
وإنتِ فاكرة إني مبسوط معاكي؟!
مريم بصت لسليم بصدمة، وكأن جملته كانت أقسى من أي خناقة حصلت بينهم قبل كده.
— أمال اتجوزتني ليه؟!
سليم قرب منها خطوة، وعينيه ثابتة عليها.
— سؤال إجابته مش هتعجبك يا مريم.
— جرّب تجاوب بدل ما تفضل طول الوقت تتعامل معايا كأني عدوّتك!
قبل ما يرد، الأسانسير اهتز فجأة، وبعدها النور انطفى.
مريم شهقت، ومدت إيدها في الضلمة تدور على أي حاجة تتمسك بيها.
— سليم؟!
— أنا هنا.
— الأسانسير وقف؟!
— واضح كده.
حاولت تبان متماسكة، لكن أنفاسها المتلاحقة فضحت خوفها. سليم لاحظ إنها بتترعش، فنسي خناقتهم للحظة.
— مريم، بصيلي.
— مش شايفة حاجة أصلًا!
مد إيده لحد ما لقى إيدها ومسكها.
— اسمعي صوتي بس. مفيش حاجة هتحصلك.
— أنا بكره الأماكن المقفولة دي.
نبرة صوتها اتغيرت، وبقت أقرب للبكاء. سليم ضغط على إيدها برفق.
— خلاص، أنا معاكي.
فضل يتكلم معاها لحد ما أنفاسها بدأت تهدى، ولما اشتكت من البرد، خلع جاكته وحطه على كتافها.
مريم رفعت وشها ناحيته، رغم إنها مش قادرة تشوف ملامحه.
— إنت ليه بتعمل كده؟
— بعمل إيه؟
— مرة تخليني أحس إني أكرهك، ومرة تتصرف كأنك خايف عليّا.
سليم سكت.
كان عنده إجابات كتير، لكن ولا إجابة واحدة يقدر يقولها من غير ما يكشف حاجة كان بيحاول يخبيها حتى عن نفسه.
بعد دقائق، رجع النور، والأسانسير اتحرك من جديد.
أول ما الباب اتفتح، مريم سحبت إيدها من إيده بسرعة، كأنها افتكرت فجأة إن الشخص اللي طمّنها من شوية هو نفسه اللي وجعها.
خرجت قبله، لكنه لحقها.
— استني يا مريم.
لفت له.
— نعم؟
كان عايز يقول لها إنه آسف، لكنه في الآخر قال ببرود:
— متبعديش عني بالشكل ده تاني.
مريم ابتسمت ابتسامة صغيرة موجوعة.
— إنت مش عايزني أبعد، وفي نفس الوقت مش عايزني أقرب. طيب أعمل إيه يا سليم؟
وسابته ومشيت.
لأول مرة، ما عرفش يرد عليها.
---
في اليوم التالي، كانت مريم قاعدة في الصالة، بتحاول تقرأ فى كتاب ، سمعت جرس الباب.
فتحت، فوجدت شابًا أنيقًا واقفًا بابتسامة واسعة.
— صباح الخير. أنا آدم، صاحب سليم.
مريم ابتسمت بأدب.
— أهلًا، اتفضل.
دخل آدم، وبص حواليه قبل ما يسأل:
— هو سليم فين؟
— في المكتب، هندهله.
— لا، استني. أنا مش مستعجل أوي.
بص لها بابتسامة مرحة، وبعدها قال:
— هو إنتِ دايمًا هادية كده، ولا أنا جيت في وقت مناسب؟
ضحكت مريم.
— وإنت دايمًا بتسأل أسئلة غريبة كده؟
— على حسب الشخص اللي قدامي.
قبل ما ترد، خرج سليم من المكتب، ووقف لما شافهم بيتكلموا ويضحكوا.
— آدم، إنت جيت إمتى؟
آدم لف له.
— من شوية، وكنت بتعرف على مراتك لحد ما حضرتك قررت تظهر.
سليم تجاهل تعليقه، وبص لمريم.
