
رواية براعم الحب الفصل الخمسون50 بقلم رشا عبد العزيز
وها هي قواربنا ترسو، تخط النهاية على شواطئ الحياة، تحمل قلوبنا آمالاً جميلة تسير بنا نحو درب المستقبل، ترسم معها سعادتنا بألوان الحب، مستندين على قلوب كانت لنا عوناً لنخطو تلك الصعاب، حتى أصبحت أحلامنا حقيقة نلمسها.
تمنحنا جرعة من الأمل للمضي قدماً.
كان يراقبها وهي تخيط ذلك الثوب، تعقد الغرز وتنحني، تغضم الخيط بأسنانها قبل أن ترفعه، تنظر له باستحسان لتبتسم، فيبتسم معها، كأن ابتسامتها أسعدته قبل أن تسعدها. لا يعلم لمَ أصبح يحب مراقبتها ويتوق شوقاً للحظة لقائها، فيتحين الفرص كي يتبادل الحديث معها، منذ أن بدأت تعمل معهم جذبت انتباهه، لكنه كان يخشى الاقتراب وفضل المراقبة من بعيد، فهو يتيم بلا عائلة ومستواه المادي بسيط، يكد ويتعب كي يكسب من عرق جبينه.
طأطأ رأسه يبتلع غصة مريرة، فكم تمنى أن تكون له عائلة، بيت دافئ يعوض فيه حرمانه من حنان الوالدين،
وأطفال يصب عليهم الحب ويمنحهم ما حرم منه، وزوجة تروي قلبه المحروم بحب ورحمة تكمل ذلك النقص الذي لطالما شعر به. رفع رأسه ببطء ليتوتر عندما اصطدمت عينيه بعينيها في لحظة اقتصت من الزمن.
ابتلعت ريقها بحرج حينما أدركت متأخرة تشابك نظراتهما، كأنها غيبت كما غيب هو، لتشيح نظرها بارتباك تلوم حالها حرجة من تلك النظرات التي تشاركتها معه، لتوبخ نفسها بخجل.
_ "اتجننتي يا "شروق"؟ الراجل هيقول إيه عليك دلوقت وانت عمالة تبصيله كده؟"
نفخت أنفاسها تحاول السيطرة على توترها، لتهدئ من ضربات قلبها وتلك المشاعر التي صارت تعصف بها كلما رأته. ثوانٍ هي ما احتاجته كي تستعيد ثباتها المزعوم، لتضغط على قطعة القماش الممسكة بها تعاتب قلبها.
_ "بلاش تحلمي كتير، مين هيبصلك؟ الراجل متعاطف معايا، بلاش يسحبك الوهم لحتة تانية."
ثم استرسلت في جلد ذاتها تعنف ذلك القلب الذي بدا يميل له رغماً عنه.
_ "دلوقت هيفكر إنك رخيصة زي الناس ما كانت مفكرة."
هاجمتها تلك الأفكار المرعبة وهي تضع الحقيقة نصب عينيها كي تفهم، لتسخر من نفسها بحزن.
_ "ولو عرف حقيقة أبوكي مش هيبص في وشك تاني."
ليستميلها قلبها برجاء.
_ "ويعرف ليه؟ انت بنت "حمودة" وخلاص."
_ "برافو يا "شروق"، شغلك اتطور ما شاء الله عليك."
كان هذا صوته الذي أخرجها من أعماق أفكارها المظلمة، ليسحبها إلى الواقع. هربت بعينيها تمثل انشغالها بعملها.
_ "متشكرة، كله بفضلكم."
_ "محدش له فضل على حد، انت شاطرة وبتحبي تطوري نفسك."
هروبها وتلعثمها جبره على التحرك من أمامها مرغماً، يجر خطوات خيبته الأمل ويمني بأحلامه البعيدة بأن تنظر له يوماً.
خطى حتى وصل إلى باب المشغل، ليتوقف، التفت يختطف نظرة نحوها بعد أن عادت لتندمج مع عملها ويسأل نفسه لماذا لا يجرب؟ ربما تخيب ظنه وتوافق، ربما تمنحه فرصة ليحقق ذلك الحلم المستحيل.
