
رواية حب تحت الرماد الفصل الخامس والعشرون25 والسادس والعشرون26 بقلم رباب حسين
ربما نجا القلب من الطعنة الأولى حتى وإن كانت قاسية إلى حد الإختناق؛ فما بال الطعنة الثانية! كانت غزل لا تزال تتذكر تلك الصورة التي أنهت كل شيء بينها وبين جواد؛ حين رأته واقفًا بجانب صديقتها ويعلنان زواجهما. تلك الذكرى التي ظلت تطاردها حتى بمنامها حتى أنهكت روحها. لم تكن تعلم أنها على موعد مع تلك الذكرى مجددًا.
فحين استيقظت وجلست بفراشها، تمسك برأسها بألم قليلًا أثر ذلك الصداع الذي لم ينتهي. بعد وقت فتحت هاتفها لتتفاجأ بهذا الخبر الذي ظهر أمامها. لم يكن ما كُتب على الصورة هو ما يؤلم فقط؛ بل تمسك ميرو به وهو يقبض على جسدها بقوة هو ما أثار غيرتها.
أعتدلت في جلستها وهي تنظر إلى الهاتف بضيق، شعرت بأن أنفاسها تتقطع ولا تستطيع التنفس جيدًا. تذكرت ذلك اليوم الذي سمعت فيه صوت كسر قلبها بداخل ضلوعها. حين مات الحب بداخله ومات هو معه. أغمضت عينيها حتى تمنع تلك الصورة من أن تظهر برأسها مرة أخرى. أخذت نفسًا عميقًا وقررت أن لن تنهزم هذه المرة أيضًا. نهضت من الفراش وارتدت معطفًا خفيفًا وتوجهت نحو غرفة جواد على الفور. طرقت الباب وبعد ثواني فتحه جواد ونظر إليها بتعجب. وجدها لاتزال بملابس النوم ووجهها لا يبشر بالخير فقال بفزع: كارما جرالها حاجة؟!
دفعته غزل بقوة في كتفه ودخلت الغرفة وأغلقت الباب وقالت بحدة: أبو كارما هو اللي هيجراله.
جواد بتعجب: أنا! ليه عملت إيه؟!
رفعت غزل الهاتف أمامه وقالت: إيه ده؟!
نظر جواد بالصورة وقال: دي أنا وميرو.
غزل: ما أنا عارفة إن إنت وزفتة. إيه اللي مكتوب ده على الصورة؟
جواد: ده كلام مجلات مش حقيقي.
هدأت ونظرت إلى عينيه وقالت: يعني إنت مش هتتجوزها بجد؟
بدالها النظرات داخل عينيها بحزن وقال: ﻷ يا غزل. مش هتجوزها.
غزل: طيب ليه بشوف صورتك لتاني مرة كده! ليه بتخليني أعيش نفس الإحساس ده تاني؟ إني أشوفك مع واحدة تانية كده! وبعدين ليه ماسكها بالشكل ده؟ ما ليهم حق الناس يفهموا غلط.
جواد: أنا مش قصدي أعمل أي حاجة تضايقك. ولا عمري قصدت إني أضايقك يا غزل، إنتي اللي بتدوسي عليا كل مرة أكتر من اللي قبلها.
غزل بدهشة: أنا اللي بدوس عليك! اه اه... هتقولي بقى زي ما بتقول لكنان؛ هي اللي سابتني، أنا ماعملتش حاجة.
جواد: ليه هو مش ده اللي حصل؟
فتحت عينيها وهي تنظر إليه بتعجب، ثم قالت: ﻷ ما هو أكيد مش هتكدب عليا أنا كمان.
جواد: وأنا إمتى بكدب على حد!
نظرت إليه وهي تصدق ما يقول ثم ابتسمت بتهكم وقالت: جواد إنت اللي سبتني!
ضحك جواد وقال: تمام. لو ده اللي إنتي شيفاه وهيريح ضميرك ماشي. يبقى أنا اللي سيبتك.
غزل: لا لا، أنا بجد مش فهماك. ومابقتش عارفة إنت بتعمل كده ليه. ولا ناوي تفاجأني بجوازك المرة دي كمان وتدخل عليا وإنتوا متجوزين؟
جواد بحزن: ﻷ يا غزل. لو بجهز لجوازي كلكم هتعرفوا. إنتي بقى جاهزة للجواز ولا لأ؟
صمتت، وكأنها تذكرت الآن. فا الصورة التي رأتها صباحًا جعلتها تعود إلى الماضي ونسيت أنها من ستتزوج الآن. شعرت بالخجل من نفسها، هي تحاسبه بالرغم من أنها الآن تستعد لتكون ملكًا لغيره.
كانت تريد أن تخبره بما تشعر ولكن تراجعت، فهي لا تزال تبحث عن طريقة لتقنع بها خالد. تجمعت الدموع داخل عينيها ولمعت دمعة داخل عينيه المكسورة بالحزن. كانت النظرات كفيلة بأن تبوح بما في القلب. وقبل أن تخرج الكلمات من جوف الجرح دخل نديم الغرفة مندفعًا. وحين رأى غزل داخل الغرفة توقف على الفور وقال: أسف، ماكنتش أعرف إن غزل هنا.
جواد: تعالى يا نديم.
وزع نظراته بينهما ثم قال: شوفت الأخبار يا جواد؟
جواد: اه شفت. أعرفلي مين الصحفي اللي عمل كده ولما توصله عايز أعرف مين اللي وصله الصورة. ونزل تكديب في نفس المجلة في نفس المكان ونفس الحجم.
نديم: حاضر. ماتقلقش يعني مش هيأثر على الشركة الحوار ده.
جواد: لا مش قلقان. وكمان قول إن البنت دي تبقى بنت خالتي.
نديم: تمام. مش يلا عشان نفطر.
جواد: اه. يلا بينا.
خرجوا من الغرفة وتوجهت غزل نحو غرفتها وبعد وقت نزلت إلى الطابق السفلي ولحقت بهم على طاولة الطعام. كان الجميع مجتمع معًا حتى خالد الذي قرر أن يتناول الطعام معهم بالأسفل. جلست بجوار كارما وسيف الذي ابتسم إليها فور أن رأها. أما جواد فكان يشيح بنظره عنهما. لا يرغب برؤيتهما معًا ولكن بداخله يعلم أنه يجب أن يعتاد الأمر.
بعد قليل قال: يوم الأربع عندنا إجتماع المساهمين يا غزل. هتيجي ولا ﻷ؟
خالد: غزل هتعمل توكيل لسيف بالإدارة.
