسم مرة اخرى قاىلا...
باران لأن والدي وأمي أحباها كثيرًا، أحبا أخلاقها وتربيتها، وكانا يعرفان أنها لم تكن تستحق أن تُترك وحدها في تلك الظروف.
ثم قال بنفس النبرة الهادئة الدافئة:
باران: أراد أبي أن يحفظها ويحميها، ولذلك طلب مني الزواج منها.
ابتسم سليم بدهشة.
سليم: وهكذا تزوجتها؟.
باران: نعم.
لكن سليم عقد حاجبيه وهو ينظر لباران، وكأنه تفطن لشيء غفل عنه باران ليقول..
سليم: لكن كيف حدث هذا؟ ألم تكن تعرف حتى هويتها حينها!.
ابتسم باران وهو يتحدث بصوت متخشرج من فرط المشاعر.
باران: لم أكن أعرفها.
سليم :كيف؟، قالها مستغربا الامر..
باران: لأنها منقبة.
قالها ببساطة واكمل موضحا.
باران: لم أرَ وجهها حتى أصبحت زوجتي.
اتسعت عينا سليم من الدهشة وقال...
سليم: يا سبحان الله...
ثم هز رأسه غير مصدق.
سليم:/ أشعر وكأنني أقرأ قصة من وحي الخيال... أو رواية كتبتها كاتب مخضرما لا قصة رسمتها الحياة بنفسها.
ضحك باران وقال.
باران: وأنا كنت أعيشها دون أن أعرف نهايتها.
ثم سكت لحظة يستشعر تلك اللحظة واردف قائلا.
باران: والآن فقط فهمت لماذا لم أصل إليها عندما كنت أبحث عنها.
ثم نظر إلى سليم واكمل.
باران: كل الطرق التي ظننت أنها أبعدتني عنها كانت في الحقيقة تقودني إليها.
تنهد باران بعمق، مستشعرًا من جديد وطأة تلك الأحاسيس التي اجتاحته في تلك اللحظة، وكأن الذكرى عادت بكل ثقلها لتطرق أبواب قلبه بعد سنوات. سكن للحظات، ثم تابع حديثه بصوتٍ خافتٍ حمل بين كلماته أثر ذلك الألم القديم.
باران: لو اشتريت هاتفًا آخر يومها، ربما بقيت على اتصال دائم، وربما عدت بطريقة مختلفة، وربما رأيت حفل زفاف مراد، وربما كنت رايتها عرفتها، وربما لم يحدث شيء مما حدث...
ثم ابتسم.
باران: لكنني اليوم أؤمن أن الله كان يدبر لي شيئًا لم أكن أراه.
قال سليم:
سليم: ولهذا قلت لي إننا لا نفهم الحكمة إلا بعد وقت.
أومأ باران برأسه وقال.
باران: بالضبط.
ثم أضاف وعيناه تلمعان ببريق الحب الذي غمر فؤاده وسكن قلبه:
باران: لأنني سافرت من أجل العلم، وظننت أنني ابتعدت عن كل شيء أحببته، لكن الله حفظ لي حبيبتي التي أحببتها حبًا عفيفًا طاهرًا، ثم أعاد جمعنا بطريقةٍ لم أكن أتخيلها يومًا، ولا حتى في أكثر أحلامي تفاؤلًا؛ وكأن الله كان يهيّئ لنا لقاءً لم نكن نعرف أنه كُتب لنا، ويقود خطواتنا إلى بعضنا من حيث لم نحتسب.
ابتسم سليم وهو يتخيل كلما سرده له صديقه وقال.
سليم: والآن؟.
ظهرت على وجه باران ابتسامة مختلفة تمامًا.
ابتسامة رجل وجد أخيرًا ما ظل يبحث عنه.
باران: الآن هي زوجتي.
ثم وضع باران يده على صدره، وكأنه يحاول أن يهدّئ قلبه الذي عاد إليه ذلك الشعور من جديد؛ ذلك الخفقان العنيف الذي اجتاحه في تلك اللحظة، حتى خُيّل إليه أن قلبه سيقفز من بين أضلعه، عاجزًا عن احتواء فرحته وذهوله.
باران: والمرأة التي أحببتها وأنا بعيد عنها أصبحت أقرب إنسانة إليّ.
وتابع بصوت أكثر دفئًا:
باران: وهي تحمل طفلنا الآن.
ثم ابتسم ليصحح قوله.
باران: بل ليس طفلًا واحدًا.
حدق سليم فيه لحظة وقال.
سليم: لا تقل لي...
ضحك باران وهو يقول.
باران: توأم.
شهق سليم بدهشة، ثم ضربه بخفة على كتفه.
سليم: مبارك لك يا أخي!.
ضحك باران ورد.
باران: الله يبارك فيك.
سليم: ومتى عرفت؟
باران؛ اليوم.
ثم قال بفخر طفولي لم يستطع إخفاءه:
باران: ذهبنا إلى الطبيبة وعرفنا حتى جنس الجنينين، إنه توأم ذكر.
