
في المستشفى...
كانت الساعات تمر ببطء شديد.
بعد أن اختفى سرير دنيز خلف أبواب العناية المركزة، بقيت عائلتها في الممر، لا يعرف أحد منهم ماذا يقول للآخر.
كان إبراهيم جالسًا على أحد المقاعد، وقد أسند ظهره إلى الجدار، بينما جلست صفية إلى جواره، شاردة بعينين متورمتين من البكاء.
أما روني، فكان واقفًا قرب النافذة، يحدق في الخارج دون أن يرى شيئًا.
كانت عائشة تمسح دموعها بصمت، وديلان تجلس بجوارها، فيما وقف عزت إلى جانب أخيه إبراهيم، محاولًا أن يبقى متماسكًا رغم أن قلبه كان يعتصر ألمًا على ما أصاب ابنة أخيه.
وكان باران أكثرهم صمتًا.
وقف أمام باب العناية المركزة، لا يكاد يرمش.
كل ما كان يريده هو أن تفتح دنيز عينيها.
أن يسمع صوتها.
أن يعرف أنها تجاوزت الخطر.
وفجأة، رن هاتفه بجيب سترته.
التفت إليه جميع أفراد العائلة.
اخرج باران هاتفه ورأى إسم صديقه اوكتاي يزين الشاشة، فضغط بسرعة على زر الاجابة، ليأتيه صوت هذا الآخير من الجهة الاخرى قائلا:
أوكتاي: أهلا باران كيف حال دنيز؟.
رد باران بسرعة.
باران: لقد إنتهت عمليتها قبل قليل، وقد نقلت لغرفة العناية المركزة، ونحن ننتظر ان تستيقظ من البنج لنطمئن على صحتها.
سكت اوكتاي برهة وكأنه يفكر فيما سيقول.
اوكتاي: كنت أريد التحدث معك.
تبادل باران مع الجميع النظرات،
شعر باران بانقباض في صدره، فابتعد قليلا عنهم وقال..
باران: هل حدث شيء لدنيز؟.
سألها بسرعة.
أجاب اوكتاي:
اوكتاي: لا، الأمر يتعلق بالحادث والتحقيق.
ساد الصمت.
ثم قال اوكتاي:
اوكتاي: لقد تأكدنا من هوية المشتبه به في حادث دهس السيدة دنيز، وتتبعت الشرطة مكان وجوده.
تقدم باران خطوة وقد إنتابه بعد القلق.
باران: طارق؟.
صمت اوكتاي لحظة، ثم قال.
اوكتاب: نعم.
اخذ باران ونفسا عميق، رغم انه كان يشك به منذ علم بالحادث، لكنه شعر ان الامر ثقيلا حين علم بالحقيقة.
ثم فتح شفتيه وقال:
باران: هل ألقي القبض عليه؟.
لكن اوكتاي لم يجب فورًا.
كانت ملامحه جادة ولم يكن يدري كيف سيقول لباران بما حدث، ثم إستجمع قوته ليخبره اخيرا بسبب إتصاله به.
اوكتاي: لقد وصلنا إلى منزل عائلته، وهناك وقعت مواجهة بينه وبين شقيقه مدحت.
قطب باران حاجبيه.
باران: مدحت؟.
أجابه اوكتاي.
أوكتاي: نعم؛ يبدو أن مدحت كان قد عاد من سفره ولم يكن يعلم بما حدث لزوجته، وعندما واجه شقيقه، وقعت بينهما مشاجرة، وانتهت بإطلاق النار.
توقفت أنفاس الجميع.
قال باران:
باران: إطلاق نار؟!.
أجاب أوكتاي:
أوكتاي: أصيب طارق إصابة بالغة، وقد نُقل إلى المستشفى لتلقي العلاج، بينما تم القبض على مدحت والتحفظ عليه لاستكمال التحقيقات.
ساد صمت ثقيل.
كانت الكلمات تنزل عليه واحدة تلو الأخرى، وكل كلمة تحمل معها صدمة جديدة.
زوج دنيز...
مدحت...
لم يكن يعلم بما حدث لها، ثم وجد نفسه أمام أخيه، واكتشف أنه هو من يقف وراء الحادث.
قال باران بصوت خافت يشبه الهمس:
باران: هل... هل كان طارق هو من صدم ابنة عمي؟.
أوكتاي: الأدلة التي جمعتها الشرطة حتى الآن تشير إلى ذلك، وقد أدلى أيضًا باعترافات أثناء المواجهة مع شقيقه، وسيتم توثيق كل ذلك رسميًا ضمن التحقيق، حسب التحقيقات الاولية التي اجريت مع مدحت، بموقع الجريمة لا ندري اهي هلوسات، ام انها حقيقة تفوه بها لا أراديا من وقع الصدمة.
أغمض باران عينيه.
لم يعرف هل يشعر بالغضب أم بالراحة لأن الرجل الذي تسبب في كل هذا أصبح في قبضة الشرطة، ولم يكن يعلم انه يصارع الخياة الآن داهل سيارة الاسعاف، بينما مدحت هو من يوجد بقيضة رجال الشرطة.
لكن قبل أن يستطيع استيعاب الخبر، دوّى صوت عجلات سرير سريع في الممر المقابل امامه.
التفت الجميع.
كان عدد من الممرضين يدفعون سريرًا مسرعًا، وفوقه رجل مصاب إصابات بالغة، تحيط به الأجهزة والضمادات.
كان وجهه شاحبًا، وثيابه ملطخة بالدماء.
توقفت صفية عن التنفس للحظة، ما إن وقعت عيناه عليه وقالت.
صفية: طارق...
خرج الاسم من بين شفتيها كأنها لم تصدق ما رأته.
اندفعت نحوه غريزيًا، لكن أحد الممرضين منعها.
الممرض: سيدتي، ابتعدي من فضلك، حالته حرجة.
صفية: إنه هو من دهي ابنتي!.
صرخت صفية.
صفية: دعوني أراه!.
لكن السرير كان قد تجاوزها، متجهًا بسرعة نحو قسم الطوارئ.
ركضت خلفه وهي تبكي:
صفية: طارق! لماذا فعلت ذلك بابنتي لماذا!.
حاول إبراهيم الإمساك بها.
إبراهيم: صفية، اهدئي!.
لكنها انهارت بين يديه.
