
رواية خادمتي الصامته بقلم اسماعيل موسي
رواية خادمتي الصامته الفصل الحادي والاربعون41 بقلم اسماعيل موسي
ما إن دخلت تقى إلى القصر حتى استقبلها أحد الخدم، وأخبرها أن قيمة القصر تنتظرها لتصطحبها إلى غرفتها، حيث يمكنها أن تستريح بعد رحلة القطار والطريق الطويل عبر شوارع القاهرة
تبعته تقى عبر الردهة الواسعة، وهي تتلفت حولها بفضول لم تستطع إخفاءه، فقد كان القصر مختلفًا في أجوائه عن قصر العزبة، على الرغم من أن كليهما يحمل طابع الثراء والمكانة التي يتمتع بها نوح باشا
كانت الأرضية مكسوة ببلاط مصقول تتداخل فيه الألوان في أشكال هندسية متناسقة، بينما ارتفعت الجدران المزينة بإطارات خشبية داكنة ولوحات معلقة بعناية، تتوسط بعضها مناظر طبيعية وأخرى صور لرجال بملابس رسمية قديمة، وقد انعكس الضوء القادم من النوافذ العالية على الأسطح اللامعة، فزاد المكان اتساعًا وبهاءً
وفي جانب الردهة، امتد سلم عريض ذو درابزين خشبي مصقول، تتدلى فوقه ثريا كبيرة تتلألأ قطعها الزجاجية تحت ضوء المصابيح، بينما انتشرت المقاعد الوثيرة على مقربة من الجدران، تحيط بها طاولات صغيرة وضعت فوقها مزهريات أنيقة، وبدت كل قطعة من الأثاث في موضعها، كأنها اختيرت لتكمل ما حولها دون أن تطغى عليه
لم يكن القصر صاخبًا كما كانت شوارع القاهرة، بل سادته حركة هادئة ومنظمة، يتنقل خلالها الخدم بخطوات محسوبة، ويخفضون أصواتهم حين يمر أحدهم بالقرب من الغرف، فيما كانت تصل من مكان بعيد أصوات خافتة لأوانٍ تتحرك في المطبخ، تتخللها أحيانًا همسات قصيرة بين العاملين
كانت هناك رائحة خفيفة لمزيج من الشمع المستخدم في تلميع الأثاث، والأخشاب القديمة، وعطر هادئ يتسلل من إحدى الردهـات، وقد منحت هذه التفاصيل المكان إحساسًا بالاستقرار والخصوصية، بعيدًا عن ضجيج المدينة الذي تركته تقى خلف البوابة قبل دقائق
سارت قيمة القصر أمامها، ثم التفتت إليها بابتسامة مهذبة وقالت:
«الغرفة أُعدت لكِ يا ست تقى، وستجدين فيها كل ما تحتاجين إليه، ويمكنك أن تستريحي الآن، فالسفر من العزبة إلى القاهرة ليس بالأمر الهين»
توقفت تقى لحظة عند طريقة مخاطبتها، فقد اعتادت في العزبة أن يناديها الناس باسمها أو بعبارات تحمل في طياتها صلتها بالباشا ومسؤوليتها عن أملاكه، أما هنا فقد وجدت نفسها أمام امرأة لا تعرفها، تخاطبها بأدب واضح، دون أن تبالغ في التودد أو تجعلها تشعر بأنها موضع استغراب
أجابتها تقى بهدوء:
«أشكركِ، لقد كان الطريق طويلًا بالفعل، وأظن أنني بحاجة إلى بعض الراحة»
ابتسمت المرأة، ثم تابعت سيرها حتى وصلت إلى ممر طويل في الطابق العلوي، تصطف على جانبيه أبواب خشبية متشابهة، تفصل بينها مسافات متناسقة، وتضيئه مصابيح مثبتة على الجدران، فيما كانت النوافذ العالية تسمح بدخول ضوء المساء الذي أخذ يتراجع شيئًا فشيئًا
توقفت قيمة القصر أمام أحد الأبواب، وأخرجت مفتاحًا من حلقة صغيرة كانت تحملها، ثم فتحته وأفسحت المجال لتقى كي تدخل
«هذه غرفتك يا ست تقى، وإذا احتجتِ إلى شيء فأخبريني أو أخبري إحدى الخادمات، وسأحرص على أن يكون كل ما تحتاجين إليه متوفرًا»
دخلت تقى بخطوات هادئة، ثم وقفت عند العتبة لحظة تتأمل الغرفة
كانت واسعة، ذات سقف مرتفع، تتدلى في وسطه ثريا أنيقة، وتنتشر على جدرانها درجات هادئة من اللون العاجي، تتخللها زخارف بسيطة لا تثقل المكان ولا تنتقص من أناقته، أما الأرضية فكانت مغطاة بسجادة كبيرة ذات نقوش متداخلة، امتدت من وسط الغرفة حتى قاربت أطراف الأثاث
