رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الحادي والسبعون71 الاخير بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الحادي والسبعون71 الاخير بقلم عاشقة القلم
مرّت الأشهر، وكانت دنيز تحاول شيئًا فشيئًا أن تتأقلم مع حياتها الجديدة.
لم يكن الأمر سهلًا في البداية.
فهي لم تدخل بيت فؤاد كامرأة تبدأ حياة زوجية عادية، بل دخلته وهي تحمل في قلبها جراحًا كثيرة، وتجد أمامها طفلين فقدا أمهما للتو؛ أمير، الصبي الذي بلغ العاشرة، ونور، الرضيعة التي لم تكن قد أكملت ساعاتها الأولى في الحياة حين فقدت أمها.
أما فؤاد...
فقد كان رجلًا أنهكته الفاجعة.
كان قد فقد زوجته في اللحظة التي كان يفترض أن يعيش فيها معها أجمل أيام حياته، فوجد نفسه فجأة مسؤولًا عن طفلين، أحدهما يحتاج إلى أب يرشده، والآخر يحتاج إلى أم تحملها بين ذراعيها في كل لحظة.
ولهذا كانت علاقته بدنيز في البداية فاترة.
لم يكن يكرهها، ولم يكن يرفض وجودها، لكنه لم يكن قادرًا على أن يمنحها قلبه.
كان لا يزال يعيش تحت ثقل فقده، وكأنه يخشى أن يسمح لنفسه بالسعادة من جديد.
لكن دنيز لم تطلب منه شيئًا.
لم تضغط عليه، ولم تحاول أن تنتزع منه مشاعر لم يكن مستعدًا لمنحها.
اكتفت بأن تكون موجودة.
وبدأت من المكان الذي احتاجها فيه البيت أكثر من أي شيء آخر... من نور.
منذ الأيام الأولى، تعلقت دنيز بالصغيرة تعلقًا لم تستطع تفسيره.
كانت نور كثيرة البكاء، لا تهدأ بسهولة، حتى إن فؤاد كان يقضي ساعات طويلة وهو يحملها ويحاول تهدئتها دون جدوى.
لكن ما إن تأخذها دنيز بين ذراعيها، حتى يبدأ بكاؤها بالخفوت تدريجيًا.
كانت تجلس بها لساعات، تهدهدها برفق، وتهمس لها بكلمات حانية، حتى تستسلم الصغيرة للنوم فوق صدرها.
ومع مرور الأيام، أصبح الأمر عادة.
ما إن تبدأ نور بالبكاء حتى تبحث دنيز عنها قبل الجميع.
تحملها، تضمها إلى صدرها، وتمشي بها في أرجاء المنزل حتى تهدأ.
وأحيانًا كانت تغفو الصغيرة بين ذراعيها، فتظل دنيز جالسة في مكانها لا تتحرك، خشية أن توقظها.
أما أمير، فكان الأمر معه أكثر صعوبة.
فقد كان طفلًا يحمل بداخله ألمًا أكبر من عمره.
كان يرى في دنيز امرأة جاءت إلى المنزل بعد رحيل أمه، ولم يكن مستعدًا لأن يمنحها مكانًا في حياته.
في البداية كان يتجنبها.
وإذا حاولت الحديث معه، اكتفى بإجابات قصيرة.
وإذا حاولت التقرب منه، كان ينسحب بهدوء.
لكن دنيز لم تستسلم.
لم تحاول أن تأخذ مكان أمه، بل احترمت حزنه.
كانت تترك له مساحته، وتقترب منه حين يسمح لها، وتساعده دون أن تشعره بأنها تفرض نفسها عليه.
شيئًا فشيئًا...
بدأ أمير يتغير.
صار يجلس معها قليلًا.
ثم بدأ يجيبها عندما تسأله.
ثم أصبح يطلب منها أحيانًا مساعدته في بعض الأمور.
وبعد ذلك، بدأت المسافة بينهما تختفي دون أن يشعر أي منهما بذلك.
حتى جاء اليوم الذي ناداها فيه للمرة الأولى" أمي" بصوت يحمل شيئًا من الألفة.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد دنيز بالنسبة إليه مجرد امرأة تزوجها والده.
بل أصبحت جزءًا من البيت.
جزءًا من حياته.
ومع مرور ثلاثة أشهر على زواجهما، كان فؤاد نفسه قد بدأ يلاحظ التغيير.
لم يعد يعود إلى المنزل فيجده كما تركه.
كانت هناك حياة جديدة تسري في أرجائه.
ضحكات أمير.
بكاء نور الذي لم يعد يزعجه كما كان من قبل، لأنه أصبح يعرف أن دنيز ستحتضنها وتهدئها.
ورائحة الطعام التي كانت تملأ المكان.
وأشياء صغيرة كثيرة لم يكن يدرك قيمتها إلا حين يفتقدها.
وفي إحدى الليالي، عاد فؤاد من عمله متأخرًا.
كان يعمل في المستشفى لساعات طويلة، وعاد في ذلك اليوم مرهقًا إلى حد أن جسده كان يطلب منه الراحة قبل أن يصل حتى إلى غرفته.
دخل المنزل بهدوء.
خلع معطفه، ثم أخذ يبحث بعينيه عن دنيز.
لم يجدها في غرفتهما.
بحث في غرفة الجلوس، ثم المطبخ، ثم مرّ على الغرف واحدة تلو الأخرى.
حتى قادته خطواته إلى غرفة صغيرة في آخر الممر.
فتح الباب بهدوء.
وتوقف.
كأن الزمن توقف معه.
كان المشهد أمامه بسيطًا جدًا...
لكنه حفر نفسه في ذاكرته إلى الأبد.