صفية: ماذا حدث؟! ولماذا فعل ذلك بها؟! وأين مدحت؟!.
لم يعرف أحد كيف يجيبها.
كانت حنيفة، والدة طارق ومدحت، قد وصلت إلى المستشفى بعد أن أبلغتها الشرطة بما حدث، بعد ان عادت ورأت بعض الجيران مجتمعين امام البناية التي تقطن بها، وقد طاوقت الشرطة المكان، وما إن إقتربت حتى نهرها احد الشرطة لتبتعد، فاجابته انها تسكن هنا، وعندها سألها عن إسمها، فقالت ان أسمها حنيفةسارتاس، عندها قالها قبل ان يدخل بها الشقة، وقد تفاجئت مما، حيث أخبرها الشرطي بأن مدحت اخذ لمركز الشرطة مكبلا بالأغلال، اما الثاني فكان قد أخذته سيارة الإسعاف التي نقلته قبل برهة من عودتها، فيما بقيت هي مذهولة مما تراه وتسمه من همهمات الجيران، الذين إجتمعوا فور سماع صوت الرصاص، الذي اعقبه صوت صفارات إنذار سيارات الشرطة، جاهلة ماحدث بين أبنائها.
دخلت الممر مسرعة، وشعرها مبعثر وقد ان زلف من خلف ىاسها ححابها، الي كان موضوعا على رأسها بإهمال واضح، وملامحها منهارة، وكأنها قطعت الطريق كله وهي لا تعرف سوى أن كارثة وقعت في بيتها.
كانت عيناها تبحثان بين الوجوه.
حنيفة: أين إبني؟!.
لم يجبها أحد.
اقتربت من أحد رجال الشرطة، الذين مانوا رفقة سيارة الاسعاف.
حنيفة: أين طارق؟ أين ابني؟!.
قال الشرطي بهدوء:
الشرطي: ابنك طارق نُقل إلى الطوارئ وحالته حرجة.
وضعت يدها على صدرها.
حنيفة: حالته حرجة؟!.
ثم تذكرت ابنها الآخر.
حنيفة: ومدحت؟.
صمت الشرطي لحظة.
الشرطي: لقد تم القبض عليه، وليس هنا، هو بقي بين يدي الشرطة.
حدقت فيه غير مصدقة.
حنيفة: قبضتم على مدحت؟!.
الشرطي: نعم.
تراجعت خطوة.
حنيفة: لماذا؟.
لم تستطع أن تستوعب الامر،
مدحت كان ابنها،
طارق كان ابنها،
وأحدهما الآن في المستشفى يصارع الموت، والآخر خلف قبضة الشرطة.
قالت وهي تبكي:
حنيفة: ماذا حدث في بيتي؟!.
لم يجبها أحد للحظات.
ثم قال الشرطي:
الشرطي: نحتاج إلى أن تهدئي أولًا.
صرخت:
حنيفة: كيف أهدأ؟! أحد أبنائي بين الحياة والموت، والآخر قبضتم عليه! ماذا فعلوا؟!.
كانت الكلمات تتساقط منها متقطعة، ثم انهارت على المقعد، ولم تلمح من كان يقف بالجهة الاخرى، وهي تردد:
حنيفة: يا رب... يا رب، لا تأخذ مني أحدًا...
راقبتها ديلان بعينين دامعتين.
كان المشهد أكبر من أن يحتمله أحد.
وفي وسط كل تلك الفوضى، خرج طبيب من العناية المركزة.
التفت الجميع إليه.
الجميع: دكتور!.
اقترب باران بسرعة.
باران: دنيز؟.
قال الطبيب:
الطبيب: بدأت تستعيد وعيها تدريجيًا، سننقلها إلى غرفة المراقبة، لكن تأثير التخدير لا يزال قويًا عليها، لذلك قد تكون مشوشة في البداية.
اقترب إبراهيم.
إبراهيم: هل هي بخير؟.
الطبيب: حالتها مستقرة في الوقت الحالي، لكننا سنراقبها عن قرب.
تنفس الجميع براحة ممزوجة بالخوف.
وبعد دقائق، سُمح لوالديها برؤيتها من خلف الزجاج.
كانت دنيز مستلقية على السرير، شاحبة الوجه، وقد بدت آثار العملية والإرهاق واضحة على ملامحها.
كانت عيناها مغلقتين.
ثم تحركت أصابعها.
ارتجفت جفونها.
وببطء شديد، فتحت عينيها.
كانت الرؤية أمامها ضبابية.
حاولت تحريك رأسها، فشعرت بثقل في جسدها وألم منتشر في أنحاء جسدها.
سمعت أصواتًا بعيدة.
الممرضة: دنيز...
لم تستطع تحديد صاحب الصوت.
حاولت الكلام، لكن حلقها كان جافًا.
دنيز: أ... أين أنا؟.
اقتربت منها الممرضة.
الممرضة: أنت في المستشفى، أنت بخير الآن، حاولي ألا تتعبي نفسك.
أغمضت عينيها للحظة،
ثم تذكرت،
السيارة...
الشارع...
صرخة والدتها...
ثم السقوط،
فتحت عينيها فجأة.
دنيز: أمي...؟.
الممرضة: والدتك بخير، وهي هنا.
تنفست براحة.
لكن بعد ثوانٍ فقط، تغيرت ملامحها.
وضعت يدها على بطنها دون وعي.
دنيز: طفلي...
توقفت الممرضة.
حدقت دنيز فيها.
دنيز: أين طفلي؟.
لم تجبها الممرضة.
شعرت دنيز بالخوف.
دنيز: قلت أين طفلي؟!.
ارتفع صوتها رغم ضعفها.
الممرضة: كان بخير... الطبيب قال لي إنه بخير... لقد كنت في الشهر الثاني...
بدأ قلبها يخفق بسرعة.
دنيز: أريد أن أراه.
دخلت الطبيبة النسائية إلى الغرفة.
جلست إلى جوارها وأمسكت يدها.
الطبيبة: دنيز...
نظرت إليها دنيز.
وكانت تلك النظرة كافية لتفهم أن هناك شيئًا خطيرًا.
دنيز: لماذا تنظرين إليّ هكذا؟.
سكتت الطبيبة.
دنيز: أين طفلي؟.
اغرورقت عينا دنيز بالدموع.
دنيز: أرجوكِ... أخبريني.
قالت الطبيبة برفق:
الطبيبة: لقد بذلنا كل ما نستطيع.
