رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل السادس والستون66 بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل السادس والستون66 بقلم عاشقة القلم
بعد أن غادرت سيارة الإسعاف المكان، بدأت الشرطة عملها الميداني بصورة أكثر تنظيمًا.
كان أوكتاي قد وصل إلى موقع الحادث، وما إن أُبلغ بأن الضحية هي دنيز حتى شعر بانقباض في صدره، حتى يحقق بنفسه في الواقعة.
دنيز...
المرأة التي كانت شهادتها قبل ساعات فقط جزءًا من التحقيق الذي كان يجريه ضد طارق.
والآن هي في المستشفى بين الحياة والموت، بينما فرّ السائق.
لم يكن مستعدًا لاعتبار الأمر مجرد مصادفة.
اقترب من أفراد الشرطة الذين كانوا يجمعون إفادات الشهود.
اوكتاي: ماذا لدينا حتى الآن؟.
أجابه أحد رجال الشرطة:
الشرطي: عدة شهود أكدوا أن الشارع كان شبه خالٍ، وأن السيارة ظهرت فجأة بسرعة كبيرة، واتجهت مباشرة نحو الضحية، بعد الاصطدام، لم يتوقف السائق وفرّ من المكان.
عقد أوكتاي حاجبيه.
اوكتاي: هل رأى أحدهم السيارة بوضوح؟.
الشرطي: بعضهم تمكن من وصف نوعها ولونها، لكن لا أحد استطاع إعطاء رقم اللوحة كاملًا.
رفع أوكتاي عينيه نحو المباني المحيطة.
اوكتاي: والكاميرات؟.
أجابه أحد أفراد الفريق:
الشرطي: بدأنا حصرها، هذه المنطقة مغطاة بعدد كبير من كاميرات المراقبة، ونحاول الحصول على التسجيلات الآن.
اوكتاي: لا تتركوا كاميرا واحدة دون مراجعة، أريد التسجيلات قبل الحادث وبعده، وليس لحظة الاصطدام فقط.
ثم ابتعد قليلًا، لكنه لم يستطع التخلص من ذلك الشعور المزعج.
كان هناك شيء لا يستقيم،
طارق اختفى،
الممنوعات التي كانوا يبحثون عنها لم تُعثر عليها،
دنيز أدلت بشهادتها ضده،
والآن، بعد ساعات، تتعرض دنيز لحادث دهس ثم يفر السائق.
كان عليه أن يعرف إن كانت تلك الأحداث مترابطة ام لا.
إنتقل إلى مديرية الامن، حيث شكلت خلية ازمة لدراسة جميع الادلة ومطابقتها بالإيفادات الشهود وما جمع من تسجيلات الكاميرات، مرت الساعات التالية ببطء، بينما كان فريق التحقيق ينتقل بين كاميرات الشوارع، يجمع التسجيلات ويحاول رسم مسار السيارة.
وفي إحدى الشاشات، ظهرت سيارة مشابهة للوصف الذي أعطاه الشهود.
أوقف أحد المحققين التسجيل.
الشرطي: وجدتها.
اقترب أوكتاي وبقية الفريق.
ظهرت السيارة بوضوح نسبي، لكن رقم اللوحة لم يكن واضحًا بما يكفي.
قال أوكتاي:
اوكتاي: لا تستعجلوا، تابعوا التسجيل السابق واللاحق.
عادوا إلى اللقطات السابقة،
ظهرت السيارة في مكان أبعد،
ثم ظهرت مرة أخرى،
ثم اختفت خلف مجموعة من السيارات،
وبعد دقائق ظهرت قرب المنطقة التي توجد فيها عيادة الطبيبة.
قال أوكتاي:
اوكتاي: لحظة... لماذا كانت هنا؟.
واصلوا المشاهدة.
ظهرت دنيز برفقة صفية وهما تخرجان من العيادة.
وبعد فترة قصيرة، تحركت السيارة في الاتجاه نفسه.
ساد الصمت.
قال أحد المحققين:
المحقق: يبدو أنها كانت تتبعهما.
أجاب أوكتاي:
اوكتاي: لا نستنتج شيئًا بعد، نحتاج إلى تسجيلات أخرى،
استمروا في تتبعها.
كانت السيارة تظهر في أكثر من نقطة.
كل مرة كانت على المسار نفسه.
حتى وصلت إلى الشارع الذي وقع فيه الحادث.
هناك، أظهرت إحدى الكاميرات السيارة متوقفة على جانب الطريق.
قال أحد المحققين:
المحقق: إنها هنا....
راقبوا التسجيل.
خرجت دنيز وصفية من المبنى.
بدأتا في عبور الطريق،
تحركت السيارة ببطء،
ثم، في اللحظة التي أصبحت فيها دنيز في منتصف الطريق تقريبًا...
ازدادت سرعتها.
نظر أوكتاي إلى الشاشة دون أن يرمش.
السيارة لم تنحرف،
بل توجهت نحو دنيز مباشرة،
ثم وقع الاصطدام،
وأكملت السيارة طريقها،
طلب أوكتاي إيقاف التسجيل،
ظل صامتًا للحظات.
ثم قال:
اوكتاي: أعدوه.
أُعيد.
مرة ثانية.
ثم ثالثة.
كانت التفاصيل أوضح في كل مرة.
قال أوكتاي:
اوكتاي: ابحثوا عن رقم اللوحة في أي كاميرا التقطتها من الخلف.
استمر الفريق في البحث، إلى أن ظهرت السيارة في تسجيل آخر بعد الحادث.
وهنا ظهر رقم اللوحة بوضوح.
دوّنه أحد الضباط، ثم بدأ بالبحث في قاعدة البيانات.
مرت ثوانٍ ثقيلة.
ثم ظهرت معلومات السيارة.
اقترب أوكتاي من الشاشة.
اوكتاي: السيارة مسجلة باسم من؟
أجاب الضابط:
الظابط: لحظة... دعني أتأكد.
بدأت البيانات تظهر تباعًا.
ثم قال:
المحقق: لدينا اسم المالك.
توقف أوكتاي.
اومتاي: من؟.
ذكر الضابط الاسم، مانت سيارة نستأحرة من احد المعارض،
حيث الاسم لم يكن طارق.
رفع أوكتاي عينيه عن الشاشة، ثم قال:
اوكتاي: السيارة ليست باسمه.
