
رواية حب تحت الرماد الفصل التاسع والعشرون29 والثلاثون30 بقلم رباب حسين
في لحظة واحدة، اختفت غزل من أمام قصر الخولي تاركةً خلفها عيونًا مذهولة وقلبًا واحدًا توقف عن التفكير.
جواد... الذي ظن أنه خسر غزل إلى الأبد حين رآها بخاتم رجل آخر لم يكن يعرف أن القدر سيعيدها إليه بطريقة أكثر قسوة؛ امرأة يحبها أصبحت الآن في خطر وهو لا يعرف أين هي ولا من أخذها ولا لماذا.
لكن الخوف عليها لم يكن وحده ما يطارده... فقد وصلت إلى سيف رسالة جعلت ارتباكه واضحًا أمام الجميع وكأن اختفاء غزل لم يكن مفاجأة بالنسبة إليه تمامًا.
أما خالد، فلم يعد يرى أمامه سوى ابنته... ولن يسمح هذه المرة لأي شخص أن يمسها بسوء.
وفي الوقت الذي بدأ فيه الجميع البحث عنها كانت غزل تقاوم هؤلاء الرجال. وقلبها ينادي باسم جواد فهي تعلم أنه الوحيد القادر على إنقاذها.
في القصر، كان جواد يقف مشدوهًَا ربما عقله لم يستوعب بعد أن حبيبته قد سُلبت من عقر داره. وحين استلم سيف الرسالة بعد أن سمع خبر إختطافها أخذ ينظر حوله بتوجس. عينيه قد إعترفت بكل شيء قبل لسانه. أما نادر فنظر إليه على الفور؛ هو يعلم أن عزيز هو من فعل هذا. فتح سيف الرسالة بيد ترتعش من الخوف فوجدها: " الأمانة عندي. تجهز نفسك إنك تسلم البضاعة وبعد ما تتسلم تيجي تاخدها. ماتقلقش هي في الحفظ والصون بس لو إعترضت ماعرفش الرجالة هيعملوا معاها إيه بعد ما أديهالهم هدية."
هوى قلبه بين قدميه. لم يكن يظن أن تسرق منه الفتاة الوحيدة التي نبض قلبه لها. وليس لديه مذنب آخر يلومه غير نفسه. نعم... هو الذي وضعها في ذلك الخطر؛ طمعه بالمال ورغبته في أخذ ما ليس من حقه قد أضاعها منه. لم يكن يعلم أن نبض القلب قد يصبح يومًا خنجر بالصدر. بل لم يعلم أن قلبه قد أصبح أسير حبها وأن نبضه سوف يختفي معها.
نظر نادر إلى شحوب وجهه وعلم أن عزيز قد نفذ تهديده.
أما خالد فكان ينظر إلى الفراغ بشرود. كان يظن أنها لن تفعل شيء بعد أن حاولت قتلها من قبل، وبعد أن منعها من الخروج وحدها فقد أصبحت بأمان. ولكن بلحظة واحدة اختفت.
نظر إلى جواد بعينين يملئها الغضب وقال: عايز عربية توصلني.
جواد بتعجب: توصلك فين! أنا هتصرف يا عمي ماتتعبش نفسك وتخرج تدور عليها.
خالد بحزم: أنا عايز عربية ولا أخرج أخد تاكسي؟
لاحظ جواد تصميمه فقال: ﻷ طبعًا العربيات كلها تحت أمرك.
ثم نظر إلى فرد الأمن وقال: خلي السواق يوصله مكان ما هو عايز ويرجع بيه هنا.
أومأ إليه فرد الأمن وذهب مع خالد خارج القصر. وصل كنان المنزل وحين دخل وجد نظراتهم تزف خبرًا جديدًا ومن المؤكد أنه خبر سيء فقال: خير! فيه إيه تاني حصل؟
ميرو: غزل اتخطفت.
فتح كنان عينيه بصدمة وقال: هو فيه إيه النهاردة! هو البيت ده ملعون؟!
ثم نظر إلى ليان التي تقف مذهولة مما يحدث فقال نديم: إنتي ماشفتيش حاجة يا ليان برا؟
قالت ليان ومازالت الصدمة ترتسم على ملامح وجهها: أنا... أنا ماعرفش حصل إزاي. دي لسه كانت معايا حالًا.
هربت الدموع من عينيها فاقترب منها نديم على الفور وقال: بس إهدي. ماتقلقيش إحنا هنتصرف.
اقترب كنان من جواد الذي يعبث بهاتفه وقال: جواد. هنعمل إيه؟
جواد: كان فيه واحد أعرفه في المرور ممكن يتتبع العربية اللي شافها الأمن ونوصل لمكانها. بحاول أفتكر رقمه كان فين.
بعد دقائق قال: خلاص لقيته وهروحله نشوفها.
كنان: أجي معاك؟
جواد: ﻷ خليك هنا. لو حد اتصل من اللي خطفها كلمني.
كنان بتعجب: مش عارف أنا إيه اللي بيحصلنا ده!
خرج جواد على الفور. أخذ سيارته وانطلق بها وهو يرفع هاتفه ويقول: وصلت فين؟.... طيب ابعتلي اللوكيشن بسرعة.
ابتعد نديم مع ليان عن الجميع. ثم طلب من الخادمة أن تحضر لها عصير ليمون. جلس بجوارها على الأريكة وقال: أنا مبسوط إنك رجعتي.
ليان: أنا رجعت عشان أشوف كنزي. غزل قالتلي على اللي حصل النهاردة.
نديم: هي مش قابلة تتكلم معايا.
ليان بتعجب: معقول! الموضوع مأثر عليها أوي يا روحي. طيب أنا عايزة أشوفها.
نديم: هوصلك أوضتها.
اقترب نادر من سيف وقال بهمس: هو صح؟
سيف: كده ماعنديش حلول غير إني أنفذ اللي هو عايزه.
نادر: ﻷ طبعًا. أنا من رأيي نبلغ البوليس.
سيف: ولو عرف بقى إن إحنا بلغنا يقتلها!
نادر: يا عم مش وقت حنية قلبك دلوقتي. كلنا هنروح في داهية.
سيف: نادر إنت مش بتفهم عربي! بقولك بحبها وأكيد مش هسيبهم يأذوها. حتى لو أنا هموت مش مهم بس هي تعيش.
نادر بضيق: يوووه بقى.