كان أمير نائمًا بعمق، وقد التصق بجسد دنيز، متشبثًا بها بذراعه وكأنه يخشى أن يستيقظ فلا يجدها.
أما دنيز فكانت نائمة إلى جواره، وقد غلبها التعب.
وبجانبها كانت نور نائمة بهدوء داخل حاملة الأطفال المحمولة الخاصة بها، وقد استسلمت الصغيرة للنوم بعد يوم طويل.
ظل فؤاد واقفًا عند الباب للحظات.
لم يستطع أن يبعد عينيه عنهم.
شعر بشيء دافئ يعبر قلبه رغم التعب الذي أنهكه.
في تلك اللحظة، فهم شيئًا لم يكن يحتاج إلى كلمات.
لم تكن دنيز تحاول أن تكون أمًا لطفليه...
لقد أصبحت بالفعل كذلك.
نظر إلى أمير، ثم إلى نور، ثم عاد ببصره إلى دنيز.
وشعر لأول مرة منذ وفاة زوجته أن الله لم يترك طفليه وحيدين.
بل أرسل إليهما امرأة تمنحهما الحب والحنان والعطف الذي يحتاجانه.
ربما لم تأتِ دنيز إلى هذا البيت وهي تحمل طفلًا بين ذراعيها...
لكنها أصبحت أمًا لهما بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
ابتسم فؤاد، ومسح بيده على وجهه متأثرًا.
ثم اقترب أولًا من نور.
حملها برفق من داخل حاملة الأطفال، وضمها إلى صدره، ثم سار بها إلى الغرفة الصغيرة التي أعدها لها.
وضعها في سريرها، وسحب الغطاء فوق جسدها الصغير، ثم طبع قبلة على جبينها.
عاد بعدها إلى الغرفة.
توقف لحظة أمام أمير ودنيز.
كان أمير لا يزال متشبثًا بها، وكأنه وجد في وجودها أمانًا افتقده منذ رحيل أمه.
ابتسم فؤاد بحنان.
ثم اقترب وحمل دنيز برفق.
كانت خفيفة بين ذراعيه، غارقة في نوم عميق من شدة التعب.
لم تستيقظ.
خرج بها من الغرفة، واتجه نحو غرفتهما.
وطوال الطريق، ظل ينظر إلى وجهها.
كانت المرة الأولى التي يحمل فيها زوجته بين ذراعيه بهذا الشكل.
وربما كانت المرة الأولى التي يشعر فيها أنه يريد أن يحمل عنها شيئًا من التعب الذي حملته طوال الأشهر الماضية.
دخل غرفتهما، ثم وضعها برفق على السرير.
وما إن لامس جسدها الفراش حتى تحركت قليلًا، وفتحت عينيها بصعوبة.
نظرت حولها للحظات، وكأنها لا تعرف أين هي.
ثم وقعت عيناها على فؤاد.
قالت بصوت خافت يغلبه النعاس:
دنيز: فؤاد...؟
ابتسم لها.
فؤاد: نعم.
رفعت رأسها قليلًا، ثم أدركت أنها في غرفتهما.
نظرت إلى السرير من حولها، ثم عادت إليه باستغراب.
دنيز: كيف جئت إلى هنا؟.
جلس إلى جوارها، وقال بهدوء:
فؤاد: وجدتك نائمة بجوار أمير.
صمتت لحظة، ثم سألت:
دنيز: ونور؟.
فؤاد: نائمة في غرفتها.
تنفست دنيز براحة، ثم همّت بالعودة إلى الغرفة الصغيرة.
دنيز: سأذهب إليها...
أمسك فؤاد يدها برفق.
فؤاد: لا.
نظرت إليه.
دنيز: لماذا؟.
قال وهو يبتسم:
فؤاد: لأن هذه غرفتك.
سكتت.
لم تعرف ماذا تقول.
ثم أضاف:
فؤاد: ومن اليوم، لا أريدك أن تنامي في غرفة نور.
اتسعت عيناها قليلًا.
دنيز: لكنها تحتاجني...
فؤاد: وهي ستظل تحتاجك، وسنذهب إليها كلما احتاجتنا.
ثم نظر إليها للحظات قبل أن يقول بصوت أكثر دفئًا:
فؤاد: لكنك زوجتي، وهذه غرفتنا.
ارتجف شيء في قلبها عند سماع كلماته.
فمنذ أن دخلت هذا المنزل، لم تشعر يومًا أنها زوجة بالمعنى الحقيقي للكلمة.
كانت قد جاءت وهي تحمل هدفًا واحدًا في قلبها...
أن تمنح طفلين فقدا أمهما ما تستطيع من الحنان.
أما الآن، وللمرة الأولى، شعرت أن فؤاد لا يراها مجرد امرأة جاءت لتعتني بطفليه.
بل يراها زوجته.
شعرت بالدموع تلمع في عينيها.
ابتسمت بخجل، ثم أراحت رأسها على الوسادة.
أما فؤاد، فبقي ينظر إليها لحظات، وقد امتلأ قلبه بامتنان عميق.
لقد أدرك في تلك الليلة أن الله لم يرسل دنيز إلى حياة طفليه فقط...
بل أرسلها إلى حياته هو أيضًا.
وكانت تلك...
أول ليلة تنام فيها دنيز على سريرهما منذ زواجهما.
وأول ليلة يشعر فيها فؤاد أن زواجهما لم يعد مجرد اتفاق جمع بين رجل وامرأة...
بل أصبح بيتًا حقيقيًا، وأسرة حقيقية، وحبًا بدأ ينمو بهدوء بينهما، من حيث لم يتوقع أيٌّ منهما.

