رواية خادمتي الصامته الفصل الاربعون40 بقلم اسماعيل موسي

رواية خادمتي الصامته بقلم اسماعيل موسي
 رواية خادمتي الصامته الفصل الاربعون40 بقلم اسماعيل موسي
مرّت الأيام، وظل أهل الفتاة الأولى يبحثون عنها في كل مكان يمكن أن يخطر ببالهم، لكنهم لم يعثروا على أثر يقودهم إليها، لا في الحقول ولا على ضفاف النهر ولا في المراعي الممتدة وراء القرية، وكأن الأرض انشقت وابتلعتها، أو كأنها خرجت من العزبة ذات ليلة ولم يعد لها وجود في هذا العالم
لم يتوقف البحث بعد الليلة الأولى، بل ظل الرجال يخرجون إلى الحقول مع شروق الشمس، ويمشطون الطرق الترابية، ويسألون أهل القرى المجاورة، بينما كانت النساء يترددن على بيت أسرتها، يحاولن مواساتهم بكلمات لا يصدقنها هن أنفسهن، ومع مرور الوقت بدأت الآمال تتضاءل، وتحول السؤال عن مكان الفتاة إلى خوف من مصيرها المجهول
انتشر القلق في العزبة كما تنتشر النار في القش اليابس، وصارت كل امرأة تنظر إلى ابنتها نظرة مختلفة قبل أن تسمح لها بالخروج، وكل أب يوصي أبناءه بالعودة قبل الغروب، حتى لو كانوا على بعد خطوات من بيوتهم
أصبح الناس يتناقلون التحذيرات في الأسواق وعند الآبار وأمام أبواب البيوت، فلا تذهبوا إلى الحقول وحدكم، ولا تتجولوا بعد حلول الظلام، ولا تسلكوا الطرق المنفردة مهما كان السبب، وإذا اضطر أحدكم إلى الخروج ليلًا فليصطحب معه شخصًا آخر
حتى الرجال الذين اعتادوا السهر في الحقول أو المرور على مواشيهم قبل النوم، صاروا يفضلون تأجيل أعمالهم إلى الصباح، وأخذت الأمهات يستدعين بناتهن إلى البيوت قبل أن تختفي آخر خيوط الضوء من السماء
أما تقى، فقد ظل اختفاء الفتاة الأولى يثقل صدرها، ولم تستطع أن تنسى الرجل الذي رأته قرب القصر ليلة العرس، ولا آثار الأقدام التي تتبعتها حتى وصلت إلى النهر، لكنها لم تكن تملك دليلًا يربط بين الأمرين، ولم تشأ أن تزرع في نفوس الناس اتهامًا لا تستطيع إثباته
ومع ذلك، لم تعد تنظر إلى العزبة بعينيها القديمتين، فقد كانت تعرف طرقها وحقولها وأهلها، لكنها أدركت أن شيئًا ما قد تسلل إلى حياتهم، شيئًا لا يعرفون اسمه ولا يعرفون من أين يأتي
ومضى شهر آخر، خفت خلاله أحاديث الفتاة الأولى قليلًا، وإن لم يختف الخوف تمامًا، ثم وقعت الحادثة الثانية
اختفت فتاة أخرى
في البداية، انتظر أهلها عودتها، ظانين أنها ربما تأخرت في مكان ما، لكن الساعات مضت دون أن تظهر، وسرعان ما عاد القلق الذي عرفته العزبة من قبل، وخرج أهلها يبحثون عنها، وانضم إليهم رجال آخرون، ففتشوا الطرق والحقول والممرات المؤدية إلى المراعي، إلا أن بحثهم لم يسفر عن شيء
مرّ اليوم الأول، ثم جاء اليوم الثاني، والفتاة لا تزال غائبة، حتى عثر عليها بعض الرجال بالقرب من المراعي الداكنة، شاحبة مصفرة، وعلى جسدها إصابات بالغة
أعادها الرجال إلى أهلها، الذين أصابتهم الصدمة حين رأوا حالتها، وحاولوا أن يعرفوا منها ما الذي حدث، وأين كانت طوال اليومين، ومن الذي آذاها، لكنها لم تجب عن أسئلتهم
ظلت الفتاة صامتة، لا تروي ما جرى لها ولا تفسر غيابها، ولم يستطع أهلها انتزاع كلمة واحدة منها، فبقيت الحقيقة محبوسة خلف صمتها، بينما كانت إصاباتها البالغة كافية لإثارة مخاوفهم بشأن ما تعرضت له
وبعد يومين من العثور عليها، انتحرت الفتاة داخل حظيرة البهائم
كانت الفاجعة قاسية على أهلها، ولم يستوعبوا كيف انتهت حياتها بهذه الصورة بعد أن عادت إليهم، بينما بقيت الأسئلة التي أرّقتهم بلا جواب، فلم يعرفوا ما الذي حدث لها خلال غيابها، ولماذا رفضت الحديث، ولا ما الذي دفعها إلى إنهاء حياتها
وفي أثناء غسل الفتاة وتجهيزها، لاحظت الوردانة خديجة أنها كانت فاقدة لعذريتها، لكنها لم تتحدث في الأمر أمام أهلها، ولم تخبر به أحدًا، واكتفت بأن احتفظت بما رأته لنفسها حتى سنحت لها فرصة الحديث مع جارتها وداد على انفراد
همست خديجة لوداد بسرية، وأخبرتها بما لاحظته أثناء غسل الفتاة، ثم قالت لها إنها ربما انتحرت بسبب ما تعرضت له
استمعت وداد إلى كلام جارتها، وظل ما سمعته حبيسًا بينهما، فلم تذكر خديجة الأمر أمام أحد، ولم يُكشف هذا السر لأهل العزبة، وظلت حقيقة ما جرى للفتاة مجهولة، كما ظل السبب الحقيقي وراء انتحارها غير معروف على وجه اليقين
وهكذا، بقيت العزبة أمام حادثة ثانية أكثر قسوة من الأولى؛ فتاة اختفت ثم عادت بعد يومين مصابة إصابات بالغة، ولم تجب عن أسئلة أهلها، ثم أنهت حياتها بعد يومين آخرين، دون أن تترك وراءها تفسيرًا لما حدث
أما الفتاة الأولى، فلم يعثر عليها أحد، وظل مصيرها مجهولًا، وبقي اختفاؤها مع وفاة الفتاة الثانية مصدرًا للخوف الذي استقر في قلوب أهل العزبة، فاستمروا في تحذير بعضهم بعضًا من الذهاب إلى الحقول منفردين أو التجول ليلًا، خشية أن تتكرر المأساة مرة أخرى.

