
رواية حب تحت الرماد الفصل السابع والعشرون27 والثامن والعشرون28 بقلم رباب حسين
هناك لحظات لا ينكسر فيها القلب دفعةً واحدة... بل يتصدع ببطء؛ مع كل حقيقة تظهر وكل كلمة لم تُقال في وقتها وكل فرصة ظننا أنها ستظل تنتظرنا.
جواد عرف أخيرًا أن زواجه الذي عاشه سنوات كان مبنيًا على كذبة... لكن الحقيقة التي كان يبحث عنها لم تكن في مرض داليا بل في الماضي الذي جمعه بغزل. ذلك الماضي الذي لا يزال كل منهما يروي نصفه فقط.
وغزل... وقفت أمام الرجل الذي أحبته يومًا بخاتم رجل آخر في يدها بعدما أدركت أن خسارته لم تكن مجرد خطأ عابر وأن بعض الاعتذارات تأتي متأخرة لدرجة تجعل إصلاح ما انكسر أشبه بالمستحيل.
لكن ما لا تعرفه غزل أن جواد لم يكن يلومها عبثًا... وما لا يعرفه جواد أن غزل لم تتركه بالطريقة التي يظنها.
وفي الوقت الذي بدأت فيه خيوط الماضي تتجمع كان سيف يحمل سرًا قد يهدد كل ما بناه. ونديم يحاول أن يمنح ليان الأمان الذي سُلب منها بينما يقف معتز في الظل منتظرًا اللحظة المناسبة ليقلب حياتهما من جديد.
أما كنان ورزان... فقد ظنا أن أصعب ما مرا به أصبح خلفهما. لكن بعض النهايات لا تأتي عندما نظن أنها انتهت... فالحب الذي دُفن تحت الرماد لا يموت دائمًا... أحيانًا ينتظر فقط من يشعل النار من جديد.
كانت الكلمات أثقل من أن تقال. وقفت أمامه تعتذر عما فعلت بعينيها فقط. ترى الألم في عينيه وتقف عاجزة؛ فهي ظلمته أيضًا. وأي إعتذار سيداوي هذا الجرح.
تأملت ملامحه وهي تريد أن ترتمي بين ذراعيه حتى صدع صوت سيف من خلفها يقول: غزل!
التفتت إليه فقال: بتعملي إيه هنا؟
نظرت إلى جواد ثم عادت النظر إليه ولم تتحدث. فأردف: طيب إدخلي جوا وسيبيني معاه شوية.
جواد: خد خطيبتك وأمشي من هنا يا سيف. أنا مش عايز اتكلم مع حد.
تركهما وغادر ولكن كنان ركض من خلفه وهو يصيح باسمه كي يتوقف. ثم وقف أمامه وأمسك بذراعه وقال: استنى بس يا جواد. خدني معاك ماتمشيش لوحدك وإنت في الحالة دي.
أومأ إليه جواد ومن خلفهما كانت رزان تنظر إلى أثره بحزن. كان يفترض أن يصبح هذا اليوم ذكرى سعيدة ولكن ما يمر به جواد خيم الحزن على قلبه وقلبها. دعت إليه كي يعوضه الله عما مر به ثم اقتربت من أمها وقالت: تعالي يا حبيبتي نروح. سيبيهم يرتاحوا.
رزان: كنان شكله زعلان أوي يا ماما.
منال: زعلان على أخوه والصراحة حقه. كلنا زعلنا عليه.
رزان: يارب يفرح قلبه.
ربتت على كتفها وصعدت بالسيارة مع عائلتها وغادروا المنزل.
أما بالداخل فكان واقع الصدمة مؤلم على الجميع. وحين دخل سيف مع غزل المنزل مرة أخرى ابتعد عنهم وقال بهمس: ممكن أعرف ليه رحتي وراه برا؟
غزل بحدة: إنت مش شايف وضعه يا سيف ولا إيه؟!
سيف: كلنا وقفنا ومحدش خرج وراه. لكن إنتي جريتي وراه مجرد ما خرج. خايفة عليه أوي كده ليه مش فاهم!
غزل: يمكن عشان صدقتكوا وكدبته هو! أو يمكن عشان طلع مظلوم وأنا كمان ظلمته وكان لازم أعتذر على اللي قولته! الغريب إن إنت ذات نفسك ماحاولتش تعتذر عن كل التهم اللي كنت بترميها عليه دي!
سيف: حاولت بس هو اللي رفض. ما إنتي شفتي بنفسك.
غزل: سيف إنت خرجت عشان تبعدني عنه مش أكتر. لكن جواد مش فارق معاك أصلًا. فا بلاش نمثل على بعض.
ثم تركته وصعدت إلى غرفتها ولحق بها خالد. وحين دخل الغرفة خلفها نظرت إليه وقالت: ها... صدقت ولا لسه؟
خالد بحزن: صدقت. أنا ظلمته بصراحة. كنت فاكر إنه سابك بمزاجه. بس دلوقتي فهمت الملعوب كله.
غزل: بعد إيه يا بابا! بعد ما ضغطت عليا وخلتني اتخطب لواحد مش بحبه؟
خالد: يا بنتي ده مايمنعش إن سيف كويس وبيحبك برده.
غزل بضيق: بابا لو سمحت سيبني لوحدي شوية. أنا دماغي مش مركزة ومشحونة بأفكار كتير ومش قادرة. عايزة أقعد لوحدي.
تركها خالد وغادر الغرفة. أما جواد فكان يجلس بالسيارة بجوار كنان وقال: عايز تروح المقطم؟
جواد: هما ليه عملوا فيا كده؟ أنا لحد دلوقتي مش لاقي مبرر واحد.
كنان: ولا أنا بصراحة. لكن إنت قلت في البيت إن ماما ماكنتش بتعاملك حلو! ده بجد يا جواد؟
جواد: هتصدقني ولا هتزعل عليها؟
كنان: هصدقك يا جواد. أنا عمري ما كدبتك ولا هكدبك أبدًا. أنا عارفك كويس وعارف إن قلبك أبيض وعمرك ما أذيت حد.
