
أحيانًا لا يحتاج الحب إلى اعترافٍ كي يفضح نفسه... تكفي نظرة طويلة أو ضحكة عابر أو غيرة يحاول صاحبها إخفاءها خلف ملامح باردة.
في هذا المنزل لم يكن أحد يملك الشجاعة ليعترف بما يسكن قلبه. كلهم أحبوا بطريقتهم وكلهم خسروا شيئًا في طريق الحب... ﻷنهم لا يعرفون قيمته.
لكن أخطرهم كان من أقنع نفسه أنه لم يعد يحب؛ جواد... الذي ظن أن السنوات كافية لدفن الماضي وجد نفسه أمام المرأة التي حاول نسيانها. يسمع ضحكتها من غرفة أخيه ويرى راحتها معه فيشعر بشيء يحرق صدره ولا يملك له اسمًا.
أما غزل، فكانت تحاول أن تثبت لنفسها قبل الجميع أنها تجاوزته... ربما ﻷن الجرح كان كافي بأن يجعلها تُصمت هذا القلب، لكن القلب لا يعرف معنى التجاوز حين يرى من أحبه أمامه كل يوم.
وعاد الحب ليطفو فوق الرماد بنيران جديدة. ربما... لم يكن الخوف الحقيقي من اشتعالها بل من أن يكتشف الجميع ما ظل مخبأً تحتها لسنوات.
وفي الليلة التي كانت تمر على غزل وجواد بصعوبة؛ كانت كارما تنعم بدفء أحضان غزل لأول مرة. فلم يكن فقدانها لأمها بسبب الوفاة فقط بل قد تركتها لوقت طويل دون حتى أن تراها لعدة أيام بسبب إحتجازها بالمشفى. تعلم أنها ليست أمها ولكنها وجدت الدفء الذي حرمت منه بين يديها. نامت دون أن تحلم بأحلام سيئة وطمأنينة لا تشتريها الأموال.
وفي منتصف الليل عاد نادر كعادته متأخرًا وسيلين تنتظره بشرود. وحين دخل الغرفة مستعدًا للشجار معها كالعادة وجدها تجلس هادئة. وقف أمامها بهدوء وقال: إيه... مفيش خناقة!
انتبهت إليه سيلين وقالت بهدوء: جيت!
جلس نادر بجوارها وقال: لأ ده كده الموضوع كبير. مالك يا حبيبتي؟
نظرت إليه مطولًا. هي لا تعرف ما حقيقة شعورها وما سببه. وهذا الضيق الذي يحتل قلبها حين ترى رزان مع كنان غير مفسر. كانت تتجاهل الأمر ولكن ما حدث اليوم جعلها تفكر لساعات. هل كانت حرب باردة بينها وبين رزان حتى لا تقترب من صديقها المقرب... أم ما بقلبها نحو كنان أكبر من الصداقة؟ فحين شعرت أنه غاضب منها وهي على وشك خسارته ندمت على ما فعلت ﻷول مرة.
حرك نادر رأسه وهو ينظر إلى عينيها الجامدة أمامه. نظرتها توحي بأنها بعالم آخر. رفع يده يداعب وجنتها وقال بحنان: مالك يا قلبي. ليه سرحانة كده؟ إنتي زعلانة مني؟
نعم... هذا الصراع الذي ينبض بقلبها جعلها تشعر بالشفقة على نادر الذي يحبها حقًا وهي من تفكر بأحد آخر.. وليس بأي أحد!
أمسكت يده وقالت بضعف: خدني في حضنك يا نادر. ماتسبنيش.
ارتمت بين أحضانه فضمها إليه بقوة وقال: أنا عارف إني مقصر معاكي. حقك عليا. أوعدك أول ما الشركة تقف على رجليها بس وأقدر أثبت رجلي في السوق هبقى جنبك على طول.
أغمضت عينيها بحزن. هي من عليها أن تعتذر عن هذا الشعور الذي يتخلل صدرها... لا هو.
