رواية الصياد والفريسه الفصل العاشر10 والاخير بقلم ملكة الروايات ساحرة القلوب

رواية الصياد والفريسه الفصل العاشر10 والاخير بقلم ملكة الروايات ساحرة القلوب
​خيم السكون على أرجاء القصر مع غروب شمس ذلك اليوم العصيب، لكنه لم يكن سكون راحة، بل الهدوء الذي يسبق الإعصار. في مكتبه الخاص، كان مراد الحسيني يجلس خلف مكتبه، ينظر إلى شاشات حاسوبه المحمول وعيناه تلمعان بشرار الذكاء والحزم. لم يكن سحب سلاحه أو إيقافه المؤقت عن العمل سوى استراحة مقاتل يجهز لضربته القاضية.
​أطلت "نور" من باب المكتب تتأمله بوفاء، تحركت بخطوات هادئة حتى وقفت بجانبه، ووضعت يدها الرقيقة على كتفه قائلة بنبرة تشع دفئاً وقوة:
"مراد.. العشاء جاهز، ولازم تاكل عشان تقدر تكمل. أنت بقالك ساعات قدام الشاشات والأوراق دي."
​أمسك مراد بجمال يدها ورفعها إلى شفتيه ليقبلها بامتنان عميق، ثم نظر في عينيها وقال بصوت رجولي دافئ:
"أنا مش محتاج أكل يا نور.. طاقتك وقوتك جنبي هي اللي بتخليني أحس إني أقدر أهد جبال. عاصم الألفي افتكر إن اللعبة خلِصت بمقال فوتوشوب وبلاغ كاذب، وما يعرفش إنه باللي عمله ده فتح على نفسه أبواب جهنم اللي كان قافلها بنفسه بقاله سنين."
​ابتسمت نور بثبات وقالت:
"أنا واثقة فيك.. وعارفة إن ربنا مش بيضيع حق حد مظلوم. المهم، الخطة ماشية زي ما أنت عاوز؟"
​أومأ مراد برأسه وابتسامة واثقة ترتسم على ثغره:
"أكتر مما تتخيلي. عاصم نسى إن الضابط مش مجرد بدلة وسلاح، الضابط عقل ومعلومات وثبات. أنا بقالي سنتين بجمع في ملف كامل عن صفقات غسيل الأموال وشحنات السلاح المشبوهة اللي بيمشيها عاصم الألفي تحت غطاء شركاته.. كنت مستني اللحظة الحاسمة عشان أقبض عليه بالدليل القاطع، وهو بغبائه وكبرياء بنته استعجلوا النهاية!"
​في هذه الأثناء، وفي القصر الكبير لـ "عاصم الألفي"، كانت أجواء الاحتفال الزائف تعم الصالون الكبير. كانت "درية" تجلس مرتدية فستاناً فاخراً، تحتسي العصير وتضحك بشر وشماتة وهي تطالع الصحف والمواقع التي تداولت التقرير المفبرك عن نور، وإيقاف مراد عن العمل.
​قالت درية بصوت يمتلئ بالتشفي وهي تنظر لوالدها:
"شفت يا بابا؟ التلفزيونات والمواقع مش بتتكلم غير عن سحب سلاح مراد الحسيني وفضيحته مع الشحاتة دي! زمانه دلوقتي هيموت من القهرة والندم إنه فكر يطردني أنا.. درية الألفي!"
​ضحك عاصم بك بصوت جهوري يفيض بالجبروت والتعالي، وهز كأس مشروبه قائلاً:
"قلت لك يا بنتي.. عيلة الحسيني دي مجرد نملة بالنسبة لإمبراطورية عاصم الألفي. اللي يفكر يمس كبرياء بنتي أو يقف في طريقي، بأمسحه من الوجود بكبسة زرار! وبكرة الصبح هخلي المحامي صابر يرفع قضية جديدة عشان نضمن إن البنت دي تدخل السجن بتهمة النصب، ومراد يترمي بره الخدمة للابد!"
​تدخل المحامي "صابر" وهو يبتسم بانتصار رخيص:
"أنا جهزت كل الأوراق يا عاصم بك.. ودفعت مبالغ ضخمة لشهود الزور اللي هيطلعوا في التلفزيون بكرة يقولوا إنهم يعرفوا نور من زمان وليهم معاها قضايا. الخطة محبوكة 100% ومفيش ثغرة واحدة!"
