
يظن الإنسان أحيانًا أن أصعب ما يمكن أن يحدث له هو أن يفقد من يحب... لكنه لا يعلم أن الأصعب بكثير أن يعود ذلك الشخص بعد سنوات محمّلًا بكل الذكريات التي حاول دفنها، وبكل الأسئلة التي لم يجد لها إجابة.
جواد لم يكن مستعدًا لرؤية غزل من جديد، والأكثر قسوة أنه لم يجدها أمامه فقط... بل وجدها تدخل حياته من أوسع أبوابها وتحمل مسؤولية ابنته التي أصبحت أغلى ما يملك.
أما غزل فلم تكن عودتها إلى حياته اختيارًا منها ولا كانت مستعدة لأن تدفع ثمن ماضي ظنت أنه انتهى منذ سنوات.
وبين قلبين ظلا يعيشان على أنقاض حب قديم، وطفلة لا ذنب لها سوى أنها أصبحت الرابط بينهما، بدأت اللعبة من جديد...
لكن هذه المرة لم يكن هناك مجال للهروب. فهل تستطيع غزل أن تعيش تحت سقف الرجل الذي كسر قلبها يومًا؟
وهل يستطيع جواد أن يرى حبيبته القديمة كل صباح دون أن يعود ذلك الحب الذي حاول قتله داخله؟
وفي الجهة الأخرى... هناك من بدأ يرى في غزل طريقًا للسيطرة على الشركة. فبين الحب والطمع وبين الماضي والحاضر، ستبدأ أولى خطوات الحرب الحقيقية.
وبدأت أول خطوة عندما عاد نادر إلى منزله في تلك الليلة وحين دخل غرفته وجد سيلين تنتظره وعينيها تحمل تلك النظرة التي تتغير؛ الضيق. فهي كل ليلة تجلس بغرفتها تنتظر عودته وبالنهاية يطلب منها أن تتركه لينام. كانت تتحمل كل هذا فقط بسبب العمل. فهو من دون تلك الشركة... لا شي بالنسبة لها.
وحين دخل قالت: ما لسه بدري!
ثم وقفت وقالت بحدة: كل ليلة تقولي في الشغل. النهاردة كان عندك معاد مع المحامي إنت وأخواتك. جواد وكنان رجعوا وحضرتك لأ. أفهم إيه أنا بقى! كنت فين يا نادر؟
جلس نادر وخلع حذاءه من قدمه وقال: ما تهدي يا سيلين على المسا. كنت برا مع نديم. ولا ماخدتيش بالك إنه مارجعش معاهم؟
سيلين: وأنا مالي بنديم. أنا بسأل على جوزي اللي حابسني في البيت حتى الجامعة بروحها بالعافية وكل ده عشان بيغير. وبدل ما يهتم بيا ويعوضني بيرجعلي كل يوم في نص الليل ويديني ضهره وينام.
نادر بحدة: جرى يا سيلين. ما براحة عليا ولا هي طالبة معاكي خناق.
عقدت ذراعيها أمام صدرها ونظرت إليه بتحدي دون حديث فابتسم وقال: يا بت ده أنا عيني ليكي. بس مش نشوف مستقبلنا الأول يا سلو. وإنتي أول واحدة عايزة تطمن على الشركة ده حتى العيال مش عايزة تخلفي غير لما تضمني مستقبلهم.
سيلين: بقولك إيه ماتدخلش الكلام في بعضه. مش عشان تهرب من الحوار تجيب سيرة الخلفة. قولي كنت بتعمل إيه مع نديم لحد دلوقتي.
نادر: ما إنتي لو تسيبيني بس أغير هدومي وأقعد كنت حكيت.
سيلين: عشان تغير وتقعد على السرير وتنام بعد ٥ دقايق.
تنهد نادر وقال: حاضر. خليني بهدومي وأقعدي بقى خليني أعرف أحكيلك على اللي حصل النهاردة.