لم تكن تقى قد تخيلت يومًا أن يأتي عليها وقت تغادر فيه العزبة متجهة إلى القاهرة، المدينة التي طالما سمعت اسمها يتردد في أحاديث نوح باشا ورسائله، والتي بدت لها بعيدة عن عالمها البسيط، كأنها مكان ينتمي إلى حكايات لا صلة لها بحياتها. لكنها كانت الآن تستعد للسفر إليها، لا بصفتها فتاة فقيرة خرجت من بيت أبيها لا تملك سوى ثيابها البالية، وإنما بصفتها المسؤولة عن عزبة نوح باشا، المرأة التي ائتمنها على أرضه وأمواله وأملاكه، ودعاها بنفسه إلى القدوم إليه
وصلتها رسالته، وظلت تقرؤها أكثر من مرة، تتوقف عند كلماته التي دعاها فيها إلى زيارته بضعة أيام، متذرعًا باشتياقه إلى خيرات العزبة وطعامها الطازج، وكأنه لا يستطيع العثور في القاهرة على ما يعوضه عن الخضراوات والفاكهة التي اعتاد أن تصل إلى مائدته في قصره الريفي
ابتسمت حين قرأت ذلك الجزء من الرسالة، فقد استطاعت أن تتخيل نبرته وهو يكتب تلك الكلمات، وكأنه يتحدث إليها من خلف الورقة، لكن ابتسامتها لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما أدركت أن الأمر لم يعد مجرد فكرة تتخيلها في ساعات فراغها، بل صار سفرًا حقيقيًا عليها أن تستعد له
القاهرة!
كانت الكلمة وحدها كافية لإثارة اضطرابها، فهذه أول مرة في حياتها تبتعد فيها عن العزبة إلى هذا الحد، وأول مرة ستشاهد فيها مدينة بهذا الحجم، وتلتقي فيها أناسًا لم تر مثلهم من قبل، وتدخل عالمًا طالما شعرت أنها لا تعرف عنه شيئًا
لم تكن تخشى الطريق وحده، بل كانت تخشى ما ينتظرها عند نهايته أيضًا. لقد أخبرها نوح أن لا شيء يستطيع إيقافها، حتى الملك نفسه، لكن كلماته، على الرغم من أنها منحتها شيئًا من الثقة، لم تستطع أن تمحو شعورها بأنها ذاهبة إلى مكان لا تعرف قواعده، وأن عليها أن تتعلم كيف تتحرك فيه دون أن تفقد نفسها التي بنتها بصعوبة خلال الأشهر الماضية
ومع ذلك، لم تتراجع.

بدأت استعداداتها للسفر، وأخذ الخدم يتولون ترتيب ما يلزمها من أمتعة، فيما جرى تجهيز الأشياء التي طلب نوح باشا إرسالها معه إلى القاهرة. جُمعت الأغراض بعناية، ووُضعت في صناديق وحقائب، وتأكد الخدم من إغلاقها وربطها جيدًا حتى لا تتعرض للتلف أثناء النقل، ثم حملوها إلى العربة الكارو التي ستنقلها إلى محطة القطار