مرّت الأيام سريعًا، حتى جاء اليوم الذي كانت ديلان وباران ينتظرانه بقلوب يملؤها الشوق والخوف معًا.
كان الليل لا يزال ساكنًا، والبيت غارقًا في هدوء عميق، حين بدأت ديلان تشعر بألم خفيف في أسفل بطنها.
فتحت عينيها ببطء، وأخذت نفسًا عميقًا وهي تضع يدها على بطنها المنتفخ.
كان الألم محتملًا.
انتظرت قليلًا، ثم اختفى.
تنفست براحة، وأغمضت عينيها من جديد.
لكن بعد فترة قصيرة عاد الألم.
هذه المرة كان أقوى قليلًا.
تحركت فوق الفراش بحثًا عن وضعية أكثر راحة، ثم عادت إلى النوم.
كانت الطبيبة قد أخبرتهما منذ أيام أن هذا الأسبوع هو الموعد المتوقع للولادة، وأن الولادة قد تبدأ في أي لحظة، لذلك لم تكن ديلان تريد أن تقلق باران بسبب ألم ظنت أنه مجرد انقباضات عابرة.
لكن الألم لم يختفِ.
بل بدأ يعود على فترات متقاربة.
ومع كل مرة، كانت ديلان تضغط على شفتيها وتحاول أن تتحمله بصمت.
إلى أن تحرك جسدها مرة أخرى بعنف فوق السرير، فاستيقظ باران.
فتح عينيه مذعورًا، والتفت إليها بسرعة.
باران: ديلان؟.
لم تجبه فورًا.
كانت جالسة على طرف السرير، وقد وضعت إحدى يديها على بطنها، بينما تستند بالأخرى إلى الفراش.
لاحظ شحوب وجهها، وعقدة القلق التي ظهرت بين حاجبيها.
نهض فورًا.
باران: ما بكِ؟.
رفعت عينيها إليه وقالت بصوت متقطع:
ديلان: أشعر ببعض الألم...
اقترب منها أكثر.
باران: منذ متى؟.
ديلان: منذ فترة... لكنه ليس شديدًا.
نظر إليها بقلق.
باران: لماذا لم توقظيني؟.
ابتسمت محاولة طمأنته.
ديلان: لأنني ظننت أنه مجرد ألم عابر، وسيختفي كما حدث في المرات السابقة.
جلس أمامها، وأمسك يدها.
باران: ديلان، الطبيبة أخبرتنا أن هذا الأسبوع هو أسبوع ولادتك، وأنهما قد يقرران المجيء في أي لحظة.
ثم نظر إلى بطنها، قبل أن يعود ببصره إليها.
باران: لذلك يجب أن نذهب إلى المستشفى.
هزت رأسها نافية.
ديلان: باران، حقًا... لا داعي للقلق، ربما يكون مجرد ألم وسيمر.
وقبل أن يكمل حديثه، شعرت بانقباض جديد.
توقفت كلماتها فجأة.
شدّت أصابعها على يده.
ديلات: آه...
نظر إليها باران بقلق متزايد.
باران: ماذا حدث؟.
أغمضت عينيها، وانتظرت حتى هدأ الألم.
ثم قالت:
ديلان: عاد مجددا.
باران: وهل هو أقوى؟.
ترددت قليلًا قبل أن تجيب:
ديلان: قليلًا.
وقف باران بسرعة.
باران: إذن سنذهب.
ديلان: باران...
باران: لا جدال.
ثم انحنى أمامها، ووضع يديه على كتفيها.
باران: لن أنتظر حتى يصبح الألم شديدًا، أريد أن تكوني تحت إشراف الطبيبة.
نظرت إليه، فرأت الخوف واضحًا في عينيه رغم محاولته إخفاءه.
فابتسمت رغم تعبها.
ديلان: أنت خائف أكثر مني.
ابتسم ابتسامة متوترة.
باران: طبعًا أنا خائف.
ثم وضع يده على بطنها برفق.
باران: هناك ثلاثة أشخاص مهمون جدًا بالنسبة إليّ هنا.
ضحكت بخفة رغم الألم.
ديلان: ثلاثة؟.
باران: أنتِ واثنان لا أراهما بعد.
ثم أضاف:
باران: ولا أريد أن أخسر ثانية واحدة وأنا بعيد عنكم.
لم تمر سوى دقائق حتى كان باران قد جهز كل شيء.
أخذ حقيبة المستشفى التي كانت ديلان قد أعدتها منذ أسابيع، وتأكد من وجود أوراقها وكل ما قد تحتاج إليه.
أما ديلان فكانت تتحرك ببطء.
كلما حاولت أن تستقيم، جاءها انقباض جديد يجبرها على التوقف.
ثم انحنى أمامها ومد ذراعيه محاولًا حملها.
اتسعت عينا ديلان، وسرعان ما وضعت يدها على كتفه تمنعه.
ديلان: ماذا تفعل؟، قالتها بنبرة خائفة..
اجابها باران بكل بساطة..
باران: سأحملك.
ردت عليه بذهول..
ديلان: تحملني؟!.
نظر إليها قائلا....
باران: نعم، فأنت لا تستطيعين المشي من شدة الألم.
حدقت فيه ديلان لحظات، ثم قالت بجدية:
ديلان: وهل تستطيع أنت أن تنزل بي أربعة طوابق وأنت تحملني؟.
توقف باران،
اخذ ينظر إليها،
ثم نظر إلى ذراعيه.
ثم عاد ينظر إليها.
باران: أربعة طوابق؟، قالها مستدركا...
فردت عليه ديلان...
ديلان: نعم.
باران: آه.. صحيح...
قالها وكأنه اكتشف لتوه أن منزلهما ليس في الطابق الأرضي.
مسح بيد على مأخرة رأسه، ثم اقترب منها باران فورًا وقال.