جلست بجواره وقص لها ما حدث اليوم فقالت: يا ترى مين دي؟ وإيه علاقتها بجواد؟
نادر: مش عارفين. بس الحوار ده يقلق. على رأي نديم ممكن جواد يلعب عليها ويتجوزها وتبقى الأسهم كلها ليه. عشان كده هو اقترح إني...إني يعني...
سيلين: ما تقول يا نادر، هو أنت نسيت الكلام!
نادر: إني اتجوزها.
وقفت أمامه وصاحت بحدة: نننعم، تتجوز مين يا حبيبي؟
وقف سريعًا وقال: بس... وطي صوتك هتفضحينا.
سيلين: لأ هي الفضايح لسه ماجاتش. عايز تتجوز عليا يا نادر وإحنا لسه ماكملناش سنة جواز!
نادر: يا بت وأنا بقولك هتجوزها عشان بموت فيها. أنا بعمل كده عشان أرجع حقي اللي واخده جواد ولا إنتي مش عايزاني ابقى شريك في الشركة!
سيلين: بص يا حبيبي. عايز تاخد حقك من جواد فيه مية طريقة لكن تدوس عليا عشان مصلحتك ماتلقيش. الحوار ده تشيله من دماغك بدل ما تصحى الصبح ماتلاقنيش في البيت.
نادر: يا بت إنتي عارفة إني ماقدرش أعيش من غيرك. ده أنتي واكلة عقلي وقلبي. بس خلينا نشوف المصلحة اللي هتيجي من وراها وبعدين أطلقها.
سيلين: انسى. مش هيحصل. لو عايز تلعب صح مفيش غير سيف. الوحيد اللي يكسبك وإنت مطمن اللي خسران كل حاجة وماعندوش حاجة يبكي عليها.
نادر: يعني عايزة إيه؟!
سيلين: سيف مش متجوز ولو لعب عليها عادي براحته ومش هتشك فيه لو رسم الدور عليها صح. والحجة موجودة بنت أختي وبتوحشني وبتفكرني بالمرحومة. ينطلها كل شوية ويفتح كلام وشوية شوية ياخد سكة معاها.
نادر: طيب ما هو كده هياخد هو الأسهم.
سيلين: لأ. إنت تقوله إنك هتدخله شريك في الشركة عندك ولما ياخد الأسهم يديك نصها. أولًا كده مكسب ليه من الناحيتين وثانيًا الحركة دي هتحرق دم جواد وإنت عارف إنه مش بيطيقه. وسيف هيوافق لأنك هتديله شركة جاهزة وهو هيقعد ويحط رجل على رجل ويرسم نفسه. ولو اعترض قوله ده أنا بديك حقك قبل إنت ما تعرف حتى تتكلم معاها يعني بشتري سمك في ماية.
نادر: طيب ما هو على رأيك لو ماعرفش يوقعها هيبقى اشتغل معايا وخد من شركتي ببلاش.
سيلين: ما هو لو نفكر شوية بس نرتاح. بص إنت هتعمل العقد وتديله مكتب واحتفال في الشركة وترحيب وتديله وضعه بس العقد حبر على ورق. لو فشل تقوله بالسلامة ومالكش حاجة عندي ولو نجح تودي العقد للمحامي ويسجله من وراه. وكده تبقى مسكت العصاية من النص وسيف يبقى هو اللي في وش جواد عشان لو إنت اللي وقفت قصاده هتخسر كل حاجة.
نادر بتعجب: قصدك إيه؟!
سيلين: قصدي إن جواد لئيم ومش سهل وممكن يوقعك تاني بسهولة لكن سيف مش هيديله سكة نهائي.
نادر: طيب أفكر.
سيلين: بس لو نديم سأل قوله سيلين ماوفقتش وماتجيبش سيرة الموضوع ده لحد نهائي.
نادر: بس هما مش هيشكوا لو لقوا سيف شريك معايا؟
سيلين: وهما هيعرفوا منين؟ إنت تقول إنه هيتشغل عندك بدل ما هو قاعد من غير شغل ومش لاقي ياكل كده واسمه من عيلة الخولي.