ابتسم سليم لفرح صديقه.
سليم: مبارك لكما من القلب، أسأل الله أن يحفظهما لكما، وأن تتم ولادة زوجتك على خير، وتراهما بين يديك سالمين، وتحملهما وتربيهما حتى يكبرا أمام عينيك.
أطرق باران رأسه للحظة.
كان الدعاء بسيطًا، لكنه أصاب مكانًا عميقًا في قلبه.
قال بصوت خافت:
باران آمين.
ثم ابتسم.
سليم: يا الله... إنه حلم جميل يا صديقي.
نظر باران إلى السماء للحظات.
باران: كم حلمت بهذا اليوم...
ثم عاد ببصره إلى سليم واكمل.
باران: أن أعود إلى بيتي، وأن تكون المرأة التي أحببتها إلى جواري، وأن يكون لنا أطفال نراهم يكبرون أمام أعيننا.
ابتسم ابتسامة امتزجت فيها السعادة بالامتنان وهو يتحدث.
باران: وها أنا اليوم أعيش ذلك الحلم.
ثم تنهد بعمق واردف.
باران: لم أكن أعرف أن كل تلك الطرق الطويلة، وكل ذلك الفراق، وكل ما ظننته خسارة... كان يقودني في النهاية إلى أجمل ما تمنيت.
ربت سليم على كتفه وقال.
سليم: الحمد لله الذي جمعك بها.
ابتسم باران وهو ينظر لصديقه وقال.
باران: الحمد لله.
ثم أضاف وهو ينظر بعيدًا، وكأن صورة ديلان ظهرت أمام عينيه:
باران: لقد وفقني الله إلى من أحببت.
وسكت الاثنان.
كان الحزن لا يزال حاضرًا في المكان، وفقد زوجة أخي سليم لا يزال جرحًا طازجًا لا يستطيع أحد أن ينكر ألمه.
لكن وسط ذلك الحزن، كان حديث باران يحمل شيئًا آخر.
تذكيرًا صغيرًا بأن الإنسان قد يقف أحيانًا أمام حدث يظنه نهاية كل شيء، بينما تكون خلفه بداية لم يكن يتخيلها.
رفع سليم رأسه، وقال بهدوء:
سليم: ربما لا نفهم اليوم لماذا حدثت بعض الأشياء...
أكمل باران على كلامه:
باران: لكن يكفينا أن نثق بأن الله يعلم ونحن لا نعلم.
ثم تشابكت أيديهما🤝 في صمت.
وفي قلب كل واحد منهما، كان هناك فقد وحلم...
لكن فوق كل ذلك، كان هناك يقين واحد:
أن وراء أقدار الله حِكمًا لا تظهر دفعة واحدة، وإنما يكشفها الزمن، خطوة بعد خطوة، حتى يقف الإنسان يومًا في مكانه، ويلتفت خلفه، فيقول من أعماق قلبه:
الحمد لله... الآن فهمت.
كانت الشمس تميل نحو الغروب حين عادت ديلان إلى المنزل برفقة عائشة وعزت.
كان الطريق هادئًا، لكن داخل ديلان كان كل شيء مختلفًا.
منذ أن خرجت من عيادة الطبيبة، وهي تحمل في قلبها سرًا جميلًا لم تخبر به أحدًا بعد.
توأم.
طفلان صغيران ينبضان داخلها.
طفلان سيصبحان جزءًا من حياتها وحياة باران إلى الأبد.
كانت تضع يدها بين الحين والآخر على بطنها، فتبتسم دون أن تشعر، ثم تعود إلى صمتها حين تلتفت إليها عائشة.
لاحظت عائشة شرودها أكثر من مرة، لكنها لم تسألها.
كانت تظن أن التعب ما يزال يثقلها بعد الأيام العصيبة التي مرت بها.
أما عزت، فكان يقود السيارة بصمت.
وقبل أن يعودوا إلى المنزل بمدة، كان باران قد اتصل بوالده وأخبره بما حدث مع صديقه سليم.
قال له إنه سيذهب لحضور مراسم الجنازة والوقوف إلى جواره في مصابه، وطلب منه ان يمر على المستشفى ليأخذ ديلان ويعود بها إلى المنزل.
وكان عزت قد تفهم الأمر دون تردد، حيث كانت عائشة قد قالت له بان يذهبوا ليطمئنوا على دنيز.
باران: اذهب يا بني، سليم يحتاج إلى إليك في هذا الوقت.
ثم أخبره أنه سيذهب هو وعائشة إلى المستشفى للاطمئنان على دنيز، وأنهما سيعودان مع ديلان إلى المنزل بعد ذلك.
وهكذا افترقوا مؤقتًا، على أن يجتمعوا جميعًا في المساء.
حين دخلت ديلان المنزل، شعرت براحة غريبة.
ربما لأن اليوم كان طويلًا جدًا.