ثم عاد إلى التسجيل.
اوكتاي: نحتاج إلى معرفة من كان يقودها.
وبدأ الفريق في تكبير صورة السائق من إحدى الكاميرات.
كانت الملامح غير واضحة،
لكن أوكتاي لم ييأس،
فهو لم يكن يبحث عن وجه مجهول فحسب...
بل كان يبحث عن رجل يعرفه بالفعل.
بعد وقت طويل من العمل، تمكن الفريق من تحسين إحدى اللقطات التي ظهر فيها السائق.
ظهرت ملامحه بصورة أفضل.
اقترب أوكتاي من الشاشة،
ظل يحدق فيها،
ثم تغير وجهه فجأة.
اوكتاي: توقفوا.
نظر إليه الجميع.
المحقق: هل تعرفه؟.
لم يجب أوكتاي فورًا.
ظل ينظر إلى الصورة، ثم أخذ ملف التحقيق الذي كان يحمله معه.
فتح إحدى الصفحات،
ثم عاد إلى الشاشة،
قارن بين الصورة والبيانات الموجودة أمامه،
كانت هناك تفاصيل يعرفها جيدًا،
وأخيرًا قال:
اوكتاي: طارق سارتاش.
ساد الصمت.
رفع أحد الضباط رأسه.
الظابط: هل أنت متأكد؟.
أجاب أوكتاي دون تردد:
اوكتاي: نعم، ويمكننا التحقق.
ثم أضاف:
اوكتاي: وأنا لا أقول ذلك بسبب الصورة وحدها.
فتح الملف أمامهم.
اوكتاي: هذا الرجل هو نفسه الذي كانت دنيز قد أدلت بشهادتها ضده، كنا نحقق في تهديداته وتصرفاته، وكان من المفترض أن نخضعه للتحقيق بعد استكمال الإجراءات.
ثم أشار إلى الشاشة.
اوكتاي: والآن، في اليوم نفسه الذي أدلت فيه دنيز بتصريحاتها، يختفي طارق سرتاش، ثم يظهر خلف مقود سيارة، ونحن كنا نبحث منذ الصباح، ثم تتعرض دنيز لحادث دهس، وتظهر كاميرات المراقبة أن السيارة كانت تراقبها منذ خروجها من العيادة.
أعاد تشغيل المقطع الذي يظهر السيارة وهي تسرع باتجاه دنيز.
وقال بحزم:
اوكتاي: بالنسبة لي، هذا ليس حادثًا عابرًا.
ثم تابع:
اوكتاي: لدينا دافع محتمل، ولدينا تسلسل زمني، ولدينا تسجيلات تظهر التتبع، ولدينا صورة للسائق، والأهم أننا نعرف أن الضحية هي الشخص الذي أدلى بشهادة ضده.
قال أحد المحققين:
المحقق: تعتقد أنه حاول إسكاتها؟.
أجاب أوكتاي:
اوكتاي: هذا هو الاحتمال الذي يجب أن نتحقق منه فورًا، وكل المعطيات الأولية تشير إلى اعتداء متعمد، لكننا سنثبت ذلك بالأدلة والإجراءات القانونية.
ثم أغلق الملف وقال:
اوكتاي: الآن لم يعد طارق مجرد شخص مطلوب للتحقيق.
كانت نبرته حاسمة.
اوكتاي: أصبح مطلوبًا على خلفية اعتداء خطير، وقد يشكل خطرًا على دنيز وعلى كل من يمكن أن يكون على صلة بالقضية.
في الحال، بدأت الإجراءات،
أُرسلت إرسالية عاجلة إلى مختلف المديريات والمصالح الأمنية، تتضمن بيانات طارق سارتاش، وصورة السيارة، ورقم لوحتها، وكل المعلومات المتوفرة عنه.
كما جرى تعميم أوصاف السيارة على الوحدات التي تعمل ميدانيًا،
وكانت التعليمات واضحة:
إيقاف السيارة فور العثور عليها، والتحقق من هوية سائقها، وتوقيف طارق سارتاش في حال كان على متنها، مع إشعار الجهة المختصة فورًا.
انتشرت المعلومات عبر نقاط التفتيش والدوريات، وبدأ البحث في مداخل المدينة ومخارجها والمناطق المحيطة بها،
لكن طارق كان قد اختفى.
مر وقت طويل من البحث،
وفي إحدى الدوريات، ورد بلاغ عن سيارة متروكة داخل مستودع مهجور في أطراف المدينة.
تحركت القوة فورًا إلى المكان.
كان المستودع قديمًا، تحيط به أرض خالية ومبانٍ مهجورة، ولا يكاد أحد يرتاده.
تقدمت الشرطة بحذر، ثم ظهرت السيارة أمامهم.
كانت هي نفسها.
السيارة المطلوبة.
اقترب أحد الضباط من لوحة التسجيل، ثم قارنها بالبيانات التي أرسلتها المديرية.
الشرطي: إنها السيارة،
فتشوا المكان،
فتحوا الأبواب،
المقصورة خالية،
لم يكن هناك أحد،
ولا أثر لطارق.
قال أحد أفراد القوة:
الشرطي: لقد تركها هنا وهرب.
دخل أوكتاي بعد وصوله إلى المكان، وألقى نظرة على السيارة.
كانت السيارة التي ظهرت في تسجيلات الكاميرات قبل ساعات فقط.
السيارة التي صدمت دنيز،
السيارة التي أصبحت الآن أهم دليل مادي في القضية،
لكن طارق لم يكن بداخلها.
وقف أوكتاي أمامها، وشعر بالغضب يختلط بالقلق،
لقد عثروا على الدليل...
لكن الرجل الذي قادها كان قد سبقهم بخطوة.
قال أحد الضباط:
الشرطي: سنفتش المنطقة بالكامل.
أجاب أوكتاي:
اوكتاي: لا تتركوا مترًا واحدًا دون تفتيش، واجمعوا كل ما يمكن أن يفيدنا من السيارة والمستودع، أريد معرفة متى وصلت إلى هنا، ومن كان يقودها، وأين ذهب بعدها.
ثم نظر إلى السيارة مرة أخرى.
كانت أمامه، صامتة، لكنها تحمل في داخلها تفاصيل الساعات التي سبقت الجريمة.
أما طارق...
