
رواية اثر لم يمحه الحب الفصل الثاني2 بقلم رشا عبد العزيز
تحولت ملامح دهشتهما إلى ابتسامة عريضة صاحبها نداؤهما المتلهف لمن ملك قلبهما:
_ "بابا"
فتح ذراعيه كما يفعل دائما حين يراهما لتهرولان كطفلتين نحوه ترتميان بين أحضانه التي لم تشبعا منها مهما طال الزمن.
_ "حبايب بابا ازيكم يا بنات"
_ "أهلا يا بابا"
ابتعدت عنه "نسرين" تحاسبه على تأخره بمزاح، فأسلوب المشاكسة بينهما كان يطغى دوما على حديثهما معا.
نظرت إلى الساعة الموضوعة على الحائط قبل أن تتخصر وتسأله:
_ "متأخر ساعة ونص عن ميعادك يا عم حمزة"
ثم لوحت له بيدها ضاحكة تظهر له شكها المصطنع:
_ "كنت فين قر واعترف"
ضحك على حركاتها وأجابها يجاري مزاحها:
_ "رحت الجيم مع صحابي"
انفلتت ضحكات الثلاثة على تعقيبه قبل أن تصمت وتمثل الجدية:
_ "بتكلم جد يا أبو نسرين كنت فين"
تلاشت ابتسامته تدريجيا وزفر نفسا طويلا يحمل معه حزن صاحبه يجيبها بأسى:
_ "رحت مع عمك مصطفى بيت حنين كان واخد حاجات لولادها وأنا كمان أخدت حاجات لبنت عمك وولادها الأيتام، ربنا يعينها على تربيتهم"
اقتربت "نسرين" تمسح على ذراعه:
_ "خير ما عملت يا حبيبي"
_ "وحنين ازيها يا بابا أنا كلمت حرير وسألتها عنها من يومين"
هكذا سألت "شرين" والدها ليجلس على الكرسي، كان نشاطه قد تبدد عندما طغى حزنه على ابنة شقيقه وما حدث لها.
_ "تعبانة يا بنتي البنت دبلت والهم سكن ملامحها، الست لما بتفقد جوزها بتتهد، حملها تقيل ربنا يجبر بخاطرها"
وضعت "شرين" يدها على كتف والدها كأنها تؤازره:
_ "نصيبها كده يا بابا نعمل إيه"
أشفقت "نسرين" على والدها فهي تعلم علاقته بشقيقه وقربه منه وهاهو اليوم يقاسمه حزنه، لتحاول التخفيف عنه تهتف مبتسمة تشير له نحو الحلوى التي صنعتها:
_ "بابا شفت عملت إيه دوق كده واديني رأيك"
ثم التقطت قطعة تقدمها له ليبادلها الابتسامة ويقضمها تحت نظراتها المترقبة تنتظر تقييمه لصنيعها.
اتسعت ابتسامته يستطعم مذاقها بإعجاب يخبرها مشجعا:
_ "جميل تسلم إيدك يا نوسة"
لتهتف "شرين" تحذره:
_ "بابا خلي بالك يا حبيبي بلاش تكتر عشان السكر"
امتعض وجهه يؤنبها قائلا بتهكم:
_ "بت هوانت عشان صيدلانية وأبوك قرب على السبعين هتتحكمي فيه، أنا لسه شباب يا بنت صباح، ولا هتخنقيني زي أمك"
مالت تقبل وجنته باعتذار:
_ "حبيبي أنا بس خايفة عليك"
نفض يده من فتات الكوكيز يمضغ ما تبقى منها ويقول بضيق مزيف يعلم حرصها عليه:
_ "متخافيش هي حبة واحدة نقيم فيه، شيف نسرين وبس"
قبلت "نسرين" وجنته الأخرى شاكرة:
_ "تسلم يا أحلى بابا في الدنيا"
وزع نظره بين الاثنتين، كنزه في هذه الدنيا، يسعد بوجوده بينهما، تنعشه نظراتهما المحبة له، يحمد الله على هاتين الزهرتين اللتين تنيران حياته، ليمزح معهما وهو يزيل ما تناثر على ثيابه:
_ "خلينا نزيل آثار الجريمة قبل ما تيجي صباح وتعملنا مشكلة"
صدحت ضحكات الاثنتين، فهناك فرق شاسع بين والدهما لين الطباع ووالدتهما حادة الطباع، لكن رغم هذا والدتهما تعشقه وتخشى غضبه فالجميع يعلم عواقب خصامه القاسي.
