رواية خارج سجل الذاكرة الفصل الخامس5الاخير بقلم ياره علاء الدين

رواية خارج سجل الذاكرة 
الفصل الخامس5الاخير
بقلم ياره علاء الدين
ده مش مجرد شخص أعرفه.. ده دمي، ده لحمي!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
يوسف؟ نطقتها بصوت طالع بالعافية، أشبه بالحشرجة!

ابتسم ابتسامة باردة، خلت النص السليم من وشه يبان قاسي، والنص المشوه يبان مرعب.

 سحب كرسي من جنبه وقعد قدامي، حط رجل على رجل، وبصلي بنظرة كلها غل وحقد متخزن لسنين طويلة وقال بصوت هادي جداً، ثباته بيخوف أكتر من الزعيق:

والله زمان يا دكتور يحيى! وحشتني..

 وحشتني أوي لدرجة إنك مكنتش بتغيب عن بالي ولا ثانية طول السنين اللي فاتت في العنبر.

قولتله بصوت مخنوق ومرعوب:
يوسف؟! أنت هنا إزاي.. ازاي خرجت من  المصحة؟ قالولي إنك........

يوسف قاطعني بضحكة حادة: 

قالولك إن مستقبلي ضاع؟ قالولك إن النار أكلت نص وشي وسابتلي النص التاني عشان أشوف بيه خيبتي؟ ولا قالولك إن انت بقيت الدكتور المحترم, ويوسف بقى المجنون اللي لازم يتدفن بالحيا عشان ما يكسرش صورة العيلة المثالية؟

قولتله وانا برتعش: 

أنا أنا... أنا كنت فاكر إنك بتتعالج، كنت ببعت فلوس كل شهر، كنت بسأل عليك..

يوسف وقف فجأة وقرب وشه مني وقالي:

 فلوس؟! أنت فاكر إن القرشين اللى كنت بترميهم للمستشفى دول كانوا بيعالجوني؟

 كانوا بيمنعوا عني صريخ المجانين بالليل؟ ولا إيد الممرضين اللي كانت بتعلم على جسمي؟ 

أنت مكنتش بتبعت فلوس عشان علاجي يا دكتور..

 أنت كنت بتبعت "دية" السنين اللي سرقتها مني.

 كنت بتشتري سكوتي عشان تفضل عايش في النور وأنا مدفون في العتمة!

رديت بدموع:

 الحادثة مكنتش ذنبي يا يوسف.. والنار مكنتش بإيدي، أنا حاولت أنقذك.

يوسف ضرب الكرسي بإيده اليمين بقوة: كداب! أنت ماصدقت ان ده حصل عشان تنفذ خطتك.

 ومن يومها وأنت عايش مكاني. عارف يعني إيه مكاني؟ يعني اللقب اللي قبل اسمك ده كان حقي أنا.. المحاضرات اللي بتديها دي كانت أحلامي أنا.. حتى الهدوم اللي أنت لابسها دي، كان المفروض أنا اللي ألبسها.

رديت بذهول: 

وعشان كده عملت كل ده؟ أنت اللي كنت بتدخل بيتي؟

يوسف رجع يقعد ببرود:
 وأدخل بيتك ليه؟ ما هو بيتي أنا كمان. كنت بدخل أتفرج عليك وأنت نايم زي الطفل، وأنت متخدر بالحبوب اللي كنت بحطهالك.

 كنت بصورك وأنت غايب عن الوعي وأنا ماسك السكينة على رقبتك.. كنت أقدر أقتلك في أي لحظة، بس الموت راحة.. وأنا مكنتش عايزك ترتاح!

رديت بصدمة: 
يعني الأداة اللي لقيتها في درجي، بتاعتك؟ أنت اللي حطيتها؟

يوسف ابتسم باستمتاع: 

طبعاً. والدم اللي عليها؟ حقيقي. والضحايا؟ كلهم كان لازم يموتوا.

 كنت عايزك تحس باللي حسيته.. إنك تعيش "مجنون" وأنت عاقل. إنك تشك في إيدك، في عينك، في ذاكرتك. كنت عايزك تروح للدكتور النفسي وتقوله أنا قاتل وأنت بريء، بالظبط زي ما أنا كنت محبوس في المصحة وأنا سليم!

هنا صرخت وقولتله:

 أنت شيطان! أنت قتلت ناس ملهمش ذنب عشان تنتقم مني؟
يوسف سكت لحظة، وطلع من جيبه مفتاح عربية قديم ومصدي، فضل يقلبه بين صوابعه وهو بيبص ليا بنظرة غريبة.