حملها نادر ووضعها بالفراش. ثم بدل ثيابه سريعًا وعاد إليها وضمها بين يديه... ولم يتركها حتى الصباح.
أما هي فقررت أن تبتعد عن كنان حتى لا تقع بهذا المأذق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صباح يوم جديد، اشرقت شمس الصباح على هذا القصر البارد وذهب جواد إلى غرفة كارما حتى يطمئن عليها. وحين فتح الباب تفاجأ بأن كارما تنام بين ذراعي غزل. وحين رأها تنام بهدوء ابتسم رغمًا عنه. وقف يتأمل ملامحها التي إشتاق إليها بحنان. يتمنى أن يغمرهما بين أحضانه معًا. وفجأة دخلت أمل الغرفة كي توقظ كارما لتستعد إلى الذهاب إلى الحضانة.
وحين دخلت أمل الغرفة نظرت إلى جواد الذي يقف بصمت وينظر إليهما وهما نائمان. حاول أن يخرج من هذا الموقف فصاح بحدة: إيه اللي نيم دي هنا؟
استيقظت غزل أثر صوته ونهضت كارما بفزع فنظرت إليه غزل بضيق وقالت: فيه إيه على الصبح؟ وداخل هنا ليه أصلًا؟
جواد: وأنا المفروض أستأذن وأنا داخل أوضة بنتي؟
غزل: ﻷ ماقولتش كده بس ليه بتزعق والبنت نايمة. وأكيد عارف إنها بتحلم بكوابيس زي ما قالت أمل؛ تقوم تيجي تزعق وهي نايمة!
اقترب جواد من كارما وضمها بحنان وقال: أنا أسف يا حبيبتي. بس اتخضيت لما لقيت طنط هنا.
كارما: أنا اللي طلبت منها تفضل معايا. وهي خدتني في حضنها وماسبتنيش. والنهاردة ماشفتش أحلام وحشة.
قبلها بحنان وقال: إنتي بنت شطورة وحلوة. حقك عليا أنا اللي وحش.
كارما: ﻷ بابا حلو.
ابتسم إليها وغزل تتابع ما يفعل والابتسامة على ثغرها. للحظة تذكرت جواد حبيبها وليس هذا المتبلد المشاعر. جواد الذي كان يخدعها باسم الحب وبالنهاية تركها وتزوج صديقتها.
حين تذكرت ما فعله اختفت ابتسامتها وتركت الغرفة وذهبت إلى غرفتها. نظر جواد إلى أثرها فقالت أمل: إسمحلي يا جواد بيه؛ بس غزل فعلًا ماسبتش كارما من ساعة ما جات والبنت هديت كتير بعد قعدت معاها. غزل حنينة أوي والطفل بيحس بالحنية؛ ليه بتعاملها كده مع إن ده مش أسلوبك أبدًا؟
كارما: أيوة أنا حبيتها. لو سمحت يا بابا بطل تتخانق معاها.
تنهد جواد ومرر أصابعه بشعر كارما وقال: حاضر يا حبيبتي. عشان خاطرك إنتي بس.
يلا يا أمل جهزيها عشان تروح الحضانة.
كارما: أنا عايزة غزل توصلني.
جواد: خليها ترتاح شوية.
كارما: عشان خاطري. كل البنات بيروحوا مع مامتهم وأنا لأ.
جواد: بس.. غزل مش مامتك.
كارما: هي بتحبني زيها. وبتلعب معايا وحاكتلي حدوتة قبل ما أنام. خليها توصلني.
نظر إليها جواد بحزن. تذكر شعوره حين ذهب إلى المدرسة أول مرة وحيدًا مع السائق. أما نديم فحين التحق بالمدرسة ذهبت معه أمه صافي وبهذا اليوم عرف حقًا معنى أنه لا يملك أمًا حقيقية.
ربما غزل لن تفعل ذلك مع كارما!
التفت إلى أمل وقال: شوفيها لو هترضى تروح معاكم.
