
رواية حب تحت الرماد الفصل الثالث والعشرون23 والرابع والعشرون24 بقلم رباب حسين
أحيانًا لا يكون أصعب ما يواجهه الإنسان هو أن يُتهم بشيء لم يفعله... بل أن يكتشف أن الشخص الذي كان يثق به قد يكون مستعدًا لتشويه صورته أمام الجميع حتى يحقق ما يريد.
خرج كنان من القصر هاربًا من نظرات إخوته يحمل فوق كتفيه تهمة لم يرتكبها بينما بقيت سيلين خلفه تحاول أن تخفي الحقيقة التي كادت أن تفضحها لحظة واحدة.
مثل جواد الذي خرج من المشفى وهو يرى نظرات الاتهام داخل عين غزل فلم يستطع حتى أن يدافع عن نفسه. فكيف يدافع عن قلبه البريء أمام من تملكه.
وبالجهة الأخرى هناك من ينسج خيوطه ليحصل على ما يريد... سواء كان سيف الذي يبدع في خطته أو عزيز الذي بدأ ينسج خيوطه حول قصر الخولي.
وفي هذا القصر لم يعد الرماد يخفي النار. فقد بدأت النيران تخرج إلى العلن وحين يشتعل الحب وسطها... لن يكون الجميع قادرين على النجاة.
كنان وجواد؛ أصبحا تحت طاولة الاتهام في يوم واحد ولن يجدا سبيل سوى الهروب.
كنان لم يعود إلى المنزل بذلك اليوم فقد ذهب إلى منزل صديق له ومكث عنده تلك الليلة، وكل ما كان يخشاه أن يصل ما حدث إلى مسامع رزان. والآن هو يثق أن سيلين لن تدع الأمر يمر دون أن تستفيد منه.
حل الليل ولا يزال نادر بغرفة المكتب وحيدًا. نزلت سيلين من غرفتها وهي ترتعش من مواجهة هذا الغضب الكامن بصدره، ولكن كان عليها أن تخرج من هذا الأمر دون خسائر. فبكل الحالات هي لا ترغب بأن تخسر كنان وتجعله في موضع اتهام ويكرهها أكثر. فقررت أن تبرأه مما حدث.
طرقت الباب بطرقات خفيفة وحين لم تسمع صوته قالت: نادر... طيب خليني اتكلم معاك شوية. ما هو مش هينفع الحبسة دي.
انتظرت قليلًا وفتح نادر الباب. وجدت ملامح وجهه تكسوها غضب وعينيه أصبحت حمراء اللون حتى اختفى بياض عينيه. تركها وعاد ليجلس على كرسيه. أغلقت الباب وجلست أمامه وقالت: كنان غلطان أنا مش هقولك ﻷ؛ بس برده هو شايف إن أنا وإنت عايزين نرجع الأسهم بتاعتك في الشركة.
إعتدل نادر وعقد حاجبيه بتعجب وقال: إنتي بتقولي إيه؟!
سيلين: بقول إن كنان فكر كده غصب عنه. هو شك فيا اه إني ورا الحادثة بتاعت غزل بس بكرة يتأكد إني بريئة وإنت كمان.
نادر: ثواني بس... هو كنان كان بيقولك إيه في الأوضة أصلًا عشان أنا كده فاهم غلط خالص.
سيلين: هو كان بيتكلم معايا امبارح وقالي إنتي اللي ورا حادثة غزل وإني عملت كده عشان جواد يشيلها وساعتها نخلص من الاتنين والأسهم تبقى لينا. فا أنا استغربت هو بيفكر كده إزاي بس اتفاجأت إنه عايز يبلغ البوليس كمان. عشان كده رحت اتكلم معاه النهاردة وقولتله إزاي يفكر فيا كده بس قالي إني طماعة وعايزة أخد الأسهم بتاعتك بأي شكل. فا كنت بقوله إنه مش وحش للدرجة دي عشان يروح يبلغ عني وأنا ماعملتش حاجة.
طرق نادر جبهته بضيق وقال: أنا فهمت غلط خالص! ليه يا سيلين مافهمتنيش اللي حصل وقتها؟!