وربما لأنها كانت تحتاج فقط إلى مكان هادئ تستطيع فيه أن تستوعب ما حدث.
ساعدتها عائشة على الجلوس.
عائشة: تبدين متعبة جدًا يا ابنتي.
ابتسمت ديلان.
ديلان: أنا بخير يا أمي، فقط أحتاج إلى بعض الراحة.
جلست عائشة إلى جوارها.
عائشة: الحمل متعب، ومع كل ما مررنا به هذه الأيام، من الطبيعي أن تشعري بالإرهاق.
أومأت ديلان.
كانت على وشك أن تقول شيئًا.
كانت تريد أن تخبرها.
أن تقول لها:
لست متعبة فقط... أنا أحمل طفلين في احشائي.
لكنها توقفت.
ابتسمت في سرها وقالت.
"سأنتظر باران."
كانت تريد أن يرى الدهشة في عيني والديه كما رأتها هي في عينيه.
كانت تريد أن يكونا معًا حين يعلنان الخبر.
ولم تكن تريد أن تسرق من باران تلك اللحظة.
لذلك اكتفت بابتسامة صغيرة.
ثم قالت:
ديلان: ربما أحتاج إلى النوم قليلًا.
قال عزت بحنان ابوي:
عزت: ارتاحي يا ابنتي، اليوم كان طويلًا عليكِ وانت في المستشفى.
رفعت ديلان عينيها إليه وقالت.
ديلان: شكرًا لك يا أبي.
ثم صعدت لشقتها وذهبت إلى غرفتها لترتاح بعض الوقت.
جلست على طرف السرير، ووضعت كلتا يديها على بطنها وقالت.
ديلان: طفلان...
خرجت الكلمة من شفتيها هامسة.
شعرت بدموع ساخنة تلمع في عينيها.
لم تكن دموع حزن,
بل دهشة وفرح وامتنان،
تذكرت كل ما مرت به،
كل ليلة بكت فيها،
كل لحظة شعرت فيها أن الحياة لم تترك لها شيئًا،
ثم نظرت إلى بطنها.
ديلان: سبحان الله...
ابتسمت واكملت.
ديلان: ومن كان يظن أن الله سيعوضني بكل هذا؟.
في الجهة الأخرى، كان باران قد أنهى وقوفه إلى جانب سليم بعد الجنازة والعزاء، ليودعه عل امل اللقاء مرة اخرى قبل ان يغادر متجها الى بيته.
كانت عائشة في وقت سابق، قد وصلت إلى غرفة دنيز مع عزت، كانت ديلان قد سبتها من قبل، حين اتى بها باران قبل ان يغادر إلى صديقه سليم، حيث جلست إلى جانب ديلان.
كانت دنيز أكثر هدوءًا، وإن بقي التعب ظاهرًا على وجهها.
تحدثوا قليلًا، ثم قرروا العودة إلى المنزل.
وفي الطريق، لم تقل ديلان شيئًا عن خبر التوأم.
كانت تنتظر باران.
حل المساء.
واجتمعت العائلة حول مائدة العشاء داخل شقة عزت.
كان التعب لا يزال ظاهرًا على وجوه الجميع، لكن وجودهم معًا منح المكان شيئًا من الدفء.
جلست ديلان إلى جوار باران.
كان باران ينظر إليها بين الحين والآخر.
لاحظ أنها تريد قول شيئًا.
اقترب منها قليلًا وهمس:
باران: هل أنتِ بخير؟.
أومأت وهي تبتسم.
باران: نعم.
ثم ابتسمت مرة أخرى وقالت.
ديلان: لكن أريد أن أخبرهم بخصوص الحمل.
فهم باران من عينيها أن الأمر يتعلق بموعد الطبيبة.
لكنه لم يعلق مثيرا بل طلب منها التريث حتى ينتهوا من العشاء.
وبعد أن تناولوا بعض الطعام وتبادلوا الحديث عن يومهم، وضعت ديلان الملعقة جانبًا.
نظرت إلى الجميع.
ثم إلى باران.
تشابكت أصابعها بأصابعه.
قال باران بهدوء:
باران: لدينا خبر نريد أن نخبركم به.
سكت الجميع.
نظر عزت إليها باهتمام.
وقالت عائشة:
عائشة: ماذا هناك يا ابنتي؟.
ابتسمت ديلان وقالت.
ديلان: ذهبنا اليوم إلى الطبيبة.
تغير وجه عائشة.
عائشة: هل هناك شيء؟.
أسرعت ديلان:
ديلان: لا، لا تقلقي.
ثم نظرت إلى باران.
ابتسم لها وهو ينظر إليها داعما لها.
قالت:
ديلان كل شيء بخير والحمد لله.
تنفست عائشة براحة وقالت.
عائشة: الحمد لله.
لكن ديلان لم تكمل.
كانت تستمتع باللحظة.
نظر إليها باران وضحك بخفوت.
باران: ديلان...
التفتت إليه.
ديلان: ماذا؟.