إلى اليمين، وقف سرير عريض ذو أعمدة خشبية داكنة، غطاه غطاء فاتح اللون، وانتظمت فوقه الوسائد بعناية، بينما انسدلت على جانبيه ستائر خفيفة تحيط برأس السرير وتمنحه شيئًا من الخصوصية، وقد وضعت إلى جواره طاولتان صغيرتان، على إحداهما مصباح، وعلى الأخرى مزهرية تضم أزهارًا طبيعية بدت نضرة رغم هدوء ألوانها
وعلى الجدار المقابل، استقرت خزانة كبيرة من الخشب المصقول، تعلوها زخارف دقيقة، وإلى جانبها مرآة طويلة ذات إطار أنيق، أما قرب النافذة فقد وضعت أريكة مريحة تتوسطها وسادتان، وأمامها طاولة صغيرة يمكن الجلوس إليها للقراءة أو كتابة الرسائل
كان هناك أيضًا مكتب خشبي أنيق، فوقه أوراق بيضاء ومحبرة وأقلام مرتبة، وقد وضع بالقرب منه كرسي ذو ظهر مبطن، فيما استقرت على أحد جانبيه خزانة صغيرة تضم بعض الكتب، كأن الغرفة لم تُعد للنوم وحده، بل لتمنح صاحبتها مكانًا هادئًا تقرأ فيه وتكتب حين تشاء
أما النافذة، فقد كانت من أكثر ما جذب انتباه تقى، إذ امتدت ستائرها الثقيلة على الجانبين، بينما سمحت الستائر الداخلية الخفيفة بمرور الضوء، وحين اقتربت منها وأزاحت إحداها قليلًا، رأت جزءًا من حديقة القصر، تتوزع فيها الأشجار والنباتات، وتمتد بينها ممرات مرتبة، بينما ظهر خلف السور جزء من المدينة التي لم تهدأ حركتها تمامًا رغم اقتراب المساء
وقفت أمام النافذة لحظات، تتأمل المشهد، ثم أدارت وجهها نحو الغرفة من جديد
لم تكن قد اعتادت مثل هذا الهدوء داخل مدينة كبيرة، فقد تخيلت أن ضجيج القاهرة سيلاحقها حتى إلى داخل القصر، لكنها وجدت أن الأسوار السميكة والنوافذ الواسعة والأبواب الثقيلة تفصل عالم الداخل عن الخارج، فتجعل لكل منهما إيقاعه الخاص
قالت قيمة القصر وهي تراقبها:
«أتمنى أن تنال الغرفة رضاكِ، فقد طلب الباشا تجهيزها لاستقبالك، وأوصى بأن تجدي فيها ما تحتاجين إليه خلال إقامتك»
التفتت تقى إليها، وتوقفت عيناها عندها لحظة قبل أن تجيب:
«إنها جميلة، أشكركِ على اهتمامكِ»
ثم ترددت قليلًا قبل أن تسأل:
«هل الباشا موجود في القصر الآن؟»
أجابتها المرأة:
«خرج منذ الصباح لبعض أعماله، ولم يعد بعد، لكنه يعلم بوصولك، وسيعود حين ينتهي من مشاغله»
أومأت تقى برأسها، ولم تحاول إخفاء خيبة أمل صغيرة مرت في عينيها، فقد كانت تتمنى أن تراه فور وصولها، لكنها أدركت أن انشغاله خارج القصر أمر طبيعي، خصوصًا بعد ما أخبرها به عن كثرة أعماله واجتماعاته في القاهرة
قالت قيمة القصر برفق:
«من الأفضل أن تستريحي قليلًا، وسيكون لديكِ الوقت الكافي لرؤية الباشا حين يعود»
«أجل، أظن أن هذا ما سأفعله»
انحنت المرأة برأسها تحية، ثم غادرت الغرفة وأغلقت الباب خلفها بهدوء، تاركة تقى وحدها في المكان الذي سيكون ملجأها خلال الأيام المقبلة
خلعت تقى ما أثقلها من ملابس السفر، ووضعت حقيبتها في موضع مناسب، ثم جلست على حافة السرير، وأخذت تتأمل الغرفة مرة أخرى، وقد بدأت تشعر بتعب الرحلة بعد أن زال عنها اضطراب الوصول الأول
كان جسدها بحاجة إلى الراحة، لكن عقلها ظل يقظًا، ينتقل بين المشاهد التي رأتها منذ غادرت العزبة، وصوت القطار، ووجوه الركاب، والشوارع التي ازدحمت بالعربات والمشاة، والواجهات التي لم تستطع أن تتوقف عن تأملها، حتى وصلت أخيرًا إلى هذا القصر الذي بدا لها عالمًا منفصلًا عن كل ما رأته في الطريق