أمل: هقولها.
قبل جواد كارما ونزل إلى أسفل كي يتناول الطعام مع باقى أفراد الأسرة.
جلس على الطاولة أولًا ثم نزلوا واحد تلو الآخر. أما هو فكان ينتظر أن يرى ما ستفعله غزل.
جلس نادر بجوار جواد وقال: صباح الخير.
جواد: صباح النور.
نادر: كنت عايز أقولك على حاجة إنت ونديم كده.
نديم: قول. بس لو خبر وحش ماتقولش.
نادر: ماعرفش بقى هتشوفوا الخبر إزاي. بس أنا كلمت سيف ابن عمكوا وقولتله يبطل يقول إن إحنا طردناه والكلام اللي قاله ده عند عز الدين في المكتب.
جواد: ده بيقولوه في كل حتة تقريبًا.
نادر: ما عشان كده بقى كلمته وقولتله يجي يتشغل معايا في الشركة. أهو يبقى ليه دخل بدل ما هو عايش كده عاطل. وكمان قولتله يرجع يعيش في القصر تاني. مهما كان هو ليه في القصر ده زينا. ولا إيه رأيكم؟
نديم: أنا شايف إنها خطوة كويسة يعني. ولا إيه رأيك يا جواد.
جواد: إعملوا اللي إنتوا عايزينه. البيت بيتنا كلنا والشركة بتاعتك وإنت حر فيها يا نادر.
نادر: ما أنا مش عايزك تضايق برده.
جواد بتعجب: ده من إمتى إن شاء الله! نادر إنت مش بتعمل حاجة غير إنك بتضايقني من وإحنا أد كده.
نادر: شايف يا نديم أخوك بيكلمني إزاي؟
جواد: إيه بكدب يعني؟
ندي: بس بقى يا جماعة مش كل يوم خناقة شكل.
قاطع حديثهم نزول غزل وبيدها كارما وخلفهما كنزي وأمل. كان كنان يهبط الدرج ركضًا ومر بجوراهن وقبل أن يجلس على الطاولة. نظر إلى غزل وقال بابتسامة: صباح الفل.
بادلته غزل الابتسامة وقالت: صباح الجري.
كنان: متأخر جدًا.
اقترب من الطاولة وقال: يادوب ساندوتش كده وأجري.
نادر: عندك محاضرة يعني! أصل سيلين قالت مش عايزة تروح.
كنان: يمكن تعبانة. ماعرفش يعني. هطير أنا بقى.
أخذ شطيرة صغيرة بيده وكاد يذهب ولكن أمسكت غزل بملابسه فنظر إليها فهمست إليه: تفتكر نادر ماعرفش فعلًا ولا بيوقعك! أصل أخوك ده مش نازلي من زور.
كنان: ﻷ هو مش بينزل في زور حد عامة. بس أكيد سيلين ماحكتش عشان غلطانة. هي كده. لكن لو مش غلطانة كان زمانها فاضحة الدنيا في البيت كله.
غزل: طيب أخلع قبل ما تنزل.
أومأ إليها وغادر المنزل أما جواد فكان يتابع ما يحدث بضيق. ولكن أخفى هذا الشعور وتحكم بمشاعره حتى لا تشعر كارما بالضيق.
نظر إلى كارما وقال: إفطري بسرعة يا حبيبتي عشان أمل توصلك.
كارما: ﻷ غزل هتوصلني.
جلست غزل بجوارها ووضعت الطعام أمامها وقالت: تحبي تاكلي إيه؟
وضع جواد البيض المسلوق أمامها وقال: هي بتحب البيض.
أخذتها غزل وأزالت القشرة من فوقها ثم أعطتها لكارما فأكلتها ووضعت أمامها العصير.
كان الجميع يلاحظ إهتمام غزل بكارما. أما كنزي فكات تتابع ما يحدث وبقلبها حزن دفين.