سيف بدهشة: إيه ده! إنتي قررتي من غير ما تقوليلي؟
نظرت نحوه ثم التفتت نحو جواد الذي يرسم ابتسامة هادئة على شفتيه. وكأنه كان يعلم أن ذلك سوف يحدث. فهو يتذكر ما قاله سيف بالإجتماع السابق. فارتبكت غزل ونظرت إلى خالد وقالت: أنا مش عارفة ده ينفع ولا ﻷ.
جواد: مش مسموحلك بالبيع. يعني الأسهم لازم ترجع لكارما في الآخر. لكن لو عايزة توكلي حد بالإدارة إنتي حرة.
صمتت غزل ولم تتحدث. أما سيف فكان قلبه يتراقص بسعادة. زفر كنان بقوة وقال: أنا خارج مع رزان يا جواد.
جواد: ماشي. هو إنتوا قررتوا هتعملوا الخطوبة فين؟
نظر كنان إلى غزل وقال: هنا. عشان سيف وغزل.
رمقها بدهشة وقال: يعني الخطوبة يوم الخميس! ﻷ مبروك بجد. يعني حاجة تفرح وتشرف. طيب... شوف العروستين لو نفسهم في حاجة معينة في الفرح نعملها.
كنان: ماتقلقش يا جواد، نادر هيتكفل بالمصاريف كلها.
ابتسم جواد وقال: طبعًا. ده تلاقيه طاير من السعادة. على العموم لو محتاجين أي حاجة قولي. ده الفرح فرحين يا جماعة!
ثم نهض من على الطاولة فقال نديم: رايح فين؟
جواد: خارج.
كارما: استنى يا بابا.
التفت إليها جواد فقالت: هو إنت بجد هتتجوز ميرو؟
جواد: ﻷ يا حبيبتي.
كارما: إوعدني ماتتجوزهاش.
جواد: ليه بس؟
كارما: مش بحبها.
جواد: ولا أنا يا كارما ما تقلقيش.
كارما: كده أنا اطمنت. طالما مش بتحبها يبقى مش هتتجوزها.
داعب خصلات شعرها وهو يبتسم أمامها بعين حزينة وقال: مش كلنا بنتجوز اللي بنحبه يا كارما.
اخترق الكلام مسامع غزل. فارتبكت بشدة وشعرت بالضيق. ثم التفتت نحو سيف وقالت: أنا حاسة إني تعبانة شوية وهطلع أرتاح. أمل.. ممكن تخلي بالك من كارما؟
أمل: أيوة طبعًا. اطلعي إنتي إرتاحي.
كلٌ منهما يهرب من الآخر. يهرب من عيون الناس. يهرب من الحقيقة التي ترتسم داخل عقله. "أنا على وشك الإنهيار."
صعدت غزل إلى غرفتها بخطوات هادئة تحولت إلى الركض حين ابتعدت عن عيونهم، دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها وﻷول مرة منذ أن دخلت هذا المنزل تنهار. بكت لتخرج هذا الصراع الذي بداخلها. لم تعد تتحمل. تعرف أن ما تفعله خطأ. كانت تظن أنها ستنهي هذا الزواج قبل أن يأخذ خطوات رسمية. ولكن خالد وسيف لا يتركان مجال لها كي تتراجع.
أما جواد فلم يعد لديه طريق سوى الهروب. دار بالشوارع لساعات. يرى الغيرة في رعشة جسدها. يشعر بحبه داخل قلبها. عينيها تبوح بكل شيء ولكن لا تزال صامتة.
مر اليوم بهدوء وجواد عاد متأخرًا. وجد ميرو تنتظره بالأسفل. وحين رأته قالت: استنى يا جواد.
التفت إليها وقال بتهكم: إيه ده! ميرو مش سكرانة!
ميرو: بتتريق يا ابن خالتي؟
جواد: ابن خالتك.. إنتي كده شاطرة. أنا ابن خالتك وبس. جو بقى أنا بحبك وبشرب عشان أنا أنساك ده تنسيه خالص. وكمان بتجري ورا واحدة مش بتحبك وهتتجوز غيرك مش عايز أسمع الكلام ده نهائي. أنا مش بجري ورا حد. ولا مش حاسس بحبك ليا بسبب إني بحب واحدة تانية. ﻷن ببساطة إنتي أصلًا مش بتحبيني يا ميرو. أنا وإنتي عارفين إنتي عايزة إيه.
ميرو: هتفضل دايمًا شايف إني بجري وراك عشان فلوسك. هي كده؛ كل عيلة الخولي مش بيفكروا غير في الفلوس وبس.
جواد: غيري بقى لقب عيلتك للخولي بالمرة. عشان إنتي أكتر واحدة بتدور على الفلوس في البيت ده. وعارفة يا ميرو لو طلعتي إنتي اللي ورا حوار الصورة ده مش هتقعدي في البيت ده ثانية واحدة. ولو عرفت إنك بتروحي الأماكن الزفت دي تاني وبتشربي هنسى إن ليا بنت خالة أساسًا.
تركها وصعد إلى غرفته وهي تزفر بضيق. لا يوجد طريق آخر تسلكه كي تجعله ملكًا لها. ربما عليها أن تجد طريقة أخرى كي تحصل على المال.
في الصباح، ذهب نديم وكنزي إلى المدرسة باكرًا قبل أن يصل أحد إليها من الطلاب. قاموا بوضع بعض الهدايا والألعاب على مقاعد زملاء براء وكنزي في الفصل. ووضع نديم بطاقة على كل هدية وكتب بها أن الهدايا مقدمة من والد براء ويتمنى أن يدعوا لها بالشفاء والعودة إلى المدرسة. ثم خرج نديم وانتظر بالخارج. كانت كنزي تنظر إليه وهو يخرج من البوابة بفخر. فهو أب جميل ورحيم.
بعد وقت بدأ الطلاب يتوافدون إلى المدرسة حتى وصلت ليان وبراء. نزلا من السيارة وبراء ينظر إلى المدرسة بتوتر. وجد يد تمسك بيده فنظر بجانبه فوجد نديم يبتسم إليه فقال بسعادة: عمو نديم!
نديم: واقف ليه يا بطل؟ مش قلنا الابطال مش بيخافوا.
براء: إنت كلمت المديرة؟
نديم: ﻷ، بس أنا هدخل معاك. إيه رأيك؟
براء: وماما كمان.
نظر نديم إليها وهي تتطلع به بإمتنان وقال: وماما كمان عشان كنزي قالتلي لو ماشفتش طنط ليان النهاردة مش هتروح البيت.
ضحكت ليان وقالت: هي كمان وحشتني أوي.
