
ظلّ كريم يحدّق في الظرف.
قلبه ينبض بسرعة.
فتحه مرة أخرى.
أدخل يده إلى الداخل.
لا شيء.
تنهد بعصبية، ثم رمى الظرف على الطاولة.
"خلص... حدا أخد الورقة."
رفعت والدته رأسها بسرعة.
"مين؟"
"ما بعرف... بس أكيد في حدا دخل هالبيت."
ابتسمت ابتسامة باهتة.
"ولا باب انفتح... ولا شباك."
توقف.
كانت محقة.
منذ أن جلسا في الغرفة لم يغادر أحد مكانه.
إذن...
أين اختفت الورقة؟
اقترب كريم من الطاولة.
لاحظ شيئًا لم ينتبه له من قبل.
على حافة الظرف...
كانت هناك بقعة صغيرة جدًا.
ليست حبرًا.
ولا غبارًا.
بل أثر إصبع مغطى بمادة سوداء.
حمل الظرف بحذر.
ثم نظر إلى والدته.
"هاي مو موجودة قبل."
تغيّر وجهها فورًا.
مدّت يدها لتأخذه.
لكنه سحبه بسرعة.
"أمي... شو عم تخبي؟"
صمتت.
ولأول مرة...
خفضت نظرها إلى الأرض.
قال بصوت منخفض:
"من ساعة ما رجعت للبيت... وإنتِ بتمنعيني أفتح الظرف... ولما انفتح اختفت الورقة... وإنتِ الوحيدة اللي كنتِ قريبة منه."
رفعت رأسها ببطء.
وفي عينيها دموع لم تنزل.
"إيه..."
تجمّد كريم.
لم يتوقع أن تعترف.
"أنا خبيت عنك الحقيقة."
شعر أن الأرض تهتز تحت قدميه.
"أي حقيقة؟"
سحبت نفسًا طويلًا.
ثم قالت:
"الظرف... ما وصلك اليوم."
عقد حاجبيه.
"شو؟"
"وصل قبل أسبوع."
نظر إليها غير مصدق.
"وأسبوع كامل ما قلتيلي؟"
هزّت رأسها.
"لأن اللي كان مكتوب فيه... كان رح يغيّر حياتك."
اقترب منها خطوة.
"شو كان مكتوب؟"
أغمضت عينيها.
ثم همست:
"كان مكتوب فيه عنوان."
"عنوان مين؟"
فتحت عينيها ونظرت إليه مباشرة.
"عنوان أبوك."
ساد الصمت.
لم يستطع حتى التنفس.
"أمي... بابا مات."
قالتها والدته ببطء شديد:
"هذا اللي صدقناه كلنا."
تراجع خطوة.
"شو يعني؟"
"يوم قالوا إنه مات... ما حدا شاف الجثة."
بدأت الكلمات تدور في رأسه.
سنوات كاملة...
وهو يزور قبرًا...
قد لا يكون قبر والده.
ضرب الطاولة بيده.
"ليش ساكتة كل هالسنين؟!"
صرخت لأول مرة:
"لأني كنت خايفة!"
"من مين؟"
لكنها لم تُجب.
بل التفتت فجأة نحو النافذة.
وكأنها رأت أحدًا في الخارج.
اقترب كريم بسرعة.
فتح الستارة.
لم يكن هناك أحد.
إلا سيارة سوداء متوقفة في الجهة المقابلة.
محركها يعمل.
وزجاجها الأمامي أسود بالكامل.
"بتعرفي أصحابها؟"
همست دون أن تقترب:
"من أسبوع وهي هون."
شعر كريم ببرودة في أطرافه.
"ليش ما خبرتِ الشرطة؟"
ابتسمت بسخرية حزينة.
"لأنهم بيعرفوا الشرطة قبل ما تعرفهم."
وقبل أن يكمل كلامه...
رن جرس الباب.
رنّة واحدة.
ثم ساد الصمت.
نظر كريم إلى الباب.
ثم إلى والدته.
كان وجهها شاحبًا.
هزّت رأسها بسرعة.
"لا تفتح."
لكن الجرس لم يرن مرة ثانية.
بدلًا من ذلك...
وصل صوت ورقة تُدسّ ببطء من أسفل الباب.
اقترب كريم بحذر.
انحنى.
وسحبها.
كانت ورقة بيضاء.
لا تحمل سوى جملة واحدة...
"إذا أخبرتك بالحقيقة... فهي ماتت."
رفع كريم رأسه نحو والدته...
لكنها لم تكن تقف في مكانها.
كانت قد اختفت.