اتسعت ابتسامته تدريجياً عازماً على تنفيذ ذلك القرار
********************
جلست على سريرها تفلت شعرها من رباطه ليتحرر منساباً على كتفيها، قبل أن تنفضه وهي تحرك رأسها يميناً ويساراً، واستعدت لتتمدد. أغمضت عينيها لكنها فتحتها فزعة عندما وجدته يقتحم عليها الغرفة لتنتفض معتدلة تسأله بذهول.
_ "فيه إيه؟ مالك يا "سيف"؟"
ازدادت دهشتها وهي تجده يحمل وسادته ويقترب من السرير ويقول بمكر يمثل الانزعاج.
_ "شباك أوضتي مكسور وبيطلع صوت مزعج، مش عارف أنام، استحمليني النهاردة يا "نونو"."
خفق قلبها بتوتر تسأله بحروف متقطعة.
_ "هتنام هنا؟"
مسح السرير بعينيه يشير لاتساعه ويقول بدهشة.
_ "ما هو السرير كبير أهو، ماله لو نمت هنا؟"
ابتلعت ريقها بحرج وهزت رأسها رافضة.
_ "لا، إزاي يعني تنام هنا؟ نام على الكنبة في الصالة."
زم شفتيه بعبوس وعاتبها يدعي الحنق.
_ "كده يا "نونو"؟ عاوزاني أنام على الكنبة وظهري يتكسر؟"
دعكت يديها بتوتر وقالت تفسر له.
_ "ما قصدتش كده، بس أصل..."
ارتباكها وشعورها بالحرج أعطاه فرصة ليقتحم السرير وسط دهشتها وعدم استيعابها لما يفعله، وهو يضع الوسائد كحاجز بينه وبينها، قبل أن يتمدد يضع ذراعه فوق عينيه يخبرها بضيق مفتعل.
_ "أهو يا ستي بنيت حد بيننا، متخافيش، وعد مش هقرب منك، يلا نامي وانت مطمنة."
ظلت تحدق به للحظات قبل أن تتمدد بتردد وعينيها مسلطة نحوه، ظلت تتأمله ظناً منها أنه قد غفا. كانت تسمع دقات قلبها التي تخفق باضطراب لقربه منها. ابتسمت بخجل تخبر نفسها بسعادة كم هي محظوظة، فهذا الوسيم زوجها وحبيبها. أخيراً أغمضت عينيها واستسلمت للنوم.
انتظام أنفاسها أكد له غفوتها، ليبتسم بخبث وهو يزيح تلك الوسائد عن طريقه ويقترب منها بتوجس، يراقب غفوتها بهيام قبل أن يبعد خصلات شعرها عن وجهها وينحني يقبلها بحذر، يتمدد بجانبها يتنهد بعشق وهو يتنفس عطرها، يكتم ضحكاته وهو يتخيل شكلها عندما تستيقظ.
*****************************
**بعد مرور عامين**
كانت تجلس تلك الصغيرة على الأرض، أمامها طبق مليء بقطع البطيخ الأحمر، تلتهمها باستمتاع لتسيل من فمها سوائل تلك الثمرة ملوثة فستانها، تاركة بقعاً وردية اللون، تنظر إلى والدها الجالس بجانبها يشجعها ليزيد من عزمها لتناول المزيد، مدعومة بابتسامة والدها العريضة.
ليزداد ابتهاجها عندما سمعت غزله بها.
_ "سكر يا عسل، عجبك البطيخ يا روح بابا؟"
هزت رأسها تؤكد له بفم ممتلئ.
_ "اممم."
_ "ألف هنا يا قلب بابا."
لتفزعهم شهقة وصراخ "سندس" التي وقفت تعاتبه بغضب.
_ "كده يا "حسن"؟ تسيبها تبهدل الفستان؟ دي تالت مرة تغير هدومها، كنت نبهتني آكلها أنا."
عبس وجه الصغيرة تطالع "حسن" كأنها تنتظر أن يدافع عنها ولم يخيب ظنها ليقول محاولاً امتصاص غضبها.