أما كنان فوقف أمام ميرو وقال: شكرًا على الحوار اللي مالوش أي لازمة مع رزان. ماعرفش بصراحة إستفادتي إيه من اللي إنتي عملتيه ده!
ثم نظر إلى سيلين التي قالت بهدوء وهي تنظر إلى ميرو: حوار إيه؟
ميرو: أنا ماعرفش إنها مش عارفة الحوار. اتكلمت وبعدها فهمت إنها ماتعرفش.
ابتسم كنان بتهكم وهو ينظر إليهما معًا وقال: الاتحاد ده مش هيدوم كتير. وعلى العموم حبيت بس أبلغكم إن رزان واثقة فيا جدًا، ومش هتصدق أي هبل من اللي اتقال.
ذهب من أمامهما وسيلين ترمقه بغيظ.
وصل جواد إلى المكان الذي أُرسل إليه. كان أحد المنازل المهجورة في أول الطريق الصحراوي. صف سيارته بعيدًا واقترب منه أحد الرجال على الفور وقال: تمام يا جواد بيه. هي هنا في البيت ده.
جواد: حد شافك؟
درغام: ﻷ. أنا أول ما لقيتهم بيخدوها في العربية اتحركت وراهم فورًا. وفضلت مراقبهم لحد ما وصلوا هنا.
جواد: عددهم أد إيه؟
درغام: تلاتة، بس فيهم واحد ضخم شويتين. أنا هدخل معاك وبعون الله هنخرجها.
جواد: إن شاء الله. بس بسرعة قبل ما حد يجي تاني.
تحرك درغام نحو سيارته وأعطاه عصا حديدية وحمل هو عصا أخرى وقال جواد: لف إنت من ورا شوف فيه دخلة تانية ولا لأ.
درغام: فيه شباك هدخل أنا منه وإنت خش من السور ده عشان محدش يشوفنا.
نفذا ما قاله درغام ووقف جواد يراقب من الخارج ينتظر أن يدخل في الوقت المناسب. وفي هذه الأثناء كان خالد بالطريق يتوعد بداخله إليها وينتظر أن يراها حتى يعرف ماذا فعلت بغزل.
دخل جواد ودرغام وفاجئا رجلين منهم. تشابكا بالأيدي واستعان جواد بتلك العصا الحديدية التي بيده. وحين سقط الرجل الذي أمامه أرضًا متألمًا؛ سمع صوت يصدع من خلفه بقوة: أرمي اللي في إيدك دي.
التفت جواد ووجد ذلك الرجل الذي ذكره درغام يمسك به بقوة من الخلف ويرفع سلاحه عليه. ثم وقعت عينيه على غزل المقيدة بالكرسي من خلفه وهي تنظر إليه بخوف. أومأ إليها كي تهدأ وقال لهذا الرجل: حاضر. هرميها بس ماتقتلوش.
_ أرميها بعيد.
جواد: متأكد؟
_ أخلص.
رفع جواد يده بعيدًا عن جسده ليقذفها بعيدًا ولكن غير اتجاه يده سريعًا وقذف العصا باتجاه الرجل، فاصطدمت برأسه ووضع يده على عينه متألمًا. ابتعد درغام عنه على الفور وانقض عليه جواد، أمسك بيده التي تحمل السلاح بقوة فأخذ يضغط هذا الرجل على السلاح وانطلقت منه عدة رصاصات. حاول جواد أن يبعد السلاح عن الجميع فانطلقت الرصاصات بالهواء والحائط. ضرب جواد يد الرجل بقوة في فخذه عدة مرات فسقط السلاح من يده. ركض درغام ليمسك به وكاد يصوب عليه فمنعه جواد، وهذا الرجل يمسك به بقوة وينهال عليه بالضرب. رد جواد بعض الضربات إليه ولكن تعرض وجهه لبعض الإصابات وبدأ ينزف من فمه. وضع دراغام السلاح في ملابس وحمل العصا الحديدية مرة أخرى. اقترب منهما وهما يتشابكان بقوة، وهو يحاول أن يحدد الوقت المناسب ليصيب به هذا الرجل. فخشي أن يصيب جواد بدلًا منه أثر تحركهما بسرعة.
كانت غزل تصيح باسم جواد بخوف وهي تبكي. مما جعله يقف أمامه ويضربه في عينيه التي أُصيبت من العصا. فتشوشت رؤيته ثم استغل درغام الأمر وطرق رأسه بالعصا أكثر من مرة فسقط مغشيًا عليه. وقف جواد يتكأ على ركبتيه يتنفس بصعوبة. ثم قالت غزل: جواد، تعالى فكني بسرعة قبل ما يصحى.
اقترب منها وهو يمشي بصعوبة. التف حول الكرسي وحل قيد يديها ثم جثا أمامها وحل قيد قدماها. فارتمت بين أحضانه على الفور. فتح جواد عينيه بصدمة ونظر إلى الفراغ خلفها وتجمد مكانه. لأول مرة ترتمي بين أحضانه. تخلل عطرها إلى أنفه وسقطت خصلات شعرها على وجهه. شعر بحرارة جسدها في صدره. أزدادت دقات قلبه وهو يحاول أن يسيطر على رغبته بأن يضمها إليه. فهي ليست ملكه. فوضع يديه على ذراعيها وأبعدها عنها بهدوء وقال: ماتخفيش. خلاص مفيش حاجة. يلا بس قبل ما حد يجي.
أومأت إليه وهي تبكي وتشبثت بذراعه وركضوا خارج المبنى. صعد درغام إلى سيارته وغزل بجوار جواد في سيارته.
تحرك جواد وهي تنظر إلى درغام وقالت: إنت كنت مخلي حد يراقبني؟
جواد: بعد اللي قولتيه في المستشفى خليت درغام وراكي في كل حتة. كنت متأكد إنك أول حد هيتأذي بسبب سيف.
فلاش باك
كان سيف يجلس بجوار غزل وهي نائمة. وحين وردته المكالمة من عزيز وخرج من الغرفة؛ فتحت غزل عينيها واقتربت من الباب. سمعت سيف وهو يتحدث عن دين القمار الذي بلغ ١٠ مليون جنيه. وعن تهريب مخدرات وآثار عن طريق شركة الخولي. ثم أنهى المكالمة واتصل بنادر وسمعت المحادثة معه. فتحت عينيها بصدمة فلم تصدق أن نادر شريكه ويعرض حياة أخيه الأكبر إلى الخطر.
قبل أن يعود سيف إلى الغرفة عادت واستلقت بالفراش مرة أخرى.