نادر: دماغك دي... سم.
سيلين بدلال: عشان خاطر عيونك بس. ولا عايزني أسيب واحدة تشاركني فيك! ده هما ربع ساعة اللي بشوفك فيهم.
نادر: بمناسبة الربع ساعة هما خلصوا. يلا تصبحي على خير.
سيلين: يا راجل إنت ماتستفزنيش.
ضحك نادر وقال: بهزر يا سلو. مالك بقيتي أفوشة كده؟
سيلين: لأ المفروض أفرح وإنت جاي تقولي هتجوز عليكي وبتقنعني كمان.
نادر: أنا بفكر في المصلحة وبس. لكن القلب مش شايف غيرك يا قمر. بقولك إيه أنا رضيت عليكي وخليت الربع ساعة نص ساعة.
خلع معطفه وأطفأ أضواء الغرفة. كما فعلت غزل التى أطفئت الضوء وجلست بفراشها والدموع تملأ عينيها. عادت تلك الذكرى التي هربت منها عين التقت عينيها بعينيه اليوم. ذكرى اليوم الذي رأته يقف بجوار صديقتها وهي ترتدي الثوب الذي كان يجب أن ترتديه هي بجواره. هي من كان لها الحق بأن تضع يدها بين يديه أمام الجميع ويعلن ملكيته لها كما وعدها. كانت الخيانة حينها مضاعفة. ليس فقط من الرجل الوحيد الذي أحبته إنما من داليا أيضًا التي كانت مأمن أسرارها. وبالنهاية انتصر حب المال على حبها. فضل عدم خسارة عائلته والأرث الثمين الذي سيخلفه والده على حبها الكبير إليه. لم يكلف نفسه حتى عناء الإعتذار والآن يقف أمامها ويتحدث معها وكأنها هي المذنبة. وها هي تعتصر الألم مجددًا بداخلها والخوف يسيطر عليها. كيف ستعتني بابنتهما. كيف ستحافظ على حقها ووالديها هما أكثر من أذوها بالحياة! فلا يزال ذلك الجرح يدمي مع كل نفس يخرج من صدرها. تنهدت بثقل وأخبرت نفسها بأن لا ذنب لتلك الفتاة فيما فعلا هما. وغدًا عليها أن تؤدي دورها بعيدًا عن جواد وقررت ألا تتحدث معه حتى تعتاد رؤيته من جديد.
في الصباح استعدت لتذهب إلى المشفى بالأول ثم إلى قصر الخولي. وحين فتحت الباب لتغادر المنزل وجدت سيدة تقف أمامها فقالت بضيق: أهلًا يا ست توحيدة. خير!
توحيدة: مالك يا بت بتكلميني كده ليه؟ وإيه ست توحيدة دي! ما كنتي بتقوليلي ماما قبل كده.
غزل بتهكم: ماما! كنت هبلة معلش. عايزة إيه على الصبح؟
توحيدة: هو أنا جاية أشحت منك؟ أنا جاية أشوف أبوكي مابعتش النفقة ليه لحد دلوقتي.
غزل: بابا في المستشفى عشان عمل العملية.
توحيدة: يا ألف بركة. وجيبتي فلوس العملية منين يا ختي؟! أكيد شوفتيلك عريس متريش. ما قولتلك من الأول تتجوزي واحد يرفعك فوق. صدقتي بقى كلام أمك توحيدة.
غزل: بس بس. إنتي لسه زي القطر كده محدش بيعرف يوقف لسانك. لا عريس ولا متريش ولا بفروة. أنا بيعت الشقة.
توحيدة بصدمة: يلهوي! بعتي البيت؟ وهتقعدوا فين بقى إن شاء الله؟
غزل: مالكيش دعوة.
توحيدة بحدة: لأ يا ختي ليا دعوة ونص. إنتي ناسية إن ليا نفقة شهرية عند أبوكي. إفرضي عمل بقى زي الشهر ده هجيبه منين! إنتي تقوليلي هتروحي فين والعنوان بالظبط.
