
هناك حب لا يموت مهما حاولنا قتله... نُبعده عن أعيننا فنراه في أحلامنا. نهرب من صوته فنسمعه داخل قلوبنا ونحاول أن نُقنع أنفسنا بأننا تجاوزناه بينما تكفي نظرة واحدة من صاحبه لتسقط كل أسوار النسيان.
غزل وجواد... حكاية بدأت منذ سنوات وظن كلٌ منهما أن الزمن استطاع أن يطفئها لكن الحقيقة أن بعض المشاعر لا تنطفئ... بل تختبئ تحت الرماد تنتظر لحظة واحدة كي تعود أكثر اشتعالًا.
هو عاد إليها بقلب أنهكه الفراق لا يريد سوى أن يعرف إن كان لا يزال له مكان في قلبها. وهي تقف أمامه بكل هذا الارتباك تحاول الهروب بعينيها من حقيقة تخشى أن تراها في عينيه... وتخشى أكثر أن تراها في عينيها هي ويفضح الحب الذي تدفنه بعيدًا حتى عن عينيها.
فماذا يفعل قلب حين يصبح القرب من حبيبه عذابًا... والابتعاد عنه موتًا؟ وكيف ينجو عاشقان من حب لم يمنحهما القدر فرصة واحدة ليعيشاه كما تمنيا؟
الوصول إلى بعضهما أصبح أصعب من سنوات الفراق. فهل يستطيع الحب أن ينتصر أخيرًا على كل ما فرق بينهما؟
أم أن الرماد سيظل يغطي تلك النار... حتى تأتي لحظة تحرق كل شيء؟
خرجت غزل من غرفة خالد بعد أن هدأ قليلًا وتركته ليرتاح. وحينها وجدت سيف يقف أمام الباب يستند بظهره على الحائط عاقدًا ذراعيه أمام صدره وينظر إليها بجمود. نظرت إليه بخجل؛ كانت تنفي أن قلبها لا يزال ملكًا له أمامه بقوة ولكن لحظة واحدة أمام عينيه كانت كفيلة بكشف قلبها أمام الجميع.
ثم قال سيف بهدوء: بتكدبي عليا يا غزل؟ أنا بكره الكدب على فكرة.
غزل: أنا ماكدبتش عليك.
سيف: أمال المنظر اللي شفته من شوية ده إيه؟ عينيكي اللي بتترعش قدامه دي إيه! خايفة منه مثلًا؟
غزل: أنا مش بخاف من حد. وعارفة إنك هتفهم غلط بس أنا قولتلك اللي بيني وبين جواد خلص. حتى لو جوايا لسه جرح من اللي حصل؛ وده منطقي. مش معناه إني لسه عايزاه.
سيف: يعني إنتي لسه بتحبيه بس مش عايزاه؟
غزل: غصب عني يا سيف. إنت ليه مش فاهم اللي أنا حسيت بيه ومريت بيه لوحدي. من غير أم تعرف تحتويني وتطبطب عليا. وبابا عمري ما هقدر أروح أقوله إني حبيت واحد وكدب عليا وسابني.
يمكن زمان ماكنتش فاهمة السبب بس لما دخلت وسطكم عرفت هو سابني ليه. أنا لسه محتاجة وقت لكن إنت مش صابر. إنت عايزني أقولك موافقة وأظلمك وأظلم نفسي. ووقفت قدامه وقلت إني خطيبتك وأنا مافتحتش بقي بس عشان ماتحسش إني رفضاك وأخلي شكلك قدامه وحش. لكن اللي إنت عملته ده مش صح.
اقترب منها سيف وقال بحدة: عارف إنه مش صح وإنك ممكن ترفضيني أصلًا بعد كده لكن مهما كان رأيك إيه في الموضوع ده فأنا مش هقف اتفرج وهو بيضحك عليكي. مش هستنى لما أشوف ضحية تانية زي أختي تاني.
قبض على كاتفيها وقال: إفهمي بقى أنا بحبك...
ثم صمت. تأمل عينيها التي تفاجأت بما قال بنظرات مرتعشة ثم خجل من نفسه. حاول أن يتكلم أكثر ولكنه إبتعد عنها على الفور.
ذهب نحو الدرج ووجد نديم يصعد إلى الطابق العلوي ثم صدع صوت نادر وهو يصيح بقوة بالأسفل. وقف سيف يرى ما يحدث ونديم من خلفه ثم اقتربت غزل منهما. سمعت ما قاله نادر وشعرت بالحزن على حالته. هو يفعل المستحيل من أجل سيلين وهي تنظر إلى كنان بنظرات تفهم معناها. لم تعد ترى نادر كزوج لها بل ترفضه وترفض كل ما يفعله لأجلها وتحلم فقط بأن يوافق كنان على إقتراحها.