_ "معلش يا حبيبتي، عسل كان نفسها تاكل بإيديها، وبعدين الدنيا حر، ابقي حميها وخلاص."
نهشت الصغيرة قطعة البطيخ أمام أنظارها بشراهة كأنها تحاول إغاظتها، لتزمجر بانفعال.
_ "مش شايف يا "حسن"؟ بهدلت الأرض وبهدلت نفسها، دي مستحمية من ساعتين."
ليتحايل عليها كي يخفف من غضبها.
_ "سيبيها يا روحي، دي طفلة، خليها تستمتع."
تخصرت تطالعه بسخط بعد أن استفزها حديثه.
_ "يعني الهانم تستمتع وأنا أتعب عادي يا سي "حسن"؟"
انحنى يقبل وجنة صغيرته بحب.
_ "يا حبيبتي دي أميرة الأميرات، تدلع براحتها، ست البنات."
_ "حسن، ارحمني، دلعك هيخسرها، يعني أنا أربي وانت تفسد؟"
هتفت بها "سندس" بقلة حيلة وهي تطالع الفوضى التي أحدثتها صغيرتها.
أمسك قطعة بطيخ يقضمها يشارك صغيرته ويقول بعدم اكتراث.
_ "ما تخافيش يا روحي، هتكبر وتفهم وتتعلم."
وبعدم مبالاة أشار لها أن تقترب.
_ "تعالي دوقي البطيخة باردة ومسكرة، تعالي كلي معانا يا حبيبتي."
أغمضت عينيها بيأس واقتربت تلبي دعوته مرغمَة وتجلس بجانبه، ليدس قطعة من البطيخ في فمها ويطالعها بحب يترقب ردة فعلها.
_ "ها يا قلبي، عجبتك؟"
أومأت برأسها ليبتسم ويدس قطعة أخرى تحت نظرات تلك الصغيرة التي نهضت تقلده وتدس هي قطعة كانت تحملها في فمها، ليضحك الاثنان على تصرفها، فتنسى ضيقها منهم وتندمج بالاستمتاع معهم، تحفر لها ذكريات جميلة عوضت ذكريات الماضي المؤلمة.
************************
سقطت قطعة المكعب الذي كان يركبها، فعاد يعلمه كيف يضعها مرة أخرى متحلياً بالصبر،
وهو يساعده في تركيب تلك القطع الواحدة بجانب الأخرى، يصنع منزلاً ويرفعه يضع الواحد فوق الآخر قبل أن يدفعه كي يهدمه، ليقع فتتساقط قطعه متناثرة فيصرخ ويصفق فرحاً، يشاركه والده التصفيق والضحكات العالية قبل أن يعاود الكرة مرة أخرى.
كانت تراقبهم باستمتاع متلذذة بتلك اللحظات الرائعة حتى قررت أن تقطعها لتطعمه.
_ ""سونة" مش كفاية كده وخلي "علي" ياكل؟"
التفت إليها ليحمل الصغير ويتجه نحوها.
_ "يلا يا "علي"، هوب بااا."
جلس وأجلسه على حجره لتبدأ هي بحمل الملعقة وإطعامه وسط تشجيع "حسين" له
وكلماته وحركاته كي يقنعوه بتناول الطعام.
_ "هم هم يا جمل.... يلا الطيارة رايحة فين؟ أهي أهي قربت من "علي" حبيب ماما... افتح بوقك."
ليمتثل الصغير لطلبها فاتحاً فمه فتطعمه، يتبع ذلك هتاف "حسين".
_ "برررافوووو، شطور."
راقب إطعامها للصغير ليخفق قلبه بسعادة يحمد الله، فكم تمنى أن يرى هذا المشهد،
هي وطفلهما يجمعهم منزل دافئ.
_ "بتحب بابا ولا ماما يا "علي"؟"
سؤالها جذب انتباهه ليترقب إجابة الصغير.
_ "ماما."
ادعى الغضب يكرر سؤاله عليه.