وقفت تقى تراقبهم وهم يعملون، وقد شعرت بشيء غريب وهي ترى أمتعة الباشا تُحمل إلى خارج القصر استعدادًا للسفر، فهذه الأشياء التي اعتادت رؤيتها في مكانها، بين الغرف الواسعة والأثاث الأنيق، ستنتقل الآن إلى مدينة لا تعرفها، وستكون هي نفسها في طريقها إلى هناك
لم يكن السفر بالنسبة إليها نزهة عابرة، بل خطوة نحو عالم جديد، ولم تكن تعرف إن كانت ستعود من القاهرة كما ذهبت، أم أن الأيام التي ستقضيها هناك ستغير شيئًا في نظرتها إلى نفسها وإلى الحياة التي اعتادت أن تعيشها في العزبة
في صباح السفر، استيقظت مبكرًا، قبل أن تزدحم الحركة في القصر، وارتدت ثيابها بعناية، واختارت ملابس تناسب الرحلة الطويلة، ثم تفقدت ما ستأخذه معها، وحرصت على ألا تنسى رسائل نوح التي احتفظت بها، وبعض الأوراق التي تخص شؤون العزبة، فقد اعتادت أن تحمل معها ما تحتاج إليه من أوراق حتى لا تضطر إلى البحث عنها حين تكون بعيدة عن مكتبها
كانت تعرف أن مسؤوليتها عن العزبة لا تتوقف لمجرد سفرها، وإن كان غيابها لن يستمر طويلًا، ولذلك أرادت أن تترك الأمور مرتبة قبل رحيلها، حتى لا يشعر أحد بأن سفرها قد ترك فراغًا في العمل الذي ائتمنها نوح عليه
وعندما اقترب موعد التحرك، كانت العربة الكارو قد أُعدت لنقل الأمتعة إلى المحطة، فحمل الخدم الصناديق والحقائب ووضعوها فيها، ثم ربطوها بإحكام، بينما استقرت تقى في عربة أخرى ستقلها إلى محطة القطار
كانت الطريق إلى المحطة مألوفة لها، لكنها بدت مختلفة في ذلك الصباح، فقد أخذت تنظر إلى الأشجار والحقول والبيوت التي مرت بها، وكأنها تحاول أن تحفظ تفاصيلها في ذاكرتها قبل أن تبتعد عنها، ورأت بعض الفلاحين يتجهون إلى أعمالهم، ونساء يقفن أمام أبواب البيوت، وأطفالًا يركضون في الطرق الترابية، ولم يخطر لها من قبل أن المشاهد اليومية البسيطة التي اعتادت المرور بها قد تبدو لها ذات يوم بهذا القدر من الألفة.

كانت تغادر عالمها، ولو لأيام قليلة، لتدخل عالمًا آخر لا تعرف عنه إلا ما قرأته في الكتب وما سمعته من نوح
وحين وصلت إلى المحطة، شعرت بأن الرحلة قد بدأت حقًا
لم تكن المحطة مكانًا غريبًا تمامًا عن أهل العزبة، فقد عرف بعضهم القطارات وركبوها من قبل، لكن تقى لم تكن واحدة منهم. وقفت للحظة تنظر إلى المكان، إلى الرصيف الممتد، وإلى حركة المسافرين الذين يتنقلون بين العربات، وإلى الموظفين الذين ينادون بأسماء المحطات ومواعيد الرحلات، بينما كان صوت القطار البخاري يصل من بعيد، مصحوبًا بصفير حاد اخترق الهواء
ثم رأته
كان القطار طويلًا، تتتابع عرباته خلف القاطرة السوداء، وقد غطى الدخان جزءًا من السماء فوقها. كانت القاطرة تصدر أصواتًا معدنية متقطعة، ويتصاعد منها البخار في سحب بيضاء تتبدد ببطء، فيما ارتجت القضبان تحت ثقلها وهي تقترب من موضع توقفها.

لم تستطع تقى أن تمنع نفسها من التحديق فيه. كانت تعرف أن القطار وسيلة للسفر، لكنها لم تدرك من قبل كيف يبدو عن قرب، ولا كيف يمكن لتلك الآلة الضخمة أن تحمل كل هؤلاء الناس وتقطع بهم المسافات الطويلة
أخذت تراقب العمال وهم يتحركون حول العربات، والمسافرين الذين يتقدمون نحو الأبواب حاملين حقائبهم، وبعضهم يرافق أفراد أسرته، بينما وقف آخرون ينتظرون حتى يسمح لهم بالصعود
كان المكان يختلط فيه كل شيء؛ أصوات الباعة، ونداءات الموظفين، وصيحات الحمالين، وحديث المسافرين، وصفير القاطرة، ورائحة الفحم المحترق التي امتزجت برائحة الغبار والهواء الساخن
أما الركاب، فقد كانوا عالمًا قائمًا بذاته
رأت رجالًا يرتدون الجلابيب القطنية والعمائم، يحمل بعضهم لفائف من القماش أو حقائب جلدية قديمة، ويبدو على وجوههم التعب الذي تتركه الرحلات الطويلة والعمل في الحقول والأسواق. ورأت رجالًا آخرين يرتدون الطرابيش والبدلات الداكنة، وقد حمل بعضهم عصيًا أنيقة أو حقائب صغيرة، بينما كان بعضهم يتحدث بجدية مع رفاقه، وكأن السفر لم يقطعهم عن أعمالهم ومصالحهم
وكانت هناك نساء يرتدين أثوابًا فضفاضة وملاءات سوداء، وأخريات يغطين رؤوسهن بإيشاربات مرتبة، فيما ظهرت بين المسافرات سيدات يرتدين ملابس مدينية أكثر أناقة، بأثواب مفصلة بعناية وقبعات صغيرة أو حجاب أنيق ينسجم مع ملابسهن، ويحملن حقائب يد صغيرة تختلف عن الأكياس القماشية التي اعتادت تقى رؤيتها في العزبة
ولفت انتباهها وجود بعض الأجانب بين الركاب، رجال بملابس أوروبية وقبعات، ونساء يرتدين فساتين طويلة ومعاطف خفيفة، ويتحدثون فيما بينهم بلغات لم تستطع تقى تمييزها كلها. سمعت الإنجليزية تتردد في بعض الأحاديث، والتقطت كلمات فرنسية واضحة من حديث امرأة كانت تقف قرب إحدى العربات، فتوقفت عيناها عندها للحظة، وقد شعرت بشيء من الاعتزاز لأنها استطاعت فهم بعض ما تقوله
لم تعد الفرنسية بالنسبة إليها أصواتًا غريبة تتردد في مجلس لا تفهم منه شيئًا، كما حدث في المرة الأولى التي سمعت فيها ضيفات نوح يتحدثن بها، فقد تعبت في تعلمها، وأصبحت قادرة على فهم الكثير مما يقال أمامها، وإن كانت لا تزال تعرف أن أمامها شوطًا طويلًا حتى تتحدث بها دون تردد
ومع ذلك، لم تشعر بأنها غريبة تمامًا وسط ذلك الخليط من الناس، بل شعرت للمرة الأولى أنها تستطيع أن تراقب العالم من حولها وتفهم بعض ما يجري فيه، بدلًا من الوقوف على هامشه كما كانت تفعل في الماضي.