هزت دنيز رأسها بسرعة.
دنيز: لا...
الطبيبة: النزيف كان شديدًا جدًا...
دنيز: لا...
بدأت دموعها تنهمر.
الطبيبة: قلتِ إنني سأكون بخير... قلتِ إن العملية نجحت...
الطبيبة: نجت حياتك، دنيز.
شهقت.
دنيز: وطفلي؟.
لم تستطع الطبيبة أن تتهرب أكثر.
الطبيبة: لم نتمكن من إنقاذ الحمل.
توقفت دنيز عن التنفس للحظات.
حدقت فيها دون رمشة.
ثم همست:
دنيز: ماذا؟.
الطبيبة: فقدتِ جنينك.
ارتجفت شفتاها.
دنيز: لا...
وضعت يدها على بطنها.
دنيز: لا... لا، هذا غير صحيح.
بدأت تهز رأسها.
دنيز: كان هنا...
ثم انفجرت باكية:
دنيز: كان طفلي هنا!.
حاولت الطبيبة تهدئتها.
لكن دنيز دفعتها بضعف.
دنيز: لا! أريد طفلي!.
ارتفع صوتها بالبكاء.
دنيز: أريد طفلي!.
وفي الخارج، كان إبراهيم وصفية يسمعان صوتها.
وضعت صفية يدها على فمها، وانهمرت دموعها.
أما إبراهيم فأغمض عينيه، عاجزًا عن تحمل صرخة ابنته.
لكن الحقيقة الأصعب لم تكن قد قيلت بعد.
جلست الطبيبة إلى جوار دنيز، وأمسكت يدها.
الطبيبة: دنيز... هناك أمر آخر.
رفعت دنيز عينيها إليها، وقد غمرهما الخوف.
دنيز: ماذا؟.
الطبيبة: بسبب النزيف الذي لم يتوقف، اضطررنا إلى اتخاذ قرار عاجل لإنقاذ حياتك.
سكتت.
الطبيبة: اضطررنا إلى استئصال الرحم.
لم تفهم دنيز الكلمة في البداية.
حدقت فيها.
دنيز: ماذا يعني ذلك؟.
انخفض صوت الطبيبة:
الطبيبة: لن تتمكني من الحمل مرة أخرى.
كأن العالم كله توقف.
لم تبكِ دنيز.
لم تصرخ.
لم تتحرك.
فقط حدقت في الفراغ.
ثم وضعت يدها على بطنها ببطء.
دنيز: لن... أستطيع؟.
هزت الطبيبة رأسها بحزن.
بدأت الدموع تنزل من عيني دنيز بصمت.
ثم همست:
دنيز: يعني... انتهى كل شيء؟.
لم تجب الطبيبة.
أغمضت دنيز عينيها.
تذكرت ابتسامتها عندما أخبرتها الطبيبة في العيادة أنها حامل.
تذكرت كيف وضعت يدها على بطنها في طريق العودة.
كيف بدأت تفكر في اسم طفلها.
كيف تخيلت نفسها تحمل صغيرها بين ذراعيها.
كيف أرادت أن تخبر مدحت...
ثم فتحت عينيها فجأة.
دنيز: مدحت!.
التفتت إلى الطبيبة.
دنيز: أين زوجي؟.
صمتت الطبيبة.
دنيز: هل يعلم؟.
ثم قالت بلهفة:
دنيز: اتصلوا بمدحت!، وبدات تصرخ وصوتها يرتفع مما إظطر الطبيبة لإعطائها حقنة مهدئة، جعلتها تغفوا هذه المرة على نداء مدحت وطفلها.
في الخارج، كانت العائلة تسمع كل شيء، ولم يكن أحد منهم يملك الشجاعة للدخول إليها.
اقترب باران من إبراهيم، ووضع يده على كتفه.
لكن قبل أن يتكلم، وصل اوكتاي الذي كان قد أبلغهم بالخبر، إقترب من باران وهمس قائلا:
اوكتاي: هناك أمر آخر يجب أن تعرفوه.
التفت الجميع إليه.
اوكتاي: أثناء مواجهة مدحت لطارق، اعترف طارق أمام شقيقه بأنه هو من دبر حادث دنيز، وأنه تعمد صدمها حتى يمنعها من الإدلاء بمزيد من المعلومات للشرطة.
ساد صمت ثقيل.
قال روني:
روني: إذن... كان يريد قتلها؟.
اوكاتي: هذا ما تشير إليه أقوال مدحت الأولية والأدلة التي لدينا.
شهقت صفية.
أما حنيفة، التي كانت تجلس غير بعيد، رفعت رأسها ببطء.
كانت قد سمعت الكلمات.
حنيفة: طارق...؟.
ثم أخذت تبكي وقد إنتبهت أخيرا، لمن يقف بالجهة الأخرى، وقد وصلها الحديث الذي دار بينهم.
حنيفة: ابني فعل ذلك؟.
لم يجبها أحد.
رفعت يديها إلى وجهها.
حنيفة: لماذا يا طارق؟ لماذا؟.
وفي اللحظة نفسها، خرج طبيب آخر مسرعًا من جهة الطوارئ.
التفتت إليه حنيفة.
حنيفة: ابني!.
اقتربت منه.
حنيفة: كيف حال طارق؟.
أجاب الطبيب:
الطبيب: حالته حرجة، وقد أصيب بإصابة بالغة، ونحاول الآن السيطرة على النزيف والمحافظة على استقرار حالته، سننقله لغرفة العمليات الآن.
انهارت حنيفة في مكانها.
حنيفة: يا رب...
ثم نظرت إلى جهة أخرى حيث كان رجال الشرطة يقفون، إقتربت من اوكتاي الذي إقترب من الشرطيين الذين كانا امام غرفة الطوارئ، بعد ان رأى الطبيب يخرج من الغرفة، ليسأله عن حالة طارق.
حنيفة: ومدحت؟.
قال أوكتاي:
اوكتاي: سيتم لاستكمال التحقيق معه.
بكت حنيفة بحرقة.
ابنان...
واحد بين الحياة والموت.
والآخر اقتيد مكبلًا أمام عينيها.
وفي الجهة الأخرى من الممر، كانت دنيز نائمة بفعل المهدئ، بعد ان إنهارت على طفل لم يمهله القدر حتى يولد، وعلى أمومة لم تكن تعلم أنها ستفقدها في ذلك اليوم نفسه.