في الصباح طلبت من سيف أن يغادر حتى لا يكون متواجد عندما يأتي جواد. وعندما جاء مع كارما قصت له كل ما سمعت. كان ينظر أمامه بصدمة؛ ليس بسبب سيف ولكن بسبب نادر الذي يلجأ إلى كل الطرق كي يسترد أمولًا ليس من حقه.
نظرت إليه غزل وقالت: أنا عارفة إن الموضوع صعب عليك، بس إحنا لازم نلحق الشركة ﻷن إنت اللي هتقع ضحية للموضوع ده. إنت رئيس مجلس الإدارة.
جواد: أنا هتصرف. وهعرف أربي نادر وأعلمه الأدب اللي أمه ماعرفتش تعلمهوله. إنتي خليكي زي ما أنتي وإياكي تتكلمي مع حد في الموضوع ده حتى مع أبوكي. أنا مش عايز أي حد يعرف حاجة والكلام يوصلهم. وأعملي توكيل لسيف بالإدارة. خليه يخش الشركة ولو عمل اللي هما عايزينه هسلمه بنفسي للبوليس.
غزل: يعني إنت هتتفق مع البوليس؟
جواد: أمال أحمي الشركة وأحمي نفسي إزاي؟!
خرج جواد وهو في قمة غضبه وتركها تفكر. كان ترغب بأن تخبر خالد بحقيقة ما يفعله سيف حتى لا تتمم الخطبة ولكن جواد منعها الآن. فقررت أن تنتظر حتى يتصرف جواد بطريقته.
عودة من الفلاش باك
نظرت إليه غزل بضيق وقالت: وسيبتني اتخطبله، بتشاورلي حضرتك إني أوافق على حفلة الخطوبة يوم الخميس وتخرج وتسيبني! مش فارق معاك غير الشركة ونفسك وإنت عارف إني هتأذي أول واحدة؟!
جواد: ما هما حاولوا يقتلوكي من قبل ما تبقي خطيبته. هما خلاص عرفوا إنك أقرب حد لسيف. وبعدين إنتي اللي وافقتي من الأول على الخطوبة منه وفضلتيه عليا. لو كنتي قولتي إنك مش عايزاه كنت منعت الخطوبة أصلًا.
غزل: مش بمزاجي على فكرة. بابا اللي ضغط عليا وخلاني أوافق على سيف عشان أعرف أنساك. وده بعد ما عرف اللي كان بينا أيام الجامعة وإني رافضة اتجوز بسببك لحد دلوقتي.
جواد: وماقولتليش ليه من اﻷول؟!
غزل: هو إنت سايبلي فرصة أكلمك. إنت طفشان من البيت ولما بشوفك بيطلع أي حد يقاطعني.
جواد: وأنا طفشان ليه! مش بسبب إني مش مستحمل أشوفك مع البيه قدامي وهو عمال يبوس في إيدك ويقولك يا حبيبتي! وإنتي السبب؛ دوستي عليا من غير ما تفكري فيا لحظة واحدة.
غزل: قولتلك غصب عني يا جواد، بابا كان ضاغط عليا.
جواد: خلاص يا غزل. إنتي حرة في حياتك. عايزة تكملي مع سيف كملي دي حاجة ترجعلك.
غزل: أنا مش عايزة أروح.
جواد: يعني إيه! أبوكي هيتجنن عليكي. ده خرج من البيت ماعرفش بيدور عليكي ولا بيعمل إيه.
غزل: كلمه وقوله إني معاك وخليه يرجع البيت. بس اﻷول تعالى نروح أي صيدلية نجيب علاج للجروح اللي في وشك دي. وبعدين نتكلم عشان عايزة أفهم كل حاجة.
نظر إليها جواد بصمت قليلًا ثم قال: أنا كمان عايز أفهم.
أدار سيارته بالإتجاه المعاكس وذهب إلى المقطم.
__________________________
أما خالد فكان يقف أمام توحيدة ويصيح بغضب: بقولك قوليلي البت فين؟ وديتيها فين يا غلطة عمري.
توحيدة: وأنا مالي بنتك فين؟ هي عيلة صغيرة تايهة وبتدور عليها! وبعدين أنا ماعرفش عنها حاجة.
خالد: يا سلام! صدقتك أنا كده! مفيش حد بيكره غزل أوي كده غيرك. ولا حد هيحاول يخلص منها وينتقم منها غيرك.
توحيدة: ليه يا خويا! كنت عملت إيه أصلًا؟ هي اللي دخلت بينا وبوظت الجوازة وخربت البيت.
خالد: يا بجاحتك. أنا ماشفتش بجاحة زي كده أبدًا.
_________________________________
وقف جواد وغزل فوق المقطم وهو ينظر إلى المشهد من أعلى وقال: عايزة تفهمي إيه تاني؟
غزل: لو سبتني عشان تتجوز داليا وإنت فاكر إنها عيانة وبتموت؛ ليه ماقولتليش وأختفيت فجأة؟
نظر إليها جواد بضيق وصاح بها: تاني! هتقولي سيبتني تاني؟
غزل: اه هقول كده. عشان ده اللي حصل يا جواد. أنا بعدت شهر رجعت لقيتك خاطب وهتتجوز.
جواد بتعجب: شهر إيه اللي بعديته ده؟!
تنهدت غزل وقالت: فاكر إني كنت بروح كل أجازة في البلد عند أهل بابا؟
جواد: اه فاكر.
غزل: آخر مرة كلمتك فيها لما قولتلك إني مسافرة بكرة البلد صح؟
شرد جواد قليلًا ثم قال: اه، وبعدها كلمتيني وقولتيلي مش عايزة أكمل معاك.
غزل: إيه ده! أنا ماقولتش كده.
نظر إليها جواد بتعجب وقال: إيه يا غزل! إنتي كلمتيني من تليفونك وقولتيلي مش عايزة أكمل معاك. فضلت اتحايل عليكي مش عايزة تكملي ليه، طيب أنا عملت إيه؟ طيب خليني أشوفك ونتكلم. طيب لو زعلتك قوليلي. طيب حقك عليا لو قولتلك أو عملت حاجة غلط وأنا مش قاصد. كان ناقص أبوس أيدك وإنتي ولا إنتي هنا. كل اللي بتقوليه مش عايزاك. مش بحبك. مش عايزة أعرفك.