جواد: أنا اتأذيت من كل الناس حتى البنت اللي حبتها. أنا من كتر الوجع اللي جوايا مش قادر حتى اتنفس. خلاص يا كنان كل حاجة راحت.
كنان: غزل بتحبك يا جواد. وأنا متأكد إنها هترجعلك.
تنهد وقال: خدني على المقطم. ولو عايز تسيبني وتروح ترتاح روح. أنا هرجع الصبح.
كنان: ﻷ أنا هفضل معاك.
جواد: معلش أنا عكننت عليك في يوم خطوبتك.
كنان: أنا أكتر حاجة زعلتني إنك ماكنتش معايا. بس دلوقتي مش فارق معايا غير إني أشوفك مبسوط.
ابتسم إليه بحزن ولم يتحدث. هو لا يعرف معنى السعادة أو ربما نسيها.
كانت الليلة فاصلة في حياتهم. الحقيقة التي قالها جواد زلزلت المنزل بالكامل؛ وربما أعاد كل واحد منهم ترتيب أفكاره من جديد.
وفي الصباح الباكر عاد جواد وكنان إلى المنزل. كانت غزل تنتظرهما بالنافذة وحين رأته قد عاد إلى المنزل تنفست الصعداء. أخذت تجوب الغرفة بقلق، تريد أن تذهب إليه وتطمئن عليه ولكن مترددة. وبالأخير ذهبت إلى غرفته. طرقت بخفة على الباب ولكن لم تسمع رد. ففتحت الباب بهدوء وجدت جواد ينام على الفراش بملابسه لم يبدلها. دخلت الغرفة وأغلقت الباب خلفها ثم اقتربت بخطى هادئة وجثت بجوار الفراش وهي تنظر إلى ملامحه التي يبدو عليها الإرهاق. لا تعرف كم من الوقت قضت وهي تنظر إليه بصمت. تعوض تلك السنوات التي حرمت فيها من رؤيته. وفجأة لمحت سلسال برقبته. حاولت أن ترى السلسال بوضوح فمدت يدها بحذر ورأت السلسال من بين ملابسه. فتحت عينيها بصدمة حينما وجدت المحبس الفضي التي قد أشترته له بالماضي. هربت دمعة من عينيها؛ لا تصدق أنه مثلها؛ لا يزال يحتفظ بذلك المحبس كما تحتفظ هي بمحبسها. هنا وقررت أن تكشف الحقيقة وتعود إليه ولا تتركه مرة أخرى.
حين شعرت بأن من بالمنزل قد بدأوا يستيقظون خرجت من الغرفة بهدوء.
كان الجميع بالمنزل في يوم العطلة وكنان وجواد لا يزالان نائمان. الصمت كان يسود المنزل. وكأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة.
كانت رزان تتصل بكنان ولكن لم يتلقى اتصالها. شعرت بالقلق عليه وأرادت أن تطمئن على جواد أيضًا. فقررت أن تذهب إليه بالمنزل. وحين وصلت كانت ميرو تجلس بالأسفل وتشاهد بعض البرامج على التلفاز. طُرق الباب وسمعت صوت رزان وهي تسأل الخادمة: كنان موجود؟
_ أيوة يا هانم. اتفضلي.
دخلت رزان المنزل واقتربت منها ميرو وقالت: هاي. إزيك يا عروسة؟
رزان: الحمد لله. هو أخبار جواد إيه. هو فين؟
ميرو: نايم يا حبيبي. رجع متأخر أوي بليل.
رزان: الصراحة الوضع صعب عليه أوي. وكمان غزل اللي سابته دي بجد كله في يوم واحد محدش يقدر يستحمل كده.
شعرت ميرو بالضيق من حديثها فقالت: اه. بس هو هينساها. مع إن العيلة دي مش بتنسى الحب بسهولة خالص.
رزان بتعجب: قصدك إيه؟
ميرو: ﻷ بلاش أحسن تفهمي غلط.
رزان: ﻷ مش هفهم غلط. قوليلي تقصدي إيه.
تنهدت ميرو وقالت: الصراحة إنتي صعبانة عليا خالص. يعني كل أما بشوف كنان وهو بيبص لسيلين بستغرب هو فيه حد بيحب كده! وبتصعبي عليا إنه بيحاول ينساها بيكي. بس غصب عني مش قادرة اتكلم. أنا مهما كان ضيفة هنا.
رزان بحدة: إنتي بتقولي إيه!
ميرو: بقولك إلحقي نفسك وإنتي على البر كده. وبعدين إنتي هتيجي تقعدي في البيت معاهم وتستحملي اللي بيحصل ده!
رزان: ليه هو إيه اللي بيحصل أنا ماعرفوش؟
ميرو بصدمة: بتهزري! إنتي ماعرفتيش إن نادر شاف سيلين عند كنان في الأوضة وهو كان عريان! يلهووي دي كانت خناقة كبيرة وجواد اتدخل وحل الموضوع بنفسه بعد ما كنان ساب البيت. وسيلين طبعًا هدت نادر وفهمته إنه زي أخوها عشان بيتها مايتخربش. بس بجد أكتر من كده وهيتفضحوا. أنا بقولك كده عشان تلحقي تبعدي بسرعة قبل ما الفضيحة تبقى ليكي كمان.
شردت زران وتذكرت أنه ترك المنزل بالفعل باليوم الذي اتصلت به عدة مرات ولم يجيب إلا باليوم التالي. ابتسمت بتهكم؛ هي صدقته، بل أرادت أن تثق به وتبعد تلك الشكوك عن رأسها وبالنهاية اتضح أنها كانت مغفلة.