— ممكن تسيبينا لوحدنا شوية؟
ابتسامتها اختفت.
— حاضر.
مريم دخلت المطبخ، وآدم رجع يبص لسليم بابتسامة مستفزة.
— مالك يا عم؟ هو أنا جيت بيتك أعمل جريمة؟
— أنا عارفك كويس يا آدم، ومش محتاج أفهمك حاجة.
آدم عقد حاجبيه.
— تفهمني إيه بالظبط؟
سليم سكت لحظة، ثم قال:
— خليك في حدودك.
آدم بص له باستغراب، وبعدها ابتسم ابتسامة جانبية.
— حاضر يا سيدي. بس على فكرة، مراتك تستاهل حد يعاملها كويس.
ملامح سليم اتغيرت.
— تقصد إيه؟
— أقصد إنك محظوظ، حتى لو إنت مش واخد بالك.
آدم غيّر الموضوع، لكن الجملة فضلت عالقة في دماغ سليم.
---
بعد يومين، رجع آدم يزور سليم، لكنه المرة دي لقى مريم واقفة على كرسي صغير، بتحاول توصل لكتاب على الرف العالي.
— يا نهار أبيض! إنتِ بتعملي إيه؟!
مريم اتفزعت وكانت هتقع من على الكرسى بسبب الخضة ولكن يد آدم انقذتها على الفور حتى أصبحت بين احضانه، اما ادم فكان غارقا فى عيونها البنية لاحظت مريم نظراته بعدت عنه على الفور ثم قال بأرتباك :
— انا كنت بحاول أجيب الكتاب ده، بس مش عارفة أوصله.
آدم قرب بسرعة، ومد إيده وجاب الكتاب بسهولة، ثم مدّه لها.
— اتفضلي. المرة الجاية نادي على حد بدل ما نقضي الليلة في المستشفى بسبب كتاب!
مريم ضحكت على جملته :
— للدرجة دي؟!
— طبعًا. الكتاب يستاهل، بس مش للدرجة دي.
أخذت الكتاب منه، ولما لاحظت إنه بيبص للعنوان، سألته:
— بتحب الروايات؟
— مش أوي، بس ممكن أبدأ لو فيه حد يرشحلي حاجة حلوة. حد
— يعني إنت مش بتقرأ وعايزني أختارلك كتاب؟
— بالظبط. وأنا واثق في ذوقك.
مريم ابتسمت، وبدأت تحكيله عن الرواية، وعن الشخصيات اللي بتحبها، وآدم كان بيسمعها باهتمام حقيقي، ويسألها عن التفاصيل.
من بعيد، ظهر سليم عند باب المكتب.
وقف يتفرج عليهما، ولاحظ ابتسامة مريم اللي بقاله فترة ما شافهاش.
فضل مكانه للحظات، قبل ما يتقدم ناحيتهم.
— آدم، مش عندك شغل؟
آدم بص لساعته.
— عندي، بس لسه بدري.
— يبقى روح خلصه.
مريم بصت لسليم باستنكار.
— هو إنت بتطرده؟!
— أنا بكلمه هو، مش بكلمك إنتِ.
آدم أخفى ابتسامته بصعوبة، ثم أخذ مفاتيحه.
— خلاص يا سيدي، همشي. أشوفك بعدين يا مريم.
— مع السلامة.
خرج آدم، وسليم فضل واقف مكانه.
مريم رجعت الكتاب للرف، وبعدها بصت له.
— ممكن أعرف إيه مشكلتك مع آدم؟
— معنديش مشكلة معاه.
— أمال بتعامله كده ليه؟
— مريم، متدخليش نفسك في حاجات متخصكيش.
ضحكت بمرارة.
— طبعًا. كل حاجة متخصنيش، وكل سؤال ممنوع، وكل كلمة لازم أحسبها قبل ما أقولها!
لفت عشان تمشي، لكنه ناداها:
— مريم!
وقفت من غير ما تبص له.