تقدّم أحد الخدم لمساعدتها في الصعود، بعد أن تأكد من وضع الأمتعة في مكانها، ثم صعدت تقى إلى عربة الركاب، وهي تمسك بحقيبتها الصغيرة وتتفقد المكان بعينيها
كانت مقاعد العربة مرتبة في صفوف، والنوافذ واسعة بما يكفي لرؤية الطريق، وقد جلس بعض الركاب بالفعل، بينما ظل آخرون يضعون أمتعتهم فوق الرفوف أو يتبادلون كلمات الوداع مع من جاءوا لتوديعهم
اختارت تقى مكانها وجلست، ثم وضعت حقيبتها إلى جوارها، وظلت تنظر من النافذة إلى الرصيف الذي أخذ يبتعد عنها قليلًا مع استعداد القطار للتحرك
شعرت بشيء يشبه القلق، ولم تكن تعرف إن كان سببه الرحلة نفسها أم ما ينتظرها في نهايتها، لكنها حاولت أن تستعيد كلمات نوح، وتذكرت ثقته بها حين أخبرها أنه يعتقد أن لا شيء يستطيع إيقافها
لم تكن تريد أن تصل إلى القاهرة وهي الفتاة نفسها التي كانت تخشى رفع عينيها أمام الآخرين، فقد قطعت شوطًا طويلًا منذ دخلت قصره للمرة الأولى، وتعلمت أشياء لم تكن تتصور يومًا أنها ستتعلمها، وأصبحت مسؤولة عن أرض وأناس كانوا في الماضي أبعد من أن تتخيل أنها ستقف بينهم صاحبة رأي وسلطة
لم يكن هناك سبب يجعلها تنسى كل ذلك لمجرد أنها ستدخل مدينة جديدة
وبعد قليل، دوّى صفير القطار، وبدأت القاطرة تتحرك ببطء، ثم أخذت العربات تنسحب خلفها، حتى صار الرصيف يتحرك أمام النافذة، وتراجعت الوجوه التي كانت تقف عليه شيئًا فشيئًا
بدأت الرحلة
في البداية، ظل القطار يسير بمحاذاة الأراضي المألوفة، فكانت تقى ترى الحقول والبيوت المتباعدة والسواقي، وتلمح الفلاحين وهم يعملون في الأرض، ثم أخذت المشاهد تتغير كلما ابتعدوا عن العزبة، وظهرت قرى أخرى، ومنازل متقاربة، ومحطات صغيرة يقف عندها القطار ليركب بعض المسافرين وينزل آخرون
وكان صوت القطار منتظمًا، يملأ العربة بإيقاع متواصل، بينما كانت القضبان تتراقص تحت العجلات، ويهتز الزجاج قليلًا مع كل تغير في حركة العربات
لم تستطع تقى أن تظل ساكنة طوال الوقت، فقد كانت تلتفت إلى النافذة ثم تعود بعينيها إلى الركاب، تستمع إلى أحاديثهم، وتراقب اختلاف لهجاتهم وطريقة حديثهم، وتحاول أن تلتقط ما تستطيع من الكلمات المتناثرة
كان بعضهم يتحدث عن أسعار المحاصيل، وآخرون يتناقشون في أمور التجارة، فيما انشغل رجلان بقراءة صحيفة يتبادلان التعليق على ما فيها، وكانت هناك سيدة تحاول تهدئة طفل صغير أخذ يتململ من طول الرحلة، بينما جلس رجل مسن قرب النافذة يراقب الطريق في صمت
كل ذلك بدا لتقى جديدًا، ليس لأن هذه الأشياء لم تكن موجودة في عالمها، بل لأنها لم ترها من قبل مجتمعة في مكان واحد، ولم تشاهد هذا العدد من الناس المختلفين يجمعهم طريق واحد، ولكل منهم وجهته وأسبابه وحكايته الخاصة
ومع مرور الساعات، بدأت المسافة بينها وبين العزبة تتسع، وصارت الحقول تتوالى أمام النافذة كأنها صفحات من كتاب طويل، حتى شعرت بالتعب من الجلوس، لكنها لم تستطع أن تنام، فقد كانت تخشى أن يفوتها شيء من الطريق
وحين كانت تفكر في القاهرة، كانت تتذكر ما قرأته في الكتب وما حكاه لها نوح عن شوارعها ومجالسها وحياتها السياسية، فتتساءل كيف سيكون شكل المدينة التي قضى فيها أيامه الأخيرة، وكيف استطاع أن يترك هدوء العزبة ويعود إلى عالم مليء بالاجتماعات والخصومات والمصالح.