_ "بابا ولا ماما يا "علي"؟"
_ "ماما."
ليبدأ بزغزغته بلطف يكرر سؤاله عله يغير إجابته.
_ "بابا ولا ماما؟"
ليجيبه الصغير من بين ضحكاته.
_ "ماما."
ابتسمت بتسلية بعد انتصار حيلتها، فذلك الصغير يردد آخر كلمة فقط،
لتحاول إرضاءه بدلال.
_ "متزعلش يا بابا، أنا بحبك وبموت فيك."
ضحك ينتبه لها ويجيبها بعشق.
_ "وبابا بيعشقك يا قلب بابا."
*************" **"***********
لطمت جبهتها بقلة حيلة وهي تشاهد ما يفعله، فهو يجلس أمام شاشة التلفاز يمسك بذراع لعبة ويلعب فيديو جيم،
ويجلس الصغير بجانبه يعطيه الذراع المعطلة ويوهمه بأنه يلعب معه، والآخر مندمج مع والده كأنه يفهم،
فيصرخ عندما يصرخ والده ويحدق في الشاشة كما يفعل هو حتى بدأ يشتم اللاعبين كما يفعل هو،
لتهتف بغضب تلومه.
_ "حاسب يا "شريف"، "فهد" بيقلدك."
أدرك سوء صنيعه ليلتفت نحوه يحاول إلهاءه وتغيير مسار الحديث.
_ "تاكل شكولاتة يا بطل؟"
مطت شفتيها ساخطة لتؤنبه قائلة.
_ "يعني انت كده حليت الموضوع؟"
تأفف بضجر وسألها متهكماً.
_ "مش فاهم يعني عاوزاني أعمل إيه يا " أحلام"؟"
هتفت مستنكرة وسط نظرات الصغير الموزعة بينهما.
_ "الله، يعني يا شتيمة يا شكولاتة؟"
قذف بذلك الذراع جانباً ونهض يطفئ اللعبة بضيق وسط دهشة الصغير ودهشتها.
_ "أظن كده ارتحتي يا " أحلام"؟"
تنهدت باستياء وقالت تبرر له.
_ "طب انت زعلان ليه؟ حاجة غلط ونبهتك عليها، وبعدين ابنك طفل وبيلقط أي حاجة."
جلس ممسكاً هاتفه يتصفح، فتعلق الصغير بقدمه وبدأ يتسلق ساقه حتى وصل إلى حجره ليستقر هناك، يسوقه الفضول لمراقبة ما يشاهده والده، يحاول خطف الهاتف بأي طريقة رغم تمنع والده،
ليتمتم.
_ "بابا... بابا."
_ "أيوة يا روح بابا."
أشار له نحو الهاتف ليقول رافضاً.
_ "لا، التليفون لا، هتخبطه زي المرة اللي فاتت وتكسره واضطر أشتري جديد."
انفلتت ضحكاتها ليطالعها متعجباً.
_ "مالك بتضحكي ليه؟"
لتخبره من بين ضحكاتها معترفة.
_ "أصلي اديته تليفوني عشان يكسره وأدبسك بتليفون جديد، بس ابنك طلع بيحبك ورفض يعملها."
اتسعت عيناه وهو يستمع لما تخبره به ونظره لها متوعد.
_ "بقيتي مخيفة يا حبيبتي، بتخططي وتفكري، كنت قلتيلي أجيبلك الأحسن منه."
ابتسمت بحرج تخبره بمزاح.
_ "وزة شيطان يا "شريف" باشا."
ليتعهد لها بصدق.
_ "بكرة يكون عندك اللي أجدد منه."
رمقتة بنظرة ممتنة قبل أن تقول.
_ "بجد يا حبيبي؟
_ "وهو أنا عندي كام " أحلام"؟ هي " أحلام" واحدة، روحي وقلبي ونور عيني."
لم تستطع منع نفسها من الاتجاه إليه واحتضانه.
_ "تسلم يا روحي، ربنا يحفظك ليه ولفهد."
ضمها مع صغيره.
_ "ويحفظك ليا يا "أحلامي"."