سليم كان عايز يقول لها إنه مش بيحب يشوفها بتضحك مع آدم، وإنه اتضايق لما لقاها مرتاحة في وجوده بالشكل ده.
لكنه قال بدلًا من ذلك:
— متنسيش إنك مراتي.
مريم لفت له، وعينيها مليانة وجع.
— وأنا عمري ما نسيت يا سليم. إنت اللي كل يوم بتخليني أتمنى لو كنت نسيت.
ثم دخلت غرفتها وأغلقت الباب.
سليم فضل واقف مكانه، وكلامها بيوجعه أكتر مما توقع.
---
في تلك الليلة، كان سليم جالسًا في مكتبه، أمامه ملفات كثيرة، لكنه لم يقرأ سطرًا واحدًا ، كل ما يدور فى ذهنه
- ليه مش قادر ينتقم منها لحد دلوقتى ، ليه مخدش حقه منها ؟!
فتح درج مكتبه، وأخرج ملفًا قديمًا، اصفرّت أطراف أوراقه من مرور السنين.
كان الملف متعلقًا بالحادث الذي فقد فيه والديه.
قلب صفحاته ببطء، حتى توقفت عيناه عند اسم واحد.
والد مريم.
أغمض عينيه، فعادت إليه صور تلك الليلة.
النيران التي التهمت المخازن، صرخات العاملين، واللحظة التي عرف فيها أن والديه لن يعودا أبدًا.
كان والد مريم أقرب رجال والده إليه، والمسؤول عن كثير من أمور الشركة والمخازن. وثق فيه والده ثقة عمياء، واعتبره واحدًا من أفراد العائلة.
لكن تلك الثقة انتهت بكارثة.
أثبتت التحقيقات تورطه في إشعال الحريق، وأُدين ودخل السجن.
لكن سليم لم يستطع يومًا أن يعتبر الحكم كافيًا.
لم يكن فقدان والديه مجرد حادث بالنسبة له، بل كان بداية حياة كاملة من الألم والوحدة.
ومن يومها، اتخذ قرارًا بأنه سيجعل ذلك الرجل يدفع ثمن كل ما فعله.
مرر أصابعه فوق اسم الرجل في الملف، ثم توقف عند صورة قديمة كانت مرفقة بالأوراق.
صورة تجمع والديه ووالد مريم في إحدى المناسبات.
ضحك بسخرية مريرة.
— كنتوا بتثقوا فيه أكتر مني... وهو كان بيخطط يدمّر كل حاجة!
أغلق الملف بعنف، ثم أسند رأسه إلى الكرسي.
وعندما ظهرت مريم في حياته، وجد أمامه الفرصة التي انتظرها طويلًا.
ابنة الرجل الذي دمّر عائلته.
تزوجها وهو يظن أن الأمر سيكون سهلًا؛ سيجعلها تتعلق به، ثم يحطم قلبها كما تحطم قلبه، ويتركها تواجه الألم الذي عاشه وحده.
لكنه لم يحسب حساب شيء واحد.
أن مريم ليست أباها.
وأنها، رغم كل محاولاته لإبعادها، استطاعت أن تصل إلى مكان داخله لم يقترب منه أحد منذ وفاة والديه.
كان يستطيع أن يجرحها بكلمة، لكنه حين يراها تبكي، يشعر وكأنه هو من تلقى الضربة.
وكان يستطيع أن يتركها وحيدة، لكنه كلما ابتعد عنها، وجد نفسه يبحث عنها من جديد.
رفع عينيه ناحية صورة والديه الموجودة على المكتب.
— أنا وعدتكم إني هرجع حقكم... مش هقدر أنسى اللي حصل.
سكت قليلًا، ثم عاد ينظر إلى الملف.
لكن السؤال الذي كان يهرب منه بدأ يطارده من جديد:
هل مريم مجرد وسيلة لانتقامه؟
ولا بقت الشخص الوحيد اللي ممكن يخسر نفسه لو خسره؟
---
في مساء يوم الحفلة، دخلت مريم الصالة وهي ماسكة فستانها على دراعها.
