
يقولون إن هناك أنواع من الحب؛ حب من أول نظرة، حب بعد كراهية، وحب بعد صداقة طويلة، وحب بطعم مختلف يولد بعد الزواج يسمى في العادة (عشرة).
أما أنا فلم أعرف إلا نوع واحد من الحب؛ هو الحب الأول. فلم ينبض قلبي لأحد بعدها ولم أشعر بأن قلبي حي إلا عندما كانت معي. وحين هجرتها تركت قلبي معها فأبى أن يعود لصدري بعد أن أصبحت هي نبضه الوحيد. وعلى الرغم من هذا الجرح الذي لا يزال يدمي بداخله إلا أنه رفض الحب من بعدها.
وها أنا جالس أمام زوجتي التي أحبتني منذ طفولتها؛ فهي بنت عمي الوحيدة (داليا). تزوجتها منذ أربعة أعوام وأنجبت إليّ تلك الفتاة المشاغبة الرائعة كارما. وبالرغم من محاولاتها التي لم تنتهي لم يقبل قلبي بها. فقد تزوجتها رغمًا عني وما ألمني أكثر أنها تعلم بذلك وقبلت به. قبلت أن تكون معي بجسدي دون عقلي. أن تكون بين أحضاني وترى في عيني امرأة غيرها.
هذا هو الحب؛ يأتي بما لا تشتهي السفن.
وفي هذا الوقت الذي أراها به تغادر الحياة بسبب هذا المرض الخبيث الذي تمكن من جسدها لا يزال هذا العقل المريض يفكر بغيرها. صفعت عقلي عدة مرات وسألته مرارًا لما تفكر بمن جرحتني! لما تحتفظ بملامحها بداخلك وتضع صورتها أمام عيني كلما أغلقتهما؟ هل عذاب قلبي هو سبيل راحتك!
أسئلة كثيرة لا تزال تعصف به كلما تذكرها ولكن دون إجابة. تنهد بهذا الثقل الذي يطبق صدره وسمع صوت أعاد إليه وعيه من جديد حين فتحت داليا عينيها بضعف وقالت بصوت خافت: جواد!
فتح عينيه واقترب منها وأمسك يدها بحنان بين يديه وقال: أنا هنا يا داليا.
داليا: فين كارما؟
جواد: في البيت. أنا نزلت الفجر لما اتصلوا بيا قالولي إنك تعبانة وعايزة تشوفيني وكانت نايمة. خفت أنزلها في البرد ده.
داليا: لما تروح... هاتها عشان عايزة أشوفها.
جواد: حاضر. إنتي هتبقي كويسة... ماتخفيش.
ابتسمت بضعف وقالت: لأ يا جواد... أنا خلاص همشي. بس قبل ما أسيبكم عايزة أقولك على حاجة مهمة... أنا كتبت كل نصيبي في الشركة باسم كارما بس إنت مش هتبقى الوصي عليها.
تنهد جواد وقال: ده مالك وإنتي حرة فيه. بس مش شايف إن سيف أخوكي هيبقى أمين على مالك ومال كارما. بس طالما دي رغبتك أنا مليش حق أعترض.
داليا: ولا سيف هيبقى وصي عليها.
عقد حاجبيه وقال: طيب مين؟ حد من أخواتي؟
داليا: تفتكر هخلي حد منهم ينافسك في مكانك وشركتك!
جواد: إنتي عارفة إني مش بفكر كده.
داليا: هما بيفكروا كده. إنت بس اللي طيب زيادة عن اللزوم. وعشان عارفة أد إيه قلبك نضيف وأبيض هحاول أصلح اللي عملته زمان. أنا مش هقولك مين هيبقى الوصي عليها، لما أموت هتعرف. عشان إنت عارف لو إعترضت وطلبت مني أغير الوصي ده مش هقدر أكسر كلمتك. بس كل اللي طلباه منك إنك تسامحني. وماتخافش... أنا كمان مسامحاك. عارفة إنك حاولت كتير تحبني وماعرفتش.