استلقت قليلًا، وأسندت رأسها إلى الوسادة، لكنها لم تغرق في النوم على الفور، فقد كانت تستعيد تفاصيل يومها، وتتساءل عما ينتظرها في الأيام القادمة، وكيف ستبدو حياة نوح في هذا المكان الذي يحمل اسم القاهرة في كل زاوية من زواياه، حتى حين يخلو من أصوات الشارع
وفي نهاية الأمر، غلبها التعب، فأغمضت عينيها واستسلمت لراحة كانت تحتاج إليها منذ ساعات
مرّ بعض الوقت، وبدأ المساء يهبط على المدينة، فخفت الضوء القادم من النوافذ، وأشعل الخدم المصابيح في الردهة والممرات، فتبدلت أجواء القصر، وصارت أكثر دفئًا وهدوءًا
في الطابق الأرضي، أخذ العاملون يستعدون لاستقبال الباشا عند عودته، فرتب أحد الخدم المدخل، وتفقد آخرون الغرف التي اعتاد نوح استخدامها، بينما انشغلت مجموعة منهم بإعداد ما يلزم للمساء، من دون أن ترتفع أصواتهم أو تتعطل الحركة المنتظمة التي ميزت القصر طوال اليوم
وعلى الرغم من هدوء المكان، كانت هناك علامات واضحة على أن صاحبه لا يقضي أيامه فيه وحده، فقد وضعت على إحدى الطاولات صحف حديثة، وتراكمت بعض الأوراق في غرفة قريبة، بينما استقرت على مكتب واسع ملفات وأظرف ورسائل تنتظر أن يراجعها نوح حين يعود
كان القصر يحمل شيئًا من عالمه السياسي، عالم الاجتماعات والمواعيد والمراسلات، لكنه ظل محتفظًا بأناقته وهدوئه، وكأن صاحبه يحاول أن يفصل بين ضجيج الخارج وخصوصية المكان الذي يعود إليه في نهاية اليوم
وحين وصلت تقى إلى القاهرة، لم تكن تعرف بعد كيف يبدو يوم نوح كاملًا، ولا مقدار ما يستهلكه عمله من وقته، لكنها بدأت تفهم من هذه التفاصيل أن حياته هنا تختلف كثيرًا عن حياته في العزبة، حيث كانت الأرض والحقول والعمال تحدد إيقاع يومه، بينما صار عليه في القاهرة أن يتنقل بين أعمال لا تنتهي بمجرد غروب الشمس
وبعد أن انتهى نوح من أعماله خارج القصر، عادت العربة التي تقله إلى المدخل، وسمع الخدم صوتها وهي تتوقف أمام البوابة، فسارع أحدهم إلى فتحها، بينما تقدم آخر لاستقبال الباشا
نزل نوح من العربة، وقد بدا عليه التعب الذي يتركه يوم طويل من الاجتماعات والتنقل، ثم دخل القصر بخطوات ثابتة، وألقى تحية مقتضبة على الخدم الذين استقبلوه، قبل أن يسأل عن وصول تقى
أخبره أحدهم أنها وصلت بسلام، وأن قيمة القصر اصطحبتها إلى غرفتها لتستريح بعد السفر
توقف نوح لحظة، وكأن الخبر أزاح عن ذهنه أمرًا كان ينتظر الاطمئنان عليه، ثم سأل إن كانت قد احتاجت إلى شيء، فأجابه الخادم بأن كل شيء جرى على ما يرام، وأنها استقرت في غرفتها
أومأ نوح برأسه، ثم تابع طريقه إلى الداخل
كان يعلم أن الرحلة من العزبة إلى القاهرة ليست قصيرة، وأن تقى لم تعرف هذا الطريق من قبل، ولم يكن يتوقع منها أن تكون مستعدة منذ اللحظة الأولى لمواجهة المدينة بكل ما فيها، لذلك لم يطلب إيقاظها أو إبلاغها بعودته على الفور، بل ترك لها فرصة الراحة حتى تستعيد نشاطها
ومع ذلك، لم يغب عن ذهنه أنها أصبحت الآن في القاهرة، وأن الأيام المقبلة ستمنحه فرصة ليراها خارج حدود العزبة التي اعتادت فيها الحركة بثقة، وليكتشف كيف ستتعامل مع عالم جديد طالما قرأت عنه وسمعت أخباره من بعيد
أما تقى، فكانت لا تزال في غرفتها، وقد هدأ تعب الرحلة قليلًا، دون أن تعلم أن نوح باشا عاد إلى القصر، وأن المسافة التي فصلت بينهما طوال الأسابيع الماضية قد انتهت أخيرًا، ولم يبقَ سوى أن يلتقيا من جديد.