فقد اختفى من جديد.
وهذه المرة، كان يعرف أن الشرطة أصبحت تملك الدليل الذي يربطه بالحادث.
ولهذا لم يعد أمامهم سوى شيء واحد:
العثور عليه قبل أن يتمكن من إيذاء دنيز مرة أخرى، أو الهرب خارج نطاق أيديهم.

كان ممر المستشفى يزداد ازدحامًا شيئًا فشيئًا، وكلما وصل أحد أفراد العائلة، كان القلق يزداد ثقلًا في المكان.
كان روني أول من وصل.
اندفع إلى داخل المستشفى بخطوات متسارعة، وعيناه تبحثان في كل اتجاه حتى لمح والدته صفية جالسة بالقرب من باب غرفة العمليات، اتجه إليها سريعًا، وجثا أمامها.
روني: أمي... كيف حال دنيز؟.
رفعت صفية عينيها إليه، وكان وجهها غارقًا في الدموع.
صفية: لا أعلم يا بني... لم يخرج أحد ليخبرني بشيء حتى الآن.
ابتلع روني غصته، ثم جلس إلى جوارها، وأخذ يدها بين يديه.
روني: ستكون بخير يا أمي... إن شاء الله ستكون بخير.
لكن الكلمات خرجت منه أشبه برجاء كان يحاول به أن يطمئن نفسه قبل أن يطمئنها.
وبعده بدقائق وصل إبراهيم.
كان وجهه شاحبًا، وخطواته مضطربة، وكأن الطريق كله لم يكن يعني له شيئًا سوى الوصول إلى ابنته.
ما إن رأى زوجته حتى أسرع نحوها.
إبراهيم: صفية!.
نهضت إليه، وما إن رأته حتى انهارت بين ذراعيه.
صفية: إبراهيم... دنيز...
ضمها بقوة، محاولًا أن يبدو متماسكًا رغم أن قلبه كان يرتجف.
إبراهيم: ماذا قال الأطباء؟.
هزت رأسها وهي تبكي.
صفية: لم يخرج أحد حتى الآن... قالوا إن لديها نزيفًا قويًا، وإنها في غرفة العمليات.
أغمض إبراهيم عينيه للحظة.
ثم رفع يديه إلى السماء وهمس:
إبراهيم: يا رب...
لم يستطع أن يقول أكثر.
بعد وقت قصير وصل عزت، ثم تبعه باران.
دخل باران إلى الممر بخطوات سريعة، وما إن رأى أفراد العائلة مجتمعين أمام غرفة العمليات حتى أدرك من وجوههم أن الوضع لم يتغير.
اقترب منهم.
باران: كيف حالها؟.
أجابه إبراهيم:
إبراهيم: ما زالت في الداخل.
نظر باران إلى الباب المغلق.
ذلك الباب الذي يفصلهم عن دنيز، عن ابنة عمه، وعن جنين لم يرَ النور بعد.
لم يكن أحد منهم يعرف ماذا يحدث خلفه.
هل نجح الأطباء في إيقاف النزيف؟،
هل ما زالت دنيز تقاوم؟،
وماذا عن طفلها؟،
أسئلة كثيرة، لكن لا إجابة واحدة.
ثم وصلت عائشة أخيرًا برفقة ديلان.
كانت ديلان تمسك بذراع عائشة أثناء سيرهما، وما إن رأت العائلة حتى أسرعت نحوهم.
عائشة  كيف حال دنيز؟.
أجابتها صفية بصوت منكسر:
صفية: ما زالت في غرفة العمليات.
اقتربت ديلان منها واحتضنتها.
ديلان: ستكون بخير يا زوجة عمي... بإذن الله ستكون بخير.
لكنها، وهي تقول ذلك، كانت تشعر بأن قلبها يخونها.
كانت صفية تحاول أن تتمسك بالأمل، إلا أن صورة دنيز وهي ممددة على الأرض كانت لا تزال عالقة في ذهنها.
جلست صفية من جديد على الكرسي القريب من غرفة العمليات، وأسندت ظهرها إلى الجدار.
وضعت يدها فوق صدرها، وأغمضت عينيها.
صفية: يا رب... أنت أعلم بحالي وبحال ابنتي.
كانت الكلمات تخرج من بين شفتيها مرتجفة.
صفية: احفظها لي يا الله... واحفظ طفلها، لا تجعلني أخرج من هذا المكان من دونها.
ساد الصمت.
كان الجميع واقفون صامتون، لكن المكان بدا وكأن كل شيء فيه يهمس بالدعاء.
جلس إبراهيم إلى جانبها، وروني قربهما، بينما وقف عزت أمام الباب، ولم يستطع أن يبعد عينيه عنه.
أما ديلان فكانت تمسك يد عائشة، وكل واحدة منهما غارقة في أفكارها، وقد جلستا على الكرسيين المقابلين.
وفي تلك اللحظة، رن هاتف باران.
نظر إلى الشاشة.
كان أوكتاي.
ابتعد قليلًا عن العائلة وأجاب:
باران: أوكتاي؟.
جاءه صوت صديقه جادًا:
اوكتاي: لدينا نتائج أولية للتحقيق.
شد باران الهاتف في يده.
باران: ماذا وجدتم؟.
اوكتاي: بعد مراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة وربطها بالمعلومات التي لدينا، ظهرت مؤشرات قوية جدًا على أن طارق هو من كان يقود السيارة.
أغمض باران عينيه، واشتعل الغضب في صدره.
باران: إذن فعلها...
اوكتاي: نعم، لدينا صور من أكثر من كاميرا، وقد تمكنا من تحديد السيارة وربطها بهوية طارق.
قال باران بصوت مكتوم من شدة الغضب:
باران: الحقير... حاول التخلص منها حتى يسكتها.
صمت أوكتاي لحظة، ثم قال:
اوكتاي: هذا هو الاحتمال الذي نتحقق منه رسميًا، وكل ما ظهر حتى الآن يدعم فرضية الاعتداء المتعمد، خصوصًا أن دنيز كانت قد أدلت بشهادتها ضده، ثم ظهرت السيارة وهي تتابعها قبل وقوع الاصطدام.
نظر باران نحو باب غرفة العمليات.
كانت عيناه تحملان غضبًا لا يستطيع إخفاءه، لكنه لم يسمح له بأن يطغى على خوفه.