باران: أخبريهم او ساخبرهم انا.
ضحكت.
ثم قالت:
ديلان: الطبيبة أخبرتنا أن طفلنا...
توقفت.
كان الصمت قد ملأ المائدة.
ثم قالت:
ديلان: ليس طفلًا واحدًا.
شهقت عائشة.
عائشة: ماذا؟.
ابتسم باران وقال.
باران: إنه توأم ذكر.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم وضعت عائشة يدها على فمها، واغرورقت عيناها بالدموع.
عائشة: توأم!!؟....ذكر!!؟
أومأت ديلان.
اكمل باران وهو يبتسم وعينيه تتلألأ بالفرحة..
باران:نعم يا أمي.
نهضت عائشة من مكانها واقتربت منها، واحتضنتها بقوة.
عائشة: يا الله... الحمد لله!.
أما عزت، فظل للحظات غير قادر على الكلام.
ثم ابتسم ابتسامة عريضة.
عزت: توأم ذكر...
ضحك، ثم وقف واحتضن باران.
عزت: مبارك يا بني.
قال باران وهو يضحك:
باران: الله يبارك فيك يا أبي.
عادت عائشة لتحتضن ديلان مرة أخرى.
عائشة: طفلان وذكر!.
ضحكت ديلان وسط دموعها وقالت...
ديلان: نعم.
قال عزت:
عزت: لقد اصبحت شقتك تحتاج إلى غرفتين إضافيتين.
ضحك الجميع.
ثم قال باران:
باران: لا تقلق يا أبي، سنهتم بكل شيء، فهناك ارعة اشهر ختى يأتون، وعذا وقت كافي لكل التجهيزات.
قالت عائشة:
عائشة:سأهتم أنا بهما.
ابتسمت ديلان.
ديلان: أعرف يا أمي.
كانت لحظة بسيطة، لكنها حملت في داخلها شيئًا أكبر من مجرد خبر.
بعد كل ما مروا به، كان ذلك الإعلان يشبه نافذة فتحت فجأة في غرفة مظلمة.
حياة جديدة.
ضحكات جديدة.
وأصوات طفلين سيملآن البيت يومًا ما.
بعد العشاء، صعد باران وديلان إلى شقتهما.
كان الليل قد استقر تمامًا.
أغلقت ديلان الباب خلفهما، ثم تنفست بعمق.
قال باران وهو ممسكا بيدها:
باران: هل أنتِ متعبة؟
ديلان: قليلًا.
باران: إذن لا تجهدي نفسك.
اقترب منها، وأخذ بيدها ليتجه نخغو الاريكة.
جلسا على الأريكة للحظات.
ثم قالت ديلان:
ديلان أخبرني الآن.
نظر إليها.
باران: ماذا؟.
ديلان: ماذا قال لك سليم؟.
ابتسم باران.
باران: كنت أعلم أنك ستسألين.
ديلان: وهل أخبرته عني؟.
باران: قلت له كل شيء تقريبًا.
اتسعت عيناها.
ديلان: كل شيء؟.
ضحك وهو يقول بنبرة ممازحة.
باران: ليس كل شيء، لا تقلقي.
ثم بدأ يحكي لها.
عن جلوسه مع سليم بعد الجنازة.
عن حديثهما عن فقد زوجة أخيه.
عن سؤال سليم عن سبب اختفائه.
ثم أخبرها عن الهاتف الذي تحطم، وعن انشغاله بالدورات والعمل، وعن عدم رؤيته لحفل زفاف مراد.
وعندما وصل إلى النقطة التي اكتشف فيها سليم أن حبيبته القديمة أصبحت زوجته، بدأ يقلد تعبيرات وجه صديقه.
ضحكت ديلان.
ديلان: ماذا قال عندما أخبرته؟.
باران: لم يصدقني.
ديلان: طبيعي، قالتها ببساطة.
باران: ثم قال لي إن قصتي تشبه الروايات او حكاية من ضرب الخيال.
ابتسمت ديلان.
ديلان: ربما لأنها فعلًا كذلك.
نظر إليها باران نظرة كلها حب وقال.
باران: لكنه لم يعرف أجمل فصل فيها.
سالته ديلان بدلال اصبحت تحيده..
ديلان: ما هو؟.
اقترب منها وهمس امام شفتيها.
باران: أنتِ.
خفضت عينيها بخجل وهي تستشعر انفاسه الساخنه التي تلفح وجهها.
عندها اكمل باران وقال:
باران: وعندما أخبرته أنك حامل بتوأم، فرح أكثر مني حتى ظننت انه سيطير من فرط فرحته.
ابتسمت وسألت بمكر.
ديلان: وماذا تمنى لنا؟.
باران: دعا أن أراهما بين يدي، وأن أربيهما حتى يكبرا، ثم أراهما يتزوجان.
ضحكت ديلان.
ديلان: لقد سبقنا بعشرين عامًا.
ضحك باران.