باران: اتكئي عليّ.
وضعت يدها في يده، ثم قالت وهي تحاول التنفس بانتظام:
ديلان: لا أريد أن أخيفك.
نظر إليها بحنان.
باران: وأنا لا أريدك أن تخافي وحدك.
ساعدها على ارتداء عبائتها، بعد عدة محاولات، حيث لم يكن منتبه من اي جهة تلبس، وحتى بدات ديلان تصرخ عليه ثم سحبتها من يده ولبستها، وساعدها هو هو يضحك على نفسه، عندها قالت له ديلان...
ديلان: باران انت توترني وكانك انت من ستلد.
إقترب منها وقبل راسها قائلا..
باران: اعذريني يا ديلان فانا متوتر جدا، خغسنا ساحاول ان اتحكم في توتري هيا لنذهب.
 ثم حمل الحقيبة بيد، وأمسك يدها بالأخرى.
وقبل أن يغادرا، توقفت ديلان للحظة أمام باب الشقة.
وضعت يدها على بطنها.
ديلان: هل تصدق أنني سأراهما اليوم؟.
اقترب باران منها.
باران: إن شاء الله.
ثم ابتسم.
باران: أخيرًا سأعرف كيف سيبدوان.
نظرت إليه ديلان بعينين دامعتين.
ديلان: وأنا خائفة.
تغيرت ملامحه فورًا.
باران: من ماذا؟.
ديلان: من الولادة...
نظر إليها وقال بنبرة مهزوزة..
باران: ديلان تذكري فقط تعليمات الطبيبة...
ثم ابتلعت ريقها وأكملت.
ديلان: ومن أن يحدث شيء لهما... أو لي.
اقترب منها، وأمسك وجهها بين يديه.
باران: لا تقولي ذلك.
ديلان: لكنني خائفة.
باران: وأنا أيضًا.
نظرت له ديلان وقالت. 
ديلان: ولماذا ؟وهل انت من ستلد؟.
إبتسم باران وهو يفرك مأخرة راسه، ثم قبل جبينها وقال.
بارات: لكننا سنذهب، وستكون الطبيبة معك، وسأبقى هناك حتى تخرجي إليّ أنت وهما بخير.
هزت رأسها، ثم تشبثت بيده.
ديلان: لا تتركني.
بارات: لن أفعل، لكن لايمكنني ان ادخل لغرفة الولادة.
نظرت له ديلان وقالت..
ديلان: وانا لا اريدك معي بالغرفة، فستوترني اكثر ولن اركز مع الطبيبة حينها.
ضمها أليه ثم امسك يدها، بعد ان حمل الحقيبة باليد الاخرى، ثم نزلا الدرج ببطئ، حيث كانت ديلان تتكئ عليه، فتح لها باب السيارة لتركب ديلان اولا، ثم يضع الحقيبة بالمقعد الخلفي للسيارة، ثم ياخذ هو مكانه خلف عجلة القيادة، لينطلق بإتجاه المستشفى، حيث كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل.
في الطريق إلى المستشفى، كانت ديلان تجلس إلى جواره، تحاول السيطرة على أنفاسها.
كان باران يقود السيارة، لكنه كل بضع ثوانٍ كان يلتفت إليها.
باران: كيف الآن؟
ديلان: بخير.
باران: هل اشتد الألم؟.
ديلان: قليلًا.
وبعد دقائق:
باران: الآن؟.
أجابته وهي تبتسم رغم الإرهاق:
ديلان: باران، لقد سألتني امثر من مرة، باران انت تنظر الي اكثر من أن تنظر إلى الطريق، ارجوك ركز والا تعرضنا لحادث.
ضحك باران بتوتر.
باران: حسنًا.
وبعد لحظات عاد يسأل:
باران: لكن هل أنت بخير؟.
نظرت إليه وضحكت.
ديلان: قلت لك نعم.
ثم جاءت موجة ألم جديدة.
تغير وجهها فجأة، وأمسكت بيده التي كانت على ناقل الحركة.
ديلان: باران...
ضغط على يدها وقال.
باران: ديلان  لكن لايمكنني القيادة هكذا انزعي يدك. 
عندما توقفت تلك الانقراضات، فتحت ديلان عينيها وسحبت يدها من فوق محول السرعة، نظر لها مرة اخرى وقال..
باران: أنا هنا.
كانت تتنفس بسرعة، بينما يحاول هو أن يخفي ارتجاف صوته.
باران: خذي نفسًا عميقًا... هكذا... ببطء.
وبعد دقائق انحسر الألم.
أراحت رأسها إلى المقعد وأغمضت عينيها.
ديلان: أظن أن الأمر بدأ فعلًا.
نظر إليها باران.
باران: هل ستلدين الآن..
نظرت ديلان بعينين غاضبتين.
فلم يجد ما يقوله.
فقط شد قبضته على يدها، وكأنه يستطيع أن ينقل إليها من يده شيئًا من قوته.
ما إن وصلا إلى المستشفى حتى أسرع باران بطلب المساعدة.
كانت ديلان تتكئ عليه، وقد أصبحت الانقباضات أكثر قوة وانتظامًا.
دخلت الطبيبة لفحصها، وبعد دقائق عادت إلى باران بابتسامة هادئة.
باران: يبدو أن موعدنا قد حان.
نظر إليها باران وكأن الكلمات احتاجت لحظة حتى تصل إليه.
باران: هل... حان الوقت؟.
أومأت الطبيبة.
الطبيبة: نعم، ديلان في مرحلة المخاض، وسنبدأ الاستعداد للولادة.
اقترب باران من ديلان، التي كانت تحاول السيطرة على خوفها.