غزل: بس بس... كل ده ماحصلش. أنا ماعرفش أي حاجة عن الكلام ده. أنا كلمتك آخر مرة وقولتلك إني مسافرة بكرة ونمت. تاني يوم صحيت وبابا بيقولي يلا اتأخرنا. قمت بسرعة لبست وركبت عربية لمحطة القطر. وبعد ما بعدت شوية عن بابا في المحطة قلت أبعتلك عشان أقولك إني مسافرة خلاص؛ مالقتيش التليفون. اكتشفت إني نسيته في العربية. طلبت من بابا يجيبلي تليفون وإحنا في البلد قالي ﻷ لما نرجع، ولو عايزة تكلمي حد من صحابك كلميه من على تليفوني. استنيت لما رجعت مصر وجبت التليفون. حاولت أكلمك أكتر من مرة لقيت التليفون مقفول. وبعدها بيومين لقيت خبر خطوبتك. إزاي بقى كلمتك؟ ومالك متأكد أوي كده؟
جواد: عشان كان شاتنا سوا مثلًا! كان رقمك والشات اللي بنتكلم فيه دايمًا فا أكيد إنتي اللي بتكلميني.
غزل: ماحصلش يا جواد. مين يعني اللي هيمسك تليفوني ويتكلم فيه..
شردت غزل بعد أن تذكرت توحيدة وقالت بصدمة: معقول!
___________________________
توحيدة: أنا بجحة يا أبو غزل! ماشي الله يسامحك.
أمسك بها خالد بقوة وقال: إنتي هتعملي فيها بريئة! مش إنتي اللي رحتي اتفقتي مع إياد الخولي على البت، سرقتي التليفون عشان تقطعي الصلة بينهم. كل ده عشان رمالك قرشين نسيتي؛ البت اللي كبرت على أيدك.
توحيدة: وهو إياد بيه الخولي كان هيخلي ابنه يتجوز واحدة أبوها موظف على أد حاله! جالك وطلب منك بالذوق تبعد البت عنه وإنت وقفت وقولت ﻷ. بنتي تتجوز الراجل اللي يقدرها ولو جيه طلبها مني وطلع فعلًا شاريها وعايزها هوافق عليه؛ حتى لو حرمته من فلوسك وعزك مش فارق معايا. المهم يصونها ويحافظ عليها. أهو لا صانها ولا حافظ عليها واتجوز بنت عمه في الآخر. فوق بقى يا خالد. الناس دي بتفكر في الفلوس وبس والراجل ده لو كان حاطك في دماغه إنت وبنتك كان زمانها مقتولة ولا صورها على النت في كل حتة ومفضوحة.
خالد بغضب: وإنتي ماضحتيهاش! لما خليتي ولاد حتتها يتكلموا عليها وعلى عرضها ماكنتش فضيحة.
______________________
جواد: إيه! إنتي قصدك إن ممكن توحيدة هي اللي كلمتني وقالتلي كده؟
غزل: اه، لو فعلًا زي ما بتقول إني كلمتك من تليفوني يبقى هي. خصوصًا إن بابا طلقها بعد السفرية دي على طول. بس... لو ده حقيقي يبقى بابا كان عارف موضوعك أصلًا! أنا مش فاهمة حاجة. فيه حاجة ناقصة.
جواد: أنا مش مصدق! ليه توحيدة تفرق بينا.
ثم صمت قليلًا وقال: تبقى هي اللي ورا الكلام اللي سمعته.
غزل: كلام إيه!
جواد: أنا... رحت عندكم البيت بعد ما سافرتي. كنت عايز أشوفك بأي شكل مع إنك رفضتي. بس قولت غزل لا يمكن تسيبني كده غير لو فيه حاجة حصلت. وقتها لما وصلت تحت البيت عندكم لقيت البيت مقفول بالقفل من برا. سألت واحد فاتح محل في البيت من تحت، قالي.... قالي إن إنتوا سيبتوا المنطقة كلها.
غزل: مين قالك كده وليه؟
جواد: ما أنا سألته ليه؛ قالي إن أبوكي عرف إن ليكي علاقات مع رجالة وكده، وإنك اتفضحتي في المنطقة كلها عشان كده سيبتوا البيت.
فتحت غزل عينيها بصدمة وقالت: أنا! الكلام ده مش حقيقي. أحلفلك بإيه يا جواد إنه ماحصلش. بدليل إن أنا سيبت البيت بس عشان عملية بابا. وطول عمري عايشة فيه.
جواد: إهدي يا غزل. أنا أصلًا كده كده ماصدقتش.
تحولت نظراتها إلى الحزن وقالت: ماصدقتش؟!
جواد: ﻷ طبعًا.
غزل: ولا حتى شكيت؟
جواد: أشك في نفسي يا غزل! إنتي نفسي، حتة مني. أنا عايش بس عشان عندي أمل إنك ممكن في يوم تبقي ليا. حتى وأنا متجوز وبتعذب وأنا بعيد عنك كان أملي إنك ترجعي. حتى بعد سمعت الكلام ده فضلت اتصل بيكي كتير. لا كنت بنام ولا باكل. كنت عالم زي العيل الصغير اللي أمه سابته ومشيت. واللي خلاني أبطل أحاول هو موضوع داليا. أنا لو ماكنتش اتجوزتها كان زماني لحد دلوقتي باجي تحت بيتكوا مستنيكي ترضي بس تقابليني. عرفتي ليه أنا إنهارت كده لما عرفت إنها كدبت عليا!
اقتربت منه غزل ونظرت إلى عمق عينيه وقالت: عرفت ليه عمري ما نسيتك. قلوبنا كانت دايمًا مع بعض. كنت بحس بيك كأنك عايش جوايا. أنا كمان حبك ماقلش في قلبي أبدًا. أنا لسه بحبك يا جواد.
ابتسم بحزن وقال: يا فرج الله. قوليها كده تاني.
ضحكت غزل وقالت: هنلزق بقى!
جواد: ﻷ... ده أنا مستنيها بقالي سنين. هتقوليها تاني غصب عنك.
ابتسمت غزل وقالت: أنا بحبك يا جواد.
أمسك يدها ونزع منها الخاتم وألقى به بالأرض ثم جذبه بقوة وقال: تعالي بقى.
ضمها بيد ذراعيه. شعر براحة لم يشعر بها من قبل قط. أول حضن يشعر به بالدفء والحنان. أرخى كاتفيه وكأن هذا الجواد قد أنهى السباق. انتصر قلبه الذي هُزم بالبعد لسنوات. أسند رأسه على كتفها يرمي هموم عمره بين يديها. ثم طبع قبلة على كتفها بحنان وقال: تتجوزيني يا غزل؟
ابتسمت بحزن وانسابت دموعها وهي تحرك رأسها معلنة موافقتها.