حين دخل نوح القصر، كان إرهاق يومه لا يزال عالقًا بملامحه، غير أن أول ما سأل عنه بعد أن وضع أغراضه هو وصول تقى، وحين علم أنها استراحت قليلًا، اتجه إلى غرفتها بعدما عرف أنها استيقظت
طرقات خفيفة على الباب، ثم انفتح، ورفعت تقى رأسها
كان هو
للحظة، نسيت القاهرة بضجيجها وشوارعها، ونسيت الرحلة الطويلة التي جاءت بها إلى هذا المكان، ولم يبقَ أمام عينيها سوى نوح واقفًا عند الباب، بملامحه التي ألفتها، والتي افتقدتها أكثر مما أرادت الاعتراف لنفسها
أما نوح، فقد توقف لحظة أطول مما ينبغي، كأن رؤيتها أمامه بددت فجأة كل ما شغل ذهنه طوال النهار، لم يكن يتوقع أن يؤثر فيه حضورها إلى هذا الحد، لكنه وجد نفسه يتأمل وجهها في صمت، يتأكد أنها وصلت بخير، وأنها هنا بالفعل، لا مجرد صورة حضرت في خاطره خلال الأيام الماضية
تلاقت عيناهما، وتعثرت الكلمات قبل أن تولد
شعرت تقى بأن قلبها يسبقها إليه، وأن فرحتها برؤيته تكاد تظهر في عينيها مهما حاولت إخفاءها، بينما أحس نوح بدفء خفي يتسلل إلى نفسه، دفء لم يجد له اسمًا، ولم يشأ أن يتوقف عنده طويلًا
مرّت لحظات قصيرة، لكنها بدت لكليهما أطول من حقيقتها، حتى استعاد نوح هدوءه المعتاد، وتقدّم خطوة وهو يسألها بصوت رصين:
«وصلتِ بخير يا تقى؟ هل أتعبتك الرحلة؟»
انتبهت إلى السؤال، كأن صوته أعادها من مكان بعيد، فأجابت وهي تحاول أن تجعل نبرتها طبيعية:
«الحمد لله يا سيدي، كانت الرحلة طويلة، لكنها مرت بسلام»
ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم سألها إن كانت قد وجدت راحتها في الغرفة، فأجابته بالإيجاب، وقد بدأت ملامحها تستعيد سكونها شيئًا فشيئًا
لكن هدوء صوتها لم يكن دليلًا على هدوء قلبها
فما إن استقرت عيناه عليها حتى عادت إليها مشاعر ظنت أنها أحسنت إخفاءها؛ اشتياقها إليه، وفرحتها التي لم تعرف كيف تستقبلها، وذلك الخوف القديم من أن يكون هذا الرجل الذي اعتادت وجوده في عالمها أقرب إلى قلبها مما ينبغي
خفضت بصرها قليلًا، وانشغلت بتسوية طرف ثوبها، متذرعة بحاجتها إلى ترتيب نفسها بعد السفر، بينما كانت في الحقيقة تحاول استعادة السيطرة على مشاعرها
ذكّرت نفسها بأنها جاءت إلى القاهرة ضيفة لبضعة أيام، لا لتكشف ما تخفيه في قلبها، وأن نوح باشا هو سيد القصر الذي تعمل فيه، وأن ما يجمعهما من ثقة واحترام لا يمنحها الحق في أن تستسلم لكل ما تشعر به نحوه
كان عليها أن تحافظ على اتزانها، وألا تسمح لفرحتها بلقائه بأن تفضح ما لم تعترف به حتى لنفسها اعترافًا كاملًا
رفعت عينيها إليه من جديد، وقد نجحت في رسم هدوء مقبول على وجهها، ثم سألته عن يومه وأعماله خارج القصر، كأنها بذلك تعيد الحديث إلى أرض مأمونة
أجابها نوح، واستعاد هو الآخر نبرته المعتادة، غير أن شيئًا صغيرًا ظل مختلفًا في تلك اللحظات؛ فقد عاد كل منهما إلى حديثه وهدوئه، بينما بقي أثر اللقاء الأول حاضرًا في داخلهما، صامتًا، لا يجرؤ أي منهما على الاقتراب منه أو تسميته.