دخلوا معًا إلى المدرسة وحين دخل براء الفصل بخطوات بطيئة خاجلة وجد الطلاب كلهم يستقبلونه بترحاب. يخبرونه بمدى سعادتهم بعودته. كانت ليان تنظر لما يحدث بتعجب. اقتربت منهم معلمة الفصل وقالت: ياريت تشكري والد براء على الهدايا الحلوة دي. بجد الأطفال فرحوا أوي بيهم. وحمد الله على سلامة براء يا مدام ليان.
سمع براء ما قالت المعلمة فشرد قليلًا ثم نظر إلى نديم وابتسم إليه. قد علم أنه من قدم الهدايا بنفسه وليس معتز.
كان يسمع أصوات زملائه وهم يصيحون بصوت مرتفع من إعجابهم باللألعاب.
أما كنزي فاقتربت من ليان وأحتضنتها بقوة وقالت: وحشتيني أوي يا طنط.
ليان: وإنتي كمان يا حبيبتي.
كنزي: بابا قالي إنك هتيجي تتعشي معانا. ما تيجي النهاردة عشان عايز أوريكي حاجات أنا رسمتها في البيت.
نديم: هنشوف المعاد المناسب ليها وتيجي يا كنزي. ده لو ماعندهاش مانع يعني.
ليان: بس.. مش عايزة أزعجكم.
نديم: مفيش إزعاج ولا حاجة. وكمان براء يلعب مع كنزي وكارما.
أومأت إليه وخرجا من الفصل تحت نظرات براء الممتنة. وقفت ليان أمامه وقالت: أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا نديم.
نديم: تاني؟
ضحكت ليان وقالت: ﻷ بجد. اللي عملته النهاردة خلى نفسية براء ترتاح وكمان مبسوط إن أصحابه فرحانين بيه كده ونسيوا خالص اللي حصل اليوم ده.
نديم: ودي أهم حاجة. إن براء بقى مبسوط وعمره ما هيقول إنه مش عايز يروح المدرسة تاني.
خرجا من المدرسة وقبل أن تذهب ليان قال نديم: هتيجي النهاردة نتعشى سوا؟
ليان: مفيش مانع. بس ابقى إبعتلي عنوان البيت.
أومأ إليها وقال بسعادة: طبعًا.
التفتت لتغادر ولكنها توقفت ونظرت حولها بتوتر ثم التفتت إليه مرة أخرى وقالت: أنا... أنا شكلي هحبك يا نديم.
ثم ركضت من أمامه فورًا دون أن تسمع رده وصعدت إلى أول سيارة أجرة أمامها. أما نديم فقد تجمد مكانه. تفاجأ بإعترافها وظلت كلماتها تتردد داخل أذنيه وقلبه يتراقص على نغمات تلك الحروف التي أحيت قلبه لينبض من جديد. وبالرغم من الخوف والقلق الذي يشعر به إلا أن سعادته قد طغت على كل شيء.
مضى اليوم سريعًا وعاد الجميع إلى المنزل عدا جواد. وفي موعد العشاء وصل نديم فوقفت كنزي أمامه وقالت: اتأخرت يا بابا وطنط زمانها جاية!
كان نديم يركض إلى الطابق العلوي فقال: الشغل يا كنزي. خلاص هغير وأنزل على طول.
اقتربت سيلين من كنان وهي تنظر إلى نديم بتعجب وقالت: هي إيه الحكاية؟
نظر إليها بملل وقال: ماعرفش.
ذهب نحو البهو وهي تنظر إليه بحزن. فاقتربت منها ميرو وقالت: تعالي حطي فشلك على فشلي.
سيلين بضيق: العيلة دي مش بتحس بجد.
أما نديم فبدل ثيابه سريعًا وخرج من غرفته وهو يتحدث عبر الهاتف مع ليان ويقول: أيوة أنا بلغت الأمن هيدخلوكي. قوليلهم بس اسمك وأنا خارج دلوقتي.
سمعته غزل وهو يتحدث فلحقت به إلى أسفل. وقفت عند الباب كي تستقبلها. وحين دخلت بصحبة نديم ركضت كنزي إليها فورًا وأحتضنتها. أما براء فكان يمسك بيد نديم بقوة. نظرت إليهم غزل وابتسمت، يبدون كعائلة سعيدة فتعجبت من تردد نديم فقالت لنفسها: ده إنت أخو جواد أوي يعني.
جذبت كنزي ليان نحو غرفة الطعام وهي تقول: أنا سألت براء النهاردة عن الأكل اللي إنتي بتحبيه وقلتلهم هنا عليه وهما عملوه. يلا ناكل بقى عشان أنا ماردتش أكل أي حاجة غير لما تيجي.
ثم التفتت إلى براء وقالت: يلا يا براء.
ترك يد نديم ولحق بهما فنظر نديم إلى غزل التي تنظر إليه بتعجب فقال: بتبصيلي كده ليه؟
غزل: بصراحة. المنظر اللي قدامي ده مش مخليني حتى عايزة أسألها على أي حاجة. الجواب بصراحة باين من عنوانه. وشكلكم تحفة مع بعض يا نديم بجد.
نديم: أسكتي يا غزل عشان النهاردة هي أعترفتلي وأنا قلبي بيترعش ومش عارف أعمل إيه.
غزل: قولها على اللي جواك يا نديم. هي دي اللي تستاهل نديم القديم مش ميرال. ومش معنى إن واحدة طلعت ماتستاهلش وخانتك إن ليان كمان خاينة يعني.
صدع صوت ليان التي اقتربت منهما وهي في طريقها إلى المرحاض كي يغسل براء يديه قبل الأكل وهي تقول بصدمة: ليان مين اللي خاينة!
نظرا إليها بصدمة ثم تطلعا ببعضهما البعض بتوتر، حاول نديم أن يبرر ما سمعت ولكن تلعثمت الكلمات في فمه فلم تفهم منه ليان شيء. ثم قالت غزل: ﻷ حبيبتي. هو إنتي فهمتي غلط.
ليان: بس أنا سمعتك بتقولي كده.
غزل: ﻷ هو...
ثم نظرت إلى نديم ولم تعرف ماذا تخبرها. فتنهد نديم بقوة وقال وهو يشير نحو الخارج: ممكن بس نتكلم لوحدنا شوية.
خرجت ليان من المنزل بعد أن تركت براء بجوار غزل، أمسكت غزل يده وهي تنظر نحوهما بضيق وتشعر بالذنب لأنها سمعتها.