باران: سليم يحب أن يفكر في المستقبل بعيدًا.
ثم صمت قليلًا.
نظر إلى بطنها وهو يمرر بكفه عليها.
باران: طفلان يا ديلان.
ابتسمت وهي تنظر له وترى فرحته التي تشع من عينيه.
ديلان: نعم.
جلس إلى جوارها، واحاط بيده على خصرها.
باران: أشعر أنني لا أستطيع استيعاب الأمر.
وضعت يدها فوق يده التي على بطنها وقالت.
ديلان: وأنا أيضًا.
ليردف باران..
باران: كنت أظن أنني سأفرح عندما أعرف أنني سأصبح أبًا.
ابتسم واكمل.
باران: لكنني لم أتخيل أن الله سيعطيني اثنين دفعة واحدة.
عندها قالت ديلان:
ديلان: ربما أراد الله أن يعوضنا عن كل شيء.
نظر إليها طويلًا.
باران: ربما.
ثم قال متسائلا:
باران: هل فكرتِ في الأسماء؟.
ضحكت.
ديلان: منذ أخبرتني الطبيبة وأنا أفكر.
باران: وأنا كذلك.
ديلان: إذن ابدأ أنت.
فكر قليلًا باران.
اما ديلان ابتسمت.
ديلان: لدي اسم أحبه منذ سنوات.
باران: ما هو؟.
قالت الاسم.
تأمل باران ملامحها.
باران: جميل.
ثم قالها مبتسما:
باران: يبدو أننا سنحتاج إلى ليلة كاملة لاختيار الأسماء.
ضحك.
باران: إذن لدينا الآن ثلاثة احتمالات، وليس احتمالًا واحدًا.
قالت عندها ديلان:
ديلان: المهم أن يكونا بخير.
أومأ بالايجاب وقال.
باران: هذا أهم شيء.
ثم وضع يده فوق بطنها، وقال بصوت خافت:
بارات: هل تسمعانني؟.
ضحكت ديلان.
ديلان: إنهما لا يسمعانك بعد.
باران: لا يهم.
ثم انحنى قليلًا نحو بطنها.
باران: أنا أبوكما.
نظرت إليه ديلان، وامتلأت عيناها بالدموع من السعادة.
ديلان: باران...
رفع رأسه إليها.
باران: ماذا؟.
ديلان: أريد أن أتذكر هذه اللحظة دائمًا.
أمسك وجهها بين يديه وقال بصوت دافئ يشبه الهمي.
باران: ستتذكرينها.
ديلان: أخشى أحيانًا أن تكون السعادة مؤقتة.
تغيرت ملامحه.
باران: لا تقولي ذلك.
ديلان: مررنا بالكثير...
باران: لكننا ما زلنا هنا.
ثم قبّل جبينها قبلة حانية طويلة وقال.
باران: وأمامنا الكثير من الأيام الجميلة.
احتضنته ديلان وقالت...
ديلان: أتمنى أن أكون أمًا جيدة.
ضمها إليه.
باران: وستكونين أفضل أم.
ديلان: وكيف أنت متأكد؟.
باران: لأنني رأيت كيف تحبين الاطفال، قبل أن تكون لديك عائلة، وخير دليل حبك وإهتمامك بملك من قبل .
ثم قال:
باران: وأعرف كيف تحبين الأطفال الآن.
أغمضت عينيها بين ذراعيه.
ديلان: وأنت؟.
باران: ماذا عني؟.
ديلان: هل ستكون أبًا جيدًا؟،
ابتسم.
باران: سأحاول.
رفعت رأسها وقالت وهي ترفع احد حاجبيها متهكمة.
ديلان: فقط؟.
ليجيبها باران بنبرة هادئة مرحة..
باران: سأحاول كل يوم أن أكون أفضل أب لهما.
ثم أضاف:
باران: وسأعلمهما أن أمهما كانت أول حب في حياتي.
ضحكت وهي تمسح دمعة نزلت على خدها وقالت...
ديلان: وأنت ستدللهما كثيرًا.
باران: بالتأكيد، قالها بصوت هادئ.
بنبرة ممازحة قالت....
ديلان: وستفسدهما.
رد عليها باران بصوت جاهد ان يكون جاد...
باران: ربما.
لترد عليه بنفس النبرة...
ديلان: وسأضطر أنا إلى أن أكون صارمة.
ليرد باران بنفس النبرة أيضا....
باران: وأنا سأقف معهما ضدك.
ضحكت بنبرة اطربته.
ديلان: إذن سنختلف.
ليرد عليها باران بنبرة هادئة دافئة..
باران: لكننا سنختلف ونحن نحبهما.
سكتت ديلان.
ثم وضعت يدها على قلبه، بنوع من الدلال وقالت..
ديلان: أريد فقط أن تبقى هذه الحياة هادئة.
غطى يدها بيده وهو ينظر لعينيها وقال....
باران: سنصنع هدوءنا بأنفسنا.