أما باران، فوقف أمام باب غرفتها، وقد أثقل الحزن قلبه.
كان يعلم أن دنيز حين تستوعب كل ما حدث، لن يكون الألم في جسدها هو الأصعب...
بل ذلك الفراغ الذي تركه طفلها في قلبها، والحقيقة التي ستعيش معها بقية حياتها.
وفي تلك الليلة، لم تعد عائلة دنيز تنتظر خبرًا واحدًا.
كانوا ينتظرون ثلاثة أخبار في وقت واحد:
هل ستنجو دنيز من آثار ما حدث؟،
هل سينجو طارق من إصابته؟،
وماذا سيحدث لمدحت بعد أن أصبح هو نفسه طرفًا في مأساة انتهت بدم أخيه؟.
لكن أصعب سؤال بقي معلقًا في ذلك الممر كان سؤالًا لم يجد أحد جوابًا له:
كيف سيخبرون دنيز أن الرجل الذي أراد قتلها لم يكن غريبًا... بل كان قريبًا منها إلى الحد الذي لم يخطر ببالها يومًا؟.
بعد أن أُدخل طارق إلى غرفة العمليات، خيّم صمت ثقيل على ممرات المستشفى.
كان يومًا طويلًا بصورة تفوق قدرة الجميع على الاحتمال.
حادث دنيز، العملية الجراحية، فقدان جنينها، استئصال رحمها، ثم ظهور الحقيقة الصادمة حول طارق، وأخيرًا وصوله إلى المستشفى مصابًا إصابات بالغة، وإلقاء القبض على مدحت...
أحداث متلاحقة، لم تمنح أحدًا فرصة لالتقاط أنفاسه.
وبقيت كل لحظة من ذلك اليوم عالقة في أذهانهم كأنها لم تنتهِ بعد.
كانت دنيز قد نُقلت أخيرًا من غرفة العمليات إلى غرفة عادية بعد أن استقرت حالتها، وإن كانت لا تزال تحت المراقبة الطبية.
وقبل أن تخرج الطبيبة من الغرفة، كانت قد أعطتها حقنة مهدئة تساعدها على النوم والراحة بعد الانهيار النفسي والجسدي الذي تعرضت له.
وبالفعل، لم تمضِ سوى دقائق حتى بدأت جفون دنيز تثقل.
كانت صفية جالسة إلى جوارها، تمسك يدها، بينما كانت دنيز غارقة في نوم مضطرب، تتخلله بين الحين والآخر حركة خفيفة من أصابعها أو انقباض في ملامحها، وكأن عقلها حتى أثناء النوم لم يستطع أن يهرب من كل ما حدث.
ظلت صفية تنظر إلى وجه ابنتها طويلًا.
كانت تريد أن تبكي، أن تصرخ، أن تسأل الله لماذا كان عليها أن تدفع كل هذا الثمن...
لكنها لم تستطع.
كل ما استطاعت فعله هو أن تمرر يدها على شعر ابنتها برفق وتهمس:
صفية: نامي يا ابنتي... نامي، وحين تستيقظين سأكون هنا.
ثم انحنت وقبّلت جبينها.
في الخارج، كانت عائشة وديلان تجلسان في الممر.
لم تكن أي منهما قد استعادت قدرتها على استيعاب ما جرى.
قالت عائشة بصوت خافت:
عائشة: وكأن هذا اليوم لم يكن يومًا واحدًا... بل سنوات من المصائب اجتمعت في ساعات.
خفضت ديلان عينيها.
ديلان: لا أستطيع أن أتخيل ما ستشعر به دنيز حين تستيقظ وتبدأ باستيعاب كل شيء.
تنهدت عائشة بحزن.
عائشة: الله وحده يعلم كيف سيقوي قلبها.
كانت ديلان تفكر في الأمر نفسه.
لقد نجت دنيز من الموت، وهذا وحده كان نعمة عظيمة، لكن النجاة هذه المرة لم تأتِ بلا ثمن.
فقدت طفلها...
وفقدت قدرتها على الحمل...
وفوق ذلك كله، اكتشفت أن أخ الرجل الذي وثقت به في مرحلة من حياتها كان متورطًا في محاولة قتلها.
رفعت ديلان عينيها نحو باب الغرفة وهمست:
ديلان: أتمنى فقط ألا تنكسر من الداخل.
وضعت عائشة يدها على يدها.
عائشة: لن ندعها تواجه ذلك وحدها.
وفي مكان آخر قريب من المستشفى، كان باران يسير إلى جانب صديقه الضابط أوكتاي، برفقة عزت وإبراهيم.
كانوا يريدون معرفة الحقيقة كاملة.
لم يعد يكفي أن يعرفوا أن طارق هو من يقف وراء الحادث.
كانوا يريدون معرفة كيف حدث كل شيء، ولماذا، وما الذي دفعه إلى ارتكاب تلك الجريمة.
جلسوا في إحدى الغرف المخصصة للتحقيقات والمتابعة، بينما بدأ أوكتاي يشرح لهم ما توصلت إليه الشرطة.
قال:
اوكتاي: منذ لحظة وقوع الحادث، تعاملنا معه في البداية باعتباره حادث دهس مجهول الفاعل، لكن أقوال الشهود جعلتنا نشك في أنه لم يكن حادثًا عابرًا.
سأله إبراهيم:
إبراهيم: ماذا تقصد؟.
فتح أوكتاي ملفًا أمامه.
اوكتاي: الشهود أكدوا أن السيارة كانت تسير بسرعة كبيرة، والأهم أنهم لاحظوا أنها اتجهت نحو دنيز بصورة مباشرة قبل أن تصدمها، ثم غادرت المكان دون محاولة التوقف أو تقديم المساعدة.
شد باران قبضته.
كان الغضب لا يزال مشتعلًا في صدره.
تابع أوكتاي:
اوكتاي: بعد ذلك بدأنا بتتبع كاميرات المراقبة الموجودة في المنطقة.
أخرج بعض الصور والتسجيلات التي تم تفريغها من الكاميرات.
اوكتاي: هذه الكاميرات أظهرت السيارة وهي تمر بالقرب من العيادة التي كانت دنيز فيها مع والدتها، ثم ظهرت مرة أخرى بعد خروجهما.
أشار إلى إحدى الصور.