زفرت غزل بضيق وقالت: الله يسامحك يا بابا. يعني سبت الستات اللي في الدنيا كلها واتجوزت واحدة لسانها أطول من خط السكة الحديد. لسه ماعرفش هنروح فين. ولما أعرف هقولك عشان تيجي تقرفيني هناك زي ما أنتي قرفاني من يوم ما شفتك. حلو كده؟
توحيدة: أخص على تربيتي فيكي. مش كنت ربيت كلبة أحسن؟
غزل: اه أحسن، على الأقل تبقوا فاهمين لغة بعض عشان شكلك كده مش فاهمة كلامي ومعطلاني وأنا مش فضيالك.
دفعتها بعيدًا وغادرت المنزل وهي تتوعد لها بعد أن أهانتها وحين رحلت قالت لنفسها: هعرف هتروحي فين ومش هسيبك. زي ما خربتي بيني وبين أبوكي هخرب حياتك يا غزل يا بنت راضية.
ذهبت غزل إلى المشفى واطمئنت على حالة خالد من الطبيب. وسألته عن موعد خروجه من المشفى فأخبرها أنه يستطيع الذهاب إلى المنزل بعد يومين. دخلت غرفة خالد وقبلت جبهته وقالت: صباح الفل يا سيد الكل.
خالد: صباح النور يا بكاشة. أضحكي عليا بكلمتين عشان انسى إنك سيبتيني امبارح وماطمنتنيش.
غزل: بص هو أنا كنت هرجعلك بعد ما رحت الشغل بس لقيت الأخبار اللي عندي وحشة فا مارضتش أجي أعكنن على مزاجك. وإنت عارف أنا مش بحب النكد.
خالد: ليه حصل إيه؟
غزل: ولا حاجة بسيطة يعني. اترفدت.
خالد بدهشة: ليه عملتي إيه؟
غزل: السبب بصراحة مش مفهوم بس تقريبًا كده الشغل كان واقف بسببي فا مشوني.
ارتسم الحزن على ملامح فقالت: شفت بقى. عشان كده ماكنتش عايزة أقولك. بس بما إني اترفدت وبقيت عاطلة عن العمل فا أنا قررت إن إحنا ناخد قصر على أدنا كده نعيش فيه. يعني أهوه أحسن من البيت اللي اتباع ده.
خالد: اتريقي كمان. هنروح نقعد في قصر اه!
غزل: أنا عمري هزرت معاك؟
خالد: هو إنتي بتعملي حاجة غير إنك بتهزري.
غزل: اه في دي معاك حق. بس لأ المرة دي بتكلم جد. أصل امبارح رحت قابلت الناس اللي هما أهل البت الصغيرة ولقيت إن شارطين عليا إني أروح أقعد مع البنت وأراعيها.
خالد: إيه الكلام الفاضي ده! تراعيها ليه إن شاء الله؟ وبعدين هتشتغلي خدامة للبت على آخر الزمن.
غزل: ﻷ أنا مش هشتغل. بص هي البنت دي بنت صاحبتي يعني. هي ماتت وسايبة نصيبها في شركة باباها والبنت ورثت كل حاجة. امبارح لما قعدت معاهم لقيتهم بيقطعوا بعض على الفلوس وفهمت ساعتها إنها لجئتلي عشان تحمي فلوس بنتها منهم.
خالد: الناس اتعمت بالفلوس. أهي الناس دي بتفكرني بتوحيدة.
غزل: ماتفكرنيش عشان نفسي بتقفل لما بسمع اسمها. ولحد دلوقتي مش عارفة إنت اتجوزت الولية دي إزاي. هي شربتك حاجة أصفرة.
خالد بتهكم: لأ أخضرة. ممكن تفهميني بقى.