خرجت ليان والتفتت نحو نديم وهي تنظر إليه بغضب مكتوم فقال: بصي أنا عارف إن الكلام اللي سمعتيه رخم. بس الحقيقة أنا كنت عايز أسألك من بدري على حاجة وكنت متردد. ويمكن ده اللي مانعني أخد أي خطوة ناحيتك. وده كله بسبب كلام معتز عنك. كل مرة بشوفه بيلمح إن فيه حاجة أنا ماعرفهاش هي السبب إنكم سيبتوا بعض وده اللي خلاني متردد.
ليان: اه وإنت فهمت إن اللي بيلمحله ده إني خونته صح؟ يعني أنا خاينة زي ما الأنسة اللي جوا قالت!
نديم: ﻷ ﻷ.. أنا ماقولتش كده عليكي.
ليان: ما هي باينة يا نديم مش محتاجة شرح. بس بجد آخر حاجة كنت اتوقعها إنك تتطلع شكاك بالشكل ده.
نديم: أنا ماشكتش فيكي. الموضوع كله غصب عني.
ليان: لا شكيت. بدليل الكلام اللي سمعته عني من واحدة أنا أصلًا ماعرفهاش. فرقت إنت إيه عن معتز اللي ماشي يتكلم عليا في كل حتة؟
نديم: ليان بجد الموضوع مش كده. أنا اتكلمت مع غزل بس عشان كنت محتار ومش عارف أسألك ليه معتز بيقول كده.
ليان: وحاليًا ماعنديش أي نية إني أقولك على حاجة. إنت توقعت إني خاينة ووقفت نفسك عشان ماتقربش مني فا خليك بقى بعيد. أنا أكتر حاجة ندمانة عليها هو الكلام اللي قولتهولك الصبح. مع إني أنا اللي المفروض تخاف إنها تخسر ابنها لو قربت منك. بس للأسف طلعت أشجع منك يا نديم.
كادت تذهب وهو يقف ينظر حوله بتوتر ولا يعرف كي يصلح ما أفسده فقال: هي اللي خانتني.
توقفت ليان في محلها. اقترب منها نديم وهو يقول بصوت مكسور: ميرال خانتني يا ليان. بعد حب وجواز وعشرة طلعت خاينة. استحملت طمعها وحبها للفلوس عشان كنت بحبها. وفي الآخر خانتني. خليت ثقتي في نفسي أنا تتهز. قفلت باب الحب والجواز في دماغي خالص لحد ما إنتي ظهرتي في حياتي.
جذبها من يدها لتنظر إليه. وجد الدموع تتلأﻷ داخل عينيها. فنظر إليها بصدمة وقال: بتعيطي! ﻷ يا ليان عشان خاطري. أنا مش عايز ابقى سبب حزنك أبدًا. الكلام اللي إنتي بتقولي إنك ندمانة إنك قولتيه ده هو اللي خلاني أحس إني عايش. أن لسه فيه أمل في الحياة. إني في ناس ممكن تحب بجد زيي. من وقت ما قولتي كده وأنا بفكر إزاي أقرب منك وأخليكي مبسوطة وأعوضك عن كل اللي حصل معاكي. لكن تعيطي بسببي لأ.
ليان: أنا بعيط عشان ظلمتني. فكرت إني ست خاينة وأنا عمري ما كنت كده. ماشي عارفة إن تجربتك هي السبب بس الكلام وجعني.
نديم: حقك عليا، أنا كان المفروض أسألك بس ماكنش فيه حاجة تخليني اتجرأ وأسألك سؤال زي ده. وعشان تتأكدي إني فعلًأ مش بفكر فيكي كده أنا مش عايز أعرف ليه سيبتوا بعض. عشان أنا مش هحكم عليكي على أساس غلطها هي. أنا كمان معجب بيكي يا ليان. عارف إنك زعلانة دلوقتي وفاكرة إني شكاك بس الوقت هيثبتلك إني مش كده. ولحد ما تطمني من ناحيتي أنا هفضل مستنيكي.
ليان: مش هتزهق؟
نديم: حتى لو العمر كله هفضل مستني.
أزالت دموعها ثم قال نديم: ممكن ننسى اللي حصل دلوقتي ونرجع نتغدى سوا مع العيلة. أنا عايز أعرفهم عليكي.
أومأت إليه ودخلا إلى المنزل. كانت غزل تقف عند الباب بتوتر تنتظر أن يدخل نديم وليان لتطمئن. وما أن دخلت ليان ورأت غزل أثار الدموع في عينيها حتى شعرت بالحزن أكثر. نظرت إلى نديم وهي تعتذر إليه فابتسم لها بحزن وقال بهمس: حصل خير.
ثم تركها ودخل إلى غرفة الطعام، كانت ليان تبتسم إليهم بحزن ونديم يتطلع بها، يتابع نظراتها التي تهرب بها منه. وغزل تتابع نظراتهما وتشعر بالندم.
ولا يزال رماد الحب الذي احترق تحت نيران الخيانة يفسد القلب الذي لم يعرف سوى الحب الطاهر الذي لم تقدره تلك الخائنة.
حب تحت الرماد... الفصل السادس والعشرون
بقلم الكاتبة / رباب حسين
أحيانًا لا يحتاج الحب إلى كلمة حتى يُفضح... تكفي نظرة عابرة دمعة خائفة أو صمت طال أكثر مما ينبغي.
غزل تقف على أعتاب زواج لا يريده قلبها، بينما يزداد يقينها يومًا بعد يوم أن الرجل الذي تحاول الهروب منه هو نفسه الرجل الذي لا تستطيع الحياة بدونه.
وجواد... يصر على أن كرامته أهم من قلبه لكنه لا يدرك أن ابتعاده عنها قد يدفعها إلى أحضان رجل آخر وربما هذه المرة لن يستطيع استعادتها.
وبالجهة الأخرى قلبان يصرعان ندوب الماضي. نديم وليان... فقد بدأ بينهما شيء يشبه الأمل لكن جرح الماضي لا يزال مفتوحًا. وسوء الظن الذي كاد يهدم بداية حبهما ربما لم يكن سوى إنذار لما هو قادم.
وها قد بدأ الرماد يتحرك من جديد... وهذه المرة قد تكشف النار ما حاول الجميع دفنه طويلًا.
منذ أن غادرت ليان منزل نديم في تلك الليلة وهي تبتعد عنه. الشك الذي زرعه نديم في بداية علاقتهما جعلها تفكر من جديد. فحين يخسر القلب حبًا ويذوق مرار الفقد لا يلقي العقل بصاحبه إلى الجحيم مرتين. كانت تجلس أمام براء الذي يلعب أمامها داخل منزلها. تعرف أن معتز لن يتركه لها إذا تزوجت بغيره. وربما يحاول أن يزرع شكًا جديدًا في حياتها مع نديم. ومع هذا الجرح الذي بقلبه قد يهدم كل شيء وهي لن تتحمل تجربة فاشلة أخرى.