ربت نديم على يدها وقال: يلا يا حبيبتي خلصي فطارك ويلا نروح المدرسة سوا.
أومأت إليه. ثم صدع صوت سيف بالمنزل وهو يقول بسعادة: كروما.
ركضت نحوه كارما وقالت: سيف! إنت جيت أخيرًا.
إحتضنها سيف وقبلها وقال: حبيبة سيف إنتي يا صغننة. وحشتيني أوي أوي أوي.
جواد: ما تسأل عليها طيب. حد قالك ماتسألش.
سيف: ﻷ ما أنا قررت أجي أقعد معاها هنا. هي اللي بقيالي خلاص بعد ما كلهم مشيوا. الصغننة اللي شبه ستها دي.
كارما: أنا مش هروح الحضانة. عايزة أقعد مع سيف.
غزل: ﻷ ماينفعش. هو قال هيقعد معاكي يبقى نروح الحضانة ونرجع نقعد معاه.
سيف: اسمعي كلام طنط. أنا هروح الشغل مع عمو نادر وبعدين أرجع نقعد سوا.
كارما: هتلعب معايا بالليجو صح؟
سيف: أيوووة. أنا واحشني الليجو بتاع كاروما.
غزل بتذمر طفولي: وأنا... مش هلعب معاكم؟
سيف: يا سلام! هو إحنا نطول نلعب مع العسل ده. هتلعب معانا يا كاروما؟
كارما: أيوة طبعًا.
زفر جواد وقال: طيب يلا بقى عشان اتأخرتي يا كارما. وأنا كمان هروح الشغل. يلا يا نديم وصل كنزي وتعالى بسرعة عشان الإجتماع.
نديم: طيب بالنسبة لإجتماع المساهمين. هيتعمل في ميعاده؟
جواد: اه إن شاء الله. بس خلينا نخلص الإجتماع ده الأول.
خرجت كارما مع غزل ولحق بهما جواد ثم قال: إركبي يا كارما العربية وسيبي طنط غزل شوية عايز أقولها حاجة.
كارما: حاضر بس ماتزعقلهاش.
أومأ إليها ثم صعدت بالسيارة. نظر جواد إلى غزل وقال بهدوء: عاجبني إنك مش بتضيعي وقت. في يوم واحد كسبتي كارما وكنان. والنهاردة سيف. مساكين. أصل كنت زيهم زمان؛ عبيط بس فوقت بدري بدري.
ابتسمت بتهكم وقالت: اللي يرحم، كنت بتستنى كلمة حلوة. بس عامة فاهماك. الغيرة وحشة برده.
اقتربت منه ونظرت إلى عمق عينيه وقالت: أنا لسه حفظاك يا جواد. حفظاك كويس أوي. بس صعبان عليا... عايز تتكلم وتعترض بس يا عيني مالكش صفة تتكلم بيها. ولا هيبقالك.
تركته وصعدت داخل السيارة وهو ينظر إليها بضيق. لا تزال تتذكر نظراته وغيرته. نعم فهو الذي كان متيمًا بها والآن تقف أمامه وتتحداه بقوة. تكشف عن مشاعره دون رحمة. فهي لما تتغير. لا تزال تلك العنيدة التي لا ترضخ لأحد ولا تخرج من نقاش خاسرة. شعر بالحنين الذي يمزق قلبه فتنهد بقوة وصعد بسيارته وغادر المنزل.
أما نديم فكان يقود السيارة متجهًا إلى المدرسة وبجواره تجلس كنزي شاردة فقال: مالك يا حبيبتي؟
كنزي: مفيش حاجة. هي ماما مش بتتصل بيا ليه؟
ارتبك نديم وقال: ما... ما إنتي عارفة يا حبيبتي إن فيه فرق توقيت بينا وبينهم. وهي لما بتتصل بتكوني إنتي نايمة.
كنزي: يعني مش بتاخد أجازة خالص!
نديم: ﻷ. هي بتشتغل كل يوم.