انطلقت ضحكاتها وهي تجده يقبل ولده كأنه يكافئه قائلاً.
_ "برافووو يا حبيب بابا، أيوة عاوزك كده دايماً في ظهري."
**************************
هرولت بأقدامها الصغيرة نحو الباب ما إن سمعته يفتح، فهي تعلم هوية القادم، تعثرت وكادت أن تسقط،
لكنها عادت تتوازن تصفق وتهتف بسعادة غامرة.
_ "بابي.. بابي."
_ ""جوري" روح بابي وقلبه وعقله وحياته."
هكذا استقبلها يرفعها محتضناً إياها يقبل وجنتيها عدة قبل.
_ "وحشتيني يا روحي."
كانت تراقب المشهد عن قرب تنتظر أن ترحب به هي الأخرى، وبينما كان يحتضن صغيرته التقطتها عينيه وهي تقترب منه تستقبله بحب.
_ "حبيبي، الحمد لله على السلامة."
ليعانقها هي الأخرى مقبلاً وجنتها.
_ "الله يسلمك يا قلبي."
لتشعر بيد الصغيرة تدفعها عنه بقدر ما تستطيع رافضة اقترابها ومعلنة امتلاكها له.
_ "بابي."
انفجر ضاحكاً وهو يرى امتعاض وجهها وهي تبتعد عنه مرغمَة تخبرها بضيق.
_ "دا حبيبي."
قالتها بعناد وهي تعاود عناقه لتصرخ "جوري" مستنكرة تدفعها عنه ببكاء مصطنع.
_ "حبيبي."
استمرت تتحداها تثبت لها ملكيته بطفولة تجاري طفلة صغيرتها وعنادها.
_ "لا، حبيبي أنا، "مهاب" حبيب "ورد"."
ازداد صراخ الصغيرة واستنكارها ترفس بقدميها وتدفعها عنه بهستيريا وانهيار مفتعل.
_ "بابي حبيبي."
وسط ضحكات "مهاب" منتشياً بتلك المشاعر وهو يرى تلك المعركة الناشبة من أجله، لكنه أشفق على صغيرته فهو لا يتحمل بكاءها، ليقبل رأس "ورد" محاولاً استرضاءها ويمازحها قائلاً.
_ "خلاص يا "ورد"، شكل اللي عملتيه في ماما "ندى" هيطلع عليك."
ابتعدت عنه ضاحكة هي الأخرى، فما أشبه اليوم بالبارحة، فهذا النزاع كان بينها وبين والدتها على احتضان والدها، وها هي اليوم في نزاع مع ابنتها على أحضان زوجها، لكن الفرق في الحالتين أنها في الماضي كانت الطرف المنتصر واليوم هي الطرف الخاسر، وها هي تتقبل خسارتها أمام تلك العنيدة بسعادة،
وهي ترى حبها لوالدها وتعلق الآخر بها، فها هو يقبلها كي يراضيها ويخبرها بما جعلها ترمق والدتها بنظرات ماكرة تخبرها بانتصارها
عندما قال مهاب موجها كلامه لورد
_ ""مهاب" حبيب "جوري"."
تلمست وجهه بيدها، الغيرة تتحسس بأناملها لحيته تمسح عليها بعشوائية وهي تبادله القبل.
_ "حبيبي."
لتتمتم "ورد" ضاحكة.
_ "دا ذنب "ندوش" بتخلصه حفيدتها."
***********"***************
أمام غرفة الولادة وقف يلهج بالدعاء لها وعينيه تخونه بدموع خوفاً عليها، هي عائلته الوحيدة وهو كذلك، كانت أقدارهم المتشابهة جمعتهم ليكونوا عوضاً لبعض، منذ أن توفيت والدتها بعد إصابتها بمرض خبيث وموافقتها على الزواج منه، تعلق بها وأصبحت هي كل حياته وزاد تعلقه بها حينما أخبرته أنها تبادله ذات المشاعر.
وها هي اليوم ثمرة هذا الحب تخرج للدنيا، اليوم سيصبح أباً، ستكون له عائلة أخيراً، لن يبقى وحيداً بعد اليوم. ابتسم من بين دموعه ليمسحها بسرعة ينتظر حبيبته وصغيره.