مر يومان، انطفئت تلك اللمعة في عيني نديم. لمعة الحب والسعادة التي عادت إليه بعد سنوات. ولا يزال يدفع ثمن ذلك الخطأ الذي تسببت به ميرال. أما ليان فلم تعد تجيب على مكالماته.
وفي المساء. طُرق باب منزل ليان. كان براء يستعد إلى الذهاب إلى النوم. اقتربت من الباب وقالت: مين؟
معتز: أنا معتز.
لم تفتح بل قالت من خلف الباب: جاي ليه؟
معتز: إفتحي طيب. هتكلم من ورا الباب.
ليان: اه هتتكلم من ورا الباب.
زفر معتز وقال: مش هاكلك يعني يا ليان. إفتحي بقى.
ليان بحزم: يا تقول عايز إيه يا تمشي.
معتز: ماشي. بس قولي للمحروس بتاعك لما تيجي تعمل حاجة في المدرسة أعملها باسمك لكن ماتقولش إني عملت حاجة ماعملتهاش.
إنزعجت ليان وفتحت الباب وقالت بغضب: يعني إنت مش عجبك إن الراجل الغريب بيصلح العك اللي إنت بتعمله في ابنك وجاي كمان تقوله ماتعملش كده. يا أخي ده إنت أكبر ابتلاء في حياتي. أنا بكرهك ومش عايزة أسمع صوتك ولا أشوفك.
معتز: إيه! براحة. ماسورة وضربت في وشي.
ليان: بقولك إيه؛ ماتجيش هنا تاني. وأحمد ربنا إن الراجل بيعمل دروك اللي إنت أصلًا مش عارف ولا هتعرف تعمله. ﻷنك ببساطة أب فاشل.
أغلقت الباب بوجهه بعنف ثم اقترب منها براء وأحتضنها بقوة. ربتت عليه وقالت: ماتخفش يا حبيبي. تعالى نام في حضني.
أما معتز فغادر البناية وهو يتوعد لها.
في صباح يوم جديد. وقد ذهب الجميع إلى العمل عدا جواد الذي كان يرتدي ثيابه بغرفته ليستعد إلى الذهاب إلى حفلة كارما بالحضانة. أما غزل فكانت تنتظره بالأسفل. تتطلع نحو الدرج بترقب. ترغب في رؤيته بشدة. فمنذ أن أعلن كنان أمامه أن موعد الخطبة يوم الخميس وهو يقضي وقته خارج المنزل ولا تراه.
نزل جواد أمامها من أعلى الدرج. تلاقت الأعين وفاض القلب من إشتياقه ثائرًا. يرجو النفس التي تشبثت بالعناد راجيًا. ألا يحق لهذا المتألم أن يلقى راحةً بين يدي معشوقًا يقف بالعناد متكبرًا. أيا من تخليت عني هلا تعود إليّ متناسيًا. أم أن هذا الجرح الدامي لا يزال بالألم نازفًا. فالآن أصبحت كل أحلامي أن أرقد بين أحضانك غافيًا. تعود الابتسامة تشق وجهي مجددًا وأصبح أنا... عاشقًا.
هبط الدرج وهي تنظر إليه ثم وجدت سيف يهبط الدرج سريعًا من خلفه وقال: صباح الخير.
غزل: صباح النور.
سيف: أنا اتأخرت ولازم أروح الشركة. إنت مش هتيجي النهاردة يا جواد صح؟
جواد: البركة فيك. الشركة هتمشي زي الساعة عشان إنت بقيت بتديرها.
سيف: دي تريقة؟
جواد: واتريق ليه؟ مش أنسة غزل شايفة إنك جدير بالثقة في إدارة أسهم بنتي؛ يبقى غصب عني لازم أثق فيك.
سيف: اه واثقة فيا. أخرج إنت منها بس.
جواد: أنا كده كده برا الحوار كله.
زفر سيف وقال: أنا ماشي يا حبيبتي. لما ترجعي طمنيني عليكي.
أومأت إليه غزل وذهب سيف. كادت غزل تتحدث فأشار إليها كي تتوقف وقال: مش مستحمل أسمع أي كلمة تاني. يلا نمشي.
أمسك بيد كارما وغادروا المنزل. صعدت كارما بالخلف وغزل بجوار جواد. كانت كارما تتطلع إليهما بسعادة وقالت: أنا فرحانة أوي إنكم جايين معايا. ياريت يا ماما تبقي ماما بجد.
ارتبك جواد ولم يتطلع بها ولم ينطق بكلمة. أما غزل فشعرت بقلبها يصدق على حديث كارما. بل أصبحت أمنية قلبها ولكن لا يزال الطريق طويلًا.
أما سيف فوصل إلى الشركة. وقبل أن يدخل من البوابة أعلن هاتفه عن استلام رسالة. فتحها سيف ووجدها من عزيز ويقول: "ألف مبروك رجوعك الشركة. استنى مني معاد التسليم."
أجاب سيف قائلًا: " أنا مش هعمل العملية دي. وفلوسك هترجعلك."
عزيز: " أعمل حسابك وقت ما هبعت المعاد هيبقى الوقت قصير جدًا، يعني يستحسن تظبط الدنيا من دلوقتي. وبالنسبة للمسدج اللي فاتت فا أنا ما قريتهاش وهعتبر إنك ما بعتهاش."
نظر سيف إلى الهاتف بضيق وزفر بقوة فاستلم رسالة أخرى: " ما تنفخش بس كده. خلي النفخ عليا أنا."
نظر سيف حوله بتوتر، هو يراقبه الآن. شعر بالخوف ودخل إلى الشركة سريعًا.
في الحضانة؛ كان جواد وغزل يجلسان على أحد المقاعد ويشاهدان العرض الطفولي الذي قام به الطلاب. كانت كارما بين الطالبات اللاتي يقمن بالعرض. نظراته لم تقل فخرًا وحبًا عن نظرات غزل إليها. نظر إليها وهي تصفق لها بحماس وابتسم رغمًا عنه. تذكر حديث كارما بالسيارة وتمنى أن يكون حقيقة. فإن حدث ذلك فالبتأكيد لن تمر كارما بطفولة مشابهة لطفولته. فا الكل كان يظن أن زوجة أبيه صافي كانت أمًا بديلة حنونة عليه، ولكن بالحقيقة هي كانت تعامله بالحسن أمام الجميع فقط، أما إذا جلس معها وحده فكانت تعامله معاملة سيئة. وكالعادة تحمل جواد هذا وحده ولا يعلم أحد هذا الأمر حتى الآن.