حينها صدع صوت جواد من خلفها وقال: نادر. مشاكلك مع مراتك تحلها في أوضتك لوحدكم. مش لازم البيت كله يعرف مشاكلكم.
نظر نادر إلى سيلين وجذبها من ذراعها وهي لا تزال تنظر إلى كنان بحزن ثم جذبها خلفه وصعد إلى غرفته, وحين مر بجوار جواد أمسك ذراعه وقال بهدوء: براحة عليها. حتى لو غلطانة ما تفضحش غلطها قدام الناس. خليكوا ستر وغطا على بعض.
أومأ إليه نادر وهو يتنهد بضيق ثم قال: اتفضلي على الأوضة.
نظرت إليه غزل وهو ينصح أخيه. ظهر شبح ابتسامة على ثغرها؛ لازال هناك شيء جميل بداخله. تداركت نظراتها إليه ثم التفتت أمامها فوجدت سيف يلاحظ ما تفعل فنظر إليها بعتاب وغادر المنزل على الفور.
أما جواد فاقترب منه نديم وقال: كنت جايلك يا جواد.
جواد: تعالى نتكلم على السفرة عشان لسه مافطرتش.
مر بجانبها وهبط الدرج ولم يلتفت إليها. لاحظ كنان نظرات جواد الحزينة ثم نظر إلى هيئة غزل وتيقن أن هناك خطبٌ ما قد حدث. فلحق بجواد الذي جلس يتناول الطعام وبجواره كنزي وكارما وأمل ونديم الذي يقول: كنت عايز أقولك على حاجة بخصوص الشغل.
جواد: قول.
جلست غزل بجوار كارما وبدأت تطعمها.
نديم: فيه شركة محاسبة صاحبتها تبقى مامت ولد مع كنزي في المدرسة. بصراحة حابب أساعدها عشان ظروف المكتب مش كويسة. فلو ينفع نخليهم يراجعوا شغل المكتب عشان الضرايب السنة دي. إيه رأيك؟
جواد: إنت عارف أنا مش بحب الوسايط بس لو هي كويسة مفيش مشكلة نساعدها طبعًا.
نديم: أكدب عليك لو قولتلك إني عارف شغلها كويس ولا ﻷ. بس ممكن نخليها تيجي الشركة ونعمل إجتماع مع المدير المالي ونشوف.
جواد: مفيش مشكلة. ربنا يقدرنا على مساعدة الناس.
نديم: خلاص هكلمها وأحدد معاها معاد.
كنان: هو... إيه النظام يا نديم؟ مالك متحمس ليه كده؟
نديم: مش اللي في دماغك يا خفيف. بس كنزي بتحبها أوي وهي بصراحة بتعاملها كويس.
كنزي: دي طنط ليان عسولة أوي.
كنان: يبقى نمشيها عشان كنزي.
كارما: بابا. هنروح بكرة الملاهي؟
جواد: اه ما أنا وعدتك خلاص.
كارما: كنزي وعمو نديم هيجو معانا.
كنان: وأنا ﻷ؟
كارما بسعادة: هتيجي بجد!
كنان: بما إن بكرة أجازة فا أنا هتصل برزان وأخليها تيجي معانا كمان.
كنزي: الله! هنبقى كتير. هنتبسط أوي.
كنان: نجيب طنط ليان كمان بقى.
كنزي: ما هي كانت لسه معانا في الملاهي النهاردة.
نظر كنان إلى نديم وقال: ملاهي! اممم... ده عشان كنزي برده؟
نديم: اه يا خفيف. كنا خارجين معاها هي وابنها.
وضع كنان قبضته على وجنته وقال: الله! أسرة سعيدة.
نديم: يا بارد. ما تسكت أخوك يا جواد.
جواد: يا عم سيبه يضحك هو الضحك بفلوس.
كارما: غزل كمان هتيجي معايا.
إرتبكت غزل ونظرت إلى جواد. فتبادل النظرات معها وقال: زي ما تحبي يا كارما.
تحمحم كنان وقال: طيب أنا كنت عايز أقولكم على حاجة كده بما إن كلنا قاعدين. أحمد أخو رزان اتصل بيا وقال إنهم هيعملوا قراية الفاتحة يوم التلات اللي جاي ده عشان باباها عند سفر وعايز يتمم الموضوع قبل ما يسافر.