وبعد مدة من الوقت كان يجلس بجانبها وهي تضم صغيرها وتنظر له بلهفة تتلمس وجنته.
_ "شايفه حلو قد إيه يا "سليم"؟"
ضمها يقبل رأسها ويخبرها.
_ "أكيد هيطلع حلو لأمه يا "شروق"، ألف حمد لله على سلامتك يا حبيبتي."
_ "الله يسلمك يا قلبي."
لتقول بحزن وخوف طفيف وهي تمسك يده.
_ "بس صغير أوي يا "سليم"."
ابتسم يطمئنها.
_ "بكرة يكبر متخافيش، دا هيكون سيد الرجالة وبكرة أفكرك يا أم "عبد الله"."
التفتت تنظر له بعين عاشقة وتخبره بفخر وثقة.
_ "إن شاء الله هيكون سيد الرجالة زي أبوه يا أبو "عبد الله"."
ابتسم بامتنان وقال يدعو الله بتمنٍ.
_ "إن شاء الله ربنا يقدرنا ونربيه أحسن تربية."
_ "بوجودك يا رب، يحفظك لينا يا حبيبي."
_ "ووجودك يا أغلى الناس... يلا شدي حيلك عاوزين نرجع البيت عشان "عبد الله" ينوره."
****************************
وسط قوارير العسل التي كان يصفها ويتذوقها كأنه يختبر جودتها فيبتسم باستحسان ويلعق إصبعه ليتنهد برضى على جودة منتجه،
جلست بجانبه تتأمل سعادته بفرح، فهي تعلم مدى تفانيه وأمانته في عمله ومدى طموحه أن يصل شهرة منتجه إلى أبعد مكان في بلده، وها هي تجارته وزراعته تأخذ نصيبها من الانتشار فقد أصبحت منتجاته تطلب من أماكن متعددة في المحافظة.
_ "شكلك مبسوط يا حبيبي؟"
التفت إليها وقال بفخر.
_ "العسل طعمه حلو قوي، الحمد لله إننا بنحافظ على جودة العسل."
_ "ربنا يوسع رزقك ويجبر بخاطرك يا حبيبي."
ابتسم يخبرها بامتنان.
_ "تسلمي يا وش السعد، من ساعة ما دخلتي حياتي والخير محاوطني، ربنا يديمك نعمة في حياتي."
أطربها حديثه لتقترب منه ساندة رأسها على كتفه.
_ "دا انت اللي نعمة في حياتي يا "محمد"، بحمد ربنا عليها كل يوم."
سند رأسه على رأسها.
_ "ربنا يديمها لبعض، دي بركة دعاء أمي، هفضل أشكرها على اللي عملته طول عمري."
ضحكت تتذكر كيف أخبرها بمخاوفه من خطبتها لكن والدته كان لها رأي آخر واختارت المجازفة لتظفر محاولاتها بالموافقة التي أسرت قلبه.
_ "تدوقي العسل؟"
ابتعدت عنه تهز له رأسها بالموافقة ليحمل القليل بخنصره يقربه من فمها فلتعقه بتلذذ.
_ "فعلاً حلو قوي يا "محمد"، تسلم إيدك."
غمز لها عابثاً.
_ "بس مش هيقدر يوصل لحلاوة خدودك يا قمر."
ضحكت خجلة من غزله الذي قطع استرساله بكاء الصغير لتنتفض.
_ "دي "فرح" باين صحيت؟"
ركضت نحو غرفة صغيرتها تحت أنظار ذلك العاشق الذي تتبعها بعشق يحمد الله على حلم تحقق بأجمل صورة.
*************" ************
فتح عينيه ببطء يتمطى متثائباً، استدار يتأمل تلك الغافية بجانبه يشعر بسعادة غامرة، لا يصدق أنها أصبحت أخيراً زوجته ترقد بجانبه. ابتسم منتشياً يتذكر خجلها وارتباكها وتلك اللحظات التي جمعتهم معاً.