أمسك يدها.
باران: سمعتِها؟.
هزت رأسها.
ديلان: نعم.
ابتسمت، لكن عينيها امتلأتا بالدموع.
ديلان: أنا خائفة يا باران.
انحنى وقبّل جبينها.
باران: وأنا هنا.
ديلان: لا أريدك أن تبتعد.
باران: سأكون أول شخص تنتظرينه عندما تخرجين.
شدت على يده.
ديلان: وعد؟.
باران: وعد.
ثم اقترب أكثر وهمس:
باران: وسأنتظر طفلينا أيضًا.
ابتسمت وسط دموعها.
ديلان: طفلينا...
كانت الكلمة وحدها كافية لتجعل قلبها يرتجف.
بعد أشهر طويلة من الانتظار، أصبحت اللحظة قريبة جدًا.
نُقلت ديلان إلى غرفة الولادة.
وقبل أن يغلق الباب، التفتت إليه.
كان باران واقفًا في الخارج، ممسكًا بيدها حتى اللحظة الأخيرة.
ديلان: أحبك.
قالتها بصوت خافت.
ابتسم لها رغم القلق الذي يخنقه.
باران: وأنا أحبك أكثر مما تتخيلين.
ثم أُغلق الباب.
وبقي باران وحده في الممر.
للمرة الأولى منذ بداية كل شيء، لم يكن يستطيع فعل شيء.
لا يستطيع أن يحمل ألمها.
لا يستطيع أن يخفف عنها.
لا يستطيع حتى أن يعرف ما يحدث في الداخل.
كل ما يستطيع فعله هو الانتظار.
أخرج هاتفه واتصل بعائلته.
باران: أبي... أمي...
جاءه صوت أمه سريعًا:
باران: ماذا حدث يا بني؟.
أخذ نفسًا عميقًا.
باران: ديلان دخلت غرفة الولادة.
ساد الصمت للحظة.
ثم تعالت أصوات الفرح والدعاء من الطرف الآخر.
عائشة: سنأتي فورًا!
أغلق باران الهاتف، ثم جلس.
لكن لم تمر سوى دقائق حتى نهض من جديد.
جلس.
ثم نهض.
كان يتحرك في الممر بلا هدف، وكأن جسده عاجز عن الاستقرار.
كلما سمع صوتًا من خلف الباب، التفت بسرعة.
وكلما مرّت ممرضة، وقف يسألها بعينيه قبل أن يسألها بصوته.
ثم وصل والداه تباعًا، وبعدهما بقية أفراد العائلة.
احتضنته عائشة بقوة.
عائشة: ستكون بخير يا بني.
أومأ، لكنه لم يجب.
كان قلبه مع ديلان.
مع المرأة التي أحبها، والتي كانت الآن تخوض أصعب لحظات حياتها.
مرت الدقائق بطيئة.
ثم مرّت ساعة.
ثم أخرى.
وبدأت مشاعر القلق تتداخل مع الشوق.
كان الجميع يدعو، بينما ظل باران يحدق في باب غرفة الولادة.
حتى همس في نفسه:
باران: يا رب... احفظها لي واحفظهما لها.
وفي الداخل، كانت ديلان تعيش عالمًا آخر.
كان الألم يزداد، والمخاض يشتد.
كانت تمسك بيد الطبيبة وتتنفس كما أرشدتها، ثم تطلق أنفاسًا متقطعة كلما اشتدت الانقباضات.
تذكرت باران.
تذكرت وعده.
وتذكرت أنها لن تخرج من هذه الغرفة وحدها.
ستخرج ومعها طفلان.
كانت الدموع تنزل من عينيها رغم محاولتها التماسك.
وفي لحظة الألم الشديد، همست:
ديلان: يا رب...
ثم أغمضت عينيها.
ديلان: احفظهما لي.
وبعد وقت طويل بدا لها وكأنه عمر كامل...
انطلقت أول صرخة.
ثم عادت الالام من جديد، ورحلة جديد من الالم والترقب،
ثم تلتها أخرى.
توقفت ديلان لحظة، وكأن قلبها هو الذي توقف.
دموعها انهمرت دون أن تشعر.
لقد سمعت صوتهما.
طفلاها...
كانا هنا.
في الخارج، كان باران واقفًا عندما فُتح الباب أخيرًا.
خرجت الممرضة وهي تحمل طفلين صغيرين بين ذراعيها.
توقف باران مكانه.
نظر إليهما غير مصدق.
ثم اقترب ببطء.
باران: ديلان؟.
أجابته الممرضة بابتسامة:
الممرضة: بخير، وستُنقل إلى الغرفة بعد قليل.
تنفس باران بعمق، وكأن روحه عادت إلى جسده.
ثم نظر إلى الطفلين.
كانا صغيرين للغاية...
هادئين، ملفوفين بعناية، وكأنهما يحملان بين ملامحهما كل الأحلام التي عاشها مع ديلان طوال الأشهر الماضية.
قال بصوت مرتجف:
باران: هل... هما بخير؟.
الممرضة: بخير تمامًا.
مد يديه.
ناولته الممرضة الطفل الأول، ثم الثاني.
فحملهما باران، واحدًا على كل ذراع.
نظر إلى وجهيهما، وشعر بعينيه تمتلئان بالدموع.
ضحك وسط بكائه.
باران: أخيرًا...
ثم همس:
باران: أهلًا بكما يا صغيريّ.
اقتربت عائلته منه، وامتلأ الممر بالتهاني والدموع والدعوات.
عائشة وضعت يدها على فمها وهي تبكي من شدة الفرح، ثم تتاولت احدهما.
أما عزت فاقترب من ابنه، ووضع يده على كتفه.
عزت: مبارك يا بني.