وضع كف يده على فمها كي لا تكمل حديثها فأمسكت به وقالت: طول عمرك مش بتعرف تكدب، حاولت كتير تحبني وماعرفتش ومع ذلك فضلت مخلص ليا. عمرك ما حسستني إن كان فيه واحدة في حياتك قبلي لكن عينيك كانت فضحاك يا جواد. كنت دايمًا بتدور عليها فيا لكن أنا فشلت أديك اللي إنت عايزه. بس هتصدقني لو قولتلك إن الأربع سنين اللي كنت معاك فيهم هما أحسن حاجة حصلتلي في حياتي. أنا متشكرة أوي يا حبيبي على إنك فضلت جنبي واستحملت مرضي وضعفي وكنت ليا سند عمره ما تعب ولا مل. كل اللي طلباه منك تخلي بالك من بنتي وتكشف عليها دايمًا زي ما وصيتك.
جواد: أنا كمان كنت مبسوط معاكي. حقك عليا لو كنت ضايقتك في حاجة.
داليا: عمرك... عمرك ما زعلتني. خلي بالك من نفسك وأحذر من أخواتك.
جواد: ممكن تبطلي تفكري في كل الناس وفكري في نفسك وبس.
داليا: طيب روح وهات كارما، عايزة أشوفها. بسرعة يا جواد ماتتأخرش عليا.
نهض جواد وقال: حاضر. أنا هروح دلوقتي وهرجع على طول.
غادر الغرفة وعاد مسرعًا إلى المنزل. بعد أن أكد إليه الطبيب أن حالتها في المرحلة الأخيرة ولن تصمد لوقتٍ أطول.
أمسكت داليا بهاتفها واتصلت بالمحامي عز الدين الذي تلقى المكالمة على الفور فقالت: أيوة يا متر. عملت اللي قولتلك عليه؟
عز الدين: أنا عرفت أبوها في أنهي مستشفى ورحت بليل دفعت الحساب كله وتمن العملية بالكامل وطلبت من الدكتور اللي بيتابع حالته إنه يعمل العملية النهاردة الصبح. وسيبت رقم تليفوني عشان تتواصل معايا.
داليا: تمام. تمن العملية والعلاج كله برا الاتفاق. لما تقابلها أضغط عليها بالفلوس هي مش هتعرف تسدهم وقولها إنك هتديها مليون جنيه زي ما كتبت في الوصية بس تنفذ الشرط المطلوب. وإوعى تقولها على أي معلومات عني غير لما توافق وتمضي على العقد.
عز الدين: فاهم يا مدام داليا.
تنهدت وهي تشعر بألم وأنهت المكالمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في هذا القصر الكبير... قصر عائلة الخولي.
أشرقت شمس الصباح على هذا القصر الضخم الذي يضم ٤ أخوة أكبرهم هو جواد الخولي. أما أصغرهم فهو كنان الخولي الذي لا يزال يدرس في كلية الهندسة للديكور استعدادًا بأن يصبح مهندس في شركات الخولي الرائدة في صناعة الأثاث والديكور.
كان يهبط الدرج متوجهًا إلى غرفة الطعام ليتناول الفطار قبل أن يذهب إلى الكلية. وحين دخل الغرفة وجد سيلين تأكل بالغرفة وحدها. ابتسمت إليه فور أن رأته فهو صديقها المقرب وزميلًا لها بالكلية، ثم قالت: صاحي متأخر ليه؟!
جلس كنان على الطاولة وقال: نمت متأخر. كنت شغال على المشروع عشان العملي.
سيلين: أنا كما إشتغلت عليه امبارح. بس طبعًا خلصت بدري ونمت، ما أنا قاعدة مش ورايا حاجة وأخوك بيجي ضيف كالعادة؛ هي ربع ساعة اللي بشوفوه فيها وبينام وهو بيكلمني.
كنان: ما إنتي عارفة إن الشركة لسه جديدة ونادر بيحاول يثبت اسمه في السوق.
سيلين: طول ما جواد أخوك في السوق عمر نادر ما هينجح لوحده.
كنان: أظن هو اللي اختار وخد نصيبه من الميراث من بابا قبل ما يموت عشان يفتح شركة ليه لوحده. ومن ساعتها وهو بيحاول في نفس المجال.
سيلين: وهو يعني كان يعرف منين إن عمي الله يرحمه هيقسم الشركة بينك وبين جواد ونديم بس ويطلعوه برا الحسبة كلها.