وأخيرًا انقشعت غيوم الكذب والخداع.
الفصل الثلاثون30
حين يعود قلبان افترقا ظلمًا إلى بعضهما لا تكون العودة مجرد لحظة حب... بل تكون مواجهة لكل السنوات التي ضاعت بينهما.
جواد وغزل أخيرًا عرفا الحقيقة التي أخفاها عنهما الزمن واكتشفا أن الفراق لم يكن اختيارًا من أي منهما... بل كان لعبة صنعها آخرون ودفعا هما ثمنها من عمرهما وقلبيهما.
لكن اعتراف الحب لا يعني أن الطريق أصبح سهلًا... فما زال هناك ماضي لم يُغلق وأسرار لم تُكشف وأشخاص لن يسمحوا بسهولة بأن تنتصر الحقيقة.
وفي الوقت الذي بدأ فيه جواد وغزل يستعيدان ما سُلب منهما، كانت ليان تقف أمام سؤال آخر... هل تستطيع أن تمنح نديم فرصة جديدة بعدما هزت ثقتها به كل تلك الأكاذيب؟
كانت ليان تدخل غرفة كنزي التي ما أن رأتها حتى ركضت إليها وارتمت بين أحضانها. وحين رأت كارما تلك اللحظة ابتسمت وتذكرت غزل. أرادت أن تشعر بهذا الدفء الذي يتخللها وهي بين أحضانها. فركضت خارج الغرفة تبحث عنها.
أخذت ليان كنزي إلى الأريكة وجلست بجوارها ونديم يقف ويتابع ما يحدث. أزالت ليان دموعها وقالت: بتعيطي ليه كده يا حبيبتي؟
كنزي: ماما مش عايزاني. وبابا كدب عليا... كلهم كدبوا عليا وقالولي إنها بتحبك بس بعدت غصب عنها. أنا كنت عارفة إنها مش بتحبني. هي عمرها ما قالتلي كلمة بحبك ولا خدتني في حضنها زيك. بس كنت فاكرة إنها لو بعدت عني هوحشها زي ما هي وحشتني. ولما جات كدبت عليا تاني وأنا سمعتها وهي بتقول لبابا إنها بس عايزاني أروح أخد حقنة عشان هي تخف. عايزة تعمل ليا التحاليل دي اللي كارما بتعملها وأخد حقنة زيها. أنا بخاف من الحقن. هي ليه عايزة تعمل كده؟
ليان: بصي يا كنزي. إنتي دلوقتي كبرتي خلاص وأكيد هتفهمي اللي أنا هقوله ده. بابا كان خايف عليكي تزعلي لما تعرفي إن خلاص ماما مش هينفع تعيش معاكم هنا في البيت تاني. فا هو خبى عليكي بس عشان ماتزعليش. إنتي عارفة إن كلنا بنحبك ومش عايزين نشوفك زعلانة. وبعدين ماما بتحبك كمان بس هي غصب عنها لازم تبعد.
كنزي: يعني هما اتطلقوا؟
ليان: اه. بس ده ما يمنعش إنهم بيحبوكي أكتر حد في الدنيا. بصي كلنا زعلانين إزاي عشان إنتي بتعيطي. وبابا عارف إن الكدب حرام وغلط بس هو خاف عليكي. إنتي أهم حد عنده في الدنيا كلها.
نظرت إلى نديم الذي ينظر إليها بحزن فركضت نحوه وأحتضنته وقالت: مش بحب أشوفك زعلان كده. أنا مش زعلانة منك خلاص. بس ماتكدبش عليا تاني ولا تخلي ماما تاخدني أخد حقنة.
نديم: ماحدش هياخدك مني أبدًا يا حبيبتي. طول ما أنا جنبك إوعي تخافي من حاجة. أنا بحبك أوي يا كنزي.
نظر إلى ليان وشكرها بعينيه وهي تنظر إلى كنزي وتبتسم إليها.
أما كنان ورزان فبينهما حب يحاول الصمود أمام الشك. كان يقف كنان أمامهم بقوة زائفة ولكن عقله يفكر برزان. وهي... جلست بغرفتها تنظر إلى الفراغ بشرود. يتردد داخل عقلها حديثه إليها وهو يطلب منها ألا تتركه. قلبها يصدق أنه يحبها. هي تعلم أن سيلين هي من تنصب شباكها حوله ولكن ما تشعر به من غيرة يجعلها تشك به رغمًا عنها وهذا ما تبغضه. هي تريد أن تعيش مطمئنة بين يديه. فأصبح قلبها ممزق بين الراحة والأمان التي حلمت بهما وبين حبها له الذي يرغمها أن تتحمل هذا التشتت.
انتبهت إلى هاتفها الذي أعلن عن رسالة من كنان، تنهدت وفتحتها: "المفروض كنا نخرج نحتفل النهاردة سوا ونتغدى برا، بس الوضع بجد غريب ومش مفهوم. ومع ذلك أنا لسه مبسوط إنك خلاص بقيتي ليا. إنتي وحشتيني ومستني لما أوحشك وتكلميني. بحبك"
أغمضت عينيها ولم تجيبه. هي تشتاق إليه وترغب بأن تلقي هذه الهموم من على كتفها وتركض نحوه وهي لا تخاف من شيء ولكن عليها أن تفكر جيدًا. فإما أن تجد حل لتنهي هذا العبث الذي يحدث أو تبتعد عنه.
وبمكان آخر كانت سيلين وميرو يجلسان معًا ويبحثان عن طريقة أخرى لتنهي هذا الزواج، فلم تنتهي خطتهما بعد... ثم قالت ميرو: يا سلام لو غزل ما رجعتش! ابقى كسبت جواد خلاص.
سيلين: حتى لو رجعت هي كده كده خطبية سيف لسه. إنتي اللي ساكتة مش بتحاولي.
ميرو: وضع جواد غير كنان. أنا متأكدة إن كنان ساكت على اللي إنتي بتعمليه بس عشان خايف على مشاعر نادر، لكن جواد وقف قالها بكل بجاحة قدامي؛ أنا مش بحبك ومش عايزك. ولو حاولت أكتر ممكن يطردني من البيت.
سيلين: مش عارفة بصراحة هما شايفين نفسهم أوي علينا كده ليه!