*********************''
دخل إلى منزله وقد تهدلت أكتافه، أنهكه الحزن وأوهن كاهله، شروده في حال صغيرته وخوفه عليها أثقل فكره، ماذا سيحصل لها لو حدث له شيء، دخل إلى غرفته يجلس على السرير ويتوه في عالم من الأفكار السلبية.'' '' ''
_ "الحمد لله على السلامة يا حاج"
نداء زوجته أفاقه وانتزعه من سواد أفكاره ليجيبها بإرهاق:
_ "الله يسلمك يا حجة"
_ "وصلت الحاجة لحنين"
أومأ لها بضعف يجيبها بكسرة:
_ "أيوة يا حجة واطمنت عليها وعلى ولادها"
جلست بجانبه تقاسمه حزنه:
_ "كتر خيرك يا خويا"
_ "صعبانة عليا البنت يا سناء تترمل في عز شبابها"
ثم التفت إليها متسائلا في حيرة:
_ "مش كان أحسن لو جبناها تسكن معانا هنا"
_ "ما أنت عارف يا مصطفى سعاد أختي روحها فيهم هي والولاد"
_ "عارف ربنا يعينها ويصبرها هي كمان لسه مش مستوعبة خسارة ابنها"
هزت رأسها بأسى:
_ "تعبت وربتهم وكانت فرحانة بيه وبولاده وبلمتهم حواليها لكن قدرها، نعمل إيه الحمد لله على كل حال"
_ "خايف يجرالي حاجة تتبهدل من بعدي"
نهرته تربت على يده بضيق:
_ "بعد الشر عنك ربنا يحفظك ليهم يا رب"
ثم صمتت تطمئنه:
_ "واهو خالد كمان معاهم ومش سايبهم"
_ "كتر خيره ربنا يديم حنيته ومحبته على ولاد أخوه"
_ "آمين يا رب"
في الخارج كانت "حرير" ترص الأطباق على المائدة عندما دخل شقيقها "حازم" يصفر ويدندن إحدى الأغاني يمشي متبخترا يسألها بحنق:
_ "إيه أبوك وأمك فين مش هيتعشوا معانا"
أشارت نحو باب غرفتهم وأجابت:
_ "في الأوضة بابا لسه راجع من بيت حنين"
دس الطعام في فمه وقال ساخرا بضجر:
_ "يوه دلوقت هتبدأ وصلة الدراما"
تنهدت بقلة حيلة وقالت تلومه:
_ "دراما إيه يا حازم حرام عليك مش زعلانين على جوز بنتهم"
اختطف نظرة مستهجنة نحوها قبل أن يعاود الاندماج مع طعامه ويقول بعدم مبالاة:
_ "الراجل مات الله يرحمه نموت نفسنا وراه يعني"
تعجبت من تبلد مشاعره وأدهشتها كلماته الغير مراعية لمشاعرهم لكن عادت تلوم نفسها فهذا هو شقيقها "حازم" أناني وعديم المشاعر، الحياة بالنسبة له ليست سوى مصالح.
*********************
تعجبت من إلحاحها عليها أن تذهب لإحضار بعض الخضار والفواكه في وقت الظهيرة رغم أنها طلبت منها أن تؤجل هذا الأمر إلى العصر لكنها رفضت متعللة أنهم بحاجة لتلك الأغراض الآن، أذعنت لأمرها مرغمة ورحلت نحو السوق البعيد عنهم كي تغتنم الفرصة هي أيضا
وتشتري بعض أنواع الخرز وخيوط السيليكون التي نفذت منها، فهدفها الجديد في تعلم كيفية صناعة حقيبة من الخرز بات يسيطر عليها
وهذا سيكلفها كمية أكبر من الخرز لكن لذة المغامرة كانت تدفعها نحو التجربة.