كنان: هو اللي طمع، طلب ياخد جزء من الميراث تاني بعد ما بابا مات مع إن كلنا عارفين إنه خد نسبته من زمان وجواد إشتراها.
سيلين: تصدق يا كنان؛ إنت هتفضل أهبل طول عمرك كده. يا ابني جواد دلوقتي صاحب أكبر نسبة أسهم في الشركة وأبوك خلاه رئيس مجلس إدارة من بعده، ده غير لسه لو داليا جرالها حاجة هياخد نسبتها اللي ورثتها من عمك وساعتها هيبيع ويشتري فيكوا.
كنان بضيق: بس بس؛ إنتي هتبشري على البت اللي مرمية في المستشفى كمان. بقولك إيه يا سيلين؛ قومي روحي كليتك.
سيلين بتذمر طفولي: هو إنت رايح النهاردة؟
كنان: اه؛ إنتي مش هتيجي ولا إيه؟
سيلين: الصراحة... مكسلة أسوق. ما تاخد مرات أخوك في سكتك ينوبك ثواب.
كنان: بس مش هقعد بعد المحاضرات معاكي. تخلصي وتروحي معايا عشان عايز أروح لداليا المستشفى اطمن عليها وكمان عشان نادر مايزعقليش ويقولي إنت اللي بتأخرها في الكلية وأنا ببقى قاعد أصلًا بسببك.
سيلين: ما هو مانعني من كل حاجة يا كنان. حتى أصحابي مش بشوفهم برا الكلية ولا بعد المحاضرات. فا بجيبها فيك وأقعد معاهم شوية.
كنان: لأ ماتجبيش حاجة فيا أبوس إيدك. البيت مش ناقص خناق. إلا بمناسبة البيت. هو إيه الهدوء ده!
تنهدت سيلين وقالت: نديم راح الشركة بدري عشان جواد في المستشفى مع داليا من الفجر. وكارما قاعدة في أوضتها فوق مع الناني بتحاول تأكلها وهي رافضة وعمالة تقول عايزة ماما تأكلني. وكنزي في المدرسة.
كنان: أنا مش عارف هنعمل إيه مع كارما. يلا... قومي خلينا نروح الكلية وهوصلك وأمري لله.
أخذت حقيبتها ونهضت سريعًا لتلحق به ولكن توقفت عندما دخل جواد القصر ركضًا فقال كنان وهو ينظر إليه بفزع: فيه إيه يا جواد؟!
قال جواد وهو يركض: داليا عايزة تشوف كارما بسرعة. وأنا مرعوب يجرالها حاجة قبل ما تشوفها.
نظر كنان إلى أثره بصدمة ثم نظر إلى سيلين وقال: شكلها كده مفيش كلية النهاردة.
سيلين بقلق: تفتكر... خلاص!
أومأ إليها بحزن وقررا أن يذهبا معه إلى المشفى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي مشفى أخرى كانت غزل تركض نحو غرفة العمليات بفزع، لا تعلم كيف وصلت إلى المشفى، فحين تلقت اتصال هاتفي من الطبيب يطلب منها الحضور على الفور للموافقة على العملية الجراحية التي يجب أن تجرى الآن إلى والدها؛ بدلت ثيابها سريعًا وذهبت إلى المشفى وهي لا تعلم كيف سيجري والدها خالد العملية وهي لم تدفع تكاليفها.
وصلت الإستقبال ووجدت الطبيب ينتظرها فقال بعجالة: بسرعة يا أنسة غزل إمضي هنا.
وقعت غزل على الفور وركض الطبيب نحو غرفة العمليات، كادت تلحق به ولكنها توقفت وقالت إلى عامل الإستقبال: هو هيدخل العملية وبعدين أدفع الفلوس؟!
العامل: لا يا أنسة طبعًا، المبلغ اتدفع بالكامل امبارح بليل ولما الدكتور عرف طلب مننا نجهزه عشان يعمل العملية، ده لو كان اتأخر أكتر من كده كانت الحالة اتدهورت أكتر. إن شاء الله يقوم بالسلامة.
غزل: يارب يقدر يعيش بكلية واحدة.