باران: هل وجدتموه؟.
اوكتاي: ليس بعد.
انقبض فك باران.
باران: كيف؟.
اوكتاي: عثرنا على السيارة في مستودع مهجور بأطراف المدينة، لكن طارق لم يكن بداخلها.
ثم تابع أوكتاي:
اوكتاي: لقد عممنا أوصافه وبيانات السيارة على مختلف المديريات والوحدات الميدانية، كما أُبلغت فرق المرور ونقاط التفتيش بضرورة إيقاف السيارة والتحقق منها فور العثور عليها، وقد زُود الجميع بالمعلومات اللازمة.
باران: وستجدونه؟،
أجاب أوكتاي بثقة حذرة:
اوكتاي: البحث جارٍ في كل الاتجاهات، العثور على السيارة خطوة مهمة، والقبض عليه مسألة وقت، لكن الأولوية الآن أن نعرف ما ستؤول إليه حالة دنيز.
نظر باران مجددًا إلى الباب المغلق.
باران  نعم...
خرجت الكلمة منه مثقلة بالخوف.
قال أوكتاي:
اوكتاي: عندما تستقر حالتها وتُجمع التقارير الطبية وبقية الأدلة، سيُستكمل الملف ويُحال إلى النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
باران: لا يهمني الآن سوى أن تنجو دنيز.
اوكتاي: وأنا أفهم ذلك.
ثم أضاف أوكتاي:
اوكتاي: ابقَ بجانب عائلتك، إذا ظهرت أي معلومات جديدة عن طارق، سأبلغك فورًا.
باران: حسنًا.
أنهى باران المكالمة، وبقي للحظات ممسكًا بالهاتف.
ثم عاد إلى العائلة.
كانت كل الأنظار لا تزال معلقة بذلك الباب.
لم يخبرهم بكل تفاصيل المكالمة، لكنه قال:
باران: وجدوا السيارة... أوكتاي صديقي ظابط بالشرطة كنت أتصلت به قبل ان آتي إلى هنا، قال لي انه متأكد من أن طارق هو من كان يقودها، والشرطة تبحث عنه الآن.
رفع إبراهيم رأسه.
إبراهيم: طارق؛ ولماذا يفعل ذلك بإبنتي؟.
أومأ باران ثم قال.
باران: إنعا قصة طويلة ساحكيها لكم لاحقا، المهم الان ان تتجاوز دنيز ماحدث لها.
اشتعل الغضب في عيني روني، بينما قبض عزت يده.
أما صفية فلم تقل شيئًا،
كانت عاجزة عن التفكير في أي شيء سوى ابنتها.
قالت بصوت خافت:
صفية: فليأخذ القانون مجراه... أريد ابنتي فقط.
نظر الجميع إليها،
ثم عاد الصمت،
وفجأة، تحرك مقبض باب غرفة العمليات.
انتفضت القلوب قبل الأجساد.
رفعت صفية رأسها بسرعة، ونهض إبراهيم وروني وعزت وباران وديلان وعائشة في اللحظة نفسها تقريبًا.
توجهت أنظارهم جميعًا إلى الباب.
كان الجميع ينتظر الشخص الذي سيخرج منه...
طبيبًا يحمل خبرًا قد يعيد إليهم أنفاسهم...
أو خبرًا يجعل هذا الليل أثقل مما يحتملون.
أما صفية، فوضعت يدها على قلبها مرة أخرى، وهمست:
صفية: يا رب... بشّرني بابنتي.

مرّت أكثر من ساعتين، والدقائق خلالها بدت كأنها أثقل من أن تمر.
لم يغادر أحد مكانه أمام غرفة العمليات، كانت الأنظار معلّقة بذلك الباب المغلق، وكأن الجميع ينتظر أن يُفتح حاملاً معه خبراً يبدّد هذا الخوف الذي استقر في صدورهم منذ لحظة وصول دنيز إلى المستشفى.
كانت صفية لا تزال تردد الدعاء بصوت خافت، وقد تشابكت أصابعها أمام صدرها، بينما جلس إبراهيم مطأطئ الرأس، عاجزًا عن التفكير في شيء سوى ابنته. أما روني فكان يتحرك بين الحين والآخر في الممر ثم يعود إلى مكانه، وكأن الجلوس صار أثقل عليه من الوقوف.
وكانت ديلان تجلس إلى جوار عائشة، تمسك يدها، فيما ظل باران واقفًا غير بعيد عنهما، صامتًا، وعيناه لا تفارقان باب غرفة العمليات.
وفجأة...
انفتح الباب.
خرج الطبيب الجراح أولًا، تتبعه طبيبة النساء والتوليد، وقد بدت على ملامحهما علامات الإرهاق بعد الساعات الطويلة التي قضياها في غرفة العمليات.
في اللحظة نفسها، نهض الجميع دفعة واحدة، وهرعوا نحوهما.
الجميع: دكتور... دنيز؟! كيف حالها؟!.
تداخلت الأصوات، وتزاحمت الأسئلة، حتى رفع الطبيب يده بهدوء طالبًا منهم أن يمنحوه فرصة للكلام.
ثم قال:
الطبيب: اهدؤوا أولًا... العملية انتهت، والحمد لله، وقد نجحنا في التعامل مع الإصابات التي تعرضت لها.
خرجت زفرة جماعية من صدورهم، وكأنهم كانوا جميعًا يحبسون أنفاسهم طوال الساعتين الماضيتين.
سأل إبراهيم بسرعة، وعيناه معلقتان بالطبيب:
إبراهيم: ابنتي بخير إذن؟.
أومأ الطبيب.
الطبيب: نعم، حالتها مستقرة حاليًا، لقد تعاملنا مع الجرح في رأسها، ونظفنا الإصابات الأخرى، كما عالجنا النزيف الناتج عن الإصابات، أما كسر ذراعها، فقد كان كسرًا بسيطًا وغير مضاعف، والحمد لله، لذلك وضعنا لها الجبس، ولا يُتوقع أن يسبب لها مضاعفات خطيرة.
أغمض إبراهيم عينيه للحظة، وكأن تلك الكلمات أعادت إليه بعض الحياة.
إبراهيم: الحمد لله...
رددها بصوت متهدج، فيما وضعت صفية يدها على صدرها وهي تبكي من شدة الارتياح.