ثم قال:
باران: لن نسمح للماضي أن يأخذ من أطفالنا شيئًا.
نظرت إليه وقالت....
ديلان: ولا من حبنا.
ليرد باران بنفس العبارة...
باران: ولا من حبنا.
احتضنها مرة أخرى.
وبقي الاثنان لبعض الوقت على ذلك الحال، يتحدثان عن أشياء صغيرة لا أهمية لها في نظر العالم، لكنها كانت بالنسبة إليهما تفاصيل مستقبل كامل.
أين ستكون غرفتهما؟،
كيف سيجهزان الغرفة؟،
من سيستيقظ ليلًا حين يبكي الطفلان؟،
ومن منهما سيحملهما أولًا؟،
أي الأسماء سيختاران؟،
وكيف سيكون أول يوم يعودان فيه إلى البيت وهما يحملان طفليهما بين ذراعيهما؟،
كانا يتحدثان وكأن المستقبل أصبح قريبًا جدًا.
وكأن الطفلين لم يعودا مجرد نبضين داخل رحم ديلان، بل شخصين حقيقيين لهما مكان في البيت، وفي القلب، وفي كل حلم قادم.
وحين بدأ التعب يغلب ديلان، أخذها باران إلى السرير.
استلقت إلى جواره، فضمها إلى صدره كما اعتادا.
وضعت رأسها على قلبه.
ابتسمت وقال....
ديلان: ما زلت أحب سماعه.
ضحك بهدوء ورد.....
باران: وأنا ما زلت أحب أن تنامي وأنتِ تسمعينه.
أغمضت عينيها.
وضعت يدها فوق بطنها.
ثم همست:
ديلان: ليلة سعيدة يا صغيريّ.
نظر إليها باران بحنان، ووضع يده فوق يدها وقال....
باران: ليلة سعيدة يا طفليّ.
ثم قبّل جبينها وهو يقول....
باران: وليلة سعيدة يا حبيبتي.
ابتسمت وهي تغفو بين ذراعيه.
وفي تلك الليلة، لم يكن باران يحتضن ديلان وحدها.
كان يحتضن عائلته الصغيرة كلها.
امرأة أحبها حتى جمعه الله بها...
وطفلين لم يرهما بعد، لكنهما أصبحا بالفعل يسكنان أعمق مكان في قلبه.
وخارج نافذتهما، كان الليل يمضي هادئًا.
أما داخلهما، فكانت حياة جديدة قد بدأت تُكتب.
مرّت الأيام، وحملت معها الكثير من التغيّرات التي لم يكن أحد يتوقعها.
كانت دنيز قد تعافت أخيرًا وخرجت من المستشفى، لكنها لم تخرج منه كما دخلته.
خرجت امرأة أخرى...
امرأة فقدت جنينها، وفقدت معه أجمل نعمة وأعظم إحساس كانت تتمناه كل امرأة. كان فقدها موجعًا، ترك في قلبها فراغًا لم يكن من السهل أن يملأه شيء، لكنها، وسط ذلك الألم، خرجت بشيء آخر لم تكن تملكه من قبل؛ خرجت بفهم مختلف للحياة.
علّمتها التجربة أن الحب ليس امتلاكًا، ولا أخذًا دون عطاء، وأن من يحب حقًا يعرف كيف يضحي، وكيف يضع راحة من يحب قبل رغباته.
تعلمت أن الحب ليس أنانيًا، وأن الإنسان قد يضيّع أجمل ما في حياته حين يظن أن من حقه أن يحتفظ بالآخر مهما كان الثمن.
والأهم من ذلك كله، أدركت دنيز أن وجود الإنسان بين أهله، وأن يجد حوله أشخاصًا يحبونه، ويخافون عليه، ويحيطونه بالرعاية والاهتمام، نعمة عظيمة قد يعتادها المرء حتى يظنها أمرًا عاديًا، ثم لا يدرك قيمتها إلا حين يكاد يفقدها.
لذلك تغيّرت.
لم تعد تحمل في قلبها ذلك الحقد القديم، ولم تعد تبحث عن الانتقام أو إثبات الذات على حساب الآخرين.
بدأت تتعلم كيف تنظف قلبها من الكراهية، وكيف تنظر إلى ما مضى باعتباره درسًا لا سجنًا تعيش داخله.
كانت لا تزال تتألم، نعم...
لكنها أصبحت أكثر رضا بقضاء الله وقدره، وأكثر إيمانًا بأن ما أخذه الله منها لحكمة، وأن ما ينتظرها قد يكون أجمل مما تتخيل.
كانت ترفع يديها في خلواتها، وتدعو الله أن يعوضها، وأن يجبر قلبها جبرًا جميلًا، وأن يبدل سيئاتها حسنات، ويمنحها فرصة جديدة لتعيش حياة مختلفة عن تلك التي أضاعت سنواتها فيها.
وفي الجهة الأخرى، كان بيت باران يعيش أجواء مختلفة تمامًا.