غزل: مبروك يا كنان، بس هو إنتوا هتقروا فاتحة بس؟
كنان: اه.
غزل: بس الناس كده في الجامعة مش هتعرف يعني. من رأيي هات دبلة وخاتم تلبسهم كده لحد ما تتفقوا على معاد الخطوبة.
نديم: كلام غزل صح.
كنان: خلاص بكرة تيجي معايا تنقي الخاتم عشان أنا مش بفهم في الحاجات دي. بعد ما نخلص الملاهي ماشي؟
غزل: عينيا ليك يا عم كنان.
كنان: المفاجأة هتعجبها أوي.
بس في طلب كده وياريت جواد يوافق.
جواد: أطلب ما أنت عريس. عايز فلوس؟
كنان: ﻷ معايا. أنا بس كنت بفكر أشوف يعني شقة برا صغيرة اتجوز فيها. يعني...
قاطعه جواد بحزم: ﻷ... عيلة الخولي هتفضل عايشة جوا قصر الخولي. ودي وصية جدك وأبوك وعمك ووصيتي من بعدهم. البيت ده هيفضل مفتوح ومحدش هيخرج منه.
صدع صوت سيف قائلًا: وأنا لما سيبت القصر ماقولتش الكلام ده ليا ليه يا جواد؟
نهض جواد واقترب منه ونظر إليه بجمود وقال: عشان أبوك ذات نفسه ماكنش عايزك في البيت. لكن دلوقتي أنا كبير العيلة دي وكلمتي هتمشي عليكوا كلكم.
كاد يصعد الدرج ولكن التفت إليهم وقال: اه صح. باركوا لسيف وغزل. اتخطبوا.
نظروا إليهما جميعًا بدهشة. أما كنان فشعر بالحزن فورًا على جواد ثم أردف جواد وهو ينظر إلى غزل: مبروك. اتمنى يكون قرار موفق.
صعد جواد الدرج بحزن. ربما أراد أن يقولها بنفسه كي يستوعب ما يحدث أمامه بالرغم من قسوة الحقيقة على قلبه. هي وافقت على الزواج من غيره. نكثت بعهدها الذي ظن أنها لا تزال تحافظ عليه. ثم ابتسم ساخرًا من نفسه؛ عن أي عهد تتحدث، فهي من نقضت العهد وتركتك منذ خمس سنوات.
نظرت كارما إلى غزل بضيق ثم لحقت بجواد على الفور. لاحظت غزل نظراتها ونظرات من حولها بإرتباك. لم تستطع أن تنفي الأمر أمامهم ثم نظرت إلى سيف الذي يرسم علامات الدهشة على ملامحه، وبداخله يبتسم أن المخطط الذي يرسمه يسير بالإتجاه الصحيح.
اقتربت ميرو منه وقالت بسعادة: ده أحلى خبر سمعته في حياتي. مبروك يا سيف إنت وغزل. يارب يتمم على خير. ها هتتجوزوا إمتى؟
كنان بحزم: بيقولوا خطوبة. ما تهدي يا ميرو شوية.
ميرو: الحق عليا إني فرحانة ليهم. فين سيلين عشان تفرح معانا؟ أنا لسه شايفاها داخلة من شوية هي ونادر.
لم يجيبها أحد. ثم اقترب كنان من غزل التي لا تزال تحت تأثير الصدمة، فهي ترى الجميع يتحدث بجد عن موافقتها على الزواج من سيف عدا ضغط خالد عليها. ثم قال كنان: ممكن نتكلم شوية.
أومأت إليه وذهبا معًا خارج المنزل إلى الحديقة. أما ميرو فهمست إلى سيف: برافو عليك. كده جواد بقى ليا. أكمل أنا بقى.
عقد سيف حاجبيه وهي تصعد الدرج أمامه. يبدو وأنها تعلم بما يفعل!
أما كنان فوقف أمام غزل بالحديقة وقال بتعجب: إنتي بجد هتتجوزي سيف!
غزل بضيق: أنا مش عارفة ليه كلهم بيضغطوا عليا!
كنان: ﻷ هي دي مفيهاش ضغط. مفيش حاجة اسمها كده. وبعدين مين اللي بيضغط عليكي أصلًا؟
غزل: كنان أنا مش مستوبعة اللي بيحصل ولا عارفة أعمل إيه ولا فاهمة اللي بيحصل ده بيحصل إزاي.