دنا منها يزيح خصلات شعرها التي غطت وجهها برقة، يمعن النظر إلى وجهها الجميل رغم أن كحلها قد سال يلطخ أسفل عينيها،
وشعرها المنكوش منحها مظهراً طفولياً جميلاً يأسر قلبه، تأوه بهيام يتذكر كم انتظر ليصل لهذه اللحظة.
داعب وجنتها بأنامله قبل أن يمرر إبهامه أسفل عينيها يزيل أثر ذلك الكحل.
فتحت عينيها عندما شعرت بلمساته لتنتفض مجفلة تردد اسمه بفزع.
_ ""أصيل"...."
_ "عيونه وروحه.... صباحية مباركة يا عروسة."
أسرعت ترتب خصلات شعرها وتلمها بحرج تحت نظراته الضاحكة على ارتباكها، ثم بدأت تمسح وجهها وما تحت عينيها بعفوية جعلته يشاكسها بمزاح يظهر أمامها إصبعه الملوث بكحلها.
_ "لا متخافيش قمر يا روحي، وبعدين أنا شلت الكحل اللي سال وانت نايمة."
تهدلت يديها تطالعه بدهشة امتزجت بالخجل ليعتدل مقترباً منها يطالع وجهها عن قرب وعينيه تتجول على ملامحها يخبرها بعشق.
_ "أجمل عروسة في الدنيا وأحلى صباح في عمري كله."
انحنى يقبل وجنتها بحب ويقول بهيام.
_ "نورتي حياتي يا حب حياتي."
أخفضت عينيها بتوتر بعدما ارتعش قلبها متأثراً بكلماته ليناديها بصوت تعمد خفوته.
_ ""لوكا"."
_ "امممم."
أجابته دون أن ترفع عينيها فقد تملكها الخجل من مواجهة عينيه ليعاود نداءها.
_ "حبيبتي... ارفعي عينك خليني أتمتع بجمالهم."
رضخت لطلبه بتردد ورفعت عينيها لتواجه عينيه بحرج ليهمس أمام وجهها.
_ "هو أنا بحلم ولا انت قدامي دلوقت وأنا بعيش أحلى حقيقة في عمري؟"
جلت حنجرتها تجيبه بتلعثم.
_ "لا انت مش بتحلم."
ليقرر ممازحتها فرفع يده يقرص وجنتها ويتحسس وجهها.
_ "لا انت "لوكا"، انت هنا، انت مش طيفها اللي كان عايش معايا."
ضحكت على تصرفه ليصرخ بعشق.
_ "الله، أحلى ضحكة سمعتها وأحلى عروسة، يا بختي بيك... بحبك."
ابتسمت تنحي خجلها جانباً تخبره بعشق تبادله إياه.
_ "وأنا كمان بحبك وبموت فيك كمان."
جذبها نحوه لا يتحمل ما نطقته شفتيها.
_ "يا روح حبيبك..."
تحمحم يخبرها بما يدور في باله ليعدها بصدق.
_ "أنا عارف إني خطفتك من أهلك وبعدتك عنهم، لكن أوعدك إني أعمل أي حاجة عشان أسعدك وأعوضك ومخلكيش تحسي بالبعد دا، ووقت ما تحبي هتكوني عندهم."
_ "وأنا واثقة يا قلبي إني اتجوزت أحن وأجمل راجل في الدنيا، وبعدين من قالك إني زعلانة؟ دا أنا متحمسة أفتح الشباك وأشم الهوا النقي اللي لامس الزرع وأتشبع بريحته."
ابتعدت عن أحضانه تخبره بغنج.
_ "وكفاية إني هكون جنب حبيب قلبي أملي عيني منه صبح ومسا."
قرعت نبضات قلبه بجنون منتشياً بحديثها واتسعت ابتسامته حتى بان اصطفاف أسنانه، ليسند جبهته على جبهتها.
_ "هتجننيني يا بت، أنا مش قد الدلع والكلام الجميل دا يا روحي، بحبك."