شردت غزل تفكر من الذي دفع تكاليف العملية! ولكن أجلت ذلك السؤال حتى تطمئن على حالته بالأول.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان جواد يركض داخل المشفى وهو يحمل كارما ابنته الصغيرة بين يديه، يسابق الزمن حتى تراها داليا قبل أن تموت، ومن خلفه تركض سيلين وكنان. وحين وصولا إلى الممر الذي تقع به غرفة داليا توقف فجأة وهو يرى حركة غريبة عند باب غرفتها، سمع أصوات الأجهزة التي بالغرفة تصدر أصواتًا تعلن رحيل داليا. تجمد مكانه وكل شيء أصبح يتحرك حوله ببطء وكأن الزمن توقف الآن، نظر إلى كارما التي تنظر إليه بعينيها الريئة لا يعلم هل يعتذر لها أو يواسيها، اقترب منه كنان وربت على كتفه فنظر له والفراغ يملأ عينيه ثم وضع كارما على يده ليحملها عنه واقترب من الغرفة بخوف، لا يرغب بأن يرى وجهها الشاحب ويلمس بشرتها الباردة ولكن لا مهرب من القدر... داليا التي أحبته أكثر من نفسها قد ماتت... ماتت وهو لم يوفي بوعده لها، وحين رأها وقف عند الباب وتذكر ذلك اليوم الذي قطع به هذا الوعد.
فلاش باك.
كانت داليا تجلس بالفراش وتبكي وهو يجلس بجوارها عاجز، لا يعلم كيف ستغفر له هذا الفعل، فقد كانت بين أحضانه وللحظة خُيل له أنه يراها، يرى حبيبته الوحيدة التي لم ينساها قط. وضع يده على وجنتها ونظر إليها بعشق لأول مرة وقال: وحشتيني يا غزل.
لم تصرخ... لم تعاتبه فقط بكت وها هي لا تزال تبكي أمامه وهو يجلس بجوارها والندم قد لجم فمه. وحين زاد بكائها شعر بالندم عما قاله فجثا أمامها وقال: أنا عمري ما كدبت عليكي، ومن أول يوم قولتلك إني محتاج وقت عشان أنسى.
داليا: وأنا أديتك وقت كتير. بقى عندنا بنت وبقينا عيلة؛ هتحبني إمتى؟ هتحس بيا إمتى؟
أنا عمري ما هنسى وقفتك جنبي في مرضي وإنك وافقت تتجوزني بالرغم من إنك عارف إني هموت قريب، وعمري ما هنسى لما كل العيلة إعترضت إني أخلف منك عشان العيل اللي هيجي هيبقى يتيم الأم وإنت قولت ساعتها " أنا عمري ما هحرمها من إحساس الأمومة." فرحت وقولت البنت دي اللي هتقربنا من بعض بس إنت لسه بعيد.
جواد بضيق: صدقيني أنا بحاول بكل الطرق.
ثم طرق رأسه بعنف وقال: لكن غزل بقت لعنة عليا، مخي مش قادر ينسى اللي حصل، مش قادر اتخطى اللي هي عملته.
ثم التفت إليها وقال: بس أنا عارف إن مالكيش ذنب وعارف إن مش مطلوب منك تستحمليني أكتر من كده. لو مابقتيش قادرة تستحمليني وعايزة تسيبيني... سيبيني.
وقفت أمامه وقالت بفزع: لأ... أنا ماقدرش أبعد عنك. ده إنت حب عمري كله. أنا كبرت على حبك ومن يوم ما بقيت ليا وأنا حاسة إن الدنيا كلها ملكي، أنا راضية... راضية حتى بربع عقلك يبقى ليا.
جواد: أنا عارف إني بظلمك بس إديني وقت أكتر شوية. أوعدك إني هحبك أكتر منها. في يوم من الأيام هبقى ليكي كلي.
داليا بحزن: وهتقولي حبيبتي؟
أومأ إليها بالإيجاب فارتمت بين أحضانه وقالت: وأنا هستنى اسمعها منك.
عودة من الفلاش باك.
أغمض عينيه التي هربت الدموع منها. فقد ماتت قبل أن يوفي بوعده. لم يناديها بالكلمة التي تمنت أن تسمعها منه يومًا ما.