تركت المنزل على الفور ولم تنتظر أن ينزل كنان. فهي لن تواجهه بالمنزل أمام الجميع وأيضًا أرادت أن تفكر بما عليها فعله أولًا حتى لا يستطيع أن يكذب عليها ويخدعها مرة أخرى.
عادت ميرو سريعًا أمام التلفاز وحين نزل كنان وهو يفتح عينيه بصعوبة أثر النوم لم يجدها عند الباب. فنظر بالداخل ربما دخلت المنزل فوجد ميرو تجلس بالبهو فقال: هي رزان فين؟
ميرو بتعجب: إيه ده! هي مشيت؟ غريبة دي كانت واقفة هنا دلوقتي.
كنان: مشيت ليه!
عاد إلى غرفته ليتصل بها ولكنها رفضت المكالمة عدة مرات وبالنهاية أغلقت الهاتف. تعجب كنان مما يحدث وشعر بالقلق. كان يشعر بألم رأسه بشدة وبالرغم من ذلك لم يستطع النوم من شدة القلق عليها. طلب من الخدم أن يعدوا له القهوة ودخل يأخذ حمام دافئ.
أما نديم فكان يجلس بالحديقة شاردًا. يفكر بليان التي ترفض مكالماته حتى الآن. فكر أن يذهب إلى الشركة ويتحدث معها ولكن تردد. كان ينظر بهاتفه إلى الصورة التي جمعته معها هي وبراء وكنزي ويبتسم رغمًا عنه. تذكر ما قالته غزل؛ هم حقًا يبدون كعائلة.
انتبه إلى أحد يتقدم منه فرفع عينيه عن الهاتف ووجد ميرال تقف أمامه. لاحظ شحوب وجهها ولكن لم يهتم. وقف أمامها وقال: جاية هنا ليه؟
ميرال: بكلمك كتير أوي يا نديم مش بترد.
جلس نديم ووضع ساق فوق الأخرى وقال بشموخ: وأرد ليه! وإنتي من إمتى رديتي عليا؟
ميرال: معلش حقك عليا.
نديم بسخرية: إيه ده! ميرال بتعتذر! الدنيا حصل فيها إيه؟
ميرال: تقدر تقول اتعلمت الادب. وجاية طالبة مساعدتك.
نديم: ااااه. قولي كده بقى. شكلك مفلسة وعايزة فلوس. مفيش ريحي نفسك.
ميرال: أنا مش عايزة فلوس. أنا عايزة حاجة أغلى بكتير.
نديم: أغلى من الفلوس! ميرال يا حبيبتي إنتي مفيش حاجة عندك أهم من الفلوس. ده حتى بنتك اللي جوا دي مش غالية عندك.
ميرال: أيوووة. أنا بقى عايزة بنتي اللي جوا دي.
وقف نديم أمامها بصدمة وقال: نعم! يعني إيه؟
ميرال: ما تقلقش مش هاخدها منك.
نديم: أمال يعني إيه عايزاها؟
ميرال: أنا عايزاها تنقذني يا نديم، أنا بموت. اكتشفت إني عيانة وعايزة حد يتبرعلي. الدكتور قالي إن ممكن بنتي تبقى زيي في الأنسجة وفصيلة الدم. لو بس تيجي معايا وتحلل يمكن يطلع كلامه صح وتنقذ حياتي.
كان نديم يسمع ما تقوله وعقله لا يستوعب ما تفعل. أهذه يطلق عليها أم! نظر إليها بإشمئزاز وقال: أنا نفسي أعرف إنتي معمولة من إيه! هو أنا إزاي كنت أعمى للدرجة دي وحبيتك واتجوزتك؟
ميرال بملل: مش وقته الكلام ده يا نديم بقولك بموت وعايز حد ينجدني.
نديم: ﻷ بجد أنا ماشفتش في بجاحتك! جاية دلوقتي تفتكري إن ليكي بنت! ده أنتي داخلة على سنة ماشفتيهاش. ولما جيت عشان أقولك كلميها حتى في التليفون طلبتي فلوس. ودلوقتي جاية تتعاملي معاها على إنها قطع غيار ليكي. إفتكرتيها لما بقى جاي من وراها مصلحة ليكي طبعًا.
إنتي إستحالة تكوني أم.. لأ ﻷ إنتي إستحالة تكوني بني آدمة أساسًا.
ميرال بحدة: كفاية بقى. ما أنت عشان طول عمرك عايش في قصر وما عشتش اللي عيشته بعد ما بابي فلس واتسجن ماكنتش فكرت في الدنيا كده. أنا اتبهدلت أنا ومامي لوحدنا من بعده، يا دوب كان معانا تمن الأكل بالعافية. وافقت اتجوزك وأنا لسه بدرس عشان خلاص كنت تعبت وقرفت من حياتي. بعد ما كنت عايشة في عز وفلوس ملهاش حساب لقيت نفسي مرمية في حتة شقة إيجار مش عارفة حتى أدفع إيجارها. عرفت وقتها إن الفلوس هي كل حاجة. من غير الفلوس الناس اللي كانت بتوطي قدامك عشان تدوس على رقبتهم؛ بيقفوا يبصولك بقرف بعد ما المصلحة اللي كانت بتيجي منك خلصت.
عمرك ما هتفهم ده لأنك ماعشتهوش.
نديم: ولا عمري هعيشه. مش قصدي إني هفلس ﻷ. قصدي إني عمري ما استغليت الفلوس اللي معايا عشان أدوس على رقبة اللي أقل مني. إنتي اللي كنتي ماشية تدوسي على الناس وهما كانوا ساكتين عشان محتاجين، عشان كده لما وقعتي وبقيتي زيهم داسوا عليكي. إوعي تفتكري إن الفلوس هتخلي الناس توطي راسها قدامك إحترام ليكي. المحترم محترم حتى لو مفلس.