كانت تعرف أنه لم يعد إلى القاهرة من أجل اللهو أو الترف، بل بسبب مسؤوليات سياسية حملته على العودة، لكنها لم تستطع أن تفهم تمامًا كيف يمكن لرجل اعتاد هدوء الأرض وصوت النيل أن يتحمل ضجيج المدينة وصراعاتها كل يوم
ثم عادت أفكارها إليه، وتخيلت اللقاء الذي ينتظرها، وكيف سيستقبلها حين يراها أمامه بعد كل تلك الرسائل، وهل سيبدو كما تعرفه في العزبة، هادئًا متماسكًا، أم أن القاهرة قد أخذت منه شيئًا لم تستطع الرسائل أن تنقله إليها
لم تكن تعرف
لكنها كانت تريد أن تراه، وأن تسمع صوته، وأن تعرف بنفسها ما الذي تغير في حياته منذ غادر القصر

حين اقترب القطار من القاهرة، بدأت ملامح الطريق تتبدل شيئًا فشيئًا، ولم تعد الأراضي الزراعية وحدها هي التي تملأ مجال الرؤية، بل ظهرت المباني المتقاربة، والمخازن، والمنشآت الكبيرة، وخطوط السكك الحديدية المتفرعة، وازدادت حركة القطارات والعربات في المحطات التي مروا بها
ثم أخذت القاهرة تقترب
لم ترَ تقى المدينة دفعة واحدة، وإنما أخذت تلمح أطرافها أولًا، مباني ترتفع فوق بعضها، وأحياء تمتد على مساحات واسعة، ودخان يتصاعد من مداخن متفرقة، وحركة لا تشبه هدوء القرى التي عرفتها
كان هناك شيء في المشهد كله يوحي بأن هذا المكان لا ينام بسهولة، وأن وراء كل مبنى شارعًا آخر، ووراء كل شارع أناسًا لا ينتهي عملهم بانتهاء ضوء النهار
وحين دخل القطار المحطة، وبدأت العربات تتباطأ حتى توقفت، شعرت تقى بأن قلبها يخفق أسرع من المعتاد
وصلت إلى القاهرة
كانت العبارة بسيطة، لكن معناها بالنسبة إليها لم يكن بسيطًا على الإطلاق
حملت حقيبتها، وانتظرت حتى خف ازدحام الركاب عند الباب، ثم نزلت إلى الرصيف، فاستقبلتها ضوضاء المحطة بكل ما فيها من نداءات وأصوات وحركة متواصلة
كان الحمالون يتنقلون بين المسافرين، يحملون الحقائب والصناديق فوق أكتافهم أو على عربات صغيرة، وينادي بعضهم على الركاب عارضين خدماتهم، بينما وقف آخرون ينتظرون وصول أقاربهم، وقد ارتفعت أصوات التحيات والأسئلة بين الناس الذين اجتمعوا بعد غياب.

ورأت رجالًا يرتدون الطرابيش والبدلات، وآخرين بجلابيبهم وعمائمهم، ونساء يمشين بخطوات سريعة وهن يمسكن بأيدي أطفالهن أو بحقائبهن، كما شاهدت بعض الأجانب يتحدثون بالإنجليزية والفرنسية، في حين كانت أصوات الباعة تختلط بأصوات الموظفين الذين ينظمون حركة المسافرين
وقفت تقى لحظة، تحاول أن تستوعب المشهد، وشعرت بأنها تحتاج إلى وقت حتى تعتاد هذا القدر من الحركة والضوضاء
في العزبة، كانت الأصوات معروفة، ويمكنها أن تميز صوت كل رجل من رجال العمال، وأن تعرف من يقترب من وقع خطواته، أما هنا فقد كانت الأصوات كثيرة إلى درجة أنها لم تستطع أن تتبع واحدًا منها، وكلما التفتت إلى جهة وجدت أمامها حركة جديدة تستدعي انتباهها
لكنها لم تترك القلق يسيطر عليها، فقد كانت تعرف أن هناك من ينتظرها، وأن عليها أن تجد طريقها إلى العربة التي أُعدت لنقلها إلى قصر نوح باشا
وبينما كانت تبحث بعينيها، لمحت عربة حنطور تقف في المكان المحدد، وإلى جوارها رجل ينتظر، وقد بدا أنه جاء لاستقبالها بناءً على الترتيبات التي أُعدت مسبقًا
تقدمت نحوه، وبعد أن تأكد من هويتها، ساعدها في وضع حقيبتها، ثم أخبرها أن العربة ستقلها إلى قصر الباشا
صعدت تقى إلى الحنطور، وجلست في مكانها، ثم نظرت للمرة الأخيرة إلى المحطة قبل أن تتحرك العربة مبتعدة عنها
كانت القاهرة قد بدأت تكشف لها وجهها الأول، ولم يكن هذا الوجه سوى بداية لما ستراه في الطريق إلى القصر