ميرو: بفلوسهم يا حبيبتي. الفلوس بتقوي القلب.
كان سيف يجوب بالمكان بقلق. يحاول أن يتصل بعزيز ولكنه لا يستقبل مكالماته. هو يعلم أنه لم يعد أمامه الكثير من الوقت. فالخطر الذي صنعه بيديه أصبح أقرب من أي وقت مضى وغزل لم تعد مجرد فتاة يعرفها... بل أصبحت الشاهد الوحيد الذي قد يكشف كل شيء.
لكن أخطر ما في الحكاية أن عزيز لم يحصل بعد على ما يريد، وهروب غزل من قبضة يده قد يجعله أشد خطرًا.
صدع هاتف كنان باتصال من جواد فقال بإندفاع: جواد!
تلقى المكالمة وسيف يقترب منه بعجالة ثم قال: أيوة يا جواد. عملت إيه؟
نظر بجواره إلى غزل وابتسم قائلًا: غزل معايا. خلاص ماتقلش. أنا قلت اطمنك. وهتصل دلوقتي اطمن عمي عشان يرجع.
كنان بسعادة: الحمد لله. طيب إنت كويس؟
جواد: كويس الحمد لله. شوية وجاي خلاص.
أنهى المكالمة واتصل بخالد على الفور. نظر خالد بهاتفه ثم اشار إلى توحيدة بأن تصمت وتلقى المكالمة: ألو.
جواد: أيوة يا عمي. غزل معايا خلاص. ياريت ترجع عشان هي عايزة تطمن عليك.
خالد بدهشة: معاك! لقيتها فين؟
جواد: اللي خطفوها ودوها في مكان كده مهجور في أول الطريق الصحراوي. وأنا عرفت هما فين عن طريق المرور وراجعين دلوقتي على البيت.
خالد بحماس: طيب أنا جاي. مسافة الطريق.
أنهى جواد المكالمة وقالت غزل: إحنا هنروح؟
جواد: اه. بس خليكي معايا شوية.
أمسكت بيده فابتسم على الفور وقال: هتعملي إيه مع سيف؟
غزل: نفسي أواجهه بكل اللي عمله.
جواد: مش هينفع دلوقتي. أنا عارف إنك نفسك تمسكيه ترزعيه علقة بس خلينا نمشي مع البوليس عشان نخلص من الكابوس ده.
غزل: هو... لو نادر ساعده هيتسجن معاه؟
تنهد جواد وقال: أنا عمال ألمحله إني فاهم هو بيعمل إيه يمكن يرجع عن الموضوع. وفي نفس الوقت تعليمات الظابط واضحة. بس مش قادر أعمل كده فيه بالرغم من اللي عمله فيا ده كله.
غزل: هو ليه بيعمل معاك كده؟
جواد: كله من صافي أمه. هي فضلت تزرع في قلبه الكره من ناحيتي. حاولت تعمل كده مع نديم وكنان بس ماعرفتش. نديم برده ساعات بيحاول يرضي نادر على حسابي. هو أخوه الصغير وبيحبه. بس عنده ضمير وحنين عن نادر كتير.
غزل: كنان بقى شبهك جدًا. أنا حبيته أوي عشان حسيته إنه منك كده وأقرب حد ليك.
ضغط جواد على يدها بقوة فتأوهت وقالت: اه يا جواد براحة.
جواد: كلمة حبيته دي ماسمعهاش تتقال لحد تاني. أنا صابر سنين غلب بجد. فا اتلمي عشان مش هسكلتك.
غزل: خلاص طيب. مش قصدي الحب ده يعني.
جواد: ولا أي حب. ولا حتى تقولي لأبوكي أنا بحبك قدامي.
غزل: دي غيرة جديدة دي.
جواد: لا ده حب تملك.
ضحكن غزل وقالت: إيه الصراحة دي!
جواد: هو كده. إنتي بتاعتي واللي هيبصلك بس هخرم عينه. وإلا هحبسك في الأوضة ومش هخرجك.
غزل: إنت اتحولت كده ليه يا حبيبي؟
جواد: يلهوي بنهار أنا كده! بلاش حبيبي دي. بقولك إيه ما تيجي نكتب الكتاب.
غزل: اممم. فكرة برده. وبالنسبة لبابا اللي فاكر إنك حاولت تقتلني!
جواد: ما أنا هقوله يا تجوزهالي يا أقتلها.
غزل: بس هو كده هيوافق. ﻷ يا حبيبي... أنا عايزة فرح كبير وألبس فستان أبيض زي ما وعدتني زمان. ولا نسيت؟
جواد: مانستش. مفيش حاجة نسيتها.
غزل: استنى هوريك حاجة.
أخرجت السلسال من بين ثيابها وأشارت إلى الخاتم الذي بآخره وقالت: فاكر ده؟
فتح جواد عينيه بدهشة وقال: أنا كمان...
قاطعته غزل وقالت: عارفة. لابس سلسلة فيها الخاتم زيي.
جواد بتعجب: عرفتي منين؟
غزل: كنت في أوضتك النهاردة لما رجعت الصبح وشوفت السلسلة في رقبتك.
جواد: وإنتي كنتي بتعملي إيه في أوضتي يا هانم وأنا نايم؟ مش عيب.
غزل: هشششش. إنت كده كده هتبقى جوزي فا مش عيب.
جواد: ما بقولك نروح نتجوز مش موافقة. طيب نكتب الكتاب بس وبعدين نعمل الفرح.
ضحكت غزل وقالت: بس بقى. ويلا روحني.
جواد: ﻷ... أنا مبسوط هنا.
غزل: يلا يا جواد بقى عايزة أشوف الجروح اللي في وشك دي.
جواد: هي بوسة هتداويها.
غزل: ﻷ إنت بقيت خطر! أنا هبدأ أخاف منك.
جواد: تخافي مني أنا! ده أنا أفديكي بروحي.
غزل: ياااه يا جواد. أنا بجد ماكنتش عايشة وأنا بعيد عنك.
جواد: ربنا اللي عالم أنا كانت حالتي إيه من غيرك. الله يسامح اللي كان السبب.
غزل: أنا عايزة اتكلم مع بابا عشان أفهم منه كل حاجة. عارف لو طلعت توحيدة هي اللي ورا الموضوع ده أنا هطلع عليها قرف السنين دي كلها. روحني بقى لو سمحت.
جواد: هو بعد الوش ده لأ نروح أحسن فعلًا.