غزل: حاضر. العيلة كلها رجالة ومفيش حد بيراعي البنت. فا يعتبر البنت دي أمانة في رقبتي وإنت عارف يا بابا أنا لا يمكن اتخلى عن حد محتاجني. ودي عيلة أسيبها للناس تبهدلها؟
خالد: لأ. معاكي حق. بس يا بنتي هتتجوزي إزاي وإنتي بتراعي عيلة زي دي؟
غزل: وإنت يعني يا بابا شايف العرسان على الباب!
خالد: اه على الباب بس إنتي اللي قفلاه.
غزل: لأ ﻷ... شغل توحيدة ده مرتين في اليوم كتير عليا. أنا مش هتجوز أي حد يخبط على الباب.
خالد: لأ أنا اللي مش عايز اتكلم في الموضوع ده تاني. لما ابقى أخف بقى.
غزل: إن شاء الله.
خالد: طيب وأبو البنت فين؟ وبعدين هو موافق إنك تبقى وصية على أملاك بنته؟
ارتبكت غزل حين سألها عن جواد فقالت: ها، هي دي وصية ولازم تتنفذ. ماعرفش بقى هي عملت كده ليه. يمكن معاهم حق وهو طمعان في الفلوس فعلًا زي ما قالوا. بص يا بابا أنا مليش دعوة أنا هراعي حق البت وخلاص.
خالد: مش عارف يا بنتي إيه الموضوع الغريب ده. بس أنا برده مش مرتاح إنك تروحي تقعدي معاهم في البيت خصوصًا إنك بتقولي أهو كلهم رجالة.
غزل: وأنا يعني هسيبك وأروح أقعد معهم لوحدي! مش هنحرف أنا بدري كده. يعني ممكن لو فاتني بقى قطر الجواز زي ما بيقولوا أفكر في الإنحراف. ولا هو سن الإنحراف بيبدأ من إمتى! أحسن يكون قطر الإنحراف فاتني هو كمان!
خالد: على آخر الزمن هتنحرفي يا بنت راضية!
غزل باندفاع: ماتقعطعش إنت بس. وبعدين هاخدك عشان تفضل معايا كده وتشجعني.
خالد بتعجب: على إيه؟
غزل: الإنحراف يا بابا. ما تركز بقى.
خالد: إمشي يا بت من هنا. أنا لسه مافوقتش من العملية عشان استحمل هزارك ده.
غزل: طيب، أنا كده اطمنت عليك. أمشي أنا بقى.
وما أن غادرت الغرفة حتي ارتسم الحزن على وجهها مجددًا؛ فقد إعتادت غزل أن تخفي ألمها بالضحك منذ أن كانت طفلة صغيرة. فهي مرهفة المشاعر وتخشى أن تبكي أمام أحد بل لا تحب أن يرى أحد دموعها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في قصر الخولي....
كانت العائلة مجتمعة على طاولة الطعام عدا جواد الذي يصدع صوته بالقصر بالكامل بعد أن دخل بالصباح ووجد أمل -جليسة الأطفال الخاصة بكارما- تحاول أن تبدل ثياب كارما كي تذهب إلى الحضانة ولكن كارما كانت ترفض بشدة وتصيح بأعلى صوتها فوقف أمامها وقال: إيه يا كارما الصوت العالي ده؟
كارما بتذمر: مش هروح الحضانة.
جواد: يعني ينفع بنت شطورة زيك كده ما تروحش الحضانة. أنا كده هزعل منك.
كارما: وأنا زعلانة منك. مش عايزة اتكلم معاك. سيبني.
دفعته وخرجت من الغرفة متجهة إلى أسفل ووقف الجميع عندما صدع صوت جواد وهو يصيح باسمها ويركض من خلفها. فقال بغضب: أنا الظاهر دلعتك زيادة عن اللزوم. كده تقوليلي مش عايزة اتكلم معاك؟
كارما: عشان إنت ماخلتنيش أروح أشوف ماما قبل ما تمشي. وأنا مش هعمل أي حاجة غير لما أشوفها ولا هكلمك إنت كمان.