بعد أن اطمأن نوح إلى أن تقى استراحت من عناء السفر، أشار إليها أن ترافقه إلى مكتبه، فنهضت وسارت إلى جواره عبر الممرات الهادئة حتى بلغا بابًا خشبيًا عريضًا فتحه بنفسه
كان المكتب واسعًا، تتخلله رائحة الورق والحبر والخشب العتيق، وعلى سطحه تراكمت الأوراق والملفات والصحف، بعضها مفتوح على ملاحظات مكتوبة بخط يده، وبعضها يحمل علامات تشير إلى مواضع بعينها، كأن العمل لم يترك له فرصة لالتقاط أنفاسه
توقفت تقى أمام المكتب، وأدركت من كثرة الأوراق أن ما يشغله أكبر بكثير مما كانت تتخيله
جلس نوح، ثم أشار إليها بمقعد قريب، وقال وهو يزيح بعض الملفات عن طريقه:
«هذه هي القاهرة التي جئتِ لترَيها يا تقى، ليست شوارعها وقصورها وحدها، بل ما يدور خلف الأبواب المغلقة أيضًا»
نظرت إليه باهتمام، فتابع يشرح لها ما يواجهه من صراعات سياسية، والخلافات التي تتشابك داخل المجالس، والمصالح التي تتعارض بين أصحاب النفوذ، وكيف أن كل موقف يتخذه قد يفتح أمامه طريقًا ويغلق آخر، وأن بعض القرارات لا تتعلق بشخص واحد، بل بمصالح أناس كثيرين لا يملكون صوتًا يصل إلى أصحاب القرار
لم يتحدث باعتباره رجلًا يشكو أعباءه، بل كأنه يفتح أمامها بابًا إلى عالم ظل بعيدًا عنها، عالم لا تكفي فيه النوايا الحسنة، ولا يكون الصواب فيه دائمًا واضحًا، حيث تُحسب الكلمات قبل أن تُقال، وتُدرس الخطوات قبل أن تُتخذ
ظلت تقى تستمع إليه في صمت، تتنقل عيناها بين وجهه والأوراق المبعثرة أمامه، وقد بدأت تفهم لماذا بدا منشغلًا في رسائله الأخيرة، ولماذا لم يكن غيابه عن العزبة مجرد سفر عابر
أما نوح، فقد وجد نفسه يشرح لها أكثر مما اعتاد أن يشرح للآخرين، ربما لأنه أرادها أن تفهم ما يثقل كاهله، وربما لأنه أدرك أنها لم تعد تلك الفتاة التي تقف على هامش ما يجري حولها، بل أصبحت قادرة على الإصغاء والفهم، وربما يومًا ما على مناقشته أيضًا.