ما إن غادرت عربة الحنطور محيط المحطة حتى شعرت تقى بأنها دخلت عالمًا مختلفًا تمامًا عن كل ما عرفته من قبل
كان الطريق مزدحمًا بحركة لا تكاد تهدأ، عربات الحنطور تسير جنبًا إلى جنب مع السيارات، وعربات النقل التي تجرها الدواب، وعربات الباعة المتجولين، فيما كان المشاة يعبرون الشوارع بين المركبات بحذر أو بعجلة، وكل منهم يبدو منشغلًا بوجهته
كان صوت حوافر الخيل على الأرض الحجرية يمتزج بصوت عجلات العربات، وأبواق السيارات، ونداءات الباعة، وأصوات الرجال الذين يتحدثون بصوت مرتفع في محيط المحلات والمقاهي، حتى بدا الطريق كله وكأنه يتحرك ويتكلم في وقت واحد
جلست تقى تراقب من نافذة الحنطور، وقد نسيت للحظات أنها في طريقها إلى نوح باشا، إذ استحوذت المدينة على انتباهها بكل ما فيها من تفاصيل
كانت المباني ترتفع على جانبي الطريق، بعضها ذو طوابق قليلة وشرفات بسيطة، وبعضها أكثر ارتفاعًا واتساعًا، بواجهات أنيقة وشرفات حديدية مزخرفة ونوافذ طويلة، فيما بدت بعض المباني الحديثة ذات خطوط منتظمة وشرفات متتابعة، كأنها تنتمي إلى زمن مختلف عن البيوت القديمة التي عرفتها
ولفت انتباهها اختلاف أشكال المباني من شارع إلى آخر، فهناك شوارع تضم بيوتًا متلاصقة ذات أبواب خشبية كبيرة، وأخرى تنتظم فيها عمارات أنيقة، تعلو مداخلها الزخارف الحجرية وتزين شرفاتها النباتات، وتظهر على واجهاتها أسماء أصحاب المحلات والمكاتب.