وبعدين ما تعمليش حجتك اللي حصل زمان، إنتي وحشة أوي يا ميرال. إنتي خونتيني ودوستي على كل حاجة كنت بعملها عشانك لمجرد إنك حسيتي إن الشركة هتضيع. حتى بنتك مافرقتش معاكي. سيبتيها ومشيتي ومابصتيش عليها ولا همك وجودها من عدمه. وأنا اللي هقولك المرة دي ﻷ يا ميرال. بنتي مش هتنقذ حياتك اللي أصلًا مالهاش لازمة عند حد. روحي للي خونتيني معاه وفضلتيه عليا أنا وهي وخليه هو ينقذك.
كادت تتحدث ولكن سمع نديم صوت كنزي من خلفها وهي تقول: يعني هي ماكنتش مسافرة ولا حاجة!
التفتت إليها ميرال وركضت نحوها على الفور وأحتضنتها وقالت بدموع خادعة: بنتي! أنا جيب يا حبيبتي عشان أشوفك. أبوكي هو اللي مانعني عنك يا كنزي، وأنا اتحايلت عليه كتير أوي عشان يخليني أشوفك وهو كان بيرفض. وحشتيني أوي يا حبيبتي.
اقتربت لتغمرها مرة أخرى ولكن دفعتها بعيدًا عنها وقالت: أنا سمعت كل حاجة. إنتي بتكدبي عليا. إنتي جاية عشان تخليني ألحقك من الموت وبس زي ما بابا قال.
بكت كنزي ووقفت أمام نديم وقالت بانهيار: ليه كدبت عليا؟ ليه قولتلي إنها مسافرة. كنت قولي إنها مش عايزاني. ليه تخليني كل يوم استنى مكالمة منها؟ وكل ليلة أقول هتتصل وتسمع صوتي وتقولي وحشتيني؛ وأصحى كل يوم وهي ماتتصلش. ليه يا بابا؟
حاول نديم أن يستوعب صدمتها ولكن بكى على هيئتها الحزينة وقال: كنت خايف عليكي لتزعلي يا حبيبتي.
كنزي: أنا زعلانة يا بابا... زعلانة أوي أوي منكم إنتوا الاتنين. ومش عايزة اتكلم مع حد فيكو.
ركضت نحو المنزل ووجد ميرال تركض نحوها فأمسك يدها ودفعها بقوة بعيدًا عنها وقال: غوري بقى. أنا مش عايز أشوف وشك هنا تاني. ولا فارق معايا تموتي ولا تعيشي. بنتي خلاص فتحت عينيها على الحقيقة، واللي كنت خايف منه حصل بسبب غباءك. خليني أحاول أداوي اللي إنتي عملتيه فيا وفيها وإبعدي عننا بقى.
ركض خلفها وهي تدخل المنزل منهارة من البكاء. أمسك بها كنان وهو يهبط الدرج بفزع من هيئتها وقال: كنزي حبيبتي! مالك يا روحي بتعيطي كده ليه؟
كنزي: طلعوا كدابين يا عمو، كلهم كدابين. إنت كمان أكيد كنت عارف وكدبت عليا.
وجد نديم يركض داخل القصر وأمسك بها وأحتضنها بقوة وهي تبكي، أخذت تضربه بيدها بضعف وهو يحاول إحتواء غضبها ويقول: حقك عليا. أنا كان لازم أصارحك بس غصب عني.
اجتمع من بالبيت جميعًا على صوت بكائها ووقفت غزل بجوارها بقلق وقالت: مالها كنزي يا كنان؟
كنان: مش فاهم حاجة خالص.
دفعت كنزي نفسها بعيدًا عن نديم وقالت: مش هعرف أصدقك تاني يا بابا. كان لازم تقولي اللي عملته فيك وفيا. كان لازم تقولي إنها مش عايزاني عشان أبطل استناها. إنت علمتني إن الكدب حرام وإنت كدبت عليا.
نديم: يا حبيبتي كنت خايف عليكي.
كنزي: طالما خايف تبقى غلطت. مش إنت دايمًا كنت بتقولي كده! وأنا مش عارفة مين فيكو الغلطان. هي اللي وحشة ولا إنت؟
نديم بحزن: أنا وحش يا كنزي!
كنزي: أيوة. كلكم وحشين. كلكم كدابين. إبعدوا عني بقى.
تركتهم وصعدت إلى غرفتها، حاول نديم أن يلحق بها فقالت غزل: استنى يا نديم، أنا هكلمها بس فهمني إيه حصل.
نديم: عرفت كل حاجة. سمعت ميرال وهي بتتكلم معايا في الجنينة.
كنان: ودي إيه اللي جابها!
نديم: جاية عشان تخلي كنزي تتبرعلها من جسمها عشان هي تعيش. انفجرت فيها ماحستش بنفسي وكنزي سمعت كل حاجة.
غزل: ثواني بس يا نديم، هي سمعت كل حاجة؟ كله!
أومأ إليها نديم وقال: اه. أرجوكي يا غزل حاولي تهديها.
تنهدت غزل بحزن: هحاول. إهدى بس إنت وأقعد فكر في حل. وأنا هحاول من عندي.
ركضت غزل نحو غرفتها. ووقف كنان أمامه وقال: هو إيه كله دي؟ هو فيه حاجة إحنا مانعرفهاش؟
جلس نديم على الدرج بضعف. خارت قواه وشعر أنه سوف يخسر كنزي بسبب سوء إختياره من الأساس. جلس كنان بجواره وقال: فيه إيه نديم. إحكيلي.
بدأ نديم يقص إليه الحقيقة. أما ميرو فكانت تتابع ما يحدث ثم قالت: عيلة نكد! ماشفتش عيلة فيها مشاكل زيها.
أما ليان فكانت تقف بالمطبخ تعد الطعام إلى براء الذي يقف بجوارها ويقول: يلا يا ماما بقى. أنا جعان أوي.