لكن الطبيبة التي كانت تقف إلى جوار الجراح لم تشاركهم ابتساماتهم.
كانت صامتة.
وجهها هادئ، لكن عينيها حملتا شيئًا جعل قلب ديلان ينقبض قبل أن تتكلم.
التفتت الطبيبة إلى العائلة وقالت بنبرة أكثر هدوءًا:
الطبيبة: هناك أمر آخر يجب أن تعرفوه...
ساد الصمت من جديد.
اختفت كل مظاهر الارتياح التي ظهرت قبل لحظات، وعادت العيون تتجه إليها بقلق.
سأل إبراهيم:
إبراهيم: ماذا حدث؟.
تنفست الطبيبة بعمق قبل أن تقول:
الطبيبة: عندما وصلت دنيز إلينا، كان النزيف شديدًا جدًا، وكان مرتبطًا بإصابة البطن وتأثر الحمل، حاولنا بكل الوسائل الممكنة السيطرة عليه والحفاظ على الحمل، لكن النزيف لم يستجب بالشكل الذي كنا نأمله.
توقفت لحظة.
ثم تابعت:
الطبيبة: ومع استمرار النزيف، أصبح الوضع يهدد حياة دنيز بشكل مباشر.
شحب وجه صفية.
صفية: والجنين؟.
خفضت الطبيبة عينيها للحظة، ثم قالت برفق:
الطبيبة: للأسف... لم نتمكن من إنقاذ الحمل.
شهقت صفية، ووضعت يدها على فمها.
أما ديلان، فشعرت بقلبها يهبط إلى قاع صدرها.
كانت تعرف كم كانت دنيز سعيدة عندما علمت بحملها. كانت لا تزال تتذكر تلك الفرحة التي لم تستطع دنيز إخفاءها، وكيف بدأت تتحدث عن طفلها وكأنها رأت ملامحه بالفعل في مخيلتها.
لكن ما قالته الطبيبة بعد ذلك كان أقسى من أن يُحتمل.
الطبيبة: بسبب استمرار النزيف وعدم قدرتنا على السيطرة عليه، اضطررنا إلى إنهاء الحمل، ثم اضطررنا، للأسف، إلى استئصال الرحم بالكامل من أجل السيطرة على النزيف وإنقاذ حياتها.
تجمد الجميع.
لم يتحرك أحد.
حتى الممر بدا وكأنه فقد أصواته.
نظر إبراهيم إلى الطبيبة دون أن يستوعب كلماتها كاملة.
إبراهيم: استئصال... الرحم؟.
أومأت الطبيبة ببطء.
الطبيبة: نعم.
شهقت صفية وانفجرت دموعها دفعة واحدة.
صفية: يا إلهي...
أما روني فظل واقفًا في مكانه، وكأن الكلمات قد سلبته القدرة على الحركة.
مدّ باران يده دون وعي إلى كتف ديلان، حين شعر بأنها ارتجفت إلى جواره، بينما عجزت هي عن إخفاء الدموع التي تجمعت في عينيها.
قالت الطبيبة برفق:
الطبيبة: أعلم أن هذا الخبر قاسٍ جدًا عليكم، لكن كان علينا أن نختار بين فقدان الحمل وبين تعريض حياة دنيز للخطر. استمرار النزيف كان يمكن أن يؤدي إلى فقدانها، لذلك كان استئصال الرحم هو الخيار الضروري لإنقاذ حياتها.
لم تجب صفية.
كانت تبكي بصمت، وكأنها تحاول استيعاب حقيقة أن ابنتها دخلت غرفة العمليات وهي تحمل في داخلها حلمًا صغيرًا لم يتجاوز عمره شهرين، ثم خرجت منها وقد فقدته إلى الأبد.
فقدت طفلها...
وفقدت معه قدرتها على أن تحمل طفلًا آخر.
أما إبراهيم، فبقي ينظر إلى الأرض، وملامحه منهارة تحت وطأة الصدمة.
لم يكن يفكر في الكسر، ولا في الجروح، ولا حتى في السيارة التي صدمتها.
كان كل ما يشغل ذهنه الآن ابنته.
دنيز التي لم تعرف بعد ماذا حدث لها.
دنيز التي ستفتح عينيها بعد قليل، وربما تسألهم أول ما تسأل:
هل طفلي بخير؟.
وهنا فقط شعر الجميع بثقل الحقيقة القادمة.
قالت الطبيبة:
الطبيبة: ستُنقل دنيز الآن إلى وحدة العناية المركزة، نريد مراقبة حالتها عن قرب حتى تستعيد وعيها بالكامل من التخدير، ثم سنعيد تقييم وضعها الصحي بشكل مستمر خلال الساعات القادمة.
أومأ إبراهيم بصعوبة.
أبراهيم: هل هي خارج الخطر الآن؟
أجاب الطبيب الجراح:
الطبيب: تجاوزنا أخطر مرحلة أثناء العملية، وحالتها مستقرة في الوقت الحالي، لكن الساعات القادمة مهمة جدًا، ولذلك ستبقى تحت المراقبة الدقيقة.
شكرهم إبراهيم بصوت خافت، ثم ابتعد خطوات قليلة.
إنصرف الطبيبان وإختفيا بعيدا في الممر، وما إن ابتعد ابراهيم حتى غطى وجهه بكفيه، وانحنى رأسه، بينما انهمرت دموعه التي ظل يحبسها طوال الساعات الماضية.
اقتربت منه صفية، ولم تقل شيئًا.
لم تكن هناك كلمات يمكن أن تخفف عنهما.
في الجهة الأخرى، كانت ديلان تبكي بصمت.
كانت تفكر في دنيز وحدها.
في فرحتها بالأمس حين عرفت أنها ستصبح أمًا.
في أحلامها الصغيرة التي بدأت ترسمها حول ذلك الطفل.
في المستقبل الذي تخيلته في لحظة، ثم اختفى منها في لحظة أخرى.
لم تكن خسارة طفلها وحدها هي ما يؤلم.
بل إن دنيز ستستيقظ لتكتشف أنها فقدت شيئًا لن تستطيع استعادته.
لقد دخلت المستشفى وهي امرأة تحمل حلم الأمومة في أحشائها... وستخرج منها وقد انتُزع ذلك الحلم منها إلى الأبد.