بعد وقت انتهى العرض وتسلم الطلاب المتفوقين جوائزهم ومن بينهم كانت كارما. ثم قام الأباء والأمهات بالتصوير مع ابنائهم. جاء وقت تصوير كارما فوقفت في المنتصف بين جواد وغزل. تمسك بيديهما معًا. وحين التقط المصور أول الصورة وضعت كارما يد غزل بيد جواد ثم قربتهما من بعض وقالت: ممكن صورة ليهم كمان يا عمو؟
ارتعشت يد غزل في كف يده. أم هو فشعر بأن العالم أصبح بين يديه. وهذا الحنان الذي في راحته قد وصل إلى قلبها. نظرا إلى بعضهما البعض وعينيه تبوح بالعشق. والتقط المصور الصورة لهما ثم ابتسم وقال: ربنا يخليكم لبعض. الصورة حلوة أوي وباين إنكم بتحبوا بعض. ربنا يساعدكم ويوعدني بزوجة تحبني كده يااارب.
نظرا إليه وابتسما بحزن. أما كارما فاقتربت منهما وقالت: شفتوا بقى! عشان تصدقوا إنكم لايقين تبقوا ماما وبابا.
حررت غزل يدها من يده بخجل. فحمل جواد كارما بيد يديه وقال: بما إن حفلة الطالبة المجتدة خلصت؛ ممكن نروح المستشفى بقى؟
كارما بحزن: يا بابا مش عايزة أخد حقنة.
جواد: ماما هتطمن لو عملتي التحليل ده زي ما كنتي بتعمليه معاها دايمًا.
كارما: ماشي. بس هاكل بيتزا بعدها زي ما ماما كانت بتعمل.
جواد: حاضر يا حبيبتي بس على شرط. مفيش عياط وإنتي بتاخدي الحقنة.
كارما: اممممم خلاص هحاول.
قبلها جواد وغزل تتباعهما بابتسامة ثم قال: لو عايزة تروحي ممكن أوصلك ولا تحبي أطلبلك تاكسي.
غزل: ﻷ أنا هاجي معاكم.
هللت كارما بسعادة: هيييه.
أومأ إليها جواد وذهبوا معًا إلى المشفى.
في الشركة؛ كان نديم يشرف على فريق التصاميم. ثم دخلت المساعدة هنا وقالت: مستر نديم. فيه واحد اسمه معتز طالب يقابلك بس هو مش واخد معاد.
نديم بتعجب: معتز! وده جاي هنا ليه؟ خليه يروح على مكتبي وأنا جاي.
نفذت هنا ما طلبه نديم ولحق به نديم داخل المكتب. حين دخل وجده يتفقد المكتب من الداخل فقال: خير يا أستاذ معتز؛ إيه سبب الزيارة دي؟
معتز: جاي أقولك بطل تكسب بونط على أفايا قدام براء ابني.
نديم: كويس إنك فاكر إنه ابنك.
قاطع حديثه اتصال هاتفي فنظر بالهاتف وجد ميرال تتصل به. فرفض نديم المكالمة وقال معتز وهو ينظر إلى هاتفه: لأ أنا فاكر كويس. وفاكر كمان العقد اللي الهانم ماضية عليه. ولو فكرت تتجوز هاخده منها.
نديم: طيب تعالى نتكلم بالعقل؛ إنت لو خدت براء هتعرف تربيه؟ بلاش؛ هتعرف تصرف عليه وتدفع مصاريف المدرسة بتاعته وإنت عاطل مش بتشتغل.
معتز: ده أنت سألت عني بقى!
نديم: اه بصراحة. وعرفت إنك عايش على أفا الستات. تتجوز واحدة تقلب منها قرشين وتنقل على اللي بعدها.
معتز: طيب طالما إنت شاطر في إنك تعرف أخبار الناس كده وتاريخهم؛ ما تسأل على الهانم الي إنت عايز تتجوزها الأول.
نديم: مش محتاج أسأل عليها.
معتز: أصلًا لو سألت مش هتوصل لحاجة. أنا اللي عندي كل المعلومات عنها. ولو عايزني أقولك كل حاجة ماعنديش مانع؛ بس... أشوف تمن المعلومات اللي عندي الأول.
ابتسم نديم بتهكم وقال: ااااه، هي الحكاية كده! ﻷ شكرًا. أنا مش محتاج معلوماتك خليهالك. وبالنسبة للعقد اللي هي ماضية عليه ده خليهولك. براء هيتربى بيني وبينها ومع كنزي بنته. على الأقل أنا عارف ابقى أب ليه مش زيك.
معتز: يبقى تدفع المبلغ اللي في العقد وأنا هسيبهولك.
نديم: كام المبلغ.
معتز: ٢٥٠ ألف جنيه.
نديم: جيب النسخة اللي معاك الأصلية بتاعت العقد وتيجي هنا الشركة بكرة الساعة ٢. هستناك أنا والمحامي نخلص الموضوع ده. ومش عايز أعرف إنك ضايقت ليان أو براء تاني.
معتز: قفلهم ٣٠٠ وأنا ابعد عنكم خالص.
نديم: موافق. بس ليان تعمل محضر عدم تعرض في القسم ليك مقابل ال ٥٠ ألف دول.
معتز: مش بتضيع وقت إنت.
نديم: كله بحسابه.
وافق معتز وغادر المكتب. أما جواد وغزل وكارما كانوا ينتظرون أمام باب المعمل داخل المستشفى. دخلت فتاة تصيح بالمشفى وتطالب بأحد من الأطباء ليفحص شاب يستند عليها يبدو مجروحًا في يده. وكان الشاب يحاول تهدئتها ويقول: أنا كويس يا حبيبتي ماتخفيش.
نظر جواد وغزل إلى بعضهما البعض. وكأنهما تذكرا معًا ذات الذكرى. حين أصيب جواد بتوعك وأجبرته غزل على الذهاب إلى المشفى كي تطمئن عليه. كان يضحك وهو يتألم من هيئتها وهي تصيح بالمشفى بقوة مثل تلك الفتاة وكأنه على وشك أن يموت.
ثم قالت غزل: واضح إن إحنا فاكرين الذكرى دي إحنا الاتنين.
جواد بحزن: أنا مانسيتش حاجة يا غزل، كل اللي حصل بينا محفور في قلبي وعقلي.
غزل: عشان كده اتجوزت وخلفت؟
جواد بضيق: أنا تعبت من كتر ما عمال أحاول أفهم أو أفهمك. إعملي اللي تعمليه يا غزل.
غزل بحدة: بطل تحسسني إنك مظلوم وأنا اللي جاية عليك.