سيلين: ليه هو إنت فهمت إيه بالظبط؟
نادر: فهمت... فهمت إنه يعني كان بيحاول... خلاص خلاص مش مهم. أنا غبي إزاي فكرت في كنان كده.
فتحت سيلين عينيها بصدمة وقالت: إنت اتجننت يا نادر! معقول تفكر كده فيا وفي أخوك. هو ماشي كان مش لابس يعني بس هو بيعتبرني زي أخته وبعدين ما إحنا بنروح بسين سوا وبيبقى لابس كده برده.
نادر: أيوة بس قدام الناس كلها مش في أوضته وإنتي وهو لوحدكم.
سيلين: ولو يا نادر. معقول تفكر فيا كده! ﻷ ﻷ أنا مصدومة فيك بجد. طيب أنا غريبة عنك لكن أخوك كنان! ﻷ ﻷ... أنا لو أعرف إن دماغك راحت في الحتة دي ماكنتش جيت دلوقتي وكلمتك أبدًا. أنا مش مصدقة إنك شايفني كده يا نادر!
ثم وضعت كلتا يديها على وجهها وشرعت بالبكاء حتى نهض نادر من على كرسيه وجثا أمامها وقبض على ذراعيها وجذبهما بعيدًا عن وجهها. ثم قبل راحت يدها وقال: يا حبيبتي الموقف كان غريب ومش مفهوم. أنا لحد دلوقتي قاعد هنا بحاول أستوعب اللي شفته. غصب عني فهمت غلط. وبعدين يا سيلين المفروض لو شفتيه واقف بالمنظر ده ماكنتيش وقفتي معاه في الأوضة.
سيلين ببكاء: أنا كنت مصدومة من اتهامه ليا وليك. وخايفة يروح يبلغ عني فعلًا وأنا ماعملتش حاجة يا نادر. ماشي أنا مش برتاح لغزل دي وجواد مش بيطيقني بس مش لدرجة إني أقتلها وألبس التهمة لجواد!
نادر: أنا هتكلم مع كنان في الموضوع. ده لو رضي يبص في وشي أساسًا بعد اللي قولته وعملته ده.
سيلين: كنان طيب وإنت عارف. مجرد ما هتتكلم معاه هتلاقيه هدي.
نادر: أنا هتصرف معاه بس المهم إنتي ماتزعليش يا حبيبتي. حقك عليا وبطلي عياط بقى. إنتي عارفة إني مش بستحمل أشوف دموعك دي.
سيلين: إنت عارف أنا بحبك أد إيه. وميش راجل في الدنيا يملى عيني غيرك.
قبل راحت يدها مجددًا وقال: عارف يا حبيبتي. ده أنا بحسد نفسي عليكي.
ثم رفع أنامله وأزال دموعها وقال: خلاص بقى عشان خاطري. تعالي نطلع أوضتنا وأحاول أكلم كنان.
أومأت إليه وهي تزيل دموعها فأمسك يدها وصعدا معًا إلى غرفتهما.
لا يزال نادر معمي بهذا الحب المزيف ودموع التماسيح التي تتقنها سيلين. أما هي فستظل تخدعه حتى تصل إلى كنان. فهي لن تغامر وتخسر كل شيء وتخرج من هذا المنزل خسرانة الحب والمال.
عاد أمل وكارما وخالد إلى المنزل معًا بعد أن ذهب سيف ليمكث مع غزل بالمشفى وبلغهم أنه سيأتي بها صباحًا. أما جواد فأنهى عمله مبكرًا وذهب إلى مكانه المخصص بالمقطم. لم يعد إلى المنزل بعد أن سمع تلميح غزل بأنه هو من حاول قتلها. في تلك اللحظة علم أن الطريق بينهما أصبح مقطوعًا ولن يعودا معًا أبدًا. كان يودع ذلك الحب الذي ملء قلبه وانتشر به كالسم في الجسد.