كنزي: نفسي أشوفها أو اسمع صوتها.
نديم: ماتزعليش يا حبيبتي. لما ترجع أكيد هتيجي تشوفك.
أومأت إليه وعادت لشرودها. كان نديم يعلم أن تلك الكذبة التي يقولها لن تدوم طويلًا لكنه لا يزال لا يملك الجرأة كي يخبرها بالحقيقة بعد.
وصل إلى المدرسة وترجل من السيارة واصطحب كنزي إلى الباب. كاد يذهب ولكن وجد براء يركض إلى الداخل وليان تقول: كل السندوتشات كلها يا براء.
براء: حاضر يا ماما.
اقترب منها وقال: صباح الخير يا مام ليان.
ليان: أهلًا. صباح النور يا أستاذ نديم.
نديم: إن شاء الله على معادنا يوم الجمعة؟
ليان: أنا أسفة إني ماتصلتش بحضرتك. بس الشغل وبراء الوضع صعب.
نديم: هو مفيش حد بيساعدك في البيت؟
ليان: ﻷ فيه. بس براء معتمد عليا في كل حاجة.
نديم: هو حضرتك بتشتغلي إيه؟
ليان: عندي مكتب محاسبة صغير كده على أدي يعني. هي كانت شركة بتاعت بابا وكبيرة بس اللي يسامحه بقى طليقي خسرني كل حاجة.
نديم: ياااه. الظاهر إن حكايتنا واحدة.
ليان: خلينا نتقابل يوم الجمعة في البارك القريبة من المدرسة هنا ونتكلم سوا.
نديم: ياريت. عشان عندي إجتماع دلوقتي.
ليان: وأنا كمان. مش هعطلك بقى.
ذهب كلا منهما إلى عمله. ولحق نديم بجواد إلى غرفة الإجتماعات. أما غزل فقد استغلت وجود كارما بالحضانة وذهبت لتطمئن على والدها بالمشفى. وعلمت من الطبيب أنه سيذهب إلى المنزل غدًا.
أما كنان فذهب إلى الجامعة ودخل المدرج قبل أن يدخل المحاضر بدقائق. جلس بجوار رزان التي نظرت إليه بضيق ثم قالت: مش بترد عليا ليه من امبارح؟
كنان: عشان مش عايز أعملك مشاكل مع أخوكي.
رزان: ماشي بس كنت عايزة اطمن عليك بعد الضربة دي.
كنان: بسيطة يا حبيبتي ماتقلقيش.
رزان: أنا شاكة إن سيلين هي اللي بعتت الصور.
كنان: مش مهم يا رزان مين اللي بعتها. اللي حصل حصل.
رزان: إنت لسه بتدافع عنها بعد اللي عملته! كنان ياريت تفتح عينك شوية عشان بجد هبدأ أفهم تصرفاتك دي غلط.
كنان: تقصدي إيه؟
رزان: إنك لسه بتحبها. واللي هي بتعمله ده ملوش عندي غير تفسير واحد إن هي كمان بتحبك.
كنان بغضب: إيه الجنان اللي إنتي بتقوليه ده؟!
رزان: ما هو محدش شافني في البارك غيرها ولا حد ليه مصلحة إنه يعمل مشكلة ويبعدنا عن بعض غيرها برده. وإنت شايف وفاهم كل حاجة ومطنش ولا أنت عاجبك الوضع وفرحان إنها معجبة بيك وكده.
نهض كنان وقال بضيق: أنا هقوم أحسن بدل ما اسمع كلام يحرق الدم. وأقولك على حاجة يا رزان؛ إفهمي اللي تفهميه. لو إنتي شايفاني وحش أوي كده لدرجة إني أفكر في مرات أخويا بالشكل ده يبقى اللي بينا ملوش لازمة خالص.
غادر المدرج وقبل أن تلحق به دخل المحاضر وأغلق الباب. لم تستطع أن تخرج فزفرت بضيق وجلست مرة أخرى. حاولت أن تتصل به أكثر من مرة ولكنه رفض المكالمات. وعاد إلى المنزل سريعًا.