زفر كنان بقوة وقال: بصي أنا مش عايز اتدخل بينك وبين جواد ويمكن مش فاهم اللي حصل معاكوا زمان وصلكوا لكده. بس كل اللي أنا متأكد منه إن جواد بيحبك. وإن سيف إستحالة يبقى زوج مناسب ليكي أبدًا. إنتي وهو مش شبه بعض خالص. حتى لو زي ما أنتي بتقولى إنه اتغير برده لأ.
لم تعرف غزل ماذا تفعل، فهي بداخلها تعلم أن كنان محق ولكن خالد يريد دليلًا قاطعًا وليس مجرد أحساس. ظهر عليها اﻹرتباك وقالت: ما هو أنا مش لاقية سبب. أنا عايزة سبب إنه فعلًا مش كويس زي ما أنا حاسة وزي ما أنت بتقول. بس إنت بتحكم عليه من تصرفاته القديمة وأنا من تصرفاته الحالية مش لاقية حاجة تخليني أرفض. أنا عايزة دليل إنه فعلًا مش كويس. تعرف تساعدني؟
تنهد كنان وقال: هحاول. مع إني مش فاهم إيه لازمة الدليل ده.
غزل: الموضوع معقد أوي وأنا مش عارفة حتى أقعد مع نفسي وأفكر. كل حاجة بتحصل بسرعة ومن غير ما أكون عاملة حسابها.
كنان: على العموم حاولي تهدي وفكري كويس يا غزل. وأنا هروح أشوف جواد.
كاد يغادر ولكنها صاحت باسمه فالتفت إليها وقالت: هو... جواد فعلًا بيحبني؟!
أومأ إليها بحزن فقالت: طيب اطلع شوفه وأنا هشوف كارما مالها.
صعدا إلى الطابق العلوي وغزل تفكر فيما يحدث حولها رغمًا عنها. تريد أن تعترض على الزواج وتعلن ذلك أمام الجميع. تريد أن تعرف نوايا سيف الحقيقية وتتأكد إن كان يحبها حقًا أم لا حتى تخرج من هذا الحصار الذي وضعها به خالد ولكن شعور العجز يتملكها.
دخلت غزل غرفة كارما التي تجلس بحزن وأمل تحاول أن تجعلها تبتسم قليلًا. نظرت إليها أمل وأشارت نحوها فاقتربت منها غزل وجثت أمامها ثم قالت: مالك يا حبيبتي زعلانة ليه كده؟
كارما: هو إنتي فعلًا هتتجوزي سيف؟
غزل: لسه مش عارفة.
كارما: أنا مش عايزاكي تتجوزيه.
غزل: ليه يا حبيبتي؟ مش إنتي بتحبي خالو سيف؟
كارما: بحبه. بس لو اتجوزتيه مش هتبقي ماما. وأنا عايزاكي ماما بتاعتي أنا.
لم تجيب بل رمقتها بحزن. فهي من ترغب بأنه تكون أمها الحقيقية. ليت الأماني والأحلام تتحقق بهذه البساطة.
ضمتها إليها وقالت: أنا عمري ما هبعد عنك يا كارما. إنتي فعلًا زي بنتي بالظبط.
كارما: طيب ينفع اقولك يا ماما؟
ابعدتها قليلًا وقبلت وجنتها وقالت: أخاف بابا يزعل. بعدين نبقى نسأله.
كارما: طيب أنا عايزة أنام عشان نروح الملاهي سوا بدري. بس سيف مش هيجي معانا.
غزل: ولو سيف زعل منك؟
كارما: يوووه. طيب خلاص خليه يجي بس ماتتجوزيهوش.
داعبت غزل وجنتها بأناملها والحزن يكسو ملامحها وقالت: خديها يا أمل تغير هدومها وأنا هنيمها.
أما كنان فدخل غرفة جواد ووجد ميرو تجلس أمامه وتتحدث معه وهو ينظر أمامه بشرود وكأنه بعالم آخر. فقال كنان: ممكن يا ميرو تسيبينا لوحدنا شوية؟
ميرو: كل أما أقعد معاه تيجي تاخده مني. هو إنت غيران مني ولا إيه يا كنان! ما تسيبني أقعد مع خطيبي شوية.
نظر إليها جواد وقال بتعجب: خطيبك! روحي نامي يا ميرو شكلك بتخرفي.
ميرو: ﻷ نوم إيه! أنا رايحة أسهر مع أصحابي. ما تيجي معايا يا جواد هتتبسط أوي.
جواد: ﻷ ماليش في السهرات بتاعتك دي. وترجعي بدري فاهمة ولا ﻷ.
وضعت كلتا يديها على وجنتيه وقالت: حبيبي الغيور. مش هتأخر يا روحي ما تقلقش.