جواد: وإنتي مش شايفة إنتي بتعملي إيه قدامي. إنتي خطوبتك بعد بكرة.
غزل: على الأقل عارف إني هتخطب مش صحيت من النوم على خبر جوازي.
كارما: بس يا ماما؛ إنتوا هتتخانقوا في المستشفى.
زفر جواد بقوة ثم سمع الممرضة تنادي باسم كارما. فذهب معها إلى الداخل وأخذوا عينة منها للتحليل. ثم أخبرته الممرضة أن النتيجة بعد غد.
عادوا إلى المنزل ولم تتحدث غزل مع جواد مرة أخرى.
في اليوم التالي؛ كان موعد إجتماع المساهمين. حضر سيف بموجب التوكيل من غزل. كان جواد يجلس بالإجتماع ولا يتحدث مع أحد. فقط يستمع لما يقال ونديم هو من تولى إدارة الإجتماع.
وبعد أن انتهى الإجتماع ذهب المحامي عز الدين مع نديم حسب الموعد مع معتز، سلم معتز العقد إلى المحامي ثم أخذ الأموال بعد أن وقع على إيصال باستلام المبلغ. ثم أخذ نديم العقد. غادر معتز وهو سعيد بأنه حصل على الأموال التي يريدها في مقابل التنازل عن حضانة ابنه.
من السهل أن تحصل على أطفال ولكن من الصعب أن تكون أبًا حقيقيًا.
كان اليوم التالي حافل بالأحداث. خطوبة كنان ورزان وكانت السعادة تطوقهما. أما سيلين فكانت على وشك الإنهيار.
كان نادر يشرف على تنظيم القصر لإستقبال المدعوين. فاستغلت سيلين الأمر وذهبت إلى غرفة كنان. نظر إليها بضيق وقال: لو سمحتي أطلعي برا الأوضة مش عايز مشاكل تاني. ولا مجهزة كدبة جديدة تقوليها لنادر لو شافك هنا!
سيلين بحزن: وأنا بكدب ليه؟ مش عشان بحاول ألحق اللي بينا قبل ما تضيعه. يا كنان إنت بتحبني أنا. مش ممكن حب سنين ينتهي بسهولة كده وكمان تحب واحدة تانية. ما تتجوزش واحدة وقلبك مع واحدة تانية، ما تعملش في نفسك كده وترجع تندم زيي في الآخر. صدقني أنا بحاول ألحقك بس إنت فاكر إني أنانية وعايزاك وخلاص.
كنان: شكرًا على النصيحة وخليها لنفسك. أنا مش مجبر إني أثبتلك إني بحب رزان ولا ﻷ. ولا مهتم إنتي شايفاني لسه بحبك ولا ﻷ. ولو بتتكلمي كده عشان شايفة حياتك مش حلوة وبتحاولي تهربي منها إعملي كده بعيد عني. لكن إنتي إستحالة تعملي كده غير لما تضمني إني بقيت في إيدك عشان ماتخسريش كل حاجة. بس أنا بقولهالك على بلاطة أهو؛ خليكي في الفلوس اللي إنتي إختارتيها من الأول وشيليني من دماغك بقى. أطلعي برا لو سمحتي.
تنهدت سيلين بحزن وغادرت الغرفة.
أما غزل فكانت ترتدي ثوبها الذي أشتراه سيف وعينيها هائمة. عقلها لا يفكر سوى بجواد. تشعر بأن ألمه يترسخ داخل قلبها هي. تتذكر لمست يده ليدها وكأن دفئها قد أحاط بقلبها لا كفها. وفي المقابل كان سيف يتراقص داخل غرفته بعد أن ارتدى حلته إستعدادًا للزفاف.
وجواد كان في طريقه ليحضر نتائج التحاليل الخاصة بكارما. ذهب إلى المشفى وأحضر النتائج ثم ذهب إلى غرفة الطبيب كي يطمئن. وعندما علم أن التحاليل لا يوجد بها أي مشكلة خرج من الغرفة وهو يتنهد براحة. وقبل أن يغادر سمع صوت أحدهم يقول: أستاذ جواد الخولي!
التفت جواد وقال: أهلًا دكتور أكمل.
أكمل: أذيك عامل إيه؟
جواد: بخير الحمد لله.
أكمل: تحاليل مين دي؟ خير تعبان ولا إيه؟
جواد: لأ دي تحاليل كارما بنتي.
أكمل بقلق: خير مالها كارما؟
جواد: مفيش حاجة. ده بس تحليل دوري ليها كانت داليا بتعمله دايمًا عشان تطمن عليها يعني. ما حضرتك عارف هي خلفت وهي عيانة. فا كنا اتقفنا نطمن عليها دايمًا.
عقد أكمل حاجبيه وقال: بس... مدام داليا الله يرحمها تعبت بعد ما خلفت مش قبل.
صمت جواد قليلًا وقال: لأ هي داليا تابعت مع حضرتك بعد ما خلفت. لكن هي كانت عيانة من قبل كده.
أكمل: أنا اللي اكتشفت المرض عندها. مين قال إنها كانت عيانة من قبل كده! أنا الدكتور الوحيد اللي عالج الحالة وده بعد ما أكتشفت أنا المرض.
شعر جواد بأن الدماء تنسحب من جسده وقال: يعني إيه؟! داليا كانت مفهماني إنها عيانة من قبل ما نتجوز أصلًا!
أكمل: وأنا متأكد من اللي بقوله. مدام داليا جات بعد ما ولدت كارما بدليل إن دكتور النسائية بتاعها صاحبي وهو اللي بعتها عندي تكشف بعد ما خلفت، عشان حست بأعراض بعد الولادة. ولما كشفت عليها طلبت منها تحاليل واكتشفت إنها عندها لوكيميا.
جواد: لوكيميا! أنا فاكر إن الكانسر كان في العضم!
أكمل: أنا مش فاهم حاجة؛ بس اللي أقدر أقوله إن أكيد حضرتك فاهم غلط. التحاليل بتاعتها عندي في الملف الخاص بتاعها من ساعة ما بدأت علاج. تقدر حضرتك تشوفه لو حابب وتتأكد من كلامي.
شرد جواد ثم ابتسم وعلامات الدهشة على وجهه. داليا خدعته ليتزوجها. ليس فقط داليا بل عمه وأبيه!
خرج من المشفى وهو في صدمة. يتذكر حديث عمه. دموع داليا الكاذبة. نظرات والده وهو يشكره أنه سوف يسعد قلبها. الاتهامات التي توالت عليه وهو يحاول أن يخفي سرها عن الجميع لأجلها.