وضعت ديلان يدها على صدرها، وهمست والدموع تخنق صوتها:
ديلان: يا رب... ألطف بها حين تعرف.
رفع باران عينيه نحوها، ولم يجد ما يقوله.
فحتى هو، الذي اعتاد أن يبحث عن حل لكل مشكلة، وقف أمام هذه المأساة عاجزًا.
وفي تلك اللحظة، بدأ أحد الممرضين يدفع سريرًا عبر الممر.
كانت دنيز مستلقية عليه، شاحبة الوجه، ساكنة تمامًا، وذراعها مثبتة بالجبس، وأسلاك الأجهزة الطبية تحيط بها من كل جانب.
اقتربت الأسرة منها، لكنهم لم يستطيعوا سوى النظر إليها.
كانت لا تزال غارقة في تأثير التخدير، لا تعلم شيئًا عن العالم من حولها...
ولا تعلم أن حياتها، التي كانت تنتظر منها طفلًا، قد انقسمت في تلك الساعات إلى ما قبل الحادث... وما بعده.

في شقة مدحت...
كان التعب قد أنهك جسده بعد ساعات طويلة من السفر، وما إن وصل إلى شقته حتى ألقى حقيبته جانبًا، ثم اتجه مباشرة إلى الحمام.
كان يحتاج إلى حمام طويل يزيل عن جسده آثار الطريق، وإلى ساعات قليلة من النوم يستعيد بها شيئًا من نشاطه قبل أن يذهب إلى منزل عائلة زوجته.
وبعد أن انتهى، ارتدى ملابس مريحة، وألقى جسده على السرير، ثم أمسك هاتفه وأغلقه تمامًا قبل أن يضعه إلى جواره.
لم يكن يعلم أن تلك الساعات القليلة التي قرر أن ينامها ستجعله يفوّت عشرات الاتصالات التي كان من شأنها أن تغيّر كل شيء.
استسلم للنوم سريعًا.
وبعد نحو ساعتين، دوّى صوت المنبّه في أرجاء الغرفة.
فتح مدحت عينيه ببطء، وبقي للحظات محدقًا في السقف، محاولًا استيعاب المكان والوقت، قبل أن يمد يده ويوقف المنبه.
جلس على طرف السرير، ومسح وجهه بكفيه، ثم نهض واتجه إلى خزانته.
كان لا يزال يشعر بثقل السفر في جسده، لكنه شعر بالارتياح بعد أن أخذ قسطًا من النوم.
تمتم لنفسه:
مدحت: لقد تأخرت قليلًا... لا بد أن أذهب الآن.
ارتدى ملابسه وسترته، أخذ مفاتيحه وهاتفه، ثم خرج من شقته متجهًا إلى منزل عائلة دنيز.
كان يظن أن كل شيء يسير بصورة طبيعية.
لم يكن يعرف أن زوجته تقبع في العناية المركزة، وأن عائلتها تعيش أسوأ ساعاتها، وأن الطفل الذي لم يكن قد علم بوجوده إلا قبل وقت قصير أصبح الآن جزءًا من مأساة لم يتخيلها قط.
وبينما كان ينزل الدرج، مرّ أمام شقة والدته.
توقف للحظة.
لاحظ أن باب الشقة كان مواربًا.
قطّب حاجبيه.
مدحت: غريب...
اقترب من الباب ودفعه برفق، ثم دخل وهو ينادي:
مدحت: أمي؟.
لم يجبه أحد.
رفع صوته قليلًا:
مدحت: أمي، هل أنت هنا؟.
ظل المكان صامتًا.
عرف حينها أنها خرجت، فمن عادتها أن تذهب في مثل هذا الوقت إلى السوق لشراء الخضروات وبعض مستلزمات إعداد الطعام.
همّ بالمغادرة، لكنه توقف فجأة.
كان هناك صوت يأتي من غرفة أخيه طارق.
جلبة واضحة...
فتح وإغلاق للأدراج، وحركة متسارعة، وشيء ما يسقط على الأرض.
استدار مدحت نحو مصدر الصوت، وسار في الممر بخطوات متأنية.
كلما اقترب، ازداد الصوت وضوحًا.
ثم وقف عند باب غرفة طارق.
وهناك...
تجمد في مكانه.
كان طارق يقف أمام خزانة ملابسه، يخرج الملابس منها على عجل، ويلقي بعضها فوق السرير، بينما كانت الحقيبة مفتوحة فوقه.
أبواب الخزانة مفتوحة على مصراعيها.
الأدراج مسحوبة وملقاة بعضها على الأرض، وقطع من الملابس متناثرة هنا وهناك، وكأن صاحبها لا يحاول ترتيب حقيبة سفر، بل يحاول الفرار من المكان بأسرع ما يستطيع.
لكن شيئًا آخر هو ما لفت انتباه مدحت أكثر من كل تلك الفوضى.
مسدس.
كان موضوعًا فوق طاولة صغيرة بالقرب من السرير.
توقف مدحت، واتسعت عيناه.
حدّق في السلاح لثوانٍ، ثم رفع نظره إلى أخيه.
مدخت: طارق!.
انتفض طارق بعنف.
استدار بسرعة، وقد ظهر الذعر على وجهه فورًا.
لم يكن قد شعر بوجود أخيه خلفه.
قال مدحت، وقد بدأ الشك يتسلل إلى صوته:
مدحت: ماذا يحدث هنا يا طارق؟، ما هذه الفوضى؟، ولماذا تجمع ملابسك؟، هل أنت مسافر؟.
ابتلع طارق ارتباكه، وحاول أن يبدو طبيعيًا.
طارق: نعم... أنا مسافر.
ثم أضاف بسرعة:
طارق: طرأ أمر في عملي، وطُلب مني أن أسافر فورًا.
ظل مدحت ينظر إليه للحظات.
لم تعجبه الإجابة.
مدحت: لم أعلم شيئًا عن ذلك.
رفع طارق حاجبه.
طارق: وما الذي كان يفترض أن تعلمه؟.
مدحت: مررت بالشركة صباحًا لأُسلّم تقريري عن مأموريتي، ولم يخبرني أحد بأن هناك مهمة عاجلة أو سفرًا طارئًا.
تغيرت ملامح طارق.
طارق: قلت لك إن الأمر طارئ!، وقد حدث بعد أن غادرت أنت.