اوكتاي: السيارة لم تكن تمر بالمصادفة.
نظر إبراهيم إلى الشاشة.
إبراهيم: كيف عرفتم ذلك؟.
أجاب أوكتاي:
اوكتاي: لأنها ظهرت في أكثر من موقع على الطريق نفسه، وبالتوقيت الذي دخلت وخرجت فيه دنيز من العيادة، ثم توقفت في مكان قريب، وانتظرت حتى بدأت دنيز ووالدتها بالعبور.
تدخل باران:
باران: ثم انطلقت نحوها؟.
أومأ أوكتاي.
اوكتاي: بالضبط.
ساد الصمت.
كانت الصورة وحدها كافية لتجعل الحقيقة أكثر قسوة.
قال أوكتاي:
اوكتاي: وبعد مقارنة السيارة بلوحة التسجيل، وتتبع مسارها، ثم مطابقة الصور التي التقطتها إحدى الكاميرات الأمامية مع بيانات المركبة، تمكنا من تحديد هوية مالكها.
قال إبراهيم:
إبراهيم: طارق.
اوكتاي: نعم، كان قد إستأجرها بيوم سابق من احد المعارض.
أغلق أوكتاي الملف للحظة ثم قال:
اوكتاي: لكن تحديد السيارة وحده لم يكن كافيًا لإثبات أن طارق هو السائق، لذلك واصلنا جمع الأدلة، وعندما ظهرت صورة للسائق من إحدى الكاميرات، بدأ التطابق مع معلومات التحقيق السابق حول طارق يصبح أكثر وضوحًا.
قال باران:
باران: ثم جاءت مواجهته...
أومأ أوكتاي.
اوكتاي: بالضبط.
تنفس بعمق.
اوكتاي: في تلك الأثناء، كانت الشرطة قد وصلت إلى منزل والدته، وهناك اكتشفنا أن طارق كان يستعد للفرار، كانت ملابسه داخل حقيبة، والسلاح موجودًا في الغرفة.
قال عزت:
عزت: وماذا عن مدحت؟.
أجاب أوكتاي:
اوكتاي: هنا تغيرت القضية بالكامل.
ثم شرح لهم ما حدث.
اوكتاي: كان مدحت قد عاد من سفره دون علمه بما جرى لزوجته، ثم مرّ بشقة والدته، فوجد بابها مفتوحًا، وسمع أصواتًا من غرفة طارق.
دخل...
ورأى شقيقه يحزم أمتعته بصورة متعجلة،
ثم رأى السلاح،
تحدثا، وبدأ الشك يتصاعد، قبل أن يتلقى مدحت اتصال باران ويعرف بحادث دنيز.
وعندما حاول طارق الفرار، واجهه مدحت.
سكت أوكتاي برهة يتأمل الوجوه التي كانت مجهمة، من هول ما حدث اليوم:
اوكتاي: خلال المواجهة، اعترف طارق أمام أخيه بأنه هو من دبر حادث دنيز.
صمت الجميع.
ثم أضاف ليكمل كلامه:
اوكتاي: وقال بوضوح إن السبب هو خوفه من أن تكون قد أبلغت الشرطة عنه، خصوصًا بعدما شعر أن دنيز لم تعد مستعدة للتعاون معه أو السكوت عما كان يفعله.
قال إبراهيم بحسرة:
إبراهيم: لكن لماذا فعل ذلك بإبنتي؟.
عندها رد عليه اوكتاي:
اوكتاي: حاول ان يستغل دنيز لترويج المخدرات.
صعق إبراهيم وقال..
إبراهيم: حاول ان يستغل ابنتي...
أجاب أوكتاي:
اوكتاي: هذا ما كشفته التحقيقات الأولية.
ثم أوضح:
اوكتاي: كان طارق يستخدم دنيز في نشاطه المتعلق بترويج المخدرات، مستغلًا ظروفها وثقتها به، وعندما شعر بأنها قد كشفت أمره أو ستدلي بما تعرفه للشرطة، قرر التخلص منها.
قبض إبراهيم على يديه.
أما باران، فظل صامتًا، لكن عينيه كانتا تحملان غضبًا واضحًا.
قال:
باران: ولذلك تبعها حتى أمام العيادة.
اوكتاي نعم.
أشار أوكتاي إلى الصور.
اوكتاي: وهذا ما يؤكده تسلسل كاميرات المراقبة، وجود السيارة بالقرب من العيادة، ثم تحركها خلف دنيز ووالدتها، ثم توقفها في مكان قريب من موقع الحادث، ثم تسارعها باتجاه دنيز تحديدًا، وأخيرًا فرارها مباشرة بعد الاصطدام.
ثم أضاف:
اوكتاي: كل هذه المعطيات جعلتنا نتعامل مع الحادث باعتباره اعتداءً متعمدًا، وليس حادث سير عابرًا.
ساد الصمت من جديد.
قال عزت:
عزت: وماذا حدث بعد ذلك؟.
أجاب أوكتاي:
اوكتاي: بعد العثور على السيارة المهجورة، بدأنا بتوسيع البحث عن طارق، لكن قبل أن نعثر عليه، كانت المواجهة قد وقعت داخل منزل والدته.
ثم انتقل إلى الجزء الأخير من التقرير.
اوكتاي: أثناء العراك بينه وبين مدحت، وقع إطلاق النار، وأصيب طارق إصابة بالغة.
سأل إبراهيم:
إبراهيم: ومدحت؟.
اوكتاي: اعترف بأنه هو من أطلق النار.
رفع باران عينيه إليه.
باران: هل كانت محاولة القتل متعمدًة؟.
أجاب أوكتاي بحذر:
اوكتاي: هذا الأمر ستحدده التحقيقات والأدلة الجنائية، لكن مدحت ذكر أن إطلاق النار وقع أثناء الاشتباك بينهما، وأنه استولى على السلاح خلال العراك وأطلق النار على طارق.
ثم قال:
اوكتاي: وعندما وصلت الشرطة، وجدناه ممسكًا بالسلاح، وطارق مصابًا على الأرض.
وأضاف:
اوكتاي: أُخذت البصمات من السلاح فورًا، وأظهرت المعاينة الجنائية وجود بصمات مدحت عليه، إلى جانب الأدلة الأخرى التي جُمعت من المكان.
قال عزت:
عزت: وماذا سيحدث له الآن؟.