ليان: حاضر يا روح ماما. فاضل ١٠ دقايق بس والأكل يخلص.
أمسك بسيارته وأخذ يلعب بها على الطاولة بالمطبخ. ثم رأى هاتف ليان يعلن عن استقبال رسالة فقال: ماما فيه رسايل بتيجي على الموبايل.
اقتربت ليان ونظرت بالهاتف. وجدت الرسائل من معتز. تنهدت بضيق وفتحتها رغمًا عنها. وجدت صورة لحقيبة بها أموال. وصورة لشركة نديم من الخارج. وبالنهاية رسالة من معتز يقول بها: "شفتي تمن المعلومات اللي عندي. نديم دفع الفلوس دي كلها عشان صدق كلامي عنك. ياريت بقى تعرفي إن كلنا زي بعض مش أنا بس اللي رجل وحش. هو كمان زيي صدق إنك مش كويسة وقعد يسمع الكلام اللي بألفه عليكي. صدقتي إني بعدت عنك لما كلهم اتكلموا عليكي وحش وأنا ماستحملتش، ولا لسه شايفة إن العيب فيا زي ما قلتي."
لم تصدق ليان ما ترى. كانت تظن أنه لن يخذلها. كانت تحاول أن تصدق أنه لن يشك بها كما فعل معتز. أو كما زعم أنه سرق أموالها فقط ردًا لكرامته عندما سمع حديثًا عن سلوكها. وبالرغم من أنها تعلم أنه كاذب ومحتال، ولكن ما يفعله نديم وإعطاء الأموال إليه كي يسمع سر طلاقهما كان صفعة قوية لم تتحملها. بل قررت أن تذهب إلى نديم وتواجهه بما فعل وتنهي علاقتها به نهائيًا.
حب تحت الرماد... الفصل الثامن والعشرون
بقلم الكاتبة / رباب حسين
حين تبدأ الحقيقة في الظهور لا يعني ذلك أن الألم ينتهي... فبعض الحقائق لا تأتي لتنقذنا بل تأتي لتسألنا: هل كنا مستعدين لمعرفة الحقيقة كاملة؟
جواد لم يعد الرجل الذي عاش سنوات يلوم نفسه على زواج لم يختاره... لكنه الآن يقف أمام سؤال أخطر؛ إن كانت كل السنوات التي عاشها مع داليا قد بُنيت على الخداع؛ فهل كان ما حدث بينه وبين غزل مجرد سوء حظ... أم أن هناك من تعمد أن يفرق بين قلبين لم يعرفا يومًا كيف يتوقفان عن حب بعضهما؟
وغزل... بعدما عرفت أن الرجل الذي ظنته خائنًا لحبه كان ضحية مثلها لم يعد أمامها سوى مواجهة السؤال الأصعب:
هل تستطيع أن تستعيده بعدما وضعت خاتم رجل آخر في يدها؟
أما رزان، فقد غادرت وهي تحمل في قلبها شكًا لم يكن موجودًا بالأمس... وكنان لا يعرف أن كلمة واحدة قيلت في غيابه قد تكون كافية لهدم بداية حياته الجديدة.
وكنزي... طفلة لم تكن تعرف أن أكبر كذبة في حياتها ستأتي ممن وثقت به أكثر من أي شخص آخر. بين أم لم تتذكرها إلا حين احتاجت إليها وأب كذب عليها خوفًا من انكسارها؛ أصبحت الثقة بالنسبة إليها جرحًا جديدًا.
أما ليان... فقد اكتشفت أن الرجل الذي بدأت تسمح لقلبها بالاقتراب منه لم يكن مختلفًا تمامًا عن الرجل الذي هربت منه.
لكنها لم تعرف بعد أن المال الذي دفعه نديم لم يكن ثمنًا لشراء أسرارها... بل ثمنًا لمحاولة حمايتها.
والآن حان وقت المواجهة. كان كنان ينظر لما يحدث بالمنزل ولا يستطيع أن يذهب ليطمئن على رزان. فا الحقيقة التي قالها نديم الآن كانت صاعقة جديدة تضاف إلى جروح أولاد الخولي.
أما غزل فوقفت أمام باب غرفة كنزي تنادي عليها كي تفتح وهي تسمع صوت بكاءها من خلف الباب. وصل صوتها إلى جواد النائم بغرفته فخرج ليعرف ما يحدث. وحين رأها تحاول فتح الباب بذعر قال: فيه إيه؟ مالها كنزي؟
نظرت إليه غزل بإرتباك. أصبح قلبها ينبض بألم حين يراه ويطالب بأن يعود إليه. فقالت: كنزي قافلة على نفسها ومش راضية تفتح.
جواد: حصل إيه يعني؟
غزل: ميرال جات هنا واتخانقت مع نديم وهي سمعت كل حاجة وعرفت إنه كان بيكدب عليها.
زفر جواد بضيق وقال: قولتله قولها الحقيقة ماسمعش كلامي. طيب خليني أجرب يمكن تفتح.
ابتعدت غزل عن الباب وطرقه جواد وقال: إفتحي يا كنزي. أنا عمو جواد يا حبيبتي إفتحي.
كنزي: كلكم كدبتوا عليا. أنا مش عايزة اتكلم مع حد فيكو.
نظر إلى غزل فقالت: البنت مصدومة فينا كلنا.
صمت جواد قليلًا ثم قال: فين كارما؟
غزل: في أوضتها بتلعب مع أمل.
ذهب جواد إلى غرفة كارما وحين رأته قالت: إيه ده يا بابا. إنت نمت بهدومك!
جواد: اه يا حبيبتي. كنت تعبان ماحستش بحاجة. أنا عايزك تيجي معايا تخبطي على كنزي في أوضتها يمكن تفتحلك.
كارما: هي زعلانة؟
جواد: اه يا حبيبتي. ممكن تساعديني؟
كارما: حاضر. حملت عروستها وأمسكت بيده وخرجت معه. اقتربا من الباب وطرقته كارما وقالت: إفتحي يا كنزي نلعب سوا.