رد مدحت بهدوء لم يخلُ من الشك:
مدحت: لكنه ليس من صلاحياتك أن تتلقى مثل هذه المهمة بهذه الطريقة، ولا أظن أن الأمر من اختصاصك أصلًا.
استدار طارق نحوه بعصبية، تاركًا الملابس التي كان يجمعها.
طارق: قلت لك إن الأمر طارئ، ولا يعنيك أنت!.
ثم أردف بحدة:
طارق: القسم الذي تعمل فيه ليس القسم الذي أعمل فيه.
أجابه مدحت:
مدحت: أعلم ذلك، لكنه كان عملي سابقًا، وأعرف طبيعة العمل جيدًا، ولهذا استغربت.
ثم أشار بعينيه إلى الحقيبة.
مدحت: وأنت لا تبدو كمن يستعد لسفر عمل عادي.
صمت طارق.
تقدم مدحت خطوة أخرى.
ثم نظر إلى المسدس الموضوع فوق الطاولة.
تبدلت ملامحه.
مدحت: ومن أين حصلت على هذا؟.
لم يجب طارق.
مدحت: ولماذا هو معك؟.
وفي لحظة خاطفة، اندفع طارق نحو الطاولة، والتقط المسدس.
رفع مدحت حاجبيه بدهشة.
مدحت: طارق!.
صرخ الآخر:
طارق: لا تتدخل فيما لا يعنيك!.
رفع السلاح في اتجاهه.
تجمد مدحت في مكانه.
لم يكن يتوقع أن تصل الأمور بينهما إلى هذا الحد.
قال بصوت غاضب:
مدحت: أنزل السلاح!.
لكن طارق صرخ:
طارق: ابتعد عن طريقي يا مدحت!.
ثم قال بحدة:
طارق: لا شأن لك بي، اهتم بزوجتك فقط، واتركني أرحل.
شعر مدحت بقشعريرة تسري في جسده.
زوجته...
لماذا قال طارق ذلك بهذه الطريقة؟،
ولماذا بدا وكأنه يخشى شيئًا؟،
تقدم مدحت خطوة رغم السلاح الموجه إليه.
مدحت: كيف لا شأن لي؟، أجدك في هذه الفوضى، تجمع ملابسك على عجل، ومعك مسدس، وكل ما تقوله لا يقنعني!.
وأشار إلى السلاح.
مدحت: وهذا السلاح تحديدًا... من أين أتيت به؟، ولماذا تحتاج إليه وأنت على وشك السفر؟.
ارتجف فك طارق من الغضب.
طارق: قلت لك أن تبتعد!.
مدحت: ولن أبتعد قبل أن أعرف الحقيقة.
طارق: لا شأن لك بالحقيقة!.
مدحت: بل لي كل الشأن!.
ثم صاح مدحت:
مدحت: أنا أخوك، ومن حقي أن أعرف ماذا يحدث معك!.
وفي تلك اللحظة، رن هاتف مدحت.
توقفت المواجهة لثانية.
أدخل مدحت يده في جيب سترته وأخرج الهاتف.
ظهر اسم المتصل على الشاشة.
باران.
قطّب مدحت حاجبيه، ثم أجاب بسرعة.
مدحت: باران؟.
جاءه صوت باران من الطرف الآخر، مشحونًا بالتوتر:
باران: مدحت، أين أنت؟.
مدحت: في منزل والدتي... لماذا؟.
سكت باران لحظة، ثم قال:
باران: دنيز تعرضت لحادث.
تجمدت ملامح مدحت.
مدحت: ماذا قلت؟.
باران: وقع لها حادث خطير، هي الآن في العناية المركزة.
شهق مدحت:
مدخت: دنيز؟!.
ثم ارتفع صوته دون أن يشعر:
مدحت: ماذا حدث لها؟!.
أجابه باران:
باران: تعرضت للدهس، ونُقلت إلى المستشفى، وضعها كان خطيرًا، وخضعت لعملية جراحية... نحن جميعًا هنا.
شعر مدحت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه.
زوجته...
دنيز...
حادث؟،
في العناية المركزة؟،
ثم عاد صوت باران:
باران: مدحت، تعال إلى المستشفى فورًا.
لكن مدحت لم يجب.
كانت عيناه قد اتجهتا ببطء نحو طارق.
كان طارق واقفًا في مكانه متجمدا، وعندما سمع اسم دنيز، تغير وجهه، لم يعد الغضب وحده ظاهرًا عليه.
كان هناك خوف،
خوف حقيقي،
قال الاخيرة بصوت خافت..
مدحت: دنيز...
حينها اندفع طارق نحو الباب،
لكن مدحت أمسك بذراعه.
مدحت: إلى أين تذهب؟.
انتفض طارق محاولًا الإفلات منه.
طارق: اتركني!.
مدحت: لن تخرج من هنا حتى تخبرني بما يحدث معك.
دفعه طارق بعنف.
طارق: قلت لك اذهب إلى زوجتك الفضولية تلك!.
توقف مدحت.
نظر إليه بذهول.
مدحت: زوجتي الفضولية؟.
ثم اقترب منه.
مدحت: وما شأن زوجتي بك؟، وما علاقتها بما يحدث هنا؟،
صرخ طارق، وقد فقد السيطرة على أعصابه:
مدحت: لولا فضولها... لما وصلنا إلى ما نحن عليه الآن!.
تجمد مدحت.
مدحت: ماذا تقصد؟.
صرخ طارق:
طارق: لولا فضولها وتدخلها وإبلاغها الشرطة عني، لما حدث شيء من هذا!.
اتسعت عينا مدحت.
مدحت: ماذا قلت؟.
لم يجب طارق.
اقترب منه مدحت أكثر، وصوته يرتجف من الغضب:
مدحت: قلت لك ما علاقتك بزوجتي؟.
صمت.
مدحت: ولماذا قلت إنها السبب فيما نحن فيه؟.
ثم صاح:
مدحت: وما علاقة ذلك بالحادث الذي تعرضت له؟!.
ظل طارق صامتًا،
لكن صمته كان كافيًا،
شعر مدحت بأن شيئًا مظلمًا بدأ يتكشف أمامه.
تذكر السلاح،
الحقيبة،
الفوضى،
توتر أخيه،
ثم حادث دنيز.
نظر إلى طارق وكأنه يراه للمرة الأولى.
