
في هذه الأثناء، وصل سيارة "درية" الفارهة إلى مدخل فيلا
والدها، فنزل "عاصم بك" بنفسه ليتلقاها على العتبات. كانت درية في حالة انهيار تدمع لها الأعين مكرًا وغلًا، فألقت بنفسها في آحضان والدها وهي تنتحب بصوت خفيض:
"شفت يا بابا؟ شفت مراد عمل فيّا إيه؟ طردني عشان واحدة شحاتة مالهاش أصل! هان اسمنا وكبريائنا قدام الخدم ورجال الشرطة!"
مسح عاصم بك على رأسها بقسوة ونبرة واثقة يملؤها الجبروت:
"اهدئي يا درية.. حقك هيجيلك لغاية عندك، مراد فاكر إن سلطته وضباطه هيحموه من عاصم الألفي! هو نسي أنا مين والملايين اللي حركتها في البلد دي تقدر تعمل إيه؟"
اصطحبها إلى الداخل، وجلس معها في صالونه الفخم، واستدعى ذراعه الأيمن "صابر"، أحد أكبر المحامين المتخصصين في القضايا الملتوية والصفقات المظلمة.
وقف صابر أمام عاصم بك بثبات، وتساءل:
"أنا تحت أمرك يا عاصم بك.. الخطة هتبدأ إمتى؟"
رد عاصم بك بابتسامة صفراء تعكس دهاء سنين من المكر:
"الضربة الأولى هتحصل بكرة الصبح صابر..
من بكرة، عاوز بلاغ رسمي يتقدم للنيابة الإدارية وللتفتيش العام في وزارة الداخلية، بيتهم مراد الحسيني باستغلال نفوذه الوظيفي لحماية أعمال مشبوهة، وتربيح أقاربه! وهات لي صور وتسجيلات متفبركة بذكاء تخلي التفتيش يوقفه عن العمل مؤقتاً لحين التحقيق!"
توسعت عينا درية بابتسامة شيطانية:
"توقيف عن العمل؟! ده هيتجنن يا بابا! مراد بيموت في شغله وبدلت الميرية!"
أكمل عاصم بك بقسوة أشد:
"ده مجرد مقبلات يا بنتي.. الضربة القاضية هتبقى في "نور". صابر، تجمع لي كل المعلومات عن منطثتها، وعن أهلها، ولو ما لقيتش حاجة تلفقها، انزل المنطقه واشتري أضعف نفوس هناك! عاوز ناس تطلع تقول إن نور دي كان ليها ماضي وسرقات وقضايا قبل ما تتجوز مراد، وتطلع على الإعلام والصحافة! هخليه يصحى على خبر إن مراد الحسيني اتجوز واحدة خاينة وفتاه ليل، وساعتها هيضطر يرميها بنفسه عشان يلحق اللي فاضل من سمعته!"
على الجانب الآخر، وفي جناح مراد بالقصر، كانت الأجواء هادئة ظاهرياً ولكنها مشحونة بالتأهب. كان مراد يقف أمام لوحة تحكم أمنية صغيرة في مكتبه الخاص داخل الجناح، يتابع عبر شاشات المراقبة الحركة حول القصر.
اقتربت منه "نور" وهي تحمل كوباً من الشاي الدافئ، وضعته على المكتب وقالت بنبرة حنونة:
"مراد.. بلاش تشيل الهم ده كله لوحدك. أنا شايفه الشرر في عينيك من ساعة ما درية مشيت."
التفت إليها مراد، وجمع كفيها بين يديه الحارّتين، وقال بصوت حازم يفيض بالحب والمسؤولية:
"نور.. عاصم الألفي مش راجل عادي، ده ثعبان مالي السوق، ودرية بنته الوحيدة. أنا عارف إن رد فعله هيكون مجنون ومؤذي. بس أنا مش خايف على نفسي يا نور.. أنا خايف عليكِ أنتِ. أنتِ بقيتِ نقطة ضعفي الوحيدة اللي ممكن يضربوني فيها."