​لكن، لم تدم فرحة الأفاعي طويلاً..
​فجأة، تحول صمت الليل خارج الفيلا إلى دوار أصوات سيارات الشرطة والقوات الخاصة! انتشرت أضواء المداهمة الأفقية الحمراء والزرقاء لتعكس على زجاج نوافذ الصالون الفخم. تخشب عاصم بك في جلسته، وسقط الكأس من يد درية ليتناثر زجاجه على السجاد الثمين، بينما ارتبك المحامي صابر وتربت على وجهه ألوان الطيف من الرعب.
​انكسر باب الفيلا الرئيسي بقوة، واقتحمت القوات الأمنية المكان بأسلحتها المجهزة، وتقدمهم لواء التفتيش والمتابعة بنفسه، وبجانبه رجل يبدو عليه الوقار والصرامة الشديدة من النيابة العامة.
​صرخ عاصم الألفي بغضب وهو يحاول إخفاء رعدته:
"إيه الجنان ده؟! أنتوا عارفين أنتوا داخلين بيت مين؟ أنا عاصم الألفي! إزاي تتجرأوا تقتحموا بيتي بالشكل ده؟ فين المأمور؟ فين وزير الداخلية؟!"
​تقدم رئيس النيابة بخطوات منتظمة، وأخرج أمر ضبط وإحضار رسمي، وقال بنبرة حازمة هزت أركان الصالون:
"أستاذ عاصم الألفي.. صدر أمر من النيابة العامة بضبطك وإحضارك أنت والمحامي صابر، بتهمة إدارة شبكة دولية لتهريب الأسلحة وغسيل الأموال، والتزوير في أوراق رسمية، والرشوة، وتلفيق التهم لرجال الشرطة!"
​شهقت درية برعب وصرحت:
"تهريب سلاح وغسيل أموال؟! أنتوا مجانين؟! بابا راجل أعمال شريف! مين اللي ورا التخاريف دي؟!"
​هنا.. انشق صف الجنود، ودخل "مراد الحسيني" بخطوات ثقيلة وواثقة، يرتدي بذلته الأنيقة، وعيناه تنظران إلى عاصم ودرية بنظرة ثاقبة كالسيف. كانت تتأبط ذراعه "نور"، التي كانت تقف بكبرياء ملكة لا تهزها الرياح.
​اتسعت عينا عاصم بك بصدمة قاتلة:
"مراد؟! أنت إزاي هنا؟! أنت موقوف عن العمل!"
​ابتسم مراد بسخرية مريرة وقال بصوت هادئ ولكنه يزلزل القلوب:
"إيقافي عن العمل كان الجزء الأول من الفخ يا عاصم بك! القرار كان مجرد خدعة تمثيلية بالتنسيق مع سيادة اللواء والنيابة العامة، عشان تطمن وتتحرك بغرورك وتبدأ تكشف أوراقك وتدفع الرشاوى للمحامي بتاعك والصحفيين المأجورين! أنت بلعت الطعم بالكامل يا ثعبان!"
​سقط المحامي صابر على ركبتيه وهو يرتجف، بينما تحول وجه عاصم الألفي إلى اللون الأسود من شدة الصدمة. أكمل مراد وهو يشير إلى أحد الضباط:
"الملف اللي قدمته للنيابة النهاردة مش بس فيه تسجيلات صوت وصورة لعمليات غسيل الأموال بتاعتك، ده كمان فيه التسجيلات الحية للمحامي بتاعك وهو بيبتشر شهود الزور وبيدفع لهم فلوس عشان يلفقوا قضية لنور زوجتي الشريفة اللي ضفرها يسوى إمبراطوريتك المزيفة دي كلها!"
​نظرت نور إلى درية، وقالت بنبرة ملؤها الشموخ والترفع:
"كنتِ فاكرة إن الفلوس والنفوذ ممكن يشتروا الشرف أو يكسروا الحق يا درية؟ الشرف مش بالبدل والقصور.. الشرف في النظافة والضمير. والنهارده الدنيا كلها هتعرف مين الفريسة ومين الصياد!"
​انهارت درية في البكاء الهستيري وهي ترى رجال الشرطة يضعون الكلبشات الحديدية في يدي والدها المتجبر، الذي سقط كبرياؤه في لحظات تحت أقدام العدالة. حاول عاصم بك أن يتكلم أو يصرخ، لكن لسانه عجز عن النطق، وكأن جبل غروره انهد دفعة واحدة فوق رأسه.