ثم سمع صوت بكاء كارما التي تنادي عليها وكأنها شعرت بأن أمها قد فارفت الحياة وتركتها. اقترب منها وحملها عن كنان وضمها بين ذراعيه وخرج من المشفى بالكامل. ثم اتصل بجلسية الأطفال الخاصة بها وطلب منها أن تأتي إلى المشفى وتأخذ كارما إلى المنزل. أنهى المكالمة وقالت كارما: بابا... هي ماما فين؟ أنا ماشفتهاش. إنت قولتلي إني جاية عشان أشوفها.
ابتلع ريقه بألم وقال: معلش يا حبيبتي هي لسه تعبانة والدكتور منع الزيارة تاني. روحي دلوقتي مع ناني وبعدين هجيبك تشوفيها.
كارما: إنت بتكدب يا بابا. ماما قالت لما بتكدب بتهرب بعينيك، إنت دلوقتي بتهرب صح؟
سيطر جواد على دموعه وقال: حقك عليا يا كارما. أنا اللي وافقت من الأول. كان عندهم حق... ماكنش لازم أوافق.
احتضنها بين ذراعيه ورأى سيف يقترب منهما بخطوات سريعة وقال بفزع: فين داليا؟! فين أختي؟!
نظر جواد إلى كارما التي سمعته يتحدث بفزع كي ينتبه إلى وجودها وقال: جوا يا سيف. إهدى شوية.
سيف: وإنت لما تخبي عليها دلوقتي مش هتعرف! ما كده كده هتعرف إن أمها ماتت وإنت السبب. خليتها تخلف وإنت عارف إنها مش هتعيش وكل ده عشان تضمن إنها تخلف وابنك يورث نسبتها في الشركة. لكن ربنا خيب مخططك وجالك بنت وعشان أختي عارفة إنك عمرك ما حبيتها ومتجوزها بس مصلحة خلت حد تاني يبقى وصي على بنتها بعد ما عاشت معاك أسوء أيام حياتها وهي عارفة إنك مش بتحبها. جاي دلوقتي تخاف على مشاعر بنتك!
صرخت كارما بين يديه بفزع وقالت: هي ماما خلاص مشيت! ماما راحت عند ربنا؟
نظر إليه جواد بغضب وقال: إنت إيه يا أخي ماعندكش دم ولا إحساس. راعي حتى العيلة الصغيرة اللي قدامك. ده وقت كلام في فلوس وميراث وأختك دمها لسه مانشفش.
سيف بحدة: بقولك إيه؛ وفر الحركات دي على حد غيري. أنا يا حبيبي رميتي في الشارع علمتني أفهم الناس كويس ووش البراءة اللي إنت لابسه على وشك ده مش هيدخل عليا أنا بالذات.
دفعه جواد في كتفه وقال بحزم: غور من وشي يا سيف النهاردة بدل ما أخليك تحصل أختك وارتاح منك.
صاح سيف عاليًا وقال: إنت بتمد إيدك عليا! طبعًا ما أنت خلاص بلعت كل حاجة ليك لوحدك.
تدخل كنان الذي شعر بالقلق على جواد ولحق به إلى الخارج ورأى ما يحدث فدفعه بعيدًأ عنه وقال: إنت بتعمل إيه؟ مش شايف الظرف اللي إحنا فيه! بدل ما تروح تشوف أختك جاي تتخانق معاه هنا؟
تحدث سيف بأسلوب سوقي وقال بحدة: هو اللي مد إيده الأول وأنا محدش يمد إيده عليا.
وضع جواد كارما على ذراع كنان وهي تبكي بفزع دون توقف ثم وقف أمام سيف وتحدث من بين أسنانه وعينيه تطلق سهام الغضب وقال: عارف يا سيف لو مامشتش دلوقتي من وشي هخليك تشوف أختك فعلًا بس في تربة واحدة. غور من هنا ومش عايز أشوف وشك.
ارتد سيف إلى الخلف وهو يخفي خوفه وقال: همشي بس راجع. عشان أختي نصفتني وإديتني الوصاية على بنتها وهاخد حقي في ورث أبويا اللي حرمني منه. وهيبقى زيي زيك في الشركة يا جواد...كله رايح واللي جاي مافيهوش تصالح.
غادر وهما ينظران إليه ثم قال كنان: هو إنت قولت لكارما ولا إيه؟!
جواد: الحيوان ابن عمك اللي قال قدامها.