ضحكت غزل وعاد جواد إلى المنزل.
أما سيف فجلس يتنفس براحة بعد أن علم أن غزل أصبحت بأمان. اقترب منه نادر وقال: خلينا نبلغ البوليس يا سيف. ده أحسن حل لينا كلنا. وخلاص إنت اطمنت على غزل.
سيف: لو بلغت الموضوع هيتعرف وساعتها غزل هتشك فيا. أنا كده ممكن أخسرها.
نادر: أنا شايف إنها لسه بتحب جواد. وبصراحة بعد اللي جواد قاله امبارح أنا مش قادر أقسى عليه أكتر من كده. أنا عارف إن أمي ماكنتش بتحبه. لكن حكاية داليا وإنها ممكن تكون السبب إنها تفرقه عن غزل بجد مزعلاني. خليهم يرجعوا لبعض وسيبهم في حالهم.
سيف بحدة: إنت بتقول كده عشان مش خسران حاجة. لكن أنا هخسر غزل والفلوس.
نادر: الفلوس كده كده خسرتها من زمان وغزل مش ملكك أصلًا عشان تخسرها. أنا هسيبك تفكر وتعمل الصح. لكن لو فضلت مكمل في اللي إنت بتعمله ده مش هسكت وهروح أبلغ أنا. وساعتها هتبقى مع عزيز في زنزانة واحدة.
تركه وذهب يجلس بجوار كنان. أما نديم فنزل من أعلى الدرج مع ليان. ثم سأل عن غزل فقال كنان. خلاص جواد لقاها وراجعين على البيت.
كارما: ليه هي ماما فين؟
كنان: برا يا حبيبتي مع بابا وجاية.
أومأت إليه وجلست تنتظرهما أما ليان فقالت: بما إني اطمنت عليها همشي بقى عشان براء لوحده. عن أذنكم.
نديم: ﻷ استني. ممكن نتكلم شوية؟
تنهدت ليان بضيق فأردف: خمس دقايق بس يا ليان. ماستحقش حتى خمس دقايق من وقتك؟
نظرت إليه قليلًا ثم قالت: ماشي يا نديم.
خرجا معًا من القصر وجلسا بالحديقة. أخرج نديم من جيبه العقد وأعطاه لها. نظرت إلى الورقة وقالت: إيه ده؟
نديم: إفتحيه وإنتي هتفهمي.
أخذته ليان وفتحته ثم تحولت نظراتها إلى الدهشة وعادت النظر إلى نديم فقال: الفلوس اللي خدها معتز كان الشرط الجزائي في العقد ده. وباقي المبلغ مقابل إنك تعمليله محضر عدم تعرض عشان أضمن إن معتز مش هيقربلك تاني. لكن بالنسبة للكلام اللي قاله معتز ده كله مش حقيقي.
ظهر الندم على ملامحها فقال: من ساعة ما بطلتي تردي عليا وأنا حاسس إنك هتبعدي. يمكن مش واثقة فيا أو ماحبتنيش بما فيه الكفاية اللي يخليكي تتخطي التجربة اللي مريتي بيها وتدي لنفسك وليا فرصة. أنا فاهم إنتي حاسة بإيه عشان أنا وإنتي في نفس الوضع. إحنا الاتنين اتأذينا مع إننا ماعملناش حاجة غير إن إحنا وثقنا في الناس الغلط.
عارف إنك عايزة تبعدي وأنا مش هضغط عليكي. يمكن تقدري تنسي وتقرري تبدأي من جديد ووقتها هتلاقيني موجود زي ما وعدتك. ولو قررتي تبعدي على الأقل يبقى عندك فرصة تجربي من جديد مع حد تاني من غير خوف من معتز. عشان كده رجعت العقد. ودلوقتي لو عايزة تمشي أمشي.
نهض نديم وتركها بالحديقة وهي تنظر إلى أثره. نعم هي تخشى التجربة. تخاف أن تُجرح أو تتعرض لأذى جديد هي وبراء. ولكن الآن تعلم أن نديم لديه نفس التخوف، وهذا يعني أنه لن يأذيها. فهو لم يفعل شيء يجعلها تهرب منه. لذا قررت أن تترك خوفها وتثق بقلبها مرة أخرى.
ركضت خلفه وأحتضنته من ظهره واتكأت برأسها عليه وقالت: أنا بحس معاك بأمان. أمان لدرجة إني بحس إني ساذجة وهيتضحك عليا تاني. عارف لما تحس إنك مرتاح أوي فا عقلك يقول ﻷ الراحة دي مش طبيعيه أكيد فيه حاجة غلط إنت مش شايفها. وكأن الأمان بقى نادر جدًا في حياتنا. بس دلوقتي اكتشفت حاجة مهمة أوي. إنت شبهي يا نديم. بتحب بقلبك بجد. واللي زينا عمره ما يأذي. أنا بحبك يا نديم.
ابتسم نديم وأغلق عينيها براحة ثم التفت إليها وضمها بين ذراعيه ثم قال: أنا كمان بحبك. وعمري ما هأذيكي، ماتخفيش مني. إنتي وبراء بقيتوا حتة مني. اطمني يا ليان. أوعدك إنك مش هتتجرحي تاني.
ابتسمت وهي بين أحضانه. وانتهى الكابوس الذي كان يؤرق صفوها وهذا بفضله.
عاد خالد إلى المنزل وبعد قليل وصل جواد وغزل. وقبل أن تترجل من السيارة أمسك بيدها وقال بحزم: تدخلي تنهي حوار سيف نهائي. ولو شوفتك بتبصيله بس مش هسكت وهفضح الدنيا ويلا بقى كلنا ندخل السجن.
غزل: إنت مش ملاحظ إنك بتهددني كتير!
جواد: تستاهلي. ما أنتي لو كنتي محترماني من الأول ماكناش وصلنا هنا.
غزل: خلاص بقى مايبقاش قلبك أسود. كنت زعلانة منك يوووه.
جواد: يعني خلاص مش زعلانة؟
ابتسمت بحب وقالت: أنا مبسوطة أوي.
ثم تبدلت ملامحها وأردفت: أخلص بس على توحيدة وأنا هبقى زي الفل.
ترك جواد يدها سريعًا وقال: يلهوى بحب ريا وسكينة! روحي روحي. وأنا ههرب من هنا. عايزة مني حاجة.
غزل بحزم: إنزل يا جواد بدل ما تبقى توحيدة وإنت كمان.