كانت ميرو من تحاول أن تتصل به. فهي لم تراه منذ يومان وبعد أن علمت بما حدث لغزل وأنهم قد وجهوا التهمة إلى جواد شعرت بالقلق عليه وأرادت أن تستغل ما يحدث لصالحها.
كانت تجلس بالملهى الليلي كالعادة ورفيقتها تجلس بجوارها. نظرت إليها وهي تعبث بهاتفها فقالت ميرنا: يا بنتي سيبي الزفت ده بقى وركزي. الواد اللي هناك ده ماشلش عينه من عليكي.
نظرت إليه ثم عادت النظر إلى ميرو وقالت: ما أنتي عارفة إني مليش نفس.
ميرنا: يييي... خليكي كده مستنية جواد بتاعك ده وفي الآخر هيروح يتجوز واحدة تانية ويسيبك تاني.
ميرو: يا بنتي جواد ده طوق نجاة. أنا خلاص الفلوس اللي معايا قربت تخلص ولو ماعرفتش أوقع جواد أنسي. مش هلاقي أكل.
ميرنا: ليه يعني! ساعتها هنشوف واحد نقلبه في قرشين زي ما عملنا في دبي. عادي يعني.
ميرو: ما هو مش كل مرة هنعرف ناخد الفلوس ونخلع قبل ما ياخدوا هما اللي هما عايزينه. وبعدين أنا مش عايزة أنصب تاني. هو جوازي من جواد اللي هينجدني. بس المشلكة إنه كالعادة مش شايفني.
ميرنا: طيب بصي... خلينا نحاول نوقعه. فاكرة اللي عملته مع رجل الأعمال ده لما ضايقني وكان عايز يرحلني؟
ميرو: قصدك لما فضحتيه؟
ميرنا: أيوة. إحنا هنعمل كده مع جواد بس مش لدرجة فضيحة يعني.
ميرو: وده إزاي بقى؟
ميرنا: هقولك... بس ركزي كده وفكي وشك ده عشان نلاقي حد يحساب على فاتورة النهاردة.
ميرو: قولي بس وأنا هقوم اتشقلبلك في المكان. بس خلصيني من حوار جواد ده.
قصت لها تلك الخطة الشيطانية التي جعلت عيني ميرو تلمعان بالطمع. وبعد أن عجبتها الفكرة وقررا أن ينفذاها معًا وقفت ميرو واقتربت من هذا الشاب الذي يرمقها من بعيد ورقصا معًا. قضت ليلتها بين يد هذا وذاك حتى وجدت من يدفع لها تلك الفاتورة وعادت إلى المنزل قبل سطوع الشمس.
وفي ذلك الوقت كان جواد عائدًا إلى المنزل ووجدها تترنح يمينًا ويسارًا وهي تصعد الدرج أثر ذلك المشروب. صعد الدرج خلفها وأمسك بيدها بقوة فكادت تسقط. أمسك بها ومنعها من السقوط ثم قال: راجعة سكرانة يا ميرو! ده أنا هطين عيشتك بس لما تفوقي كده.
ضحكت ميرو بقوة وقالت: جودة! اللي تقلان عليا ومش معبرني من وإحنا صغيرين أد كده.
جواد: لو أعرف إنك هتبقي كده كنت قتلتك وإحنا صغيرين. اطلعي على أوضتك وبكرة لينا كلام تاني.
أسندها حتى صعدت إلى غرفتها ثم مر على غرفة كارما وقبلها وهي نائمة وذهب إلى غرفته.
في الصباح، اجتمعت العائلة على مائدة الطعام قبل صلاة الجمعة. نزل جواد وجلس على رأس الطاولة. ثم قال: صباح الخير. فين كنان لسه نايم ولا إيه؟
نديم: شكله بايت برا.
جواد بحدة: عال أوي اللي إحنا فيه ده. واحد بايت برا البيت والتانية راجعة سكرانة!
نادر: مين دي؟
جواد: ميرو. بس لما تفوق من القرف اللي هي كانت شرباه ده. وكنان بيه فين حد يتصل بيه.
نديم: اتصلت تليفونه مقفول.