أنهت تسوقها وسارت تحت أشعة الشمس الحارقة، أنهك جسدها التعب وبدأت حبات العرق تغزو جسدها، أنزلت تلك الأكياس الثقيلة أرضا لترفع يدها تزيح ما تجمع منها على جبهتها، رفعت رأسها تنظر للشمس التي بدت تقسو بحرارتها عليها، فزفرت أنفاسها المتعبة وعادت تحمل تلك الأكياس من جديد تسير في طريق عودتها لكن وقبل أن تصل غايتها تملكها التعب لتنظر إلى تلك الحديقة الصغيرة وتلك الشجرة التي كانت ملاذها للاستراحة دائما، لكن يبدو أنها اليوم لن تستطيع حمايتها من حرارة الشمس، حركت رأسها يمينا ويسارا تبحث عن ملاذ تحتمي به من هذا الجو لتلمح تلك الصيدلية القريبة منها، اتجهت نحوها بخطوات مترددة لكن ليس باليد حيلة.
دخلت تلهث أنفاسها لتلفحها نسمات التكييف الباردة فتغمض عينيها لحظات تسترخي بعفوية قبل أن تفتحها وتقف بجانب الباب لم تجرؤ قدماها على الولوج إلى الداخل.
طالعتها "شرين" باستغراب بادلته "بلسم" بإعجاب وهي ترى تلك الفتاة الجميلة يبدو عليها الأناقة والثقة لتسألها باستحياء:
_ "آسفة يا دكتورة بس لو مفيش إزعاج ممكن أقف أستريح هنا أصل تعبت من المشوار والجو حر برة، لو ينفع أستريح ثواني وهخرج"
أشفقت "شرين" عليها وهي ترى إنهاكها وبشرتها المحمرة تتصبب عرقا لتجيبها مبتسمة:
_ "مفيش مشكلة اتفضلي"
أنزلت الأكياس أرضا وبدأت تدعك يديها ببعضها بعد أن رسم ثقل تلك الأكياس خطوطا حمراء على راحتيها، أخرجت من حقيبتها منديلا وبدأت تمسح وجهها.
تعجبت "شرين" وهي تراها تنزوي عند الباب بحياء لتحمل الكرسي المخصص لها وتتجه نحوها تقدمه لها:
_ "اتفضلي اقعدي واقفة ليه شكلك تعبانة"
التقطت الكرسي منها بحرج وشكرتها بامتنان:
_ "إن شاء الله يخليكي تسلمي أنا همشي على طول"
هزت "شرين" رأسها رافضة:
_ "استريحي شوية بس مكسوفة ليه اتفضلي"
قالتها تشير لها نحو الكرسي لتبتسم "بلسم" بخجل وجلست تريح قدميها.
أحضرت لها "شرين" كأسا من الماء:
_ "اتفضلي شكلك عطشانة"
شهقت "بلسم" بحرج:
_ "يا خبر تعبت نفسك ليه يا دكتورة جزاك الله خير"
قالتها تلتقط منها كأس الماء الذي كانت بحاجة إليه لتشرب الماء بسرعة من شدة عطشها.
عادت "شرين" إلى عملها كي لا تشعرها بالحرج لكن شيئا من الفضول جعلها تتأملها من بعيد لتسألها مستفسرة:
_ "هي دي أول مرة تدخلي الصيدلية أصل شكلي شفتك قبل كده"
اتسعت ابتسامة "بلسم" وقالت ضاحكة:
_ "لا أنت شكلك شفتيني على اليوتيوب أو الفيس أنا بلسم فردوس"
قالتها تشير لها نحو نفسها ما زاد دهشتها لتعاود سؤالها:
_ "بلسم فردوس مين"
أخرجت "بلسم" هاتفها القديم تظهر لها أحد الفيديوهات وتشرح لها:
_ "أكيد أنت شفتي قناة فردوس فاميلي فردوس مرات أبويا"
التقطت منها "شرين" الهاتف وأخذت تمعن النظر لذلك الفيديو لتتذكر أنها بالفعل شاهدت إحدى الفيديوهات التي تتباهى فيها "فردوس" بحسن معاملتها.
رفعت نظرها عن الهاتف تطالع "بلسم" التي علت وجهها ابتسامة باهتة تخبرها كيف تظهر مع زوجة أبيها في تلك الفيديوهات بطلب منها.