أجاب أوكتاي:
اوكتاي: تم توقيفه والتحفظ عليه لاستكمال التحقيق، وسيُعرض ملف القضية على النيابة العامة بعد اكتمال التقارير الطبية والأدلة اللازمة، خصوصًا تقرير حالة طارق الصحية.
سأل إبراهيم:
إلراهيم: لماذا تنتظرون تقرير حالته؟.
اوكتاي: لأن حالته الصحية مرتبطة بجانب أساسي من التحقيق، هو الآن بين الحياة والموت، ولذلك نحتاج إلى التقرير الطبي الرسمي لمعرفة طبيعة إصابته ووضعه الصحي، ثم تُستكمل الإجراءات القانونية وفق ما ستقرره النيابة.
خفض إبراهيم رأسه.
كان الأمر أكبر من أن يستوعبه.
طارق...
مدحت...
ابنته...
حفيده الذي لم يرَ النور...
كل شيء انقلب في يوم واحد.
أما باران، فبقي صامتًا لبعض الوقت، ثم قال:
باران: لم أكن أتخيل أن الأمر سيصل إلى هذا الحد.
نظر إليه أوكتاي.
اوكتاي: أحيانًا تبدأ القضايا بخيط صغير، ثم تكشف وراءها أشياء لم يكن أحد يتوقعها.
ثم أغلق الملف.
اوكتاي: لكن بالنسبة إلينا، القضية لم تنتهِ بعد.
رفع باران رأسه.
باران: ماذا تقصد؟.
اوكتاي: لا تزال هناك إفادات وتقارير يجب استكمالها، وسنحتاج إلى شهادة دنيز عندما تسمح حالتها الصحية بذلك، كما سنستكمل التحقيق في دور طارق في قضية المخدرات، وكل ما يتعلق باستغلال دنيز في ذلك النشاط.
نهض إبراهيم ببطء.
لم يعد يريد سماع المزيد.
قال بصوت متهدج:
إبراهيم: كل ما أريده الآن أن تنجو ابنتي... ثم نقطع علاقتنا نهائيا بهذه العائلة، يكفي ما اصاب إبنتي من ورائهم
نظر إليه أوكتاي بحزن.
اوكتاي: وهذا ما نتمناه جميعًا.
نظر له عزت وقال...
عزت: وهذا ما ستفعله بعد ان تطمئن على حالة دنيز، ثم ترفع قضية طلاق لتبتعد إبنتك عن هذا المستنقع.
بعد انتهاء الحديث، خرج باران مع عزت وإبراهيم من الغرفة.
كان الممر أكثر هدوءًا الآن.
لكن الهدوء لم يكن راحة.
كان يشبه الهدوء الذي يأتي بعد عاصفة، حين تكون الأشياء قد تحطمت بالفعل، ولم يبقَ إلا النظر إلى آثارها.
بعد ان عاد الجميع للمستشفى، توقف باران أمام باب غرفة دنيز.
من خلف الزجاج، كانت صفية تجلس بجوار ابنتها النائمة.
اقترب منها إبراهيم.
نظر إلى دنيز طويلًا.
ثم قال:
إبراهيم: لم تعد حياتها كما كانت...
رد عزت بهدوء:
عزت: لكنها ما زالت معنا.
رفع إبراهيم عينيه إليه.
إبراهيم: وهذا ما يجعلني أحمد الله رغم كل شيء.
في الداخل، تحركت دنيز قليلًا أثناء نومها، فاقتربت صفية منها وأمسكت يدها.
صفية: أنا هنا يا ابنتي...
لم تستيقظ دنيز.
لكن يدها تحركت قليلًا، وأغلقت أصابعها حول يد أمها.
ارتجفت شفتا صفية.
وانهمرت دمعة على خدها.
في ذلك اليوم، اكتملت خيوط الحقيقة أخيرًا.
عرفوا من صدم دنيز، ولماذا فعل ذلك، وكيف قادته كاميرات المراقبة إلى يد الشرطة، وكيف انتهت المواجهة داخل منزل حنيفة بإصابة طارق واحتجاز مدحت.
لكن الحقيقة، مهما كانت مهمة، لم تستطع أن تعيد شيئًا مما فُقد.
لم تستطع إعادة طفل دنيز.
ولم تستطع إعادة رحمها.
ولم تستطع محو الخوف من قلبها.
كل ما بقي أمامهم الآن هو انتظار الأيام القادمة...
انتظار أن يستيقظ طارق ليواجه ما فعل.
وانتظار أن تستكمل النيابة إجراءاتها بعد اكتمال التقارير.
وانتظار أن تستيقظ دنيز من نومها...
لتبدأ أصعب مرحلة في حياتها، وهي تعلم أنها نجت من الموت، لكنها فقدت في ذلك اليوم جزءًا من مستقبلها كانت قد بدأت تحبه قبل أن تراه.
بعد أن عاد باران وعزت وإبراهيم من قسم الشرطة، توجهوا إلى غرفة دنيز مباشرة، ثم عادوا إلى الجناح الذي كان طارق قد نُقل إليه، حيث كانت العملية لا تزال جارية.
كان الليل قد بدأ يفرض سكونه على المستشفى، لكن ذلك السكون لم يكن يحمل معه أي راحة.
خلف باب غرفة العمليات، كان الأطباء يواصلون محاولتهم لإنقاذ حياة طارق.
كانت العملية معقدة، والإصابات التي تعرض لها بالغة، لذلك استغرقت ساعات طويلة.
جلس الرجال في الممر مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن أحد يتحدث.
كان كل واحد منهم غارقًا في أفكاره.
إبراهيم كان يفكر في ابنته.
عزت كان يستعيد تفاصيل اليوم كله في ذهنه، وكأن عقله يرفض تصديق أن كل تلك الأحداث وقعت خلال ساعات قليلة.
أما باران، فكان صامتًا، ينظر إلى باب غرفة العمليات بين الحين والآخر، ثم إلى هاتفه، ثم يعيد الهاتف إلى جيبه، في حين كانت حنيفة تجلس على مقربة منهم شاردة، حتى لم تلحظ قدومهم ولا بقائهم بجانب غرفة العمليات.
لم يكن باران يشعر بأي شفقة تجاه ما فعله طارق، لكنه كان يعلم أن الرجل الآن بين الحياة والموت، وأن ما سيحدث بعد خروجه من غرفة العمليات سيحدد الكثير من تفاصيل القضية.