رفعت رأسها لتتأمل إحدى الواجهات المرتفعة، ثم أدارت وجهها إلى الجهة الأخرى، فرأت شرفات واسعة تتدلى منها الستائر، ونوافذ مفتوحة تطل على الشارع، وأبوابًا كبيرة يدخل منها رجال يرتدون بدلات أنيقة، فيما كان حارس يقف عند مدخل أحد المباني بملابس مرتبة
لم تكن قد رأت في حياتها هذا العدد من المباني المتنوعة في مساحة واحدة، ولم تتخيل أن الشارع يمكن أن يبدو بهذه السعة، وأن تمتد على جانبيه واجهات متتابعة لا تكاد تنتهي
ثم انتقلت عيناها إلى الناس
كان الرجال يمرون أمامها في أشكال وملابس مختلفة؛ بعضهم يرتدي الجلابيب والطرابيش، وبعضهم يلبس البدلات الأوروبية الكاملة، مع القمصان والياقات الصلبة وربطات العنق، ويحمل بعضهم عصيًا أنيقة أو حقائب جلدية صغيرة، فيما سار آخرون بملابس العمل البسيطة، وقد بدت على ثيابهم آثار يوم طويل
وكانت هناك فوارق واضحة بين ملابس الناس، لا تحتاج إلى كثير من التأمل حتى تلاحظها، فالرجل الذي يخرج من متجر فاخر ببدلته المكوية وحذائه اللامع لم يكن يشبه العامل الذي يحمل البضائع على كتفه، ولا الفلاح الذي جاء إلى المدينة لقضاء حاجة، ولا الموظف الذي يسير مسرعًا وهو يحمل أوراقه تحت ذراعه
أما النساء، فقد استوقفن تقى أكثر مما توقعت
رأت سيدات يرتدين أثوابًا أنيقة مفصلة بعناية، بأكمام طويلة وخصور محددة، وبعضهن يضعن قبعات صغيرة أو يحملن مظلات تحميهن من الشمس، فيما ارتدت أخريات ملاءات سوداء أو أثوابًا واسعة، وتنوعت أغطية الرؤوس بين الإيشاربات والطرحات والقبعات
كانت بعض النساء يسِرن برفقة رجال يرتدون بدلات رسمية، وأخريات يخرجن من المحلات يحملن أكياسًا وعلبًا، فيما وقفت مجموعة منهن أمام واجهة متجر تتأمل المعروضات، وقد بدت ملابسهن مختلفة عن كل ما اعتادت تقى رؤيته في نساء العزبة
لم يكن الأمر متعلقًا بجمال الثياب وحده، بل بالطريقة التي تتحرك بها النساء في الشوارع، وبالخطوات الواثقة التي تمشي بها بعضهن، وبالاهتمام الذي يبدينه بتفاصيل ملابسهن وتسريحات شعرهن وحقائبهن
شعرت تقى للحظة أنها تراقب حياة كاملة لم تكن تعرف عنها شيئًا، حياة لها عاداتها وأذواقها وقواعدها، ولا يمكن للمرء أن يفهمها من خلال كتاب أو حديث عابر
ومع ذلك، لم تشعر بأنها تريد العودة من حيث جاءت، بل ازدادت رغبتها في النظر والفهم، وكأنها تحاول أن تعوض في ساعات قليلة كل ما فاتها من رؤية العالم خارج حدود العزبة
ثم مر الحنطور أمام صف من المحلات، فتعلقت عيناها بواجهاتها
كانت هناك محلات للأقمشة، تتدلى أمامها قطع من الحرير والقطن بألوان مختلفة، وقد رُتبت بعض البضائع داخل الواجهات بعناية، بحيث يستطيع المار أن يرى الأثواب والأقمشة دون أن يدخل المتجر
ورأت محلات للأحذية والحقائب، وأخرى تعرض القبعات والملابس الجاهزة، ومتاجر للمجوهرات تتلألأ في واجهاتها القطع الذهبية والفضية، ومحلات صغيرة تبيع أدوات منزلية وأواني وأشياء لم تعرف أسماء بعضها
كما رأت واجهات تعرض الكتب والصحف، وقد تراصت المطبوعات خلف الزجاج، بينما وقف بعض الرجال أمامها يقرؤون العناوين، وكأنهم يبحثون عن خبر مهم أو يتابعون شأنًا يشغل المدينة
كان منظر الصحف مألوفًا لها من ناحية، فقد اعتادت أن تقرأ الصحف التي تصل إلى العزبة، لكن رؤيتها معروضة بهذا العدد، وسط حركة الناس والأسواق، جعلتها تشعر بأن الأخبار هنا ليست مجرد كلمات على ورق، بل جزء من حياة يومية لا تنفصل عن الشارع وأحاديث الناس
ولم تكن المحلات وحدها ما جذب انتباهها، بل المقاهي التي امتدت على جانبي الطريق
كانت بعض المقاهي مفتوحة على الشارع، تصطف أمامها الطاولات والكراسي، ويجلس عليها رجال يتحدثون ويدخنون، بينما يتحرك النُدُل بينهم حاملين صواني الشاي والقهوة، وتتصاعد من المكان رائحة البن والدخان
كان بعض الجالسين يرتدون الجلابيب والطرابيش، وآخرون يرتدون البدلات، وقد انشغلوا بأحاديث مختلفة؛ أحدهم يقرأ صحيفة، وآخر يشير بيده وهو يتحدث بحماس، وثالث ينحني نحو رفيقه كأنه يخبره بأمر لا يريد أن يسمعه سواهما
سمعت تقى كلمات متفرقة عن الأسعار والسياسة وأحوال البلد، ولم تستطع أن تميز تفاصيل الأحاديث وسط الضوضاء، لكنها أدركت أن المقاهي ليست مجرد أماكن لشرب الشاي، بل مجالس يجتمع فيها الناس ويتبادلون الأخبار والآراء، وربما تتشكل فيها بعض المواقف التي لا يعرف عنها الآخرون شيئًا
وتذكرت رسائل نوح، والاجتماعات التي أخبرها عنها، والحديث عن الوزارة والبرلمان والأحزاب، فبدت لها القاهرة أكثر وضوحًا من قبل؛ لم تعد مجرد اسم يرد في الأخبار أو مكان يقيم فيه الباشا، بل مدينة تتداخل فيها التجارة والسياسة والعمل والحياة اليومية، ويتحرك أهلها داخل شبكة واسعة من المصالح والعلاقات التي لا يمكن رؤيتها من بعيد
مر الحنطور أمام بائع متجول يحمل صينية من الحلوى، ثم أمام رجل ينادي على بضاعته، وبعد ذلك بمحاذاة عربة صغيرة تبيع الفاكهة، وقد رص صاحبها الثمار في صفوف متناسقة
كانت الحركة في كل مكان، حتى إن تقى لم تستطع أن تتابع كل ما تقع عليه عيناها، فكلما استقرت نظرتها على مشهد، ظهر أمامها مشهد آخر، وكلما ظنت أنها فهمت شكل الشارع، باغتها شيء جديد
ورأت عربات الترام تمر في بعض الشوارع المخصصة لها، فتتحرك فوق قضبانها وسط حركة السيارات والمشاة، وقد توقفت عند محطات ينتظر فيها الناس، ثم انطلقت من جديد، بينما ظل الحنطور يسير في طريقه بين العربات الأخرى
أخذت تقى تتابع الترام بعينيها حتى ابتعد، ثم عادت تنظر إلى الطريق، وقد شعرت بأن القاهرة تمتلك وسائل للحركة والتنقل أكثر مما كانت تتصور، وأن الناس فيها يستطيعون الوصول إلى أماكن مختلفة بطرق لم تكن مألوفة لها في حياتها الريفية
كانت تتأمل كل شيء بفضول صادق، دون أن تدري أن هذا الفضول نفسه هو ما جعلها تتجاوز خوفها الأول، فقد جاءت إلى القاهرة وهي تخشى أن تجد نفسها صغيرة أمام اتساعها، لكنها الآن كانت تحاول أن تتعرف إليها تفصيلًا تفصيلًا، كما تعرفت من قبل إلى أرض العزبة وحقولها وأهلها.

ومع تقدم الحنطور، بدأت الشوارع تتغير في اتساعها وطبيعة مبانيها، فمرت العربة بمناطق أكثر ازدحامًا، ثم سلكت طرقًا تبدو أكثر انتظامًا، تصطف على جانبيها عمارات أنيقة ومبانٍ ذات مداخل واسعة، وتحيط بها الأشجار في بعض المواضع
كانت القاهرة تتبدل أمام عينيها، ولم تكن صورة واحدة يمكن أن تختصرها؛ ففيها الأسواق الشعبية الصاخبة، والمقاهي المكتظة، والشوارع التي يختلط فيها الفقير بالغني، وفيها أيضًا الأحياء التي تبدو أكثر هدوءًا وأناقة، حيث تقف السيارات أمام المداخل الكبيرة، ويسير الناس بملابس مرتبة، وتبدو الحركة أقل اضطرابًا مما رأته في الشوارع التجارية
وقد جعلها ذلك تدرك أن المدينة، مثلما تضم أعدادًا هائلة من الناس، تضم عوالم مختلفة داخل حدودها، لكل عالم منها مظهره وطريقته في الحياة، وأن ما رأته حتى الآن ليس إلا جزءًا من صورة أوسع بكثير.