أما سيلين فنزلت إلى الطابق السفلي لتتناول الطعام بعد أن تأكدت أن المنزل خالي. طلبت من الخدم أن يعدوا إليها الطعام وجلست تنتظرهم بالحديقة.
بعد وقت دخل كنان الحديقة ووجدها تجلس وتأكل وحدها. اقترب منها وقال بضيق: أنا عايزة أعرف إنتي عملتي كده ليه؟!
سيلين: مش لما أفهم إنت عمال تتكلم على إيه من امبارح.
كنان: سيلين إنتي فاهمة أنا أقصد إيه كويس أوي. بدليل إنك عملتي عملتك وروحتي قبل ما أخوها يجي.
سيلين: أنا روحت عشان كنت تعبانة والنهاردة كمان ماروحتش عشان تعبانة. فا ياريت ماتقولش حاجات إنت مش فاهم أسبابها. ومش هقولها تاني يا كنان. أنا ماعرفش إنت تقصد إيه.
كنان: يعني مش إنتي الي بعتي ﻷخو رزان صورتنا سوا؟
سيلين: وأنا هعمل كده ليه؟ اه... قول بقى إن الهانم سخنتك عليا. معقول يا كنان! ده إحنا أصحاب بقالنا سنين. قدرت تنسيك كل ده؟
كنان: أنا مش عارف أصدقك. مش عارف ليه. بس عمومًا يا سيلين أنا هقولك الكلام ده لأول وآخر مرة. مالكيش دعوة برزان خصوصًا إنها قريب أوي هتلاقيها عايشة معاكي في البيت ده.
سيلين بدهشة: هتتجوزها؟
كنان: أمال يعني بتسلى بيها! ما بحبها يعني هتجوزها.
سيلين: شايفة إنك اتسرعت شوية. ده إنت لسه متكلمين مع بعض من قريب يعني.
كنان: شوف مين بيتكلم. إنتي نسيتي إنك اتجوزتي نادر بعد ما عرفتيه بشهر. ولا اه صح. إنتي اتجوزتيه مش عشان حب. لسه فاكر أنا رأيك في الحب لحد دلوقتي. لكن أنا متأكد من حبي لرزان وهتجوزها. عن أذنك.
نعم... أنا الذي لم أؤمن بالعشق يومًا ورأيت الزواج مجرد صفقة مالية. وجاء ذلك القلب ينبض لأول مرة بالوقت الخطأ ومع الشخص الخطأ.
كان سيف يجلس أمام نادر في مكتبه ووقعا عقد الشراكة معًا ثم قال نادر: المحامي هيسجلهم. شايف! كل حاجة جاهزة أهو ومن قبل حتى ما تتكلم معاها. عشان تعرف بس إني واثق فيك وإنك هتقدر توقعها في يومين.
سيف: عيب عليك. كلها كام يوم وتيجي تطلب إيدي منك. ماخدتش بالك إني هقعد مع كارما على طول وعلى حسب كلامك هي ماسبتهاش من ساعة ما جات.
نادر: خدت بالي. بس النهاردة بقى عايزك تروح تظبط نفسك في أوضتك من تاني وتقضي يوم كده معاها لوحدكم والبيت فاضي. عشان تعرف ترسم الدور براحتك. وبكرة تيجي تلاقي مكتبك جاهز.
سيف: تمام. هطير أنا بقى.
غادر سيف ثم اتصل نادر بالمحامي وقال: تعالى خد العقود وخليها عندك ماتسجلهاش دلوقتي. ولو سألك سيف قوله بتاخد إجراءات قانونية.
أما سيف؛ فا قبل أن يغادر الشركة أرسل إليه صديقه رسالة بأن عزيز يبحث عنه. وقد علم أنه ترك منزله القديم ونصحه بألا يظر بأي مكان حتى يسدد الأموال إلى عزيز.