ضمها كنان وهو يغمض عينيه بحزن على بكاء تلك الطفلة الصغيرة التي فقدت أمها وهي في أشد الحاجة إليها.
ثم خرجت سيلين وقالت: جواد... الدكتور عايزك جوا عشان تشوف إجراءات الدفن.
جواد: طيب خليكي مع كارما وحاولي تهديها يا سيلين أرجوكي. والناني هتيجي تاخدها دلوقتي.
حملتها سيلين وذهب جواد إلى الداخل وقالت سيلين: صغيرة أوي يا روحي!
كنان: نصيبها كده. بلغتي نادر؟
سيلين: وبلغت نديم كمان وقالي هيدي الشركة أجازة ٣ أيام العزا وهيقفلها ويجي. ونادر قالي إنه جاي على طول.
أومأ إليها وربت على كارما كي تهدأ قليلًا ولكنها لم تتوقف عن البكاء.
بعد وقت جاءت جليسة الأطفال وأخذتها إلى المنزل. تمم جواد مراسم الدفن وبعد عدة ساعات كان يقف أمام قبرها ويقرأ الشيخ آيات من القرآن ويدعوا الجميع إليها بالرحمة.
وقف يستقبل العزاء ورأى سيف يقف يتابع ما يحدث على مسافة.
عاد جواد إلى المنزل ليلاً بصحبة أخواته وحين فتح الباب سمع صوت بكاء كارما يصدع بالمنزل فصعد على الفور إلى غرفتها. وجد جليستها تحملها بين يديها فقالت: مش عايزة تبطل عياط خالص يا مستر جواد.
حملها جواد وطلب منها أن تتركه معها. ثم أجلسها على ساقه وقال: إنتي عارفة إن ماما كده زعلانة منك؟
نظرت له وقال: ليه؟
جواد: عشان إنتي بتعيطي. إنتي مش عارفة ماما كانت بتحبك أد أيه ومش بتحب تشوفك بتعيطي. وهي دلوقتي شيفاكي وإنتي بتعيطي وهتزعل منك. وإنتي عارفة إن ماما ماينفعش تزعل صح؟
أومأت إليه وهي تتنفس بصعوبة من كثرة البكاء فضمها إليه وقال: وأنا هزعل لو لقيتك بتعيطي كده تاني. أنا مليش غيرك دلوقتي ومش عايز أشوفك بتعيطي كده تاني.
هدأت قليلًا ثم حملها بين يديه ووضعها بالفراش ونام بجوارها. ينظر إليها بندم ويشعر بأنه السبب أنها الآن يتيمة الأم. فهو من وافق على أن تنجب له تلك الطفلة. كان يريد أن يجعلها سعيدة ولم يرغب بأن يحرمها أيضًا من الأطفال كما حرمها من حبه لها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت غزل تقف أمام غرفة العناية تنتظر أن يخرج الطبيب ويطمئنها على والدها. بعد وقت من الإنتظار خرج وقال: الحمد لله الحالة استقرت شوية. إحنا حاطيبنه تحت المتابعة عشان نعرف الجسم هيقدر يعيش بكلية واحدة ولا هيحتاج زرع كلية.
غزل: إن شاء الله هيقدر. الصراحة يا دكتور أنا مش عارفة حتى هجيب تمن الأوضة دي إزاي.
الطبيب: ماتقلقيش، فيه مبلغ كبير تحت في الخزنة باسم والدك هيكفي مصاريف العلاج كاملة.
غزل: أنا عايزة أعرف مين اللي دفع كل الفلوس دي؟! أنا ماعرفش حد ممكن يدفع المبلغ ده.
أخرج الطبيب بطاقة تعريف من معطفه وقال: اللي دفع المبلغ ساب معايا الكارت بتاعه وطلب مني أسلمهولك.
غزل: بجد!
نظرت بالاسم فقالت: ماعرفوش.
الطبيب: اتصلي بيه وأعرفي سبب اللي عمله.
اتصلت به على الفور وما أن سمعته يتلقى المكالمة حتى قالت: أستاذ عز الدين؟
عز الدين: أيوة أنا. مين معايا؟
غزل: أنا غزل خالد العزايزي. كنت عايزة أعرف ليه حضرتك دفعت المبلغ ده كله في المستشفى وإنت ماتعرفناش.