واتكلم بصوت واطي ومرعب:
فاكر يوم الجمعه؟ اليوم اللي سبق مناقشة الدكتوراه بتاعتي؟ السهر، التعب، المراجع اللي كنت بلمها بقالي سنين عشان أقف قدام اللجنة وأبقى الدكتور يوسف.
 كنت أنت قاعد جنبي بتبص لي بحقد، وأبوك دخل وقالي ببرود:
 يا يوسف، سيب الكتب دي دلوقتى، خد العربية وروح وصل الورق ده لعمك في البلد وارجع قبل الفجر عشان تلحق مناقشتك، وطبعا كان لازم كلامه يتنفذ من غير نقاش من غير ما اسال حتى ليه أنا؟ ليه مش انت!

قولتله بصوت مهزوز: 

 يوسف.. أنا مكنتش أعرف ان كل ده هيحصل، أبويا هو اللي صمم تروح أنت بالعربية، محدش كان قاصد يحصل اللي حصل, افهم!

يوسف صرخ فيا وهو بيضرب جبهته بحدة:

 كداب! كنتوا عارفين إن الفرامل بايظة ورميتوني في العربية دي عشان تخلصوا مني، قولتوا يوسف هو اللي ناجح، ويحيى هو اللي فاشل، لو يوسف راح.. يحيى هياخد مكانه وكل تعبه هيبقى ملكه.

 ركبت العربية وأنا واثق فيكم، وفي أول ملف ، لمست الفرامل.. ملقتهاش! العربية لفت بيا 3 مرات ودخلت في شجرة، والنار مسكت في الموتور وأنا محبوس جوه سجنك، كنت بصرخ باسمك انت تيجى تنقذني، النار كانت بتاكل فيا . وأنت كنت نايم في بيتنا، بتحلم بـ اسمي اللي هتسرقه الصبح.

رديت بانهيار: 

والله ما كان اتفاق!  افهم! والله نسينا نقولك على الفرامل، إنت ازاي متخيل اننا هنعمل فيك كده!

يوسف ضحك ضحكة هستيرية وقال:
نسينا؟ النسيان ده كلفني نص وشي وضياع عمري. ولما شالوني من وسط الحطام وفوقت في المستشفى وأنا متغطي بالشاش..

 شوفت أبوك واقف فوق راسي، مش خايف عليا، كان خايف على المستقبل اللي هيضيع.

 بص للمحامي وقاله: 
يوسف وشه اتمسح، ومستقبله مات.. لكن الدكتوراه جاهزة ومكتوبة باسمه، ويحيى توأمه وشبهه بالظبط. يحيى هيلبس بدلة يوسف ويروح المناقشة مكانه.. ويوسف يتدفن في المصحة باسم يحيى اللي عمل حادثة واتدمر!

يحيى خبى وشه بإيده وبكى:
 أنا مكنتش عايز.. أبويا هو اللي أجبرني! قالي حرام تعب أخوك يترمي في الزبالة، عيش مكانه وارفع راسنا، لحد مايتعالج ويخرج من تاني!

يوسف قرب وشه المشوه مني وقال:

ارفع راسنا؟ أنت سرقت حياتي  يا يحيى! وقفت قدام الدكاترة وناقشت رسالتي بلسانك أنت، وأخدت الشهادة واللقب اللي أنا اللي سهرت فيهم. وأنا؟ أنا كنت في العنبر بتكتف  وبصرخ فيهم وبقولهم أنا الدكتور يوسف..

 والممرضين يضحكوا ويدوني "كهربا" ويقولوا: ده اتجنن وبيدعي إنه أخوه !

قولتله وأنا دموعي على خدي: 
سنين يا يوسف وأنا بحس إني حرامي في كل محاضرة بديها باسمك، بس مكنتش عارف اعمل ايه!

يوسف قام وضربني بالقلم بقوة: 
حرامي"ط؟  لا متقولكش على نفسك كده يا دكتور، ده أنت كنت بتمثل الدور بإتقان!..

 عشت في الشقة اللي كان المفروض تبقى شقتي.. وقبضت المرتب اللي كان المفروض يبقى مرتبي أنت محتني من الوجود وأنا لسه بتنفس! وعشان كدة كان لازم أرجع.. بس مش يوسف الضحية، لا.. يوسف اللي هيخليك تلبس جرايمه كلها وتتعفن في عنبري القديم!

يوسف فضل يلف حواليا بخطوات بطيئة، كأنه بيستمتع بكل ثانية من رعبي. كل خطوة كان بيخطيها كانت بتأكدلي إن الكابوس ده ملوش نهاية، وإني أنا اللي بقيت الضحية في المسرحية اللي اتكتبت باسمي.
 