مرت ساعة...
ثم ساعتان...
ثم ثلاث.
كلما مر أحد الأطباء أو الممرضين من أمامهم، ارتفعت عيونهم إليه للحظة، قبل أن تعود إلى الأرض عندما يواصل طريقه.
وفي ساعة متأخرة من الليل، انفتح باب غرفة العمليات أخيرًا.
خرج الطبيب الجراح، وقد بدا الإرهاق واضحًا على وجهه.
نهض الجميع في اللحظة نفسها.
اقترب منه باران، بينما لم تقوى حنيفة على النهوض، بقيت مكانها وهي تسأل عن إبنها وحالته الآن.
باران: دكتور... كيف حاله؟.
تنفس الطبيب بعمق قبل أن يجيب:
الطبيب: العملية انتهت.
ساد صمت قصير.
ثم تابع:
الطبيب: كانت إصاباته خطيرة، واستغرقت العملية وقتًا طويلًا، لكننا تمكنا من السيطرة على النزيف ومعالجة الإصابات التي كانت تهدد حياته مباشرة، اخرجنا رصاصة واحدة، لكن الثانية لم نتمكن من إخراجها، لصعوبة المكان التي تتواجد به في منطقة حساسة قرب القلب.
سأل إبراهيم:
إبراهيم: وهل تجاوز الخطر؟.
أجاب الطبيب بحذر:
الطبيب: لا يمكننا القول إنه تجاوز الخطر بالكامل بعد. الساعات القادمة ستكون حاسمة. سننقله إلى العناية المركزة، وسيبقى تحت المراقبة الدقيقة.
أومأ باران.
باران: المهم أنه نجا من العملية.
الطبيب: نعم، يمكننا قول ذلك حتى الآن، لكن الساعات القادمة مهمة.
ثم أضاف الطبيب:
الطبيب: سنبقيكم على اطلاع بأي تطور.
دفع الممرضون سرير طارق خارج غرفة العمليات باتجاه العناية المركزة.
مرّ أمامهم شاحب الوجه، غارقًا في النوم تحت تأثير التخدير، تحيط به الأجهزة والأنابيب.
وقفت حنيفة أمام السرير.
كانت قد بقيت طوال الوقت في المستشفى، عاجزة عن الابتعاد عن ابنها.
وضعت يدها على طرف السرير، والدموع تنساب على وجهها.
حنيفة: طارق...
لم يجبها.
حنيفة: يا ابني...
ثم تابعت السير إلى جواره حتى اختفى خلف باب العناية المركزة.
بقيت واقفة أمام الباب لثوانٍ طويلة، وكأن قدميها رفضتا أن تتحركا.
لكنها كانت تعرف أن عليها الانتظار.
ليس لديها شيء آخر تفعله.
بعد منتصف الليل، كان التعب قد بلغ بالجميع حدًا لا يُحتمل.
كان اليوم قد استنزفهم جسديًا ونفسيًا.
أصيبت دنيز.
فقدت جنينها.
خضعت لعملية استئصال الرحم.
انكشفت حقيقة طارق.
وقعت مواجهة بين الأخوين.
أصيب طارق إصابة بالغة.
وأُلقي القبض على مدحت.
كل ذلك خلال يوم واحد.
وقفت عائشة إلى جانب ديلان، بينما قال عزت بهدوء:
عائشة: علينا أن نعود إلى المنزل الآن.
نظر باران إلى باب غرفة دنيز.
باران: لا أريد أن أتركها.
أجابته عائشة:
عائشة: صفية معها، والطبيبة تراقب حالتها، أنت لم تنم منذ ساعات، وإذا أردت أن تكون إلى جانبها غدًا، فعليك أن ترتاح قليلًا الليلة.
ظل باران صامتًا.
ثم نظر إلى ديلان.
كانت عيناها حمراوين من شدة الإرهاق والبكاء.
أدرك أن عائشة محقة.
اقترب من باب غرفة دنيز ونظر إليها للمرة الأخيرة قبل المغادرة.
كانت نائمة، ووالدتها إلى جوارها.
همس:
باران: سأعود غدًا.
ثم غادر مع عائلته.
بقيت صفية وحدها تقريبًا إلى جوار ابنتها.
جلست على الكرسي بجانب السرير، ولم تفارق يد دنيز.
كانت تراقب تنفسها الهادئ، وتدعو الله في صمت.
كانت تريد أن تبكي، لكنها خافت أن تستيقظ دنيز فتجد وجه أمها منهارًا.
لذلك ابتلعت دموعها، وابتسمت رغم الألم حين تحركت دنيز قليلًا أثناء نومها.
صفية: نامي يا ابنتي...
قالتها بصوت خافت.
صفية: نامي، وحين تستيقظين سأكون هنا.
ثم قبلت يدها.
أما في الطرف الآخر من المستشفى...
كانت حنيفة تجلس وحيدة أمام باب العناية المركزة.
لم يعد معها أحد.
لم يكن هناك من تستطيع أن تتكئ عليه، ولا كتف تبكي عليه، ولا شخص يستطيع أن يخبرها بما يجب أن تشعر به.
كانت وحدها أمام باب مغلق، خلفه ابنها طارق يرقد بين الحياة والموت.
لكن الألم لم يكن هناك فقط.
فكلما أغمضت عينيها، ظهر أمامها وجه ابنها الآخر.
مدحت.
تذكرت كيف أخبروها أنه أُلقي القبض عليه.
وكيف سيُحتجز لاستكمال التحقيق.
وكيف أصبح متهمًا بإطلاق النار على شقيقه.
ابنان...
ابنها الأول يرقد الآن تحت الأجهزة، يصارع الموت.
وابنها الثاني خلف القضبان، ينتظر التحقيق في قضية إطلاق النار على أخيه.
رفعت حنيفة عينيها نحو باب العناية المركزة.
حنيفة: يا رب...
خرج صوتها متهدجًا.
حنيفة: لماذا وضعتني بينهما؟.
انهمرت دموعها.
حنيفة: أحدهما أخطأ... والآخر حمل السلاح عليه...
وضعت يديها على وجهها.
حنيفة: كيف يكون قلبي قادرًا على أن يختار؟.
ثم خفضت يديها ونظرت إلى الباب من جديد.
لم تستطع أن تكره طارق.