كنزي: مش عايزة يا كارما.
كارما: أنا زهقت من اللعب لوحدي. إفتحي بس أقعد معاكي.
فتحت كنزي الباب فوجدتهم يقفون معًا. دخلوا الغرفة وعادت كنزي إلى فراشها. اقتربت منها غزل وقالت: أنا عارفة يا حبيبتي إنك زعلانة من بابا.
كنزي ببكاء: ليه كدب عليا. كان قالي إنها مش عايزاني. هي مش بتحبني يا غزل. أنا خلاص مابقاش عندي ماما.
نظرت كارما إلى جواد وقالت: هي مامتها ماتت زيي يا بابا ومابقاش عندها ماما؟
ربت جواد على كتفها بحزن ثم نظر إلى غزل التي توزع نظراتها بينهما بألم على حالة الطفلتين. تنهد جواد وقال: أحفاد الخولي معقدين زي ولاده.
صعدت كارما بجوار كنزي على الفراش ووضعت العروسة بيدها وقالت: أنا لما بحس إن ماما مش موجودة وهي وحشاني بحضن العروسة دي. خديها يا كنزي أحضنيها. أنا هسيبهالك النهاردة.
كان هذا وقت الصمت المناسب. فلم يعد هناك حديث يداوي ما يحدث.
على عكس كنان الذي أخذ يتحدث مع نديم حتى يهدأ ثم قال: كل اللي أقدر أقولهولك يا نديم إنك فضلت تداري على عيوبها وفاكر إنك بتحميها والحقيقة إنك كنت بتأذي نفسك عشانها وبس. ودي نهاية طبيعية. ميرال شخص غير سوي والحمد لله إنها بعدت عن بنتك. ﻷن واحدة زي دي صدقني كنت هتأذي كنزي جدًا. ولو فاكر إن بعدها عنها بيأذيها فالحقيقة إن وجودها أكبر أذى ليكوا إنتوا الاتنين.
نديم: أنا من بعد ما شفت ليان بتعامل كنزي وعرفت إن ميرال لا تصلح تبقى أم.
كنان: يبقى ماتضيعش ليان كمان من إيدك. وأنا كمان هروح أشوف رزان مالها. أحسن تضيع من إيدي هي كمان.
نديم: إنتوا لحقتوا!
كنان: أنا عارف! اتحسدنا باين.
نديم: روح روح. أنا هطلع أشوف كنزي.
وأثناء خروج كنان من المنزل وجد نادر وسيلين يدخلان من الباب فقال: إيه ده خلصتوا بسرعة كده؟!
نادر: إحنا الاتنين خلصانين من امبارح. بس قلت أخرج أفطر مع سولي برا. أصلًا فلست بسبب فرحكم. أنا كان مالي ومال مصاريف الفرح مش عارف!
كنان: يا راجل! ده إنت كنت مستني الفرح أكتر من أي حد.
نادر: ليه يا خويا كنت هتجوز أنا!
كنان: ﻷ... بس المصالح بتتصالح يعني.
نادر: أقصدك إيه يا خفيف؟
كنان: لا مش قصدي... أنا خارج يا عم مش ناقص خناق.
غادر كنان مسرعًا ووجد نادر نديم يجلس على الدرج ويبدو مهمومًا. فاقترب منه وقال: مالك يا نديم. شكلك عامل كده ليه؟
أما ميرو فاقتربت من سيلين وقالت لها بهمس: عملتلك حتة حوار بين كنان ورزان تحفة. أكيد هيرجع والدبلة بتاعتها في إيده.
فتحت سيلين عينيها بتعجب وقالت: عملتي إيه؟!
ميرو: تعالي أحكيلك بعيد عنهم.
قصت إليها ميرو ما فعلت ثم قالت: عشان تعرفي بس إني بفكر في مصلحتك. أما نشوف بقى هتساعديني أوصل لجواد إزاي.
سيلين بسعادة: أنا مش عارفة أقولك إيه يا ميرو بجد! رزان فعلًا كده هتسيبه. ياااااه هم وإنزاح من على صدري. وكمان الحوار كله بعيد عني.
ميرو: وأنا كمان ماكدبتش في حاجة. أنا قلت اللي حصل بالظبط.
سيلين: أيوة برافو عليكي. إنتي دماغك ألماظ بجد!
حين يظن شياطين الأنس أن مكرهم قد وصل إلى النجاح يرتطمون بحكمة الله في كشف كذبهم وخداعهم.
وصل كنان إلى منزل رزان. وحين أبلغتها الخادمة أنه بالأسفل نزلت إليه ووقفت أمامه وقالت: نعم.
كنان بتعجب: إيه الوش ده!
تنهدت رزان وقالت: تعالى نتكلم برا في الجنينة أحسن.
خرجت من الباب ولحق بها وهو متعجب مما يحدث. ثم وقفت أمامه وقالت: قولي يا كنان. إنت مش مخبي عليا حاجة؟
كنان: ﻷ. هخبي عليكي إيه؟ فيه إيه يا رزان مالك؟
رزان: يعني إنت مش اتخانقت مع نادر؟
كنان: إمتى ده؟
رزان: من فترة.
ارتبك كنان قليلًا وقال: اه. ما أنا قولتلك ساعتها ماخبتش يعني.
رزان: أيوة. ووقتها قولتلك شامة ريحة سيلين في الحوار قولتلي ﻷ. صح؟
كنان: إنتي بتفتحي كلام في الموضوع ده تاني ليه؟
رزان: عشان كدبت عليا وقولتلي إن سيلين ملهاش علاقة، والحقيقة إنك اتخانقت معاه عشان شافها في أوضتك وإنت عريان.
كنان بحدة: ﻷ ﻷ... ثواني عشان الطريقة اللي بتحكي بيها دي تبين إني كنت عامل مصيبة.