ضحك جواد وقال: لأ خلاص أنا هنزل بالذوق أهو.
دخلا المنزل وركض سيف نحوها فور أن رأها. فارتدت إلى الخلف سريعًا قبل أو يحتضنها وقالت بتعجب: بتعمل إيه!
سيف: أسف بس من فرحتي إنك رجعتي.
اقترب منها خالد سريعًا وضمها إليه. ثم جذبت كارما ثيابها حتى تحتضنها هي الأخرى. فحملتها وأحتضنتها.
أما جواد فكان ينظر إلى سيف وهي يضغط على أسنانه كي يصمت ولا يفضح كل شيء.
اقترب منه كنان بفزع وقال: إنت دخلت فيهم بوشك ولا إيه يا جواد؟!
جواد: أسكت يا كنان. ده فيه واحد فيهم واكل أربعة تقريبًا.
ابتعدت غزل عن كارما وقالت: أنا كنت مرعوبة وهما بيضربوا في بعض بجد.
نادر: حمد الله على السلامة يا أخويا. الحمد لله إنها عادت على خير ورجعتوا بالسلامة.
انتقلت كارما إلى أحضان جواد وهي تنظر إلى جروح وجهه وقالت: بابا إيه اللي في وشك ده!
جواد: ماتخفيش يا حبيبتي أنا كويس.
غزل: بابا عايزة اتكلم معاك ضروري أنا وجواد.
خالد: خير!
جواد: تعالى بس على المكتب يا عمي.
ذهبوا معًا وسيف ينظر إليهم بتعجب فقال نادر: شكلها راحت عليك.
جلس خالد أمامها وقالت غزل: هو إنت كنت عارف موضوع جواد من قبل كده يا بابا؟!
نظر إليها بصمت قليلًا ثم قال: أنا كنت هقولك بعد اللي سمعته من جواد امبارح بس لقيتك مش مستحملة.
غزل: عايز تقولي إيه؟
نظر خالد إلى جواد وقال: أبوك جالي زمان قبل ما تتجوز.
جواد: أبويا! ليه؟
غزل: عشان كده عرفته في الصورة أول ما شفته هنا في القصر!
خالد: لما عرفت إنك في بيته بعد السنين دي استغربت من الصدفة.
جواد: ممكن بس أفهم ليه بابا جالك؟
خالد: هددني عشان أبعد بنتي عنك. وأنا وقتها قولتله إني مش بتهدد. ولو إنت جيت واتقدمت لبنتي من غير موافقته ولا فلوسه وعرفت إنك عايز بنتي بجد هوافق عليك. طبعًا هو كان متوقع إني هخاف منه لكن اتفاجأ بردي.
أصل يا ابني الجواز والطلاق ده لا بإيدي ولا بإيد حد. وأنا لو غزل بتحب حد مش هقف في طريقها طالما بيحبها وشاريها.
بعدها سافرنا البلد. ولما رجعت لقيت واحد من أهل الحتة بيقولي إن فيه واحد جيه سأل عليا وعليها، وسمع الواد اللي كان مأجر المحل اللي في البيت من تحت بيقول كلام مش كويس على غزل. وقتها نزلت للواد واتخانقت معاه، ولما طردته قالي إن توحيدة هي اللي قالتله يقول كده عشان إنت ابن راجل تقيل أوي وهيأذيني. فا هو سمع كلامها.
غزل: هي توحيدة! أنا قلت إنها ورا الحوار ده.
جواد: إستني بس يا غزل. وطالما إنت كنت عارف ليه ضغطت عليها عشان تتجوز سيف؟
خالد: عشان كنت فاكر إنك صدقت الكلام عليها ورحت اتجوزت بنت عمك. وسمعت كلام أبوك وخوفت على الفلوس وفضلتها على بنتي. ولو كنت عملت كده فعلًا يبقى ما تستاهلش غزل أبدًا.
بس لما عرفت إنك اتجوزت داليا وهي ضحكت عليك بموضوع مرضها ده فهمت كل حاجة. حتى وقتها قلت لغزل أنا كده فهمت الملعوب كله.
أبوك جرب معايا ماعرفش. توحيدة بقى إديته السكة وسرقت تليفون البت واتكلمت معاك وبعدين رمته عشان تقطع الصلة بينكم. وفي الوقت ده كان بيرسم خطة مرض داليا وكده يبقى بعدكم عن بعض نهائي.
غزل بصدمة: وتوحيدة تعمل كده ليه؟!
خالد: ضحك عليها بالفلوس. وبتقول إنها خافت عليا وعليكي بس أنا مش مصدقها. عشان كده طلقتها. مابقتش تلزمني ولا هتعرف تصونك. اللي تتكلم على عرض بنت تبقى ملهاش أمان.
غزل بحزن: ليه يا بابا ماقولتليش؟! كان ممكن أكلم جواد وأفهم منه.
خالد: يا بنتي أنا شفتك وإنتي منهارة وبتبصي على خبر جوازه. عرفت ساعتها إنه ماينفعكيش. أنا مش عايزك تعيشي في وسط عيلة شايفينك قليلة، ولا تجري ورا واحد فضل عليكي الفلوس وسمع كلام أبوه. وخلاص هو كان هيتجوز يعني الموضوع خلص.
جواد: أنا عمري ما فكرت في الفلوس ولا مال الدنيا كلها يعوضني عن غزل.
خالد: خلاص يا ابني. أنا عرفت معدنك شكله إيه. والصراحة أنا مدينلك بإعتذار. ولو يا بنتي مش عايزة سيف ولسه بتحبي جواد أنا مش هقف في طريقكم تاني.
جواد بسعادة: أهو! نجيب المأذون بقى.
غزل: أخد حقي من توحيدة الأول.
خالد: لأ... إبعدي عنها بقى.
غزل: بس يا حج. أنا ناري مش هتبرد غير لما أخد حقي منها.
خالد: أنا عارف. مش هتهدى غير لما تقتليها. الله يكون في عونك بقى يا ابني.
ضحك جواد وقال: هستناها لما تطلع من السجن. خلصي يا حبيبتي وأنا هروح أبلغ البوليس.
ضحكوا معًا وغزل تنظر إليهما بسعادة. فاليوم هو أسعد أيام حياتها.
أما بالخارج فكان سيف يسمع أصواتهم وأصبحت الأمور واضحة. جواد قد استطاع أن يملك غزل مرة أخرى.
ترى ماذا سيفعل سيف كي يعيدها إليه؟
يتبع