​قال اللواء لمراد بنبرة تقدير واعتزاز:
"سيادة المقدم مراد الحسيني.. باسم وزارة الداخلية، بنعتذر لك عن اللغط اللي حصل بكرة، وسلاحك وميريتك مستنيينك في مكتبك بكرة الصبح مع ترقية واستحقاق وطني على جهودك في تفكيك أكبر شبكة فساد في البلد."
​أدى مراد التحية العسكرية برأس مرفوع:
"شكراً يا فندم.. الخدمة والوطن في حمايتنا دايماً."
​تم اقتاد عاصم الألفي والمحامي صابر إلى سيارات الترحيلات، بينما بقيت درية تصرخ وتنتحب في وسط الصالون الفارغ، بعد أن فقدت كل شيء في ليلة واحدة: والدها، ونفوذها، وثروتها الملوثة، وكبرياءها الكاذب.
​مرت أيام قليلة، وتصدرت الصحف والقنوات الأخبار الجديدة:
"القبض على رجل الأعمال الشهير عاصم الألفي في أكبر قضية تهريب وغسيل أموال.. وتبرئة المقدم مراد الحسيني وزوجته ونيل تكريم رفيع المستوى."
​في صالون قصر الحسيني، كانت سعاد هانم تجلس وتبكي بكاء الندم والاعتذار. كانت تمسك بيدي "نور" وتترجاها وهي تقول بنبرة انكسار حقيقية:
"سامحيني يا نور يا بنتي.. أنا انخدعت بالمظاهر والظنون الكدابة، وكنت قاسية عليكي وعاقبتك على حاجة مالكيش ذنب فيها. أنتِ طلعتِ الجوهرة الحقيقية اللي حمت ابني وسندته في أصعب أوقاته، ودرية اللي كنت مخدوعة فيها طلعت هي والشيء اللي شبهها أصل الشر والفساد."
​ابتسمت نور بطيبة قلبها الأصيلة، وقبلت يد سعاد هانم قائلة:
"أنا مش زعلانة منك يا سعاد هانم.. أنتِ أم، وكان طبيعي تخافي على ابنك وعلى اسم العيلة. المهم إن الحق ظهر، والبيت ده رجع له أمانه وسلامه."
​تأثرت سعاد هانم من نبل نور واحتضنتها بدموع حارة، بينما كان مراد يقف على مقربة منهما ينظر إليهما بابتسامة نصر ورضا ملأت قلبه.
​وبعد مرور عام كامل..
​في حديقة القصر الفسيحة، كانت الزينة والأضواء الباهرة تملأ المكان، والألحان الهادئة تعزف أروع الألحان. كان القصر يشهد احتفالاً ضخماً بسبوع المولود الأول للمقدم مراد الحسيني ونور.. طفل صغير أسمياه "ياسين".
​كانت نور تقف بين الضيوف كالأميرات، ترتدي فستاناً أبيض أنيقاً، وبجانبها سعاد هانم التي أصبحت لا تفارقها وتحبها كابنتها التي لم تنجبها.
​اقترب مراد من نور، وحمل طفله الصغير بين يديه، ثم لف ذراعه الأخر حول خصر زوجته. نظر في عينيها اللتين لمعتا بدموع السعادة والامتنان.
​قال مراد بنبرة يملؤها الحب العميق والصادق:
"عارفة يا نور.. لما قابلتك أول مرة، كنت فاكر إن الدنيا هي اللي جابتك ليّا عشان أحميكِ.. بس اكتشفت مع الوقت إن ربنا بعتك ليا عشان تنقذيني أنتِ، وتوريني معنى الحب الحقيقي والصلابة اللي بجد."
​همست نور وهي تسند رأسها على صدره الدافئ:
"وعرفت إن الصياد الحقيقي مش اللي بيصطاد بالسلاح ولا بالنفوذ يا مراد.. الصياد الحقيقي هو اللي بيقدر يصطاد قلب شريكه بالمودة والحق والصبر.. وأنت اصطدت قلبي وعقلي للأبد."
​ابتسم مراد وضمها هي وطفلهما إلى صدره بقوة، تحت سماء صافية تزينها النجوم، لتبدأ قصتهما صفحة جديدة خالية من الشر، عنوانها الأبدية والسلام..
                  تمت بحمد الله 

تعليقات



<>