رزان: ما هي كانت مصيبة فعلًا لدرجة إنك سيبت البيت ورحت عند سالم ورجعت تاني يوم.
كنان: ثواني بس وأنا هفهمك. أنا فعلًا خبيت إن سبب الخناقة كانت سيلين بس ده عشان بجد لو كنت قولته ماكنتيش هتستحملي.
رزان بحزن: وأنا دلوقتي مستحملة! لما تيجي ميرو تقولي اللي حصل ده عادي المفروض أعدي الموضوع كأنه ماحصلش؟
كنان: ميرو اللي قالتلك!
رزان: اه تخيل!
كنان: طيب هو الموضوع يبان غريب لكن الحقيقة إن سيلين دخلت الأوضة عليا فجأة وأنا لسه خارج من الحمام فا منطقي ماكنتش لبست هدومي كلها. كنت واقف بالفوطة. وقعدت تقول كلامها الأهبل وأنا كنت عمال أقولها تطلع برا. لحد ما نادر سمع صوتها عندي ولما دخل لقاني في الأوضة بالمنظر ده.
تنهدت رزان بقوة وقالت: بص يا كنان. أنا قولتلك من فترة إن وجود سيلين في بيت واحد معاك عاملي مشاكل جوايا. وأنا عشان واثقة فيك بحاول أبعد كل الشكوك عن دماغي، بس بجد اللي بيحصل ده كتير. كتير كمان إني أعيش معاها في بيت واحد وإنت بينا. أنا مش قادرة أستحمل ده، وبعد اللي سمعته النهاردة مش هعرف. أنا مش عايزة أعيش حياتي كلها في وسط الشك وابقى مستنية أي حاجة تحصل عشان تأكد شكوكي. دي مش الحياة اللي أنا بتمناها. عشان كده أنا مش هقدر أك...
قاطعها كنان وقال: ماتقوليهاش. أنا عارف إنك مستحملة وضع رخم بس أنا بجد ماعملتش أي حاجة يا رزان. إنتي عارفة إني بحبك وإنتي بتحبيني. لو سبنا بعض دلوقتي تاني يوم الخطوبة هتبقى نهاية كل حاجة.
الناس اللي جوا دول هيقولوا إيه؟ إنتي كده بتقطعي كل حاجة بينا. طيب إفرضي طلع كل ده مش حقيقي وإنك فعلًا ظلماني؛ هيبقى خلاص مفيش مجال للرجوع.
رزان: طيب أنا أعمل إيه في الوضع ده؟!
كنان: ماتقلعيش الدبلة دي من إيدك مهما حصل. نتخانق، نعمل مشاكل، نولع في بعض؛ الدبلة دي تفضل في إيدك. ﻷن اللي بينا أكبر بكتير من أي مشكلة ممكن تحصل، واللي بينا ده اللي هيحل أي مشكلة برده. وبعدين لو اللي الوضع كان زي ما أنتي متخيلة كان نادر جيه تاني يوم وإعتذرلي ورجعت البيت عادري كده!
أنا هسيبك تهدي وهفضل مستني لحد ما تصدقي إني عمري ما خونتك ولا هخونك... بس ماتسبنيش. ماتبعديش عني أبدًا. وأنا عارف إنك هتشتاقيلي وترجعي. وهتلاقيني زي ما أنا مستني بس تمسكي إيدي وتقولي هنعدي كل حاجة سوا.
وضع كلتا يديه على وجنتيها ونظر إلى عمق عينيها وقال: أنا ماعملتش حاجة... وبحبك إنتي وبس.
هربت دمعة من عينيها فأزالها سريعًا وقال: إوعي تعيطي. خليكي واثقة فيا. أنا همشي عشان البيت والع كالعادة. أنا بس جيت عشان قلقت عليكي. بليل هكلمك ويارب تردي عليا.
أخذ سيارته وغادر وهي تنظر إلى أثره. أما كنان فكان يخشى أن تبتعد عنه وتصبح حياته بدونها كحياة جواد.
أما في قصر الخولي؛ كانت هناك سيارة أخرى تصف أمام الباب. وحين طُرق الباب وفتح الخدم دخلت ليان بإندفاع وقالت: فين نديم؟
_ جوا مع أستاذ نادر.
دخلت ليان ووجدت نديم يتحدث مع نادر. كان يقص له ما حدث بينه وبين ميرال. تفاجأ عندما رأى ليان أمامه فاقترب منها على الفور وقال: ليان! كنت لسه بفكر...
قاطعته ليان وقالت بغضب: هو ده اللي هستنى العمر كل لحد ما ترجعي وعمري ما هزهق! ومش عايز أعرف سبب طلاقك إيه!
نديم بتعجب: أنا عملت إيه مش فاهم!
ليان بتهكم: لا تكون فاكر إن معتز هيصون السر ومش هيجي يفضحك قدامي! بس بجد إيه رأيك في الكلام اللي قاله عليا؟ عجبك صح؟ خلاك تقول لنفسك كنت عارف إنهم خاينين. كنت واثق إنها خاينة زيها! صح يا نديم؟
نديم: ليان براحة عشان أنا بجد مش فاهم أي حاجة.
رفعت ليان هاتفها أمامه وقالت: كل دي فلوس عشان تعرف إيه سبب طلاقي يا نديم!
نظر نديم إلى الهاتف وقال: دي مش فلوس دفعتها عشان أعرف اتطلقتي ليه.
ليان بحزم: مش دي الفلوس اللي دفعتها لمعتز؟
نديم: أيوة دي فلوس أنا دفعتهاله فعلًا. بس...
فتحت ليان عينيها بصدمة وقالت: أنا دلوقتي بس اتأكدت إن الرجالة مالهمش أمان.
كادت تذهب فحاول أن يمنعها ولكنها دفعته. في أثناء دخول سيف المنزل وغزل التي نزلت الدرج حين سمعت الأصوات المرتفعة بالأسفل ويلحق بها جواد.