فطنت "شرين" أن ظهورها كان رغما عنها، ظلت تصغي إليها وهي تسترسل تخبرها عن أشقائها وعن والدها لتسألها "شرين":
_ "أنت بتدرسي يا بلسم"
استبدلت ابتسامتها الباهتة بأخرى موجوعة تجيبها:
_ "لا أنا خلصت تالتة إعدادي وقعدت في البيت أصل أبويا وفردوس بيقولوا إن نهايتي لبيت جوزي، إخواتي أولى بفلوس تعليمي هعمل إيه بالتعليم أدام باكل وبشرب في بيت أبويا"
_ "فردوس بتعاملك كويس"
لا تعلم "بلسم" لما سردت عليها معاناتها كأنها بحاجة إلى من تشكو له:
_ "الشهادة لله قدام الكاميرا زي الفل بس بعد ما تطفي الكاميرا زي الزفت، بس لو عاوزة الحق ساعات بتشتريلي هدوم وحاجات وساعات أكتر تديني لبسها القديم، مهو لازم عشان أبان حلوة قدام الكاميرا"
رغم أن ما تقوله كان موجعا لكن لم تغادر الابتسامة وجهها ما زاد تعجب شرين التي كانت تسمع حديثها بإنصات تراقب حركاتها بدقة، لتبتسم بأسى وتخبرها مادحة:
_ "الحلو يا بلسم رغم الأذى والوجع اللي في صوتك لسه مبتسمة ومتصالحة مع نفسك"
جمدت ابتسامتها وأخفضت عينيها قبل أن ترفعها تبتسم بقهر وتقول بتعقل:
_ "هو زعلي هيعمل حاجة ولا هيغير حياتي أنا واخدة الحكاية ببساطة ومتقبلة لأن اعتراضي هيجرحني أنا قبل أي حد، خلاص الحمد لله على كل حال أدام فيه صحة وستر الباقي يهون"
طالعتها "شرين" بإعجاب فرغم صغر سنها تحمل عقلا متزنا وفهما للحياة تحسد عليه لتبادلها الابتسامة:
_ "برافو يا بلسم أنت صح"
اتسعت ابتسامتها لتفتح حقيبتها تبحث عن شيء ثم أخرجت لها إحدى الأساور التي صنعتها تريها إياها بفخر:
_ "شوفي يا دكتورة أنا بعمل إكسسوارات زي دي"
التقطت منها "شرين" السوار تطالعها بانبهار تلمس حباته وتخبرها مشجعة:
_ "الله تحفة يا بلسم يجنن وتنسيق الألوان جميل جدا"
غمرتها السعادة بإطرائها لتلوح لها قائلة:
_ "ده هدية مني ليك يا دكتورة عربون تعارف"
رفضت "شرين" في بادئ الأمر لكنها انصاعت لطلبها كنوع من التشجيع وطلبت منها أن تحضر لها المزيد لكن المرة القادمة يجب أن تدفع ثمن ما تأخذ، وافقت "بلسم" وأخبرتها مبتهجة أنها زبونتها الأولى ووعدتها أن تحضر لها أحسن ما صنعت، لتودعها عائدة إلى
منزلها، دخلت المنزل منهكة الخطوات لتجد "فردوس" تجلس باسترخاء منشغلة بهاتفها لتخبرها دون أن تحيد عينيها عن شاشته:
_ "أنا والولاد ملناش نفس اعملي غدا أنت لنفسك"
رغم دهشتها لكنها لم تعلق لترفع كتفها بعدم اهتمام وذهبت إلى المطبخ تعيد الخضار والفواكه مكانها، غسلت وجهها وبدأت تحاول إعداد الطعام لنفسها، أخرجت بعض الطماطم والبيض كي تصنع تلك الأكلة التي تحبها، البيض مع الطماطم.