سليم رفع عينيه من الملف اللي قدامه، وبص للفستان قبل ما يسألها:
— إيه ده؟
— فستاني. عندك اعتراض؟
قفل الملف وحطه على الترابيزة.
— إنتِ ناوية تلبسي ده وتخرجي فين؟
— الحفلة اللي قلتلك عليها. آدم مستنيني.
ملامحه اتغيرت بمجرد ما سمع اسم آدم.
— مش هتروحي في حتة.
مريم بصت له للحظات، مش مصدقة إنه بيتكلم بجد، وبعدها حطت الفستان على الكنبة وقالت بحدة:
— نعم؟! إنت بتقول إيه يا سليم؟
— اللي سمعتيه. مش هتروحي الحفلة.
— وإنت مين عشان تمنعني؟!
قام من مكانه، وبصلها بنظرة حادة.
— أنا جوزك، ومش هسمحلك تخرجي مع راجل تاني.
مريم ضحكت بمرارة.
— راجل تاني؟! ده صاحبك يا سليم! وبعدين لما كنت محتاجة جوزي يقعد معايا ويسألني عن يومي، كنت فين؟ ولما كنت بعيط بسبب معاملتك ليا، كنت فين؟ دلوقتي بس افتكرت إنك جوزي؟!
— مريم، متختبريش صبري.
— وأنا تعبت من إني أفضل أخاف من غضبك! إنت مش هتتحكم في كل خطوة في حياتي.
شالت الفستان من على الكنبة، واتجهت ناحية السلم.
صوته وقفها:
— لو خرجتي من الباب ده، متجيش تلوميني على اللي هيحصل بعد كده.
وقفت مريم، وقلبها بيدق بسرعة، لكنها رفضت تبين له خوفها.
لفت ناحيته وقالت:
— أنا مش هفضل طول عمري أدفع تمن حاجة أنا معملتهاش. إنت عايز تعاملني كأني مراتك وقت ما تحب، وتنسى إني مراتك وقت ما أحتاجك. مش هينفع يا سليم!
وبعدها طلعت أوضتها، وسابته واقف مكانه والغضب بيغلي جواه.
---
بعد وقت قصير، خرجت مريم من أوضتها وهي لابسة فستانها الأسود الأنيق، وشعرها منسدل على كتفيها، وماسكة حقيبتها الصغيرة.
وقفت قدام المراية للحظات، ثم أخذت نفسًا عميقًا.
كانت عارفة إن سليم هيغضب، لكنها قررت إنها مش هتسمح لخوفها منه يتحكم في حياتها.
نزلت السلم، فوجدته واقفًا في الصالة، وكأنه كان مستنيها.
عينيه وقعت عليها، واتجمد مكانه.
مريم وقفت قدامه، رفعت دقنها بتحدٍّ وقالت:
— أنا ماشية.
سليم ما ردش في البداية.
كانت نظراته ثابتة عليها، والغضب بيزيد في ملامحه كل ثانية.
لم يحتمل فكرة إنها هتخرج بالشكل ده، وإن آدم وغيره هيشوفوها، بينما هو واقف عاجز عن إيقافها.
قبض على يده، وحاول يسيطر على نفسه.
— إنتِ مصممة تخليني أفقد أعصابي، صح؟
مريم رفعت حاجبها.
— أنا لبست فستان، مش ارتكبت جريمة.
اقترب منها خطوة، وعيناه لم تفارقاها.
— مريم، أنا قلتلك مش هتروحي.
— وأنا قلتلك إني رايحة.
ساد الصمت بينهما.
كانت مريم بتحاول تحافظ على ثباتها، لكن نظرات سليم كانت مختلفة عن أي مرة شافها فيها قبل كده. غضب حاد، وغيرة واضحة، وشيء آخر أعمق لم تستطع فهمه.
أما سليم، فكان يشعر أن كل ذرة صبر داخله توشك أن تنفد.
بدأ بالاقتراب منها وو......