ظهر الخوف على ملامحه. فهو يعلم أن عزيز لن يتركه حتى يسدد الأموال بأي طريقة وهذا ما جعله يرى أن غزل هي مفتاح النجاة لحياته.
ذهب إلى المنزل. وانتظر بالحديقة حتى تأتي كارما. أعد الألعاب وبعض المقبلات واشترى دمية كبيرة إليها.
بعد وقت, وصلت كارما ورأت الألعاب مزينة بالحديقة وسيف ينتظرها. ركضت نحوه بسعادة ولحقت بها غزل التي أحضرتها من الحضانة وهي عائدة من المشفى.
حملها سيف ورفعها بالهواء وهي تضحك بسعادة ثم قال: شفتي جبتلك إيه؟!
نظرت كارما إلى الدمية وقالت: دي عشاني!
سيف: طبعًا. أحلى عروسة ﻷحلى بنوتة قمر.
جلست غزل عن قرب تشاهد كارما وهي تلعب مع سيف بسعادة. لاحظت أن سيف حنون للغاية. وكارما تسمع كلامه وتفذه بحب. حتى أنها تناولت الطعام الذي وضعته أمل إليها بالكامل. كان سيف يرمقها بنظرات مبتسمة ويراقبها بصمت وهي تجلس وتقرأ أحد الكتب. جلس يلعب معها بالمكعبات وهو يراقبها من بعيد.
بعد وقت حاول أن يستغل كارما كي تحضر غزل وتجلس معهما. فقال: مش تاخدي العروسة توريها لطنط غزل!
أومأت إليه كارما بسعادة وحملت الدمية وذهبت نحوها. تركت غزل الكتاب وأجلستها على قدميها ولعبت معها بالدمية. انتظر سيف قليلًا ثم اقترب منهما وقال بسعادة: أنا اللي كسبت! خلصت البيت بتاعي قبلك!
كارما بضيق: ﻷ أنا كنت بلعب مع غزل بالعروسة.
سيف: ما أنا قولتلك توريها العروسة عشان إنتي كل مرة بتكسبيني.
كارما: إنت بتغش يا سيف؟
سيف: امممم. صح أنا غشيت. خلاص إنتي اللي كسبتي. ما إنتي شاطرة أوي وأنا مش بعرف ألعب ليجو زيك. خلاص هنلعب بالعروسة. إيه رأيك؟
كارما: موافقة.
سيف: مش هتسميها بقى.
كارما: هسميها غزل.
سيف: ﻷ... غزل أحلى. هي غزل واحدة بس.
ابتسمت غزل وقالت: ده إيه الدلع ده كله؟
سيف: أسف لو ضايقتك. بس أنا كده لو فيه حاجة حلوة قدامي بقول على طول.
غزل: ﻷ أنا بهزر. تيجي يا كارما نلعب بالليجو سوا.
سيف: دي مفترية لو كسبتك هتحكم عليكي.
غزل: طيب يلا نلعب ولو كسبتك هحكم عليكي برده.
كارما بسعادة: يلا بينا.
لعبوا معًا وبعد وقت كانت كارما تصيح عاليًا بأنها كسبت وصنعت المنزل أولًا. ضحك سيف وغزل وقالت كارما: الحكم بقى. غزل تطلع تجري ولو سيف مسكها يبقى هو اللي هيلعب معايا تاني.
غزل: لأ يا كارما عيب.
كارما: عشان خاطري.
سيف: معلش حتة صغيرة كده بس.
غزل: طيب.
نهضت غزل وركض وراءها سيف. وكارما تصيح عاليًا وتضحك وهي تشجع غزل. حتى وصل صوتها إلى جواد الذي دخل الحديقة بسيارته منذ قليل. ترجل منها وهو يشاهد ما يحدث بين غزل وسيف والغضب يتطاير من عينيه.
إلى متى سيتحمل جواد مشاعر الغيرة التي يكتمها داخل قلبه؟