وضعت الطماطم في المقلاة وأخذت تكسر البيض لتخفقه، جمعت قشور البيض لترميها في سلة المهملات ليلفت انتباهها ذلك الكيس، التقطته لتغمض عينها بحرقة، الآن فهمت سبب إصرارها على خروجها في هذا الوقت، لقد أحضرت غداء من أحد المطاعم الفاخرة واستكثرت عليها أن تأكل معهم
لتبعدها بهذه الطريقة كي تنفرد هي وأولادها بتلك الوجبة، لمعت الدموع في عينيها تتعجب ظلمها فحتى بضع لقمات حرمتها منها، مسحت تلك الدمعة الهاربة من عينيها، عادت تنظر على قطع الطماطم التي بدأت تحترق بزيت المقلاة كما يحترق قلبها بكسرة، أطفأت النار فقد أشبعها حزنها ولم تعد بحاجة للطعام.'
**********************'*' '' ' '' '
وبعد مرور أسبوعين
وقفت في مطبخ شقيقتها تعد المهلبية بعد أن أحضرت موادها معها فهي تعلم بحبه لهذا الحلو فقررت أن تصنعه له.
دخلت عليها شقيقتها المطبخ تنظر لما تصنع وتقول متهكمة:
_ "يا ريتك تحبينا قد حبك لخالد"
صدحت ضحكتها وقالت في محاولة لإرضائها:
_ "يا حنين أنا عاملة كمية يعني لينا كلنا مش خالد بس"
_ "كتر خيرك مالك كمان بيحبها زي عمه"
_ "ألف هنا على قلب الاتنين"
أخفضت صوتها وقالت بألم:
_ "كامل كمان كان بيحبها الله يرحمه"
_ "الله يرحمه يا حبيبي خلاص نعتبره ثواب ليه"
_ "متشكرة يا حرير"
ضمتها "حرير" تلومها بعتاب:
_ "إحنا إخوات يا حنين هو أنا ليه حد غيرك ده أنت أختي وصاحبتي"
بادلتها "حنين" العناق:
_ "ربنا يحفظك ليا"
ابتعدت "حرير" تتجه نحو الموقد حيث إناء الطهو بدأ يغلي والمهلبية تثخن لتساعدها "حنين" في سكبها في أطباق، تنتظر عودته ليتذوقها ويعطيها رأيه.
عاد بعد يوم عمل مرهق يصعد درجات السلم بتعب حتى اقترب من باب شقة أخيه ليفتح الباب وتطل هي منه فعلم أنها كانت تنتظره ليخطف قلبه ظهورها، اقترب منها متلافيا كأنه نسي تعبه عندما رأى ابتسامتها:
_ "حبيبتي أنت هنا"
طأطأت رأسها خجلا من نظراته وقالت
بابتسامة هادئة:
_ "أيوة جيت بعد الظهر"
رفعت رأسها لتواجه عينيه المثبتة عليها بعشق لتتلعثم تخبره:
_ "عملتلك المهلبية اللي بتحبها"
اتسعت ابتسامته يحيطها بنظرات هائمة:
_ "هحبك إزاي أكتر من كده عاملالي الحاجة اللي بحبها"
تنهد بحب يدنو منها هامسا كلماته ببطء:
_ "بعشقك يا حرير، يا أحلى حاجة في حياتي"
خفق قلبها بجنون وضربت أنفاسه القريبة بثباتها لتسري قشعريرة هزت خلاياها تغيبها بسحر تلك اللحظة لكنها استفاقت وعادت خطوة إلى الوراء تبتعد عنه، ليبتسم على خجلها وارتباكها المعتاد ليشير لها نحو المدخل:
_ "خديلي طريق خليني أدخل وأطمن على الولاد"
ثم غمز لها عابثا:
_ "وآكل المهلبية يا مهلبية
فتحت له الباب وابتعدت تفسح له الطريق بعد أن أخبرت شقيقتها بحضوره.
دخل ليهرول "مالك" نحوه يستقبله لتتلقفه يداه ويحمله يقبله ويحتضنه:
_ "حبيب عمه"
ثم اتجه نحو "مازن" الذي فعل مثل ما فعل شقيقه عندما اتجه بخطواته نحو عمه ليحتضن الاثنين ويرفعهما:
_ "حبايب عمه ازيكم يا ولاد
كان الأولاد متشبثين به بحب يبادلونه العناق والأحضان وسط نظرات "حنين" الحزينة فما يفعله مع الصغار ذكرها بزوحها وفرحه صغاره به عند عودته من العمل اما"حرير" فكانت سعيدة برؤية هذا المشهد وبحنان خالد على اولاد شقيقه
أنزل الصغيرين بعد وصلة من المزاح والضحك لتتجه هي نحو المطبخ تحضر طبق المهلبية الذي أعدته له.