تجمد جواد في مكانه ولم يتحدث فاقتربت منها سيلين وقالت: عيب يا كارما كده. بابا يزعل منك.
كارما: هو كدب عليا وأنا مش بحب الكدابين. ومش هروح الحضانة غير لما أشوف ماما.
صدع صوت غزل المرتفع بالمنزل بعد أن دخلت منذ قليل وسمعت الحديث الذي يدور بين جواد وكارما. للحظة تذكرت حالتها حين ماتت أمها وشعرت بالألم الذي جعل تلك الطفلة تتحدث بهذه الطريقة فقالت: إيه ده! ده الموضوع بجد.
التفتوا إليها جميعًا ونظر لها جواد بتعجب من حديثها. أما هي فكانت تقترب من كارما وتسلط نظراتها عليها ثم أردفت: ده بيقولوا فيه بنت حلوة أصحابها في الحضانة زعلانين إنها مش بتروح تلعب معاهم. وأنا لما عرفت الموضوع جيت عشان اتأكد بنفسي. بس لأ ﻷ... طلعوا كدابين. إنتي مش حلوة ولا حاجة.
ثم حملتها وقالت: إنتي حلوة أوي. شبه ماما خالص!
كارما بتعجب: إنتي تعرفي ماما؟
غزل: طبعًا. ده ماما هي اللي بعتتني هنا عشان أفضل معاكي وهي مش موجودة. وقالتلي يا غزل أنا هسيب كارما لوحدها وهي أكيد هتزعل إنها ماشفتنيش. بس أنا بشوفها كل يوم ودايمًا معاها وبفرح لما بتبقى فرحانة وبزعل لما بتبقى زعلانة. وقالتلي خليكي جنبها ولو حد زعلها إنتي فرحيها. بس لو هي ماعملتش اللي أنا دايمًا كنت بقولها تعمله هزعل منها ومش هاجي أشوفها.
كارما بحزن: بس أنا عايزة أشوفها.
غزل: وأنا كمان. مامتي مشيت وأنا صغيرة وكانت بتوحشني زيك كده. بس عارفة لما كنت بحس بكده كنت بعمل إيه! كنت ببص للنجوم اللي في السما وأكلمهم وأقولهم يقولوا لماما إنها وحشتني. وهي فوق عند ربنا فا أكيد كانت بتمسعني. بس كنت بسمع كلامها على طول ومش بزعلها مني عشان لما تيجي تشوفني تبقى فرحانة.
كارما: يعني أنا لو رحت الحضانة ماما هتفرح وتيجي تشوفني.
غزل: اممم.
كارما: تعالي يا ناني وديني الحضانة.
غزل: ﻷ أنا عايزة بوسة الأول.
قبلتها كارما وقالت: هو إنتي هتستنيني لحد ما أرجع؟
غزل: هتيجي تلاقيني هنا مستنياكي. تحكيلي عملتي إيه في الحضانة. ماشي.
أومأت إليها وحملتها أمل وهي تنظر إلى غزل بإمتنان ثم صعدت بها الدرج تحت نظرات غزل التي تواري حزنها على حالة كارما المشابهة لها.
اقترب جواد منها وهو يضع كلتا يديه في جيبيه وقال بهمس: لسه بارعة في الكدب والخداع، عندك قدرة تضحكي على الناس بالهزار والضحك بتاعك لحد ما يصدقوا إنك ملاك بجناحين. ولما تخليهم يطمنوا تظهري على حقيقتك... شيطان. إنتي شيطان يا غزل.
غادر المنزل وهي تنظر إلى أثره بتعجب. لا تعلم عن ماذا يتحدث ومن أين أتى بتلك الثقة والتكبر. وكيف يقف أمامها ويتصنع البراءة إلى هذا الحد؟
تنهدت بحزن ونفضت تلك الأسئلة عن رأسها فهي عند قرارها. لن تتحدث معه ولن تهتم به. هي هنا فقط من أجل كارما.