فمنذ أن علمت العائلة أن ديلان تحمل توأمًا، امتلأ المنزل بحالة من الفرح والاستعداد.
كان أمامهم أربعة أشهر تقريبًا قبل موعد الولادة، وقد رأى باران أن المدة كافية ليجهز غرفة خاصة لطفليه بكل ما يحتاجانه.
لم يكن يريد أن يترك شيئًا للصدفة.
اختار الغرفة بعناية، وبدأ التخطيط لكل تفاصيلها، من الأسرّة الصغيرة إلى الخزائن، ومن أماكن الملابس إلى كل ما يمكن أن تحتاجه ديلان بعد الولادة.
أما عائشة، فقد أحاطت ديلان برعايتها وكأنها تخشى عليها من نسمة هواء.
كانت سعادتها لا توصف كلما وضعت يدها على بطن ديلان، وكأنها تحاول أن تشعر بحفيديها قبل أن تراهما بعينيها.
وكانت كل ليلة تجمع أفراد العائلة حول مائدة واحدة، فيجلسون لساعات يتناقشون في أسماء الطفلين.
كل واحد يقترح اسمًا، ثم يعترض الآخر، فتتعالى الضحكات، وتتحول الجلسة أحيانًا إلى جدال طريف لا ينتهي إلا بعد أن تتدخل ديلان وهي تضحك:
ديلان: أظن أن الطفلين سيكبران قبل أن تتفقوا على اسميهما!.
فيضحك الجميع، بينما كان باران ينظر إليها بحب، ثم يضع يده على بطنها بحنان وكأن مجرد التفكير في طفليه كان يمنحه حياة جديدة.
كانت تلك الليالي هادئة ودافئة...
ليالي عائلية بسيطة، لكنها كانت تحمل في تفاصيلها سعادة لم تكن العائلة تعرف قيمتها من قبل.
وبعد مرور شهر آخر، كانت دنيز قد حسمت آخر فصل من حياتها السابقة.
صدر الحكم في قضية الطلاق التي رفعتها ضد مدحت، وانتهت علاقتها به رسميًا.
أما مدحت، فبعد عدة جلسات ومرافعات، استطاع محاميه تخفيف العقوبة، ليصدر الحكم بسجنه عشر سنوات.
لم يكن الحكم قادرًا على محو ما حدث، لكنه كان بداية لإغلاق صفحة مؤلمة.
وحين علمت دنيز بالأمر، لم تشعر بالشماتة.
اكتفت بالصمت، ثم أغمضت عينيها للحظات، وكأنها تقول في سرها:
انتهى الأمر...
لم تعد تريد أن تحمل الماضي معها إلى المستقبل.
وفي الوقت نفسه، بدأت الاستعدادات لحفل زفاف روني.
اتفقت العائلتان على أن يكون موعد الزفاف بعد ولادة ديلان، حتى يتسنى لباران استكمال التعديلات المطلوبة في الشقة وفق ما طلبه روني وخطيبته.
وبينما كانت العائلة منشغلة بتلك التحضيرات، كان هناك تغيير آخر يقترب من حياتهم، دون أن يعلم أحد.
في أحد الأيام، رن هاتف باران.
كان المتصل سليم.
ابتسم باران فور أن رأى اسمه على الشاشة وأجاب:
باران: سليم! كيف حالك يا صاح؟.
جاءه صوت صديقه من الطرف الآخر:
سليم: كيف حالك يا باران؟.
باران: بخير، وأنت؟.
صمت سليم لحظة، ثم قال:
سليم: لدي أمر أريد أن أتحدث معك بشأنه، لقد قررت العودة إلى الوطن والاستقرار هنا، وكنت قد طلبت منك أن تبحث لي عن وظيفة في الشركة التي تعمل بها.
ابتسم باران، وكأنه كان ينتظر هذه الكلمات.
باران: لم أنسَ طلبك، وبصراحة، الشركة تحتاج إلى كفاءات مثلك، وقد تحدثت مع الإدارة بشأنك.
ثم أضاف بنبرة سعيدة:
باران: وقد وافقوا على توظيفك.
ضحك سليم بسعادة:
سليم: كنت أعلم أنني أستطيع الاعتماد عليك.
باران: وأنا سعيد لأنك ستعود، سيكون من الجميل أن أراك هنا بدلًا من أن تبقى بعيدًا كل هذه السنوات.
وبالفعل، لم يمض وقت طويل حتى عاد سليم إلى أرض الوطن، واستقر فيها، وبدأ عمله في الشركة.
لكن باران لم يكن يعلم أن عودة صديقه ستفتح بابًا جديدًا في حياة شخص آخر أيضًا.
وفي أحد الأيام، وبينما كان باران جالسًا خلف مكتبه، دخل سليم إليه.
رفع باران عينيه عن الأوراق، وما إن رأى التعبير الغريب على وجه صديقه حتى قال:
باران: هل هناك أمر ما؟.