جلس على الأريكة يلاعب الصغار ويسأل "حنين" عن احتياجاتها، لتعود بعد قليل بالأطباق لتعطيه خاصته وتتجه نحو "حنين" تعطيها حصة الصغار.
تعلقت عيناها به تراقب ردة فعله، أمسك الملعقة يدسها في الطبق ويتناول القليل يلعق لسانه بتلذذ ثم يكرر فعلته مستمتعا بمذاقها لتسأله بلهفة:
_ "إيه رأيك يا خالد"
_ "حلوة أوي يا روح خالد"
لتبتسم سعيدة برأيه.
اما "حنين" التي ابتعدت عنهم تترك لهم مساحة من الخصوصية مدعية اندماجها بإطعام صغارها لكن عينيها كانت تختلس النظرات نحوهم وأذنها لم تبتعد عن الإصغاء لهم، تسترق السمع لحديثهم الخافت تراقب نظرات الحب المتبادلة بينهما بحسرة لم تستطع كتمها لتجد نفسها تقول له:
_ "كتر خيرها حرير عملت كمية على روح كامل الله يرحمه"
انحسرت ابتسامته وبهتت ملامحه عندما ذكرت اسم شقيقه الراحل ليبتلع لقمته بصعوبة يردد بحزن تحت نظرات "حرير" المشفقة:
_ "ربنا يرحمه"
بعد مدة من الزمن قضاها مع أولاد شقيقه يلاعبهم وتشاركه هي اللعب، استوقفه سماعه لمكالمتها مع شقيقها يخبرها بعدم قدرته للمجيء لاصطحابها ليصر عليها أن يوصلها لكنها رفضت فألح عليها وعندما رأت ضيقه من رفضها استجابت لدعوته.
ركبت السيارة بجانبه على استحياء تحرجها نظراته العاشقة، ليقهقه ضاحكا وهو يحدق بها مستمتعا باحمرار وجنتيها خجلا:
_ "هتفضلي تتكسفي مني لغاية إمتى يا بنتي ده أنا خطيبك وكلها كام شهر ونتجوز"
فركت يديها الموضوعة على حجرها بتوتر ولم تجرؤ على الالتفات نحوه لتتفاجأ به يقرص وجنتها ويقبل أصابعه التي قرصتها يشاكسها قائلا:
_ "بموت في التفاح الأحمر"
ليمتعض وجهها وتلتفت تخبره بحدة:
_ "خالد خليك عاقل متخلنيش أندم إني وافقت أركب معاك"
انفجر ضاحكا على امتعاض ملامحها ليرفع يديه باستسلام:
_ "لا خلاص هكون عاقل متزعليش يا جميلة"
ثم كتف يديه بطريقة مضحكة كالأطفال لتضحك على تصرفه وتهز رأسها بيأس وهي تجده يرسل لها قبلات في الهواء:
_ "مفيش فايدة"
زم شفتيه بعبوس مصطنع يخبرها بقلة حيلة قبل أن يعاود الابتسام:
_ "والله عاقل بس قدام حبك ببقى مجنون أعمل إيه"
توردت وجنتاها ولمعت عيناها التي كانت تحدق به بحب لينطق لسانها الذي تناسى اتزانه:
_ "وأنا بموت فيك يا مجنون"
ابتهج منتشيا باعترافها لكنه لامها قائلا:
_ "بموت فيك وإحنا لوحدنا والشيطان ثالثنا يا حرير لا أنا أوصلك بسرعة قبل ما أتهور"
ليدير مفتاح سيارته وينطلق لكن الطريق لم يخلو من كلمات غزله ومشاكساته لها
دخل المنزل يشرق وجهه بسعادة، يتذكر تلك اللحظات التي جمعتهم معا. ابتسم وهو يتذكر احمرار وجنتيها عندما يسمعها كلمات غزله، كوردة تزهر فيفوح عطرها، يمنح لحياته مذاقا حلوا.