ابتسمت نور بصلابة وشموخ، ونظرت في عينيه بثبات يزن جبالاً:
"اللي كسر كبريائهم في الصالون النهاردة بالذكاء والشفافية، يقدر يقف في وشهم ألف مرة! أنا مش نقطة ضعفك يا مراد.. أنا ضهرك وسندك. وسر قوتنا إننا ماشيين بالحق، والحق دايماً رأسه مرفوعة."
احتضنها مراد بقوة وكأنه يستمد من كلماتها الطاقة لمواجهة المعركة القادمة، وهو يعلم في قرارة نفسه أن الساعات القادمة تحمل عاصفة لا ترحم.
اشرقت شمس اليوم التالي محملة بسحب كثيفة توحي بعاصفة وشيكة. في مقر مديرية الأمن، كان "مراد" يجلس خلف مكتبه يتابع بعض الملفات الروتينية، حتى انفتح الباب فجأة ودخل لواء التفتيش والمتابعة وبصحبته قوة صغيرة، وملامح وجهه تصب جديّة وصرامة.
وقف مراد بثبات وأدى التحية العسكرية، ليقول اللواء بنبرة أسفة:
"سيادة المقدم مراد الحسيني.. للأسف وصلنا بلاغ رسمي عاجل وموثق من النيابة الإدارية والتفتيش العام يتهمك بتجاوز السلطات والتستر على قضايا تهريب لحساب منافع شخصية. القرار الصادر حالياً هو إيقافك مؤقتاً عن العمل وسحب سلاحك وميريتك لحين انتهاء التحقيقات."
لم تهتز شعرة واحدة في وجه مراد؛ فقد كان يتوقع تحركاً خبيثاً من "عاصم الألفي". سلم سلاحه وهويته بكل هدوء وشموخ وقال بثبات:
"أنا تحت أمر القانون يا فندم، ومتربي في البيت ده على احترام الحق. والحقيقة هتظهر أسرع مما يتخيل اللي تقدم بالبلاغ ده."
في هذه الأثناء، كان "عاصم بك" يقود الجزء الثاني من المؤامرة الشرسة. اتصل بأحد الصحفيين المأجورين ونشر تقريراً صحفياً كاذباً ومصوباً برائحة الفضيحة، يدّعي فيه أن المقدم مراد الحسيني تزوج سراً من فتاة ذات ماضي مشبوه مرفقاً صوراً مفبركة لنور لتهشيم سمعتها أمام الرأي العام وفي الوسط الأراستقراطي.
وصل التقرير الصحفي إلى القصر، وسارعت "سعاد هانم" بإمساك الجريدة ويديها ترتجفان من الصدمة، ثم اتصلت بنور وهتفت بحنق وغضب:
"تعالي شوفي يا نور! شوفي فضيحتك وفضيحة ابني اللي بقت على كل لسان! مراد اتوقف عن شغله وسمعتنا بقت في الطين بسببك!"
نزلت "نور" إلى الصالون بمنتهى الثبات، وقرأت الخبر المنشور. لم تبكِ ولم تنكسر، بل ابتسمت بسخرية وقالت لوالدة مراد بكل قوة:
"الشر لما ينشر كذبه، بيبقى معناه إنه خايف من الحق يا سعاد هانم! مراد اتوقف مظلوم، والشرف اللي بجد ما بتهزوش مقالات مدفوعة الأجر."
دخل مراد القصر في تلك اللحظة بخطوات واثقة ترن في أرجاء المكان، دون سلاح لكنه مدجج بكبرياء لا ينكسر. احتضن نور أمام والدته وقال بنبرة هادرة:
"رفعوا السلاح الغلط في المعركة الغلط يا أمي.. عاصم الألفي افتكر إن بدلة الميرية هي اللي بتعمل مراد الحسيني، وما يعرفش إن مراد هو اللي بيصنع قيمته بنفسه! والنهارده بالليل هرد الضربة ضربتين."
نظرت نور في عينيه بابتسامة نصر وقالت:
"وأنا معاك يا مراد.. خطوة بخطوة."