******"*" ******************
وقفت على الشاطئ في مدينة الغردقة تمسك الهاتف باستياء تعاود الاتصال بعد أن انقطع فجأة، تضعه على أذنها تنتظر أن تجيب والدتها بلهفة لتسألها بسرعة.
_ "أيوه يا ماما سامعاكي، طمنيني يا حبيبي، يعني هو كويس؟ أكيد يا ماما يعني مش بيعيط؟"
لتتوقف تسمع جواب "سماح" المطمئن لها.
_ "يا بنتي اطمني، والله بخير، دا أنا روحي فيه وهو بيموت فيا، مش عاوز أقولك إنه ما سألش عنك أصلاً.
بنلعب سوا و"ندى" كانت هنا كمان، دا حتى دكتور "طارق" أخده فسحه ورجع من شوية، حميته وأكلته ونام.
انبسطي مع جوزك يا حبيبتي ومتشليش هم."
تنهدت بارتياح لترجوها بلطف.
_ "خلي بالك منه يا ماما، أرجوك."
لتهتف "سماح" بضيق.
_ "بنت، انت معندكيش ثقة فيا؟ دا أنا مربياكي، مش هعرف أخلي بالي من ابنك؟"
_ "سامحيني يا ماما، أول مرة أبعد عنه."
_ "اطمني يا حبيبتي، ابنك في إيد أمينة إن شاء الله."
أغلقت الهاتف مع والدتها لتشعر بيده تحيط خصرها يسألها وهو يراقب الغروب باستمتاع.
_ "الجو يجنن النهاردة، إيه رأيك نأجر يخت؟"
صمتها أثار ريبته ليسألها بقلق.
_ "مالك يا حبي؟ سرحانة فين؟"
زفرت أنفاسها باضطراب تلومه.
_ "مش عارفة سمعت كلامك إزاي وسبت "طارق" عند ماما، قلبي مشغول ومش عارفة أستمتع بحاجة."
عاتبها بضيق.
_ "يعني الحق عليا عشان كنت عاوزك تغيري جو وناخد بريك سوا؟"
_ "افهمني يا "زياد"، أنا......"
لم يمهلها إكمال حديثها ليقول بانزعاج.
_ "خلاص، جهزي شنطك، هنقطع الأجازة ونرجع."
وكاد أن يبتعد لكنها أمسكت يده تمنعه تخبره بأسف.
_ "حبيبي أرجوك متزعلش مني، أنا بس خايفة على "طارق"."
طالعها بلوم وقال متهكماً.
_ ""طارق" ابني كمان، يعني أنا مش هخاف عليه؟ هو احنا سبناه مع حد غريب؟ دي "سموحة" يعني هتخاف عليه أكتر منك، ومتنسيش هي بعد ما سكنت في الشقة الجديدة بقت قريبة من بابا وماما، يعني هم كمان هيخلوا بالهم من "طارق"...."
لحظات أخذتها تلوم حالها بندم، فقد فعل هو كل ما يستطيع كي يسعدها، فلن تنسى له كيف أقنع والدتها أن تسكن بجانبهم بل تكفل ببناء شقتها الصغيرة بجانب شقتهم كي تكون قريبة منها،
وها هي تستكثر عليه أياماً بسيطة من الراحة أراد أن يقضيها معها، فهي تعلم صدق حديثه، "سماح" ستحافظ على ولدها وتعتني به،
لتقول متفهمة بندم.
_ "عندك حق يا حبيبي، الظاهر إني بأفور بخوفي عليه."
لم يعقب ولم يعط ردة فعل لتحاول إرضاءه، أمسكت يده قائلة بدلال.
_ "انت قلت هنأجر يخت؟"
_ "لا خلاص كنسلت، خلينا نرجع."
تمسكت بيده تسأله بتوسل.
_ "طب خلينا نجري شوية على البحر زي زمان؟"
لانت ملامحه ليبتسم ويهز رأسه بقلة حيلة يتمتم.
_ "مجنونة."
فتفاجأ بها تركض وتشير له أن يركض خلفها، ليضحك على تصرفها ويركض خلفها يحاول الإمساك بها