ظلت تقى تتابع الطريق، وقد راحت أفكارها تنتقل بين ما تراه وما تعرفه عن نوح، وبين القاهرة التي كان يصفها لها في رسائله والقاهرة التي تظهر أمامها الآن
كانت قد فهمت من أحاديثه أن المدينة تستهلك وقت المرء في الاجتماعات والزيارات والمشاغل، وأنها لا تمنحه الهدوء الذي يجده في العزبة، لكنها لم تكن تدرك مقدار الضجيج والحركة التي تحيط بالإنسان هنا، ولا كيف يستطيع المرء أن يجمع أفكاره وسط هذا كله
وتساءلت في نفسها كيف يقضي نوح أيامه بين هذه الشوارع والمجالس، وكيف يعود بعد يوم طويل إلى قصره دون أن يشعر بالحنين إلى الهواء النقي والحقول الواسعة التي تركها خلفه
ثم ابتسمت حين تذكرت عبارته عن اشتياقه إلى خيرات العزبة، فقد بدت لها تلك الحجة بسيطة إلى حد يثير ابتسامتها، لكنها عرفت أن وراءها ما هو أكثر من الطعام الطازج، وإن لم تستطع أن تحدد لنفسها ماهية ذلك الشعور
لم تكن تريد أن تفسر كلماته أكثر مما تحتمل، لكنها كانت سعيدة بأنها جاءت، وأنها ستراه بعد هذا الغياب، وستعرف بنفسها كيف يعيش في المدينة التي عادت تطالبه بما لم يكن يرغب في العودة إليه
.

بعد رحلة طويلة في شوارع القاهرة، بدأ الحنطور يبتعد عن المناطق التي اشتد فيها الازدحام، وسلك طريقًا أكثر هدوءًا، تتباعد فيه المحلات ويزداد ظهور المباني الواسعة والحدائق المحاطة بالأسوار
كانت تقى قد تعبت من كثرة النظر، لكنها لم تفقد فضولها، فظلت تتأمل ما يمر أمامها حتى بدأت تشعر بأن الطريق يأخذها إلى جزء مختلف من المدينة، أقل صخبًا وأكثر اتساعًا
وبعد قليل، ظهر أمامها سور مرتفع يمتد على جانب الطريق، ثم بوابة كبيرة عند مدخل قصر نوح باشا
عرفت المكان من وصفه، ومن الرسائل التي أشار فيها إلى حياته في القاهرة، لكنها لم تكن قد رأته من قبل، ولذلك شعرت بشيء من الدهشة وهي ترفع رأسها لتتأمل البوابة والواجهة التي بدت خلفها
توقفت عربة الحنطور عند المدخل، ونزل السائق ليتحدث إلى من يقف عند البوابة، ثم فُتح الطريق أمامها، وتحركت العربة إلى الداخل
تبدل المشهد مرة أخرى
اختفى ضجيج الشارع تدريجيًا خلف الأسوار، وحل محله هدوء نسبي، فيما امتد الطريق الداخلي نحو القصر، تحيط به مساحة مرتبة من الأرض، وتظهر الأشجار على جانبيه، بينما ارتفعت واجهة المبنى في نهاية الطريق، واسعة وأنيقة، تعكس في تفاصيلها مكانة صاحبه
جلست تقى تنظر إلى القصر، وقد شعرت بأنها وصلت أخيرًا إلى المكان الذي جاء بها نوح من أجله إلى القاهرة
كان القصر مختلفًا عن قصر العزبة، ليس بالضرورة في كل تفاصيله، وإنما في إحساسه العام؛ فهذا المكان ينتمي إلى المدينة، وإلى حياة تختلف عن حياة الأرض والحقول، وتبدو فيه آثار المجالس والزيارات والمسؤوليات التي تحدث عنها نوح في رسائله
توقفت العربة أمام المدخل، ثم نزلت تقى وهي تمسك بحقيبتها، ووقفت للحظة تتأمل الواجهة قبل أن تتحرك نحو الباب
كانت الرحلة قد انتهت، لكن ما ينتظرها داخل القصر لم يبدأ بعد
رفعت رأسها، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم تقدمت إلى الداخل
لقد وصلت تقى إلى القاهرة للمرة الأولى في حياتها، ولم تعد تلك الفتاة التي تعرف العزبة وحدها، بل أصبحت امرأة تخطو بنفسها إلى عالم جديد، تحمل معها ما تعلمته، وما مرت به، وما بنته من ثقة في قدرتها على مواجهة ما لا تعرفه
وكان أول ما أرادت أن تفعله بعد كل تلك المشاهد والأصوات والوجوه، أن ترى نوح باشا، وتسمع منه كيف أصبحت أيامه في القاهرة، وأن تخبره، ولو دون أن تقول ذلك صراحة، أنها جاءت كما طلب منها، وأن الطريق الذي بدا لها طويلًا ومخيفًا في البداية لم يمنعها من الوصول إليه
تعليقات



<>