خرجت من الغرفة فقال: يارب يخلصني منك يا بعيدة.
جلس كنان بجواره وقال بتعجب: سبحان مغير الأحوال؛ من ساعتين كنت بتغير عليها دلوقتي ميرو بتقول إنك خطيبها.
جواد: دي بتخرف سيبك منها.
كنان: وإنت كمان بتخرف؛ جبت موضوع خطوبة سيف وغزل ده منين؟!
جواد: للأسف مش تخريف. سيف اللي قالي كده بنفسه قدامها وهي ما أنكرتش.
كنان: بس هي كلامها معايا مختلف. بتقولي إنها لسه بتفكر وواضح إنها مش مرتاحة للموضوع.
جواد: طيب وماتكلمتش ليه لما سيف قال كده؟
كنان: ماعرفش. بس من كلامي معاها باين إنها مش موافقة وفيه حاجة تانية ضاغطة عليها. بس الأهم من ده كله إني حاسس إنها لسه بتحبك.
جواد: وأنا كمان حاسس بكده. بس هي بتصدني يا كنان. كل ما أقرب خطوة بتبعدني عشرة.
كنان: طيب ممكن ماتستسلمش. ماتسبش حد ياخدها منك يا جواد. ماتقعدش ساكت وبتتفرج لحد ما تلاقيها بين إيدين واحد تاني وقدام عينيك. صدقني مش هتستحمل.
جواد: فعلًا مش هستحملها دي. أنا مجرد التخيل بس خلاني قاعد كده زي ما أنت شايف كده. حاسس إني في عالم تاني وقلبي عمال يقولي روح خدها غصب عنها.
أخفى كنان حزنه كالعادة. فهو يعرف ذلك الشعور جيدًا، ثم قال: لو منك هعمل كده فعلًا. مش إحنا خارجين كلنا بكرة؛ حاول تخطفها من غير ما حد ياخد باله واتكلم معاها.
جواد: فكرة. على الأقل نبقى بعيد عن البيت ده اللي كل أما أحاول أكلمها يجي حد ينغص عليا عيشتي. وخصوصًا ميرو. يارب مش عارف أطردها ولا أروح منها فين. بقولك إيه أشوفلها عريس؟
كنان: شوفلها يا عم وريحنا منها. أنا مش عارف هي جايبة السماجة دي منين! تصدق غزل معاها حق. فعلًا من فصيلة الزواحف.
ضحك جواد وقال: طول عمرها دمها خفيف. ماكنتش ببطل ضحك وأنا معاها أبدًا. وماعرفتش طعمه بعد ما سابتني.
كنان: يا عم حيرتوني. إنت اللي سيبتها ولا هي اللي سابتك.
جواد: هي اللي سابتني يا كنان ومن غير سبب. ولما رحت...
ظهر الحزن على ملامحه وقال: ولا خلاص. بلاش نتكلم في اللي فات عشان مش ناقص وجع أنا.
ربت كنان على كتفه وقال: أنا هسيبك تريح شوية وهروح أكلم رزان عشان تعمل حسابها نخرج سوا بكرة.
جواد: ماتنساش تقول لنادر على معاد قراية الفاتحة. وياريت يجي معانا هو كمان مش هنخرج كلنا وهما لأ. يمكن الخروجة تصالحهم على بعض هو ومراته.
أومأ إليه كنان وذهب إلى غرفته. أما نادر فكان ينام على الفراش ويوالي سيلين ظهره. عقله شارد وقلبه حزين. ﻷول مرة منذ زواجهما ترفضه. تبتعد عنه ولا تقبل أن يلمسها. شعور الرفض جعله يتهاوى. كأنه يسقط في بئر مظلم لا يرى سوى الأفكار السيئة والأسباب التي تجعل الشك يعصف بعقله. أما هي فكانت عازمة على إنهاء ذلك الزواج ولن تترك كنان لغيرها. فنظراته إليها ورفضه لها جعلها تتمسك به أكثر.
بعد وقت، كانت تتسلل من الفراش بهدوء حتى لا يشعر بها نادر. ارتدت معطفًا خفيفًا وخرجت الغرفة. التفتت يمينًا ويسارًا بتوجس وحين لم تجد أحد خرجت من الغرفة بهدوء وتوجهت نحو غرفة كنان. وضعت يدها على مقبض الباب تحركه بهدوء وفجأة صدع صوت من خلفها قائلًا: بتعملي إيه؟!
فتحت عينيها بصدمة وتجمدت محلها.
تُرى من الذي رأها هذه المرة؟