جواد: لا يكون جراله حاجة! كنان أصلًا عمره ما بات برا البيت.
نظر نادر إليه ثم أخفض نظره. لم يستطع أن يخبر جواد بما حدث. فقال جواد: إنتوا مالكم ساكتين كده؟ فين كنان؟ فيه حاجة حصلت أنا ماعرفهاش؟
دخلت غزل مع سيف من الباب وسمعت صوت جواد المرتفع فتوجها معًا نحو غرفة الطعام ولحق بهما خالد بعد أن علم من سيف أنهما قد اقتربا من المنزل. أحتضنها خالد وقال: حمد الله على السلامة يا حبيبتي.
غزل: الله يسلمك يا بابا. هما بيزعقوا ليه على الصبح؟
سيف: تعالي نشوف.
دخلوا الغرفة وجواد لا يزال ينظر إلى نادر الذي يبدو عليه التوتر ويبدو أن هناك شيء حدث بينه وبين كنان فقال: ما تقول يا نادر فيه إيه؟ كنان جراله حاجة؟
نادر: ﻷ... ماعرفش. هو خرج من امبارح ومارجعش.
جواد: أيوة ليه بقى؟!
سيف: عشان نادر اتخانق معاه لما شاف سيلين معاه في أوضته وهو عريان.
نظر إليه جواد بصدمة ثم عاد النظر إلى نادر وقال: إيه العك اللي بسمعه ده؟! إنتوا اتجننتوا يا ولاد الخولي ولا إيه، ولا مالكوش كبير في البيت ده خلاص!
نادر: هو كان سوء تفاهم يا جواد مش أكتر. وأنا بكلم كنان من امبارح عشان أصلح اللي حصل بس تليفونه مقفول.
سيف: ما هو الوضع برده ماكنش مفهوم يعني. ما براحة يا جواد شوية عليه.
جواد بحدة: وإنت مالك أصلًا! بتدخل بيني وبين أخواتي ليه؟ وبعدين لما اتكلم محدش يقولي تعمل إيه وماتعملش إيه. أنا الكبير في البيت ده واللي مش هيمشي على نظام قصر الخولي يبقى ما يقعدش فيه. العبط اللي سمعته من شوية ده مش عايز اسمعه تاني. فاهمين ولا ﻷ. وإنت يا بيه يا كبير؛ بتشك في أخوك الصغير ومراتك! إنت اتهبلت يا نادر!
غزل: أكيد فهمت غلط يا نادر. كنان مايطلعش منه كده أبدًا.
ثم نظرت إلى سيلين بتحذير وقالت: ولا إيه يا سيلين. ما تنطقي.
سيلين بتوتر: ما أنا... أنا قولتله كده. وهو عرف إنه فهم الكلام غلط. وبعدين كنان طول عمره زي أخويا وأنا كمان زعلت منه لما فكر فيا أنا وهو كده.
جواد: حسابك معايا بعدين يا نادر. قوم اتحرك إنت وهو ندور على كنان. ليكوا عين قاعدين تاكلوا والواد برا من امبارح! يا بجحتكوا!
خالد: لأ ما هو واضح إن البجاحة واخدة حقها في العيلة كلها.
وقف أمامه جواد وزفر بقوة كي يتحكم بغضبه أمامه ثم قال: تقصد إيه يا حج؟
خالد: قصدي أنك واقف وعامل كبير العيلة القدوة وإنت حاولت تموت بنتي عشان الفلوس.
جواد: وحد قالك إن جواد الخولي مستني فلوس مراته ولا بنته! أنا بعدي اللي إنت بتعمله بس عشان ماتعرفنيش. لكن لو سمعت كلمة في الموضوع ده تاني مش هيحصل كويس.
اقتربت غزل منه وقالت بحدة: إنت اتجننت يا جواد. بتهدد أبويا قدامي؟
جواد بحدة: أبوكي رماني في القسم واتهمني زور.
غزل: أي حد مكانه هيفكر كده. إذا كان أهلك بيعاملوك إنك طماع عايزنا نشوفك إزاي!