نظر باران إلى طفليه، ثم إلى والديه.
لكنه لم يستطع أن يمنع نفسه من السؤال:
باران: وديلان؟.
وفي اللحظة نفسها خرجت الطبيبة.
ابتسمت وقالت:
الطبيبة: لا تقلق، ديلان بخير، وكل شيء مرّ على ما يرام. ستُنقل الآن إلى غرفتها، ويمكنكم رؤيتها بعد أن تستقر حالتها، فقد تعبت كثيرا.
أغمض باران عينيه للحظة، وخرجت من صدره زفرة طويلة.
ثم نظر إلى الطفلين بين ذراعيه.
باران: الحمد لله...
اقتربت العائلة منه، وبدأت التهاني والمباركات.
لكن باران لم يكن يسمع شيئًا سوى صوت قلبه.
كان يريد ديلان.
يريد أن يطمئن عليها بعينيه.
يريد أن يخبرها أن طفلَيها بخير.
وأنها أصبحت أمًا.
وبعد قليل، حين نُقلت ديلان إلى غرفتها، دخل باران إليها.
كانت متعبة، شاحبة، لكن عينيها كانتا تلمعان بسعادة لم يرَ مثلها من قبل.
اقترب منها.
جلس إلى جوارها، ثم أمسك يدها وقبّلها.
باران: كيف أنتِ؟.
ابتسمت بصعوبة.
ديلان: بخير.
ثم نظرت خلفه.
ديلان: أين هما؟.
ضحك باران، ودموعه تلمع في عينيه.
باران: ينتظران أمّهما.
اقترب بالمهدين الصغيرين منها.
نظرت إليهما طويلًا، ثم سالت دموعها.
مدت يدها نحوهما.
ديلان: أريد أن أراهما...
وضع باران أحد الطفلين بالقرب منها، ثم الآخر.
كانت تنظر إليهما وكأنها لا تصدق أن الرحلة الطويلة انتهت أخيرًا.
قال باران وهو يجلس إلى جوارها:
باران: هل تعلمين أنني اخترت لهما اسمين؟.
نظرت إليه باستغراب.
ديلان: اخترتهما أنت؟.
ابتسم.
باران: بل أنا وأنت إخترناهما من قبل.
ثم نظر إلى الطفلين.
باران: هذا مراد...
توقفت أنفاس ديلان للحظة.
ثم انتقلت عيناها إلى الطفل الآخر.
باران: وهذا سعيد.
ارتجفت شفتاها.
مراد...
اسم أخيه الذي رحل تاركًا خلفه جرحًا عميقًا في قلبهما.
وسعيد...
اسم والدها الراحل، الرجل الذي لم يكن حاضرًا ليرى ابنته وهي تحمل طفلَيها بين ذراعيها.
وضعت ديلان يدها على وجهها، وانهمرت دموعها.
أما باران، فأمسك يدها.
باران: أردت أن يبقيا معنا بطريقة أخرى.
نظرت إليه من بين دموعها.
ديلان: أجمل اسمين...
ثم أضافت بصوت متهدج:
ديلان: مراد وسعيد...
اقترب باران منها، وقبّل جبينها.
باران: أهلاً بكما في عالمنا، يا مراد وسعيد.
وفي تلك اللحظة، لم تعد الغرفة تتسع لشيء سوى الحب.
حب امرأة أصبحت أمًا.
ورجل أصبح أبًا.
وطفلين جاءا إلى الدنيا يحملان اسمي رجلين رحلا، لكن ذكراهما بقيت حيّة في قلوب من أحبهما.
وخارج الغرفة، كانت العائلة تضحك وتبكي وتدعو.
أما في الداخل...
فكان باران وديلان ينظران إلى طفليهما، وقد أدركا أن أجمل فصول حياتهما لم يبدأ يوم التقيا...
بل بدأ في تلك اللحظة التي حمل فيها كل منهما طفلًا، وشعرا أن الله أتمّ نعمته عليهما.
لقد أصبحا أربعة.
وأصبح للحب الذي جمعهما الآن...
ثمرة، وجهٌ صغير، واسمٌ، ونبضان جديدان.

الخاتمة — وبعد الصبر عوض
بعد عشر سنوات...
مرّت عشر سنوات كاملة منذ تلك الأيام التي ظنّ أبطال هذه الحكاية فيها أن حياتهم لن تعرف الهدوء من جديد.
عشر سنوات حملت معها الكثير من الألم، والكثير من الدموع، لكنها حملت أيضًا ما هو أجمل...
حملت العوض.
في بيت باران وديلان، لم يعد الهدوء كما كان يومًا.
فقد امتلأ المنزل بأصوات الأطفال وضحكاتهم ومشاجراتهم الصغيرة، وأصبح لكل زاوية فيه حكاية، ولكل غرفة ذكرى.
كان مراد وسعيد قد بلغا العاشرة من العمر.
توأمان متشابهان في الملامح، مختلفان في الطباع، لكنهما متفقان في شيء واحد...
حب والدتهما ديلان.
كان مراد أكثر هدوءًا واتزانًا، بينما كان سعيد أكثر حركة ومشاكسة، حتى إن باران كان يقول أحيانًا:
باران: لا أفهم كيف استطاعت ديلان أن تنجب توأمًا، ثم تمنحني بعدهما طفلين آخرين!.
فتجيبه ديلان ضاحكة:
ديلان: بل أنت من قلت إنك تريد بيتًا ممتلئًا بالأطفال.
فيتنهد باران متظاهرًا بالندم:
باران: كنت أتكلم عن المستقبل، ولم أتوقع أن المستقبل سيأتي بهذه السرعة!.