أنت مفكر إني اخترت الضحايا عشوائي يا يحيى؟

قالها وهو بيوطي لمستوى وشي، وعينه السليمة بتطق شرار. فكرك إني بقوم بليل أقتــ.ـل أي حد عشان أشبع رغبة جوايا؟ لا يا دكتور.. أنا كنت بنضف القذارة اللي بنيتوا عليها حياتكم، ودمرتوا بيها حياتي!

بدأ يعدد على صوابعه وهو بيبتسم ببرود قاتـ.ـل:

دكتور رأفت؟  ده مدير المصحة اللي كان بياخد الفلوس من أبوك عشان يكتب في التقرير إني خطر على نفسي والمجتمع، وهو اللي كان بيدي أوامر بجلسات الكهربا كل ما أصرخ وأقولهم أنا يوسف مش يحيى! كان بيستمتع بتعذيبي, عشان يروح يطلب قرشين من أبوك زيادة!

بلعت ريقي بصعوبة، وسألته بصوت بيرتجف: ودكتور مدحت؟ ليه مدحت؟ ده كان راجل في حاله ؟ عملك ايه هو كمان!

يوسف ضحك بسخرية موجعة وقال:
 في حاله؟! دكتور مدحت كان المشرف على رسالة الماجستير والدكتوراه بتاعتي! الراجل اللي كان حافظ أفكاري ومجهودي أكتر من نفسه. لما أبوك راحله وقاله يحيى هو اللي هيناقش مكان يوسف عشان اسم العيلة ميتهزش، والفلوس اللي تطلبها هتكون عندك.. مدحت باعني. قعد في اللجنة يبتسم لك وأنت بتسرق تعبي قدام عينه، ومضى على قرار نجاحك وهو عارف إنك مزيف، وبعدها أخد القرشين وفتح عيادته الخاصة.
 مدحت باع أمانته العلمية وباعني معاها

وقبل ما تسالني ليه المنشاوي؟  هقولك انا:  ده الثعلب اللي  هندس الورق  وظبط الجريمة من غير دليل وراه، ودفني بالحياة في مستشفى المجانين!

دموعي نزلت ومبقتش شايف قدامي، فكملت بصوت مخنوق: 

والضحــ.ـية الرابعة؟ الجريـ.ــمة اللي حصلت إمبارح؟
يوسف وطى وشه لحد ما أنفاسه ضربت في وشي:
 يااااااااه دكتور نبيل.. ده كان الكريزة اللي اتحطت فوق التورتة، ده دكتور الطوارئ اللي استقبلني يوم الحادثة. الراجل اللي أبوك حطله شيك مفتوح في جيبه عشان يكتب في التقرير الرسمي إن اللي وشه اتحــ.ـرق ده هو يحيى..

بس عموما متقلقش ! كلهم أخدوا حسابهم يا يحيى.. التروس اللي طحنتني كلها اتكسرت. ومبقاش فاضل غير المنتج النهائي للمسرحية دي.. أنت!

حاولت أقاوم الحبال اللي مربطاني، صرخت فيه وأنا بنهار:
 أنا ماليش ذنب! أنا كنت ضحية زيك لأبوك ولطموحه! سلمني للبوليس يا يوسف.. اعترف بكل حاجة وأنا هشهد معاك، بس بلاش تقتــ.ـلني، بلاش تضيع نفسك أكتر من كده!
 
يوسف وقف، وبصلي بنظرة كلها احتقار، وطلع من جيب البالطو بتاعه حقنة مليانة سائل شفاف وقال:

أقتـ.ـلك؟ قالها وهو بيخرج الهوا من الحقنة ببطء. ومين جاب سيرة المـ.ـوت؟ أنا قولتلك المـ.ـوت راحة، وأنا مش هريحك. عارف إيه العبقري في خطتي يا يحيى؟ 

الدكتور طارق!

برقت عيني بصدمة، فكمل كلامه وهو بيقرب مني:

أنا اللي خليتك تروحله، جننتك عشان تهرب على حد ينقذك، وهروبك ده هو الاعتراف الرسمي. 

أنا خليتك تبني لنفسك تاريخ مرضي وتثبت للدكتور طارق إنك بتفقد الذاكرة وإنك بتعاني من انفصــ.ـال في الهوية، عشان لما البوليس يقبض عليك متتعـ.ــدمش.. لا، تتعفن في عنبر الباقي من حياتك !