جواد: وإنتي كمان شيفاني طماع يا غزل؟
غزل: اه. وسبتني زمان عشان تتجوز بنت عمك عشان فلوسها. ولا إيه يا عيلة الخولي؟
جواد بحدة: معلش بس عشان أنا قرفت من كتر التهم اللي عمالة تتحدف عليا دي وعايز اقطع الكلام ده كله. أنا مش مجبر إني أدافع عن نفسي قدام أي حد فيكوا. ولا مهتم أصلًا إنتوا شايفني إزاي. بس هما كلمتين تحطوهم في دماغكم كده عشان نكمل حياتنا في البيت ده من غير مشاكل. أنا لو سمعت حد فيكوا أيًا كان هو مين بيتكلم عليا نص كلمة من غير دليل مش هيقعد في البيت ده ثانية واحدة. لا إنتوا يا أخواتي ولا إنتي يا غزل. ولو فاكرة إني هستحمل اللي إنتي بتعمليه ده عشان الأسهم ما تروحش للجمعيات الخيرية تبقي لسه ما تعرفيش جواد الخولي. أنا لا يفرق معايا فلوس ولا أسهم ولا شركة. وقريب هيبقى ولا عيلة كمان. أنا ساكت بس عليكوا عشان وصية أبويا وعمي لكن أحذروا من غضبي. عشان ساعتها هحرق البيت كله باللي فيه.
قوم يا بيه منك ليه ندور على كنان. وإنتوا كل واحد يترزع في أوضته. والهانم اللي نايمة فوق ماتخرجش من البيت. أنا هعرفكم أصول بيت الخولي كويس أوي.
خرج من المنزل وأشار نديم إلى نادر سريعًا وقال: بسرعة يا نادر عشان جواد دلوقتي مش بيهزر وإحنا مش أد قلبته. قوم يلا.
نهض نادر بعجالة وقال: حاضر حاضر.
لحقا به ثم نظرت سيلين إلى خالد وغزل وقالت: ياريت تتجنبوا جواد الفترة دي. عشان لما بيوصل للغضب ده محدش بيعرف يقف قصاده.
سيف: للحظة حسيت إني واقف قدام عمي إياد. صحيح جواد هو الخولي الكبير فعلًا.
غزل: تعالى يا بابا نطلع فوق.
صعدا معًا وخالد لم يتحدث. حتى وصل إلى غرفة غزل وجلس بالداخل. فقالت غزل: مالك يا بابا ساكت كده؟ زعلان من جواد؟
خالد: ﻷ. الصراحة الطريقة اللي اتكلم بيها وثقته في الكلام حسستني ﻷول مرة إني ممكن أكون فعلًا فاهمه غلط.
غزل بضيق: إنت جاي تقول كده يا بابا بعد ما خلتني أقول الكلام ده هنا والمستشفى!
خالد: ما هو أنا لما شفتهم كلهم بيجروا قصاده كده وهو واقف بيتكلم بعين قوية ومحدش فتح بقه حتى سيف إستغربت. إستحالة حد يبقى عارف إنه غلطان واللي قدامه عارف غلطه ويقف يتكلم بالبجاحة دي قدامه.
غزل: هو ده جواد اللي أعرفه. مشكلتك بس يا بابا إنك زعلت عليا من اللي عمله زمان معايا، وكمان اللي سمعته هنا في البيت خلاك تفهمه غلط. بس أنا متأكدة إن مع الوقت هتعرف إن جواد مش كده.
خالد: ما هو يا بنتي برده اللي عمله معاكي مش قليل.
غزل: الله أعلم الحقيقة فين. خلينا ماشيين كده لحد ما نعرف كل حاجة. مهما الكدب والخداع فضل هو اللي ظاهر قدام الناس في يوم من الأيام الحق صوته هيعلى ونعرف الحقيقة.
خالد: ولحد ما الحقيقة تظهر أنا عايز اطمن عليكي.