مدحت: أنت...
تلعثم صوته.
مدحت: أنت تعرف شيئًا عن حادث دنيز، أليس كذلك؟.
لم يجب طارق.
كرر مدحت:
مدحت: أجبني!.
عندها رفع طارق السلاح من جديد، وصرخ:
طارق: اتركني أذهب!.
ثم صاح:
طارق: وإلا ستلقى المصير نفسه الذي لقيته هي!.
ساد الصمت.
توقفت أنفاس مدحت.
نظر إلى المسدس، ثم إلى أخيه.
مدحت: أنت...
خرجت الكلمة من بين شفتيه بصعوبة.
مدحت: أنت من فعلت ذلك بزوجتي؟.
ثم أضاف، وقد انكسر صوته:
مدحت: وبطفلي؟.
لم يعد طارق قادرًا على إخفاء الحقيقة.
صرخ بانفعال:
طارق: نعم!.
شهق مدحت.
تابع طارق:
طارق: نعم، كنت أنا من أراد التخلص منها!.
تراجع مدحت خطوة وكأن الكلمات أصابته في صدره.
مدحت: زوجتي...
ثم وضع يده على رأسه، غير مصدق.
مدحت: وطفلي...
صرخ طارق:
طارق: لم أكن أريد أن يحدث هذا لولا فضولها!، لولا أنها وشَت بي للشرطة، ولولا أنها تحدثت عني، لما اضطررت إلى فعل أي شيء!
انقض الغضب على مدحت دفعة واحدة.
مدحت: أردت قتل زوجتي وابني!.
تقدم نحوه.
مدحت: وتريدني أن أتركك تذهب؟.
صرخ طارق:
طارق: ابتعد عني!.
مدحت: لن تخرج من هنا!.
أمسك مدحت بذراعه.
مدحت: لن أسمح لك بالهرب بعد الآن، سأُسلمك بيدي إلى الشرطة!.
حاول طارق الإفلات.
طارق: اتركني! اتركني اذهب....
لكن مدحت تشبث به.
تحول الأمر خلال لحظات إلى عراك عنيف بين الشقيقين.
سقطت الملابس من فوق السرير، وانقلبت الحقيبة، وارتطمت بعض الأغراض بالأرض.
كان طارق يحاول الوصول إلى الباب، بينما كان مدحت يمنعه بكل قوته.
مدحت: لن تهرب!.
صرخ مدحت.
مدحت: ستدفع ثمن ما فعلته!.
دفعه طارق، فتراجع مدحت خطوة، ثم اندفع نحوه من جديد.
تشابكا، وتعثرا بالأثاث، وسقطت بعض الأشياء من فوق الطاولة.
وخلال الاشتباك، اصطدمت يد أحدهما بالسلاح.
سقط المسدس على الأرض.
توقف الاثنان للحظة.
كانت أعينهما مثبتة عليه.
ثم اندفع طارق نحوه.
لكن مدحت كان أسرع.
انقض عليه، وأمسك بيده.
بدأ الاثنان يتصارعان على السلاح.
وفجأة...
دوّى صوت طلقة في أرجاء المنزل.
توقف كل شيء.
ساد صمت رهيب.
ترنح طارق إلى الخلف.
حدقت عيناه في مدحت للحظات، قبل أن يخور جسده ويسقط على الأرض.
انتشر الدم من موضع إصابته، بينما ظل مدحت واقفًا في مكانه، عاجزًا عن استيعاب ما حدث.
كان المسدس لا يزال في يده.
نظر إليه كأن شيئًا غريبًا وُضع في كفه.
مدحت: طارق...؟.
لم يجبه.
مدحت: طارق!
اقترب منه، ثم تراجع حين أدرك ما حدث.
في تلك اللحظة، دوّت أصوات في الخارج.
أصوات سيارات تتوقف.
ثم خطوات سريعة.
كانت الشرطة قد وصلت إلى المكان بعد أن قادتهم التحريات إلى المنطقة، وما إن سمع أفرادها صوت الطلق الناري حتى تحركوا بصورة عاجلة نحو الشقة.
تعالت الأصوات:
الشرطي: الشرطة! افتحوا الباب!.
لم يجب أحد.
فاندفعوا إلى الداخل.
دخل أفراد الشرطة بسرعة إلى الشقة، واتجهوا نحو مصدر الصوت.
ثم وجدوا المشهد أمامهم.
طارق ملقى على الأرض، غارقًا في دمه.
ومدحت واقف غير بعيد عنه، وفي يده المسدس.
توقف الجميع للحظة.
ثم صاح أحد الضباط:
الشرطي: ضع السلاح على الأرض فورًا!.
رفع مدحت عينيه ببطء.
كان وجهه شاحبًا، وعيناه غارقتين في الصدمة.
نظر إلى السلاح في يده، ثم إلى أخيه الملقى أمامه.
وكأن عقله لم يستوعب بعد كيف انتهت تلك المواجهة.
قال بصوت متهدج:
مدحت: كان يريد قتل زوجتي...
ثم انكسر صوته:
مدحت: لقد حاول قتل زوجتي وطفلي...
اقترب أحد رجال الشرطة بحذر، وأمره مرة أخرى بإلقاء السلاح.
امتثل مدحت.
سقط المسدس على الأرض.
وفي اللحظة نفسها، اندفع أحد أفراد الشرطة نحو طارق للتحقق من حالته، بينما بدأ آخرون بتأمين المكان.
أما مدحت، فبقي واقفًا في مكانه، عاجزًا عن تحريك قدميه.
كان في داخله غضب، وصدمة، وخوف، وندم...
لكن فوق كل ذلك، كان هناك سؤال واحد يمزقه:
هل ما زالت دنيز على قيد الحياة؟،
فقد عرف الآن أن الرجل الذي يقف أمامه لم يكن مجرد مجرم يهرب من الشرطة...
بل كان الرجل الذي حاول أن ينتزع منه زوجته وطفله بضربة واحدة.
وكان مدحت يعلم أن عليه الآن أن يواجه الحقيقة كاملة، وأن يترك للشرطة والقانون مهمة كشف بقية ما فعله طارق، بينما لم يكن يعرف بعد إن كانت دنيز ستفتح عينيها يومًا لتعرف كم كان قريبًا من فقدانها.

تعليقات



<>