ظل نوح يشرح لتقى بعض ما يشغله من أمور السياسة، حتى لاحظ أن التعب بدأ يظهر على ملامحها، وأنها، رغم حرصها على متابعة حديثه، لا تزال تحمل أثر الرحلة الطويلة في عينيها
جمع بعض الأوراق المتناثرة أمامه، ثم قال بنبرة هادئة لا تقبل كثيرًا من الاعتراض
«يكفي هذا القدر من الحديث اليوم يا تقى، لقد وصلتِ منذ ساعات، وأنتِ بحاجة إلى الراحة»
أرادت أن تخبره بأنها تستطيع البقاء قليلًا، وأنها لم تمل من الاستماع إليه، لكنها تراجعت حين رأته يضع آخر ملف جانبًا وينهض من مقعده
وأضاف بابتسامة خفيفة: «غدًا سأرافقك في جولة بالقاهرة، وستتاح لك فرصة رؤية المدينة بعيدًا عن أوراقي ومشكلاتي، أما الليلة فعليكِ أن ترتاحي جيدًا»
أضاءت عيناها بفرحة لم تستطع إخفاءها تمامًا، فقد كانت تتوق إلى اكتشاف المدينة التي طالما سمعت عنها، لكن فكرة أن يكون نوح نفسه رفيق جولتها منحت الأمر سعادة أخرى حاولت ألا تتوقف عندها
شكرته، ثم غادرت المكتب وهي تقنع نفسها بأن ما ينتظرها غدًا ليس أكثر من جولة في مدينة جديدة، وأن عليها ألا تسمح لقلبها بأن يمنح التفاصيل البسيطة معاني أكبر مما تحتمل
جاء الصباح التالي مشرقًا، فاستعدت تقى للخروج، واختارت ثوبًا أنيقًا يناسب الزيارة، ثم نزلت إلى حيث كان نوح ينتظرها
استقبلها بنظرة سريعة، وأثنى على استعدادها بكلمة مقتضبة، ثم دعاها إلى الصعود إلى عربته
انطلقت العربة تشق شوارع القاهرة، وكانت تقى تتابع المشهد من حولها بعينين لا تكادان تستقران على شيء واحد؛ المباني العالية ذات الشرفات المزخرفة، والواجهات التي تتفاوت بين الفخامة والبساطة، والمحلات التي ازدانت واجهاتها بالبضائع، والباعة الذين ينادون على سلعهم، والمارة بملابسهم المختلفة، من أصحاب الطرابيش والجبب إلى الرجال الذين ارتدوا البدل الأوروبية، والنساء اللاتي تنوعت أزياؤهن بين الثياب التقليدية والملابس الحديثة
كان صخب المدينة مختلفًا عن هدوء العزبة؛ أصوات العربات تختلط بأصوات المارة، وحركة الناس لا تهدأ، وكأن لكل شخص وجهة لا يستطيع تأجيل الوصول إليها
أما نوح، فكان يراقب دهشتها بطرف عينه، ويشرح لها أحيانًا اسم شارع أو طبيعة حي يمران به، فتلتفت إليه بأسئلتها، ويجيبها دون أن يشعرها بأنها غريبة عن هذا العالم
ومع تقدم النهار، توقف بالعربة أمام مقهى أنيق، ثم نزل وساعدها على النزول، واختار لها طاولة في مكان يسمح لهما بالجلوس بعيدًا عن ازدحام المدخل
جلسا، وطلب نوح مشروبين، بينما راحت تقى تتأمل المكان؛ طاولاته المرتبة، ومقاعده، والرواد الذين انشغل بعضهم بأحاديث متحمسة، بينما انكب آخرون على الصحف، يتابعون أخبار السياسة وما يدور في البلاد
لم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت فتاة شابة عند مدخل المقهى، وما إن وقعت عيناها على نوح حتى اتجهت نحوهما بخطوات واثقة، دون أن تنتظر دعوة أو تستأذن في قطع جلستهما
وقبل أن تتمكن تقى من استيعاب ما يحدث، سحبت الفتاة مقعدًا وجلست معهما، كأن وجودها إلى جوار نوح أمر مألوف لا يحتاج إلى تفسير
كانت جميلة جمالًا لافتًا، لا يعتمد على ملامحها وحدها، بل على تناسق هيئتها وثقتها بنفسها؛ وجهها مشرق، وعيناها يقظتان توحيان بذكاء حاد، وشعرها مصفف بعناية تحت قبعة أنيقة تلائم ثيابها
ارتدت ثوبًا راقيًا اختيرت ألوانه بعناية، وزينت معصمها بساعة رقيقة، بينما استقرت حقيبة صغيرة من الجلد الفاخر إلى جوارها، وأكملت قفازاتها الأنيقة مظهرًا يدل على ذوق معتاد على الرفاهية
لكن أكثر ما ميزها لم يكن جمالها ولا أناقتها، بل تلك النظرة الواثقة التي تنقلت بين نوح وتقى، والطريقة التي جلست بها دون ارتباك، كأنها اعتادت مجالس أصحاب المكانة، وألفت الحديث في شتى الموضوعات
كانت تحمل في ملامحها ثقافة واضحة، وفي ابتسامتها مسحة من الألفة والجرأة، وكأن وراء حضورها حكاية لم تُروَ بعد