جلس سليم أمامه، ثم قال بعد لحظة من التردد:
سليم: في الحقيقة، جئت لأطلب منك شيئًا.
باران: تفضل تحت امرك إذا كنت أستطيع مساعدتك.
تنهد سليم قبل أن يقول:
سليم: أخي يبحث عن زوجة... وعن امرأة تستطيع أن تكون أمًا لطفلته الصغيرة.
تغيرت ملامح باران قليلًا.
تابع سليم:
سليم: أنت تعرف ما حدث لزوجة أخي... لقد رحلت بعد ولادتها، وتركت طفلتها الصغيرة، نور، دون أم ترعاها.
خفض عينيه للحظة، ثم قال:
سليم: وأخي لديه أيضًا ابنه أمير، عمره عشر سنوات، وهو بحاجة إلى امرأة تدخل حياته لا لتكون زوجة فقط، بل أمًا حقيقية لطفليه.
ظل باران صامتًا يستمع إليه.
ثم قال سليم بهدوء:
سليم: وأنا... أتمنى أن توافق دنيز.
اتسعت عينا باران قليلًا من المفاجأة وقال...
باران: دنيز؟.
أومأ سليم واكمل.
سليم: نعم، رأيتها وأعرف ما مرت به، وأعرف أنها قد تكون قادرة على منح نور ما فقدته... وربما تجد هي أيضًا في هذه الطفلة شيئًا يعوض جزءًا من الفراغ الذي تركه فقد جنينها.
صمت باران للحظات، ثم ابتسم ابتسامة هادئة.
لم يكن الأمر متوقعًا، لكنه حين فكر فيه وجد فيه معنى لم يكن يستطيع تجاهله.
وبمجرد أن وصل الخبر إلى العائلة، انتشر بينهم بسرعة.
وللمرة الأولى منذ وقت طويل، شعر الجميع أن دنيز ربما تكون على موعد مع عوض جميل بعد كل ما مرت به.
لم يضغط عليها أحد.
كان القرار قرارها وحدها.
وبعد أن فكرت طويلًا، واستخارت الله، وافقت.
لم تمر سوى أيام قليلة حتى اجتمعت العائلتان في منزل والدها إبراهيم.
كانت الأجواء هادئة ومليئة بالمودة.
وبعد أسبوع من الخطبة، تم عقد القران في منزل والدها، بحضور عائلة إبراهيم، وعائلة عمها، وعائلة سليم.
وحين انتهت مراسم العقد، امتلأ البيت بالتهاني والدعوات.
لم يكن احتفالًا صاخبًا، بل كان أشبه ببداية هادئة لحياة جديدة.
وبعد أن تناول الجميع العشاء، جاء وقت الرحيل.
وقفت دنيز عند الباب، ثم حملت الصغيرة نور بين ذراعيها، وحمل فؤاد حقيبتها.
تعلقت بها الطفلة سريعًا، وتشبثت بدنيز من ثيابها بذراعيها الصغيرتين، فابتسمت دنيز رغم الدموع التي لمعت في عينيها.
نظرت إلى وجهها الصغير طويلًا.
كان قلبها يخفق بطريقة غريبة...
وكأنها لم تكن تحمل طفلة بين ذراعيها فحسب، بل كانت تحمل معها فرصة جديدة للحياة.
ضمتها إلى صدرها، وهمست:
دنيز: ستكونين ابنتي يا نور...
ثم طبعت قبلة حانية على جبينها.
وللمرة الأولى منذ فقدت طفلها، شعرت دنيز أن الفراغ الذي سكن قلبها بدأ يجد طريقًا إلى النور.
لم تكن تتوهم أن نور ستعوضها عن جنينها...
فلا أحد يعوض فقدًا كهذا.
لكنها شعرت أن الله أرسل إليها طفلة تحتاج إلى أم، وأرسل إليها في الوقت نفسه قلبًا يحتاج إلى أن يحب من جديد.
وحين صعدت إلى السيارة برفقة زوجها فؤاد، بقيت نور بين ذراعيها، كانت تنظر إليها بحنان لا يشبه أي شيء عرفته من قبل.
أما فؤاد، فالتفت إليها مبتسمًا.
فبادلته الابتسامة، ثم عادت بعينيها إلى الصغيرة.
وفي تلك اللحظة، أدركت دنيز أن حياتها لم تعد تبدأ من المكان الذي انتهت عنده...
بل من هنا.
من هذه الطفلة الصغيرة التي نامت مطمئنة بين ذراعيها، وكأنها تعرف منذ اللحظة الأولى أنها وجدت أمها.
أما دنيز، فكانت تشعر في أعماقها أنها وجدت ابنتها التي عوّضها الله بها عن كل ما خسرته، وكأن القدر منحها فرصة أخيرة لتبدأ من جديد، هذه المرة بقلبٍ سليم، بلا مؤامرات ولا أطماع، وبروحٍ أنهكها الندم ولم يعد لها سوى أن تتعلم كيف تحب بصدق.