بدأت أصرخ بصوت مخنوق وأحاول أزق الكرسي برجلي، بس مكنش فيه مهرب. إيد يوسف مسكت رقبتي بقسوة مفيهاش رحمة، ووشه المشوه قرب من ودني وهمس:

استمتع بمكانك الجديد يا أخويا.. الدور عليك!

وغــ.ـرز الحقـ.ــنة في كتفي.. ثواني معدودة، والنور الأصفر بدأ يضعف، وصوت دقات قلبي بطأ تدريجياً، لحد ما الدنيا اسودت تماماً تاني!
 

فتحت عيني ببطء، راسي كانت تقيلة والرؤية مشوشة وباهتة. ريحة المطهرات كانت قوية لدرجة الغثيان. حاولت أرفع إيدي أمسح وشي، بس حسيت بمقاومة عنيفة.. بصيت لتحت ولقيت إيدي ورجلي مربوطين بأحزمة جلد عريضة في سرير حديد أبيض!

قلبي بدأ يدق بجنون، صرخت بصوت مبحوح: يوسف! يا يوسف! أنت فين؟
 
الباب الحديدي للأوضة اتفتح، بس اللي دخل مكنش يوسف. كان دكتور شاب، لابس بالطو أبيض ومعاه ممرض ضخم الدكتور قرب مني وبص لي بنظرة فيها مزيج من الشفقة والتماسك.

سالته بانهيار:
 دكتور.. أنا فين؟ وأخويا يوسف فين؟ هو اللي جابني هنا، هو اللي خطـ.ــفني!

الدكتور رد بهدوء: 

اهدى يا دكتور يوسف.. مفيش غيرك هنا. أنت في المصحة، واحنا مقدرين الحالة النفسية اللي عندك!
 
رديت وانا برتعش: 

مصحة؟! ليه؟ أنا عملت إيه؟ أخويا هو القـ.ـــاتل! هو اللي بعتلي الصور، هو اللي حط المشـ.ــرط في درجي!

الدكتور سحب كرسي وقعد قدامي، وفتح الملف اللي في إيده:

دكتور يوسف.. أنا عايزك تهدى خالص، لإن مفيش دليل واحد في الدنيا بيقول إن يحيى أخوك خرج من المصحة القديمة. كل الأدلة كانت ضدك أنت. المشـ.ـرط اللي في بيتك عليه بصماتك أنت. والصور اللي بتصورها لنفسك بعد كل جريمة كانت صورك انت!

رديت بذهول: 

مستحيل! دكتور طارق.. فين دكتور طارق؟ هو عارف انا كنت بروحله وبحكيله، هو عارف اني مش انا اللي عملت كده.

الدكتور رد بهدوء وقالي : 

دكتور طارق هو اللي أنقذ رقبتك من حبل المشـ.ــنقة. شهادته قدام النيابة وتقاريره الطبية اللي قدمها عن حالتك هي اللي خلت القاضي يحكم بإيداعك هنا بدل السجـ.ـن.

دكتور طارق أثبت إنك بتعاني من فصام ذهاني، الشخصية اللي أنت خلقتها باسم يوسف هي اللي كانت بتنفذ الجرايم دي بجسمك وأنت غايب عن الوعي تماماً!

سكت، الأرض بدأت تلف بيا. يعني يوسف مكنش موجود في المخزن؟ يعني أنا كنت بكلم نفسي ؟
 
الدكتور قالي وهو بيقوم :

 أنت هنا عشان تتعالج يا يوسف.. أو ده اللي القانون قرره. الجرايـ.ـم اللي حصلت كانت بشـ.ـعة، والناس بره بتطالب بإعـ.ــدامك، بس العلم والطب قالوا إنك مريض مش مجـ.ـرم. ارتاح دلوقتي، الممرض هيديك الجرعة عشان تهدا.

خرج الدكتور وقفل الباب وراه بصوت قوي، ساب وراه صمت مرعب!

بصيت لسقف الأوضة الأبيض، وضحكت.. ضحكت بمرارة لحد ما دموعي نزلت. 

يوسف نجح!

 سواء كان موجود بجد أو كان مجرد شبـ.ـح في عقلي، هو حقق انتقامه. سلب مني اسمي، ومكانتي، وحريتي، وحبسني في العنبر اللي كنت المفروض ابقى فيه من زمان!

غمضت عيني وأنا بحس بمادة المخدر بتسري في عروقي، وسمعت آخر همسة ليوسف جوه راسي وهو بيقولي بانتصار:

"نورت مكانك.. يا أخويا
   تمت بحمد الله 
تعليقات



<>