عز الدين: أهلًا يا أنسة غزل. أنا ممكن أجي لحضرتك ونتكلم في الموضوع أحسن.
غزل: أكيد. أنا في المستشفى، معلش مش هقدر أسيب بابا دلوقتي.
عز الدين: ﻷ مفيش مشكلة، أنا جاي لحضرتك هناك.
أنهى المكالمة وانتظرت غزل ببهو المشفى بالأسفل حتى جاء عز الدين وسأل عنها فأشار له العامل عليها وقال: هي سايبة خبر إن حضرتك جاي.
تقدم منها عز الدين فوقفت غزل وصافحته ثم جلس أمامها وقال: أهلًا بيكي.
غزل: اللي فهمته من الكارت إن حضرتك محامي.
عز الدين: مظبوط. والحقيقة إن فيه موكل عندي هو اللي طلب مني ادفع مصاريف المستشفى.
غزل: أيوة مين هو بقى؟
عز الدين: للأسف مش هقدر أقولك غير بشروطه.
غزل بتعجب: يعني إيه؟
عز الدين: هو سايب لحضرتك مليون جنيه غير إنه متكفل بعلاج السيد الوالد كاملة.
غزل: وكل ده مقابل إيه؟!
عز الدين: كل اللي مطلوب منك إنك تقبلي الوصاية على بنت صغيرة وهي بنته وتراعيها وتراعي أموالها لحد ما تكبر وتسلميها المال كامل من غير ما ينقص مليم. ولو قبلتي هتاخدي مليون جنيه مقابل.
غزل: واشمعنة أنا يعني اللي ابقى وصية عليها.
عز الدين: كل السبب اللي قاله إنه مش هيأمن عليها غير معاكي. وفعلًا أنا أجريت تحريات عنك وعرفت إن كل الناس بتحلف بأخلاقك ونزاهتك. ولما اتأكدت من ده عمل ورق الوصية. ودلوقتي كل اللي مطلوب منك توافقي إنك تبقي وصية على بنته.
غزل: طيب أعرف هو مين.
عز الدين: للأسف هو شارط السرية لحد ما توافقي.
غزل: طيب اتصل بيه وقوله إني هوافق لما يجي وأشوفه.
عز الدين بحزن: للأسف مات النهاردة الصبح. ولو حضرتك موافقتيش فلوس البنت دي ممكن تتسرق أو حد ياخدها عن طريق الوصية واللي أعرفه عنك إنك دايمًا بتردي الحق ﻷصحابه. وسامحيني يعني هو لولاه كان زمانك لحد دلوقتي بتلمي تمن عملية السيد الوالد. لكن هو تكفل بكل شيء من قبل حتى ما يعرف إذا كنتي هتقبلي ولا ﻷ. وإنتي مش مطلوب منك أي حاجة غير إنك هتراعي البنت الصغيرة دي في مالها وبس. أظن ده مقابل بسيط على اللي هو عمله خصوصًا إنك كمان هتاخدي مبلغ تأمني بيه مستقبلك وتجيبي شقة بدل اللي بعتيها عشان تعالجي والدك وتصرفي عليه.
غزل: أنا فاهمة طبعًا الجميل اللي عمله معايا وعمري ما هنساه. بس مش فاهمة إيه السر إنه يختارني أنا بالذات وأنا متأكدة إني ماعرفش حد يملك المبلغ ده كله.
عز الدين: المفروض تسألي نفسك دلوقتي سؤال تاني؛ إيه اللي هخسره لو وافقت؟ ولا حاجة لكن لو رفضتي هتخسري مليون جنيه وعلاج والدك.
صمتت غزل تفكر. تذكرت أن مالك المنزل أعطاها مهلة فقط أسبوع كي تخلي المنزل وتأخذ أغراضها. والدها لا يزال يحتاج إلى رعاية طبية ومنزل يذهب إليه بعد أن يخرج من المشفى. وإذا وافقت لن تخسر شيء بل على النقيض ستحل كل مشاكلها المادية. لذا قررت أن تقبل العرض ووافقت على قبول الوصية.
لم تكن تعلم أنها على أعتاب حرب ستعيد ترتيب حياتها من جديد وتواجه الماضي الذي تهرب منه.
يتبع