أما عائشة، ابنة السنوات الست، فكانت لا تزال تتصرف وكأنها صاحبة القرار في المنزل كله.
كانت تحب والدها بشدة، لكنها كانت متعلقة بأمها أكثر، ولا تكاد تفارقها.
أما آخر العنقود، الصغيرة جود، فقد كانت تبلغ عامها الثاني، وكانت أشدهم تعلقًا بباران.
يكفي أن تراه يدخل من الباب حتى تمد ذراعيها نحوه وهي تناديه بفرح:
باران: بابا!...
فيترك كل ما بيده ويحملها، مهما كان مشغولًا.
وكان مراد وسعيد يتعمدان أحيانًا استفزازه قائلين:
سعيد ومراد: نحن كنا أولادك قبلها!.
فيجيب باران:
باران: أعرف، ولهذا لديكم عشر سنوات من الخبرة في إزعاجي.
فتتعالى ضحكاتهم، بينما تراقبهم ديلان من بعيد وقلبها يمتلئ بحمد الله.
كانت تنظر أحيانًا إلى أطفالها الأربعة، ثم إلى باران، فتتذكر كل ما مرّت به.
تتذكر الخوف...
والفقد...
والاتهامات...
والأيام التي ظنت فيها أن قلبها لن يعرف الطمأنينة مرة أخرى.
ثم تنظر إلى حاضرها،
فتدرك أن الله كان يدبر لها شيئًا أكبر مما استطاعت أن تراه في أشد أيامها ظلمة.
كان مراد وسعيد يركضان في أرجاء المنزل، وعائشة تلاحقهما، بينما كانت جود تجلس بين ذراعي والدها تعبث بأزرار قميصه.
اقتربت ديلان منهم، فضحك باران وقال:
باران: انظري إلى ما فعلتِ بي.
ديلان: ماذا فعلت؟.
باران: أعطيتني أربعة أطفال.
ابتسمت.
ديلان: بل أعطيتك أربعة أسباب لتشكر الله كل يوم.
نظر إليها طويلًا، ثم ابتسم.
باران: وهذا ما أفعله، ثم قبل راسها وهو يختضنها باليد الأخرى.

أما دنيز...
فقد كانت قصتها واحدة من أكثر القصص التي تغيّرت مع مرور السنوات.
لم تعد تلك المرأة التي عرفها الجميع في بداية الحكاية.
تغيرت ملامحها، نعم، لكن التغيير الحقيقي كان في قلبها.
أصبحت أكثر هدوءًا، وأكثر قربًا من الله، وأكثر امتنانًا لكل نعمة تحيط بها.
كانت تعيش الآن حياة لم تكن تتخيل يومًا أنها ستصل إليها.
كانت زوجة محبة، وأمًا حقيقية لأطفال فؤاد.
أما أمير، فقد أصبح شابًا في العشرين من عمره، يدرس الطب، ويحلم بأن يصبح طبيبًا جراحًا.
وكانت دنيز تفخر به كما لو أنها حملته بين ذراعيها يوم ولادته.
كانت تقول له دائمًا:
دنيز: لا يهمني كم ستنجح في عملك، بقدر ما يهمني أن تبقى الطفل الطيب الذي عرفته.
فيبتسم أمير ويجيب:
أمير: وأنتِ من علمتِني ذلك يا أمي.
وكانت تلك الكلمة وحدها تكفي لتجعل قلب دنيز يمتلئ بالامتنان.
أما نور، تلك الطفلة التي دخلت حياتها ذات يوم وهي رضيعة فقدت أمها في اللحظة التي منحتها فيها الحياة، فقد أصبحت الآن في العاشرة من عمرها.
كبرت نور وهي لا تعرف أمًا غير دنيز.
كانت تناديها:
نور: أمي.
وكانت دنيز في كل مرة تسمعها تشعر أن الله قد وضع في قلبها جبرًا لا يشبه أي جبر آخر.
لم تنسَ طفلها الذي فقدته.
ولم تحاول يومًا أن تعتبر نور بديلًا عنه.
لكنها أدركت أن الله قد منحها فرصة أخرى للحب، وأن الأمومة ليست دائمًا دمًا وولادة...
أحيانًا تكون حضنًا لا يرحل.
وصبرًا لا ينفد.
وقلبًا يختار طفلًا كل يوم، وكأنه اختاره للمرة الأولى.
وكان بيت فؤاد ودنيز يضم أيضًا أمير ونور، وقد أصبحا أسرة متماسكة، يتقاسم أفرادها أفراحهم وأحزانهم، حتى إن من يراهم لم يكن يتخيل أن تلك العائلة بدأت ذات يوم من مأساة وفقد.
أما عائلة هازان، فقد مضت السنوات بهم أيضًا.
كبرت ملك وأصبحت صبية في السادسة عشرة من عمرها، وأصبح مراد في الحادية عشرة، بينما كان طفلهما الصغير قد بلغ الخامسة.
كانت العائلة قد عاشت سنوات مليئة بالمناسبات والضحكات والتغيرات التي تأتي بها الحياة.
أما روني، فقد أصبح أبًا لطفلين.
كانت ابنته تبلغ الثامنة من عمرها، بينما كان ابنه الصغير قد بلغ الثالثة.
وكان البيت الذي بدأ يومًا بالتجهيز لاستقبال عروس جديدة، يمتلئ الآن بأصوات طفلين يركضان بين الغرف.
وفي أحد الأيام، اجتمعت العائلة الكبيرة من جديد.
ضحكات الأطفال ملأت المكان.
مراد وسعيد يتجادلان حول لعبة.
عائشة تحاول إقناع نور باللعب معها.
جود تجلس في حضن باران، بينما كان أمير يتحدث مع فؤاد عن دراسته في الطب.