كان ابنها، مهما فعل.
ولم تستطع في الوقت نفسه أن تنسى أن ما فعله كاد يقتل امرأة لم تكن غريبة عن عائلتها.
كما لم تستطع أن تنظر إلى مدحت باعتباره مجرمًا فقط، لأنه ابنها أيضًا، ولأنها لم تعرف بعد تفاصيل ما جرى داخل تلك الغرفة إلا من خلال كلمات متفرقة.
كانت الحقيقة أكبر من قلب أم واحدة.
وبقيت طوال الليل جالسة أمام غرفة العناية المركزة، لا تفعل شيئًا سوى الانتظار.
انتظار أن يخرج طبيب ليخبرها أن طارق تجاوز الخطر...
وانتظار أن تعرف ماذا سيحدث لمدحت.
وفي مكان آخر من المستشفى، كانت صفية تحرس نوم ابنتها، بينما كانت دنيز غارقة في نوم ثقيل، لا تعلم أن حياتها قد تغيرت إلى الأبد.
وفي تلك الليلة الطويلة...
نامت عائلة باران لأول مرة منذ ساعات، لكن أحدًا منهم لم ينم مرتاحًا.
أما المستشفى، فظل يحتفظ بأسرار ذلك اليوم بين جدرانه.
امرأة فقدت طفلها وقدرتها على الإنجاب.
رجل يصارع الموت.
ورجل آخر خلف القضبان.
وأم واحدة...
تجلس بين بابين، وقلبها ممزق بين ابنيها.
في صباح اليوم التالي، كان الهدوء لا يزال يخيّم على المنزل حين شقّ رنين الهاتف سكون المكان.
فتح باران عينيه على مضض، وقد انتزعه صوت الهاتف من نومه القلق، مدّ يده متثاقلًا نحو هاتفه، وما إن رأى اسم المتصل حتى تبدلت ملامحه؛ كان عمه إبراهيم.
أجاب سريعًا، وقد تسلّل القلق إلى صوته:
باران: عمي؟.
جاءه صوت إبراهيم من الطرف الآخر، مثقلًا بالتعب والقلق:
إبراهيم: باران، لقد استيقظ طارق.
اعتدل باران في جلسته دفعة واحدة، وكأن الكلمات القليلة قد أزاحت عنه بقايا النوم كلها.
باران: ماذا؟ هل استعاد وعيه فعلًا؟.
إبراهيم: نعم، لكنه لا يزال في حالة حرجة، والأطباء يؤكدون أن وضعه الصحي لم يستقر بعد.
صمت باران لحظة، بينما راحت أفكاره تتسارع، كان استيقاظ طارق يعني أن هناك أخيرًا فرصة لمعرفة الحقيقة كاملة، ومعرفة ما الذي كان يخفيه، وما علاقته بكل ما حدث.
ثم جاء صوت إبراهيم من جديد:
إبراهيم: لكنه طلب رؤيتك انت وديلان.
توقفت أنفاس باران للحظة.
نظر تلقائيًا إلى ديلان التي كانت قد استيقظت على صوته، وجلست تراقبه بصمت، وقد التقطت من ملامحه أن شيئًا غير عادي قد حدث.
خفض باران صوته وسأل:
باران: طلبني أنا وديلان بالاسم؟.
إبراهيم: نعم، قال إنه يريد التحدث إليكما، وأصرّ على ذلك.
ظل باران صامتًا للحظات، ثم سأل:
باران: وماذا عن القضية؟.
تنهد إبراهيم قبل أن يجيبه:
إبراهيم: لهذا جئت إلى المستشفى منذ الساعات الأولى، أردت الاطمئنان على ابنتي، وعلمت آخر تطورات حالة طارق، وما الذي يمكن أن يقوله في التحقيق، لكن يبدو أنه لا يريد التحدث إلى أحد قبل أن يراك انت وديلان.
أغمض باران عينيه للحظة.
كان يعلم أن لقاءه هو وديلان بطارق، لن يكون سهلًا عليهما، فما إن بدأ جرح الماضي يلتئم قليلًا حتى عاد هذا الرجل ليقف عند عتبة حياتها من جديد، حاملًا معه أسرارًا لم تُكشف بعد.
وحين أنهى المكالمة، بقي الهاتف في يده للحظات دون أن يتحرك.
اقتربت منه ديلان، وقد بدا القلق واضحًا في عينيها.
ديلان: ماذا حدث؟.
رفع باران نظره إليها، وتردد للحظة قبل أن يقول:
باران: طارق استعاد وعيه.
تسارعت أنفاسها، وانقبض قلبها فورًا.
ديلان: طارق...؟.
أومأ باران.
ثم أضاف بهدوء:
باران: وهو يريد رؤيتنا.
ساد الصمت بينهما.
شعرت ديلان بقشعريرة باردة تسري في جسدها، وكأن الماضي الذي ظنت أنها بدأت تتجاوزه قد عاد فجأة ليطرق بابها من جديد.
خفضت عينيها، تحاول أن تستوعب الأمر.
ديلان: لماذا يريدنا أنا وانت؟.
لم يجب باران مباشرة، لأنه كان يسأل نفسه السؤال ذاته.
اقترب منها، وأمسك يدها بين يديه، محاولًا أن يمنحها من الطمأنينة ما لم يكن يملكها هو نفسه.
باران: لا أعرف، وربما لهذا يجب أن نذهب ونسمع منه مباشرة.
رفعت ديلان عينيها إليه، وكان الخوف يختبئ خلف هدوئها الظاهري.
ديلان: وماذا لو كان يريد أن يؤذينا؟.
شدّ باران على يدها برفق.
باران: لن أتركك وحدك لحظة.
كانت كلماته بسيطة، لكنها حملت إليها شيئًا من الأمان الذي احتاجه قلبها في تلك اللحظة.
ثم نهضت ديلان ببطء، ومسحت اضطرابها خلف ملامح حاولت أن تبدو ثابتة.
ديلان: إذن لنذهب.
نظر إليها باران طويلًا، ثم أومأ.
لم يكن أيٌّ منهما يعرف ما الذي ينتظرهما خلف باب غرفة طارق، ولا ما السر الذي جعل رجلًا يصارع الموت يطلب رؤية ديلان تحديدًا.
لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا...
أن استيقاظ طارق لم يكن نهاية القضية.
بل ربما كان بداية أخطر فصولها.