قال نديم: استني بس يا ليان وأنا هفهمك.
دفعته بقوة وقالت: مش عايزة أسمع حاجة تاني. وحتى لو سمعت مش هصدقك. أبعد عني ومش عايزة أشوفك تاني. حتى الشغل بتاع شركتكم هرجعه عشان مش عايزة أي صلة بيني وبينك.
غادرت ليان ولم تتردد غزل في اللحاق بها. وقف سيف أمامها وقال: رايحة فين؟ هو إنتي كل حد يزعل تروحي وراه! هو يروح يحل مشكلته.
غزل بضيق: إوعى من وشي يا سيف خليني ألحقها.
نديم: سيبها يا سيف. إلحقيها يا غزل أرجوكي، أنا خلاص دماغي مش مستحملة كل ده.
ابعدت سيف عنها ولحقت بها. ثم اقترب خالد وقال: مال البيت النهاردة! كلكم بتزعقوا ليه كده؟
سيف: ليه هو كان فيه حد بيتخانق تاني ولا إيه؟
زفر نديم بضيق ولم يتحدث. أما غزل فركضت خلف ليان التي ركضت حتى باب القصر الخارجي وفتح لها الأمن الباب. خرجت من القصر ولحقت بها ليان وهي تنادي باسمها. التفتت إليها وهي تبكي فقالت غزل: استني بس. أنا عايزة أكلمك من بدري بس قلت يمكن نديم يعرف يصلح الوضع، بس للأسف الوضع بيزيد سوء، وأنا حاسة بالذنب إني السبب في اللي حصل.
ليان: إنتي قولتي اللي تعرفيه وبس.
غزل: ﻷ.. نديم مش شاكك فيكي. هو مجروح وخايف. كلنا بنخاف نتجرح تاني وهو ده اللي كان مانعه يقرب، لكن مش معنى كده إنه شايفك خاينة.
ليان: أنا بجد مش عارفة أثق فيه خلاص وخصوصًا بعد اللي حصل النهاردة.
غزل: ﻷ هو اللي حصل النهاردة معاه خلى الدنيا صعبة أوي عليه.
ليان بقلق: ليه حصل إيه؟
غزل: مش عارفة أقولك إيه، بس بعيدًا عن كل ده؛ كنزي فعلًا محتاجالك. إنتي الوحيدة اللي قدرتي تعوضي شوية حتة الأم اللي مش موجودة. والنهاردة كنزي سمعت ميرال ونديم وعرفت كل حاجة، ومن ساعتها وهي مش مبطلة عياط.
ليان بفزع: معقول! طيب هي سمعت إيه بالظبط؟
غزل: كل حاجة حصلت زمان. والأسوء بقى إن ميرال كانت جاية عشان تخلي كنزي تتبرعلها من جسمها عشان هي تعيش. أنا بجد مش مصدقة إن في أم بتتعامل مع بنتها على إنها قطع غيار ليها! ومش مصدقة برده إنها موافقة إن العيلة دي تتبرعلها عشان هي تعيش. بجد ماعرفش كان نديم متجوزها إزاي! نديم ده بجد طيب وحنين جدًا وباين من معاملته مع الأطفال.
شردت ليان قليلًا، غزل محقة فا نديم كان يتعامل مع براء بحنية ملحوظة. تذكرت ما فعله نديم مع براء وكيف ساعده في ما مر به فقالت: هو أنا... ممكن أشوف كنزي؟ أنا قلقانة عليها بصراحة.
غزل: ممكن طبعًا وياريت لو تسمعي نديم. أنا واثقة إن نديم بيحبك.
ليان: أنا كمان خايفة. حياتي معقدة أكتر منه.
غزل: وهو بس اللي يقدر يطمنك، للأسف إحنا مش بنحس بالأمان غير من أكتر شخص بيحبنا. الحب اللي في عينيهم بيبقى أكبر حضن تترمي فيه وإنتي مطمنة. ونديم بيحبك صدقيني.
تنهدت بحزن وأومأت إليها وعادت داخل القصر. وقفت غزل تتنهد بقوة من هذا الثقل الذي بقلبها. تتمنى أن تتحدث مع جواد وتخبره بالحقيقة. تسأله إن كان مرض داليا هو سبب هجرها أم لا. تريد أن تسمع منه كلمة واحدة تعيد إليها الأمل بينهما.
نظرت إلى السماء وطلبت من الله أن تحصل على فرصة واحدة لتتحدث معه. ثم تحركت لتعود إلى داخل القصر ولكن فجأة ظهرت سيارة سوداء كبيرة اقتربت منها بسرعة وفتح رجل الباب والسيارة تقترب منها، ثم حملها إلى الداخل وغادرت السيارة في لحظة واحدة. فتح فرد الأمن عينيه بصدمة ونظر نحو رفيقه وقال: إيه ده! حد خطف الأنسة غزل!
_ أجري بسرعة بلغ جواد بيه.
ركض فرد الأمن إلى الداخل ومر بجوار ليان التي نظرت إليه بتعجب من هيئته. ثم وقفت ورائه عند الباب منتظرة أن يفتح الخدم الباب.
فُتح الباب ودخل فرد الأمن ووقف أمام جواد وقال بذعر: إلحق يا جواد بيه. أنسة غزل اتخطفت من قدام الباب.
وقف الجميع ينظر إليه بصدمة. وصاح خالد على الفور: بنتي! بنتي جرالها إيه؟
ظهر التوتر على عيني سيف ووصلت رسالة على هاتفه فورًا. أما جواد ففتح عينيه بصدمة لجمت حديثه. وشرد خالد يتوعد بداخله لتلك المرأة التي لاتزال تحاول أذية بنته ولن يتركها هذه المرة.
تُرى... هل سينقذها جواد أم لا؟!