أغمض عينيه منتشيا بمشاعره المتأججة. لحظات معها تعادل الدنيا، فكيف ستكون حياتهم معا؟
عض على شفتيه بوقاحة عندما اجتاحت خياله مشاهد رسمها قلبه عن مستقبلهم سويا.
_ "خالد".. رجعت؟
نداء والدته أسقطه من سماء خياله إلى أرض الواقع، ليتجه نحوها يلبي نداءها. دخل يجدها تجلس على السرير، تلتحف بغطائها، تمسك مسبحتها، تحرك حباتها بذهن شارد، وعيناها مصوبة نحو تلك الصورة المعلقة على الحائط، فذلك الغائب مزق قلبها برحيله.
اقترب منحنيا يقبل رأسها.
_ "مساء الخير، ازيك يا ست الكل؟"
تحركت عيناها نحوه بجمود، تسأله بنبرة صوت ممتعضة، تعجب منها:
_ "كنت فين؟"
عقد حاجبيه باستغراب من سؤالها، قبل أن يجيبها بحيرة:
_ "كنت بوصل حرير، أصل حازم سهران مع صحابه وهيتأخر عليها"
ازدادت حدة صوتها تلومه حانقة:
_ "وإزاي توصلها وأنت مخطوبين بس؟ مش تراعي حدودك؟ وهي إزاي أصلا ترضى تركب معاك لوحدكم؟"
ضغطت على كلماتها الأخيرة كأنها تريد أن تصيب هدفا محددا في عقله.
تضاعف تعجبه وغزلت أفكار متعددة نسيجها حول فكرة، مستغربا تلك الحدة الغير مبررة، فلم تكن تلك المرة الأولى التي يوصلها، فما دفعها لتلك اللهجة الهجومية عليه؟ ليعاتبها:
_ "ليه بتقولي كده يا أمي؟ هو أنت عندك شك في أخلاقي أو حتى أخلاق حرير؟ وأنت عارفة إنها بترفض إننا نكون وحدنا إلا في حالات اضطرارية"
أشاحت عينيها الغاضبة عنه، وكأن دفاعه عنها لم يرق لها، لتتمتم بحزن:
_ "حنين عمرها ما عملت كده، ولا رضيت تخرج مع أخوك الله يرحمه لوحدهم"
كلماتها تزداد إبهاما، ما سر تلك المقارنة الآن وهي بغير محلها؟ دوما كان متأكدا من حب والدته لزوجة شقيقه، فهي من اختارتها له، ويعلم كيف تميل لها وتعاملها كابنتها، لكن لماذا تقارنها اليوم بشقيقتها؟ ولماذا هذا الموقف من "حرير"؟
تلك الحيرة تبدلت لإشفاق عندما وجد دموعها تتساقط بقهر وهي تندب حظ زوجة أخيه:
_ "يا عيني عليها وعلى بختها، اترملت في عز شبابها وفي رقبتها كوم لحم"
ثم عادت تطالع الصورة الموضوعة على الجدار وتخاطب صاحبها:
_ "ربنا يرحمك يا غالي، رحت أنت كمان في عز شبابك وسبت مراتك وولادك لمين؟"
أسرع إليها يضمها ويخفف عنها، يعاتبها بعبوس مصطنع:
_ "ربنا يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جناته، يا رب ادعيله يا أمي، وبعدين أنا رحت فين؟ ولاده أمانة في رقبتي ليوم الدين"
امتثلت لكلماته وهدأت آهاتها وحسراتها، لتمسح دموعها وتلتفت تخبره بامتنان:
_ "كتر خيرك يا حبيبي"
ابتسم بحزن وكادت أن تتسع ابتسامته أكثر، حتى تجمدت يده التي تحيطها بعد أن صعقه ما سمعه منها، حينما اختلست نظرة متوجسة نحوه:
_ "يا ريتك ما كنت خاطب أختها، كنت أجوزتها، أنت أولى بيها من الغريب"
ابتلع لعابه بذهول من هول ما التقطته أذناه، يحاول استيعاب ما تقوله ليسألها بتوتر:
"أجوز مين؟"
لتأتيه الإجابة واضحة تخرج من شفتيها بهدوء:
"تجوز حنين"