أما دنيز فكانت تجلس إلى جوار ديلان، تراقب الأطفال بابتسامة.
تبادلت المرأتان نظرة طويلة.
كان بينهما تاريخ لا يحتاج إلى كلمات.
قالت دنيز بهدوء:
دنيز: هل تصدقين أننا وصلنا إلى هنا؟
ابتسمت ديلان.
ديلان: أحيانًا لا أصدق أنا أيضًا.
نظرت دنيز إلى الأطفال.
دنيز: كل هذا بدأ بأشياء ظننا أنها نهايات.
أومأت ديلان.
ديلان: لكن الله كان يكتب لنا بدايات أخرى.
وفي تلك اللحظة، ارتفع صوت أحد الأطفال بالضحك، فضحكتا معًا.
كان المشهد بسيطًا...
عائلة مجتمعة.
أطفال يركضون.
أمهات يراقبنهم.
آباء يتبادلون الحديث.
وحياة تبدو عادية جدًا لمن يراها من الخارج.
لكن خلف تلك الحياة كانت هناك حكايات من الألم، والخوف، والندم، والفقد، والصبر، والتوبة، والغفران.
حكايات لم يكن أحد منهم لينسى تفاصيلها.
لقد تعلّموا جميعًا أن الحياة لا تسير دائمًا كما نريد.
قد يُؤخذ منا شيء نحبه، وقد نُظلم، وقد نُتهم بما لم نفعله، وقد نمر بأيام نظن فيها أن الحياة قد أغلقت أمامنا كل الأبواب.
لكن بابًا واحدًا يبقى مفتوحا...
باب الله.
فبعد كل صبر على ابتلاء، قد يأتي عوض لم يكن الإنسان يتخيله.
وبعد كل دمعة قد تأتي ضحكة تمحو أثرها.
وبعد كل فقد قد يمنح الله الإنسان شيئًا جديدًا، لا ليجعله ينسى ما فقد، بل ليعلمه أن الحياة ما زالت تحمل له خيرًا.
وتعلموا أيضًا أن الظلم مهما طال، ومهما ظن صاحبه أنه أفلت من الحساب، فإن للظلم نهاية، وللحقوق ربًا لا تضيع عنده الحقوق.
قد يتأخر العدل في أعين البشر...
لكنه لا يغيب عن عدل الله.
وتعلموا أن الإنسان ليس أسيرًا لأخطائه إلى الأبد.
فمن أدرك خطأه، وندم عليه، وترك طريق الظلم، وعاد إلى ربه صادقًا، واستغفره وتاب إليه، فإن باب الرحمة لا يُغلق في وجهه.
وقد يكون العوض الذي يأتيه بعد توبته أعظم مما كان يتصور.
أما ديلان...
فقد وقفت في نهاية ذلك اليوم عند نافذة منزلها، تراقب أطفالها وهم يلعبون في الحديقة.
اقترب منها باران من الخلف، ووضع يديه حول كتفيها.
قال:
باران: بماذا تفكرين؟.
ابتسمت وهي تنظر إلى أطفالها.
ديلان: أفكر في كل ما مررنا به.
باران: وهل ندمت؟.
التفتت إليه.
ديلان: على الألم؟ نعم، أتمنى لو لم نعرفه.
ثم ابتسمت.
ديلان: لكنني لم أندم على الطريق الذي قادني إليك.
نظر إليها باران بحب.
باران: وأنا لا أندم على أي شيء قادني إليك.
سكتت لحظة، ثم قالت:
ديلان: ربما لم نفهم في ذلك الوقت لماذا حدث كل شيء.
باران: لكننا نفهم الآن.
نظرت إلى أطفالها.
ديلان: نعم...
ثم رفعت عينيها إلى السماء.
ديلان: لأن الله كان يكتب لنا ما هو أجمل.
أمسك باران يدها.
وفي تلك اللحظة، ركض مراد وسعيد نحو والدهما، وتبعتهما عائشة، بينما بدأت جود بالبكاء لأنها أرادت النزول من بين ذراعي أمها.
فضحك الجميع.
احتضنت ديلان أطفالها، بينما وقف باران إلى جوارها.
وفي وسط تلك الضوضاء الجميلة، أدركا أن أجمل ما في قصتهما لم يكن أنها خلت من الألم...
بل أنها أثبتت أن الألم ليس دائمًا النهاية.
فقد يكون وراءه عوض.
ووراء الصبر جبر.
ووراء التوبة مغفرة.
ووراء الظلم عدل.
ووراء كل باب أُغلق في وجه الإنسان، قد يفتح الله له بابًا لم يكن يعرف حتى أنه موجود.
وهكذا انتهت الحكاية...
لا لأن الحياة توقفت عند لحظة سعيدة، بل لأن أبطالها تعلموا كيف يعيشون ما بعدها.
تعلموا أن يحبوا دون خوف، وأن يسامحوا دون أن ينسوا الدروس، وأن يتركوا الماضي في مكانه، وأن يثقوا بأن تدبير الله، وإن تأخر فهمه، يحمل في طياته حكمة لا يراها الإنسان إلا بعد أن يصل إلى نهاية الطريق.
وفي ذلك البيت الذي امتلأ يومًا بالصمت والجراح...
كانت الآن أصوات الأطفال تملأ أرجاءه.
وكانت ديلان تبتسم.
وكان باران إلى جوارها.
وكانت عائلتهم تكبر يومًا بعد يوم.
وبينما كانت الشمس تميل إلى الغروب، قالت ديلان في سرها:
"الحمد لله على كل ما ظننّاه يومًا شرًا، ثم اكتشفنا أنه كان الطريق إلى أجمل ما في حياتنا."
            تمت بحمد الله 
لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>