أصوات الصراع داخل عقله كانت أقوى من صوت الطبول في حفل خطوبة غزل وسيف. قلبه يدق كالناقوص يعلن عن بداية حرب تحدث بداخل صدره. عقله مشتت... وقلبه يبكي بحزن.
لم يذهب إلى الحفل. بل جاب بالشوارع، وكل الذكريات التي مر بها مع داليا من كذب وخداع تتوالى في عقله.
كانت غزل تبحث عنه في الحفل. ترغب بأن تركض نحوه وتخبره أنها تلقي بنفسها إلى التهلكة كي ينقذها. وسيف يضع ذلك المحبس بيدها ليجعلها ملكَا له.
أما كنان فكان يبحث عنه والحزن داخل عينيه. اقتربت منه رزان وهي وربتت على كتفه فقال: جواد ماجاش خطوبتي يا رزان!
رزان: غصب عنه يا كنان. الوضع بجد صعب عليه أوي. ده بص حتى كارما زعلانة إزاي إن غزل هتتجوز سيف.
أومأ إليها كنان ووضع المحبس بيدها. ثم قبل يدها بحب وسيلين تشاهد ما يحدث بقلب اختنق من الحزن.
انتهى الحفل وعاد جواد إلى المنزل. وجد سيف يجلس بجوار غزل التي ارتدت فستانًا جعلها كالأميرات. وكنان يقف بجوار رزان والسعادة تحيط بهما. اقترب منه كنان بضيق وقال: كده يا جواد ما تجيش خطوبتي!
كان يبحث عن هواء ليتنفسه فأخرج الكلمات بصعوبة من فمه وقال: معلش... حقك عليا. أوعدك هعوضهالك في الفرح الكبير.
كنان بقلق: مالك يا جواد! فيه إيه؟
جواد: طلعت حمار. أخوك أضحك عليه.
كنان: يعني إيه؟
أشار جواد نحو سيف وقال: يعني أخت البيه ضحكت عليا.
اقترب سيف منه وقال بحدة: عيب على فكرة تتكلم عليها كده وهي ميتة.
جواد: تصدق يا سيف. ربنا رحم أختك إنها ماتت. ﻷني لو كنت عرفت باللي عرفته النهاردة وهي عايشة كنت هوريها اللي أسوء من الموت.
كنان: براحة بس يا جواد وفهمني عرفت إيه؟
صاح جواد بكل جوارحه وقال: الهانم ماكنتش عيانة قبل الجواز.
كنان بصدمة: مش فاهم. أمال عمي قالك اتجوزها ليه؟
جواد: مش بقولك أضحك عليا. عمك جيه لحد عندي يعيط ويقولي بنتي بتموت. حققلها اللي نفسها فيه. اتجوزها هي بتحبك وخليها تعيش اليومين اللي فاضلين وهي مبسوطة. وأبوك وافق طبعًا. ما هو أي حاجة تخلي جواد تعيس؛ أمك هتقوله أعملها وتفهمه إن ده لمصلحتي. وهو طبعًا هينفذ. معذور ما كان فاكر زي ما كلكوا فاكرين. إن أمكم كانت بتعاملني بالحنية والطيبة اللي بتشوفوها.
وأنا... محدش فكر فيا. محدش فكر وأنا حتى بعد ما ماتت قاعد بأنب نفسي إني ماحبتهاش. إني ماعرفتش أقولها كلمة حبيبتي ولو مرة واحدة. مش بقولك حمار.
أمسك به نديم وقال: إهدى يا جواد. أنا مش فاهم حاجة من اللي بتقوله، بس أول مرة أشوفك منهار كده.
جواد بحدة: عشان محدش فيكو فكر يسألني اتجوزت داليا ليه! كلكم إفتكرتوا إني طمعان فيها لكن الحقيقة إني كنت ضحية لعبة عملتها عليا. لأ... عملوها عليا كلهم. اتجوزتها عشان عيانة وعندها كانسر في العضم والحقيقة اللي عرفتها النهاردة إنها ماتت بسبب اللوكيميا اللي أكتشفتها بعد ما خلفت كارما.
إنت متخيل إنكم اتهمتوني إني خلفت منها عيل عشان الورث وأنا عارف إنه هيبقى يتيم الأم وهي أصلًا مش عيانة! ﻷ وتيجي تقولي أقولهم يا جواد عشان يبطلوا يتهموك وأنا من هبلي أقولها ﻷ... السر هيفضل بيني وبينك عشان محدش يقولك اتجوزك شفقة.
ثم تنهد بقوة وقال: بس هو الغلط مني. أنا اللي طيب في وسط عيلة ماتعرفش يعني إيه طيبة. عيلة ماتعرفش غير الفلوس والمصالح، حتى لو حفيد العيلة الكبير هيعيش حياته كلها مع واحدة مش بيحبها مش مهم. بس المهم... المصالح.
كان الجميع يسمع ما يقوله ولا يعرف ماذا عليه أن يفعل. جواد لأول مرة ينهار أمام الجميع. سقطت حصونه وظهر الألم الذي دفنه في قلبه لسنوات. أما غزل فكانت تسمع ما يقال ودموعه تذبحها.
خرج من المنزل مرة أخرى فلم تنتظر غزل بل لحقت به على الفور وصاحت باسمه قائلة: استنى يا جواد. أرجوك أقف كلمني.
التفت إليها وعينيه مليئة بالدموع فقالت: إنت... اتجوزتها عشان عيانة؟
ابتسم من بين دموعه وقال: إنتي لسه فاكرة تسألي دلوقتي! ما أنتي زيهم. حاسبتيني على إني اتجوزتها من غير ما تعرفي السبب. لأ وعاملتيني على إني طماع زيهم برده. جاية تسألي بعد إيه؟
أمسك يدها ونظر إلى المحبس وقال: ما خلاص... مبروك يا عروسة.
كاد يذهب فتمسكت بيده وقالت: ﻷ... ماتمشيش.
جواد: مابقاش ينفع. كل واحد لازم يكمل طريقه اللي بدأه.
عارفة الفرق بيني وبينك إيه يا غزل؛ إن إنتي كنتي بتحاولي تنسي لكن أنا ماكنتش عايز أنساكي. عشان كنت عارف إني لو نسيتك مش هيبقى في حياتي أي ذكرى حلوة. بس واضح إن خلاص، إنتي هتفضلي ذكرى وبس يا غزل. أفتكرها واضحك وأرجع للواقع وأحزن.
تركها وغادر وهي تنظر إليه وهو يمضي بإنهزام. ولم تعد تعرف هل لا يزال لديها فرصة لتعوضه كل ما حدث أم لا!