غزل: يعني أعمل إيه؟
خالد: أعملي توكيل لسيف بإدارة الأسهم وأبعدي خالص عن الشركة. جواد قوي وسيف هيعرف يتعامل معاه. وإنتي خليكي هنا في البيت ما تخرجيش. أنا قلقان عليكي من ساعة اللي حصل.
غزل: طيب فهمني ليه خايف كده؟
خالد: عشان لو مش جواد اللي ورا الموضوع يبقى اللي في بالي هو اللي عملها.
غزل بتعجب: مين اللي في بالك؟
خالد: مش مهم. نفذي اللي بقول عليه وبس. وخليكي قصاد عيني أحسن.
تعجبت غزل مما قاله خالد. تُرى من الذي يشك به؟
كان جواد يقود السيارة وبجواره نديم ونادر. اتصل نديم بأحد أصدقاء كنان وعلم منه أن يمكث عند صديقه سالم منذ أمس. فأخذ عنوانه وأعطاه إلى جواد الذي انطلق إليه على الفور.
وقفوا أمام الباب وبعد أن طرقه نادر فتح سالم ونظر إليهم قليلًا ثم قال: مين حضراتكم؟
جواد: كنان موجود؟
سالم: اه. إنتوا أخواته؟
اقترب كنان عندما سمع صوت جواد وحين رأه جواد أشار إليه كي يقترب. خرج كنان وقال: إنت عرفت مكاني إزاي؟
جواد: هنتكلم بعدين. أنزل يلا خلينا نرجع البيت.
كنان: ﻷ أنا هقعد هنا شوية.
جواد بحزم: قدامي يا كنان خلص. مش هنتكلم قصاد الناس.
تحرك جواد ولحقوا به بعد أن شكر كنان صديقه. وقفوا عند السيارة والتفت إليهم جواد ثم أستند على سيارته وقال: أعرف بقى إيه اللي حصل امبارح.
نادر: هو اللي غلطان يا جواد.
كنان بحدة: وإنت بتحكم من غير ما تعرف!
جواد: مش هتتخانقوا قدامي أكيد.
صمت كنان وقال نادر: يرضيك يقول لسيلين إن إحنا اللي حاولنا نقتل غزل ونلبسهالك؟!
عقد جواد حاجبيه ونظر إلى كنان وقال: إيه العبط ده!
نادر: وكمان عايز يروح يبلغ عننا. سيلين بقى كانت واقفة معاه في الأوضة عشان تقنعه إنها ماعملتش حاجة. بس البيه كان واقف عريان قدامها. فا... أنا فهمت غلط.
جواد بحدة: ﻷ ده أعبط بجد. أنا مش عايز اسمع الكلام ده تاني أبدًا. ومش هسمح إن إحنا نتفرق بسبب الشك والكلام الفاضي ده. وبعدين لو مش واثق في مراتك تثق في أخوك الصغير... ولا إيه؟
نادر: ما قولتلك فهمت غلط يا جواد. ومع ذلك أنا أسف يا كنان. حقك عليا إني فكرت فيك كده.
كان كنان ينظر إليه وهو يقص ما حدث ويتعجب؛ كيف سيلين قد قلبت الأمور وأخفت ما تفعل وجعلت نادر هو من يعتذر! عقله لا يستوعب قدرتها على الكذب والخداع. وللحظة شعر بالحزن على نادر. هو يثق بها ويحبها أما هي فلا تزال مستمرة في خطتها الدنيئة. قال كنان: أنا مش زعلان منك يا نادر. وحكاية إني شكيت فيكوا دي غصب عني. كنت زعلان من حالة جواد وكمان مفيش حد ليه مصلحة إن يجرالها حاجة غيرنا.
جواد: مش عايز كلام ملوش لازمة. والموضوع ده يتقفل. القضية عند البوليس وهما اللي يتهموا ويبرأوا مش إحنا. وآخر مرة تسيب البيت وتبات برا. قدامي يا بيه.
صعدوا بالسيارة وتوجهوا إلى المنزل. أما سيلين فقد صعدت إلى الطابق العلوي وقبل أن تدخل غرفتها سمعت ميرو تقول: هتفضلي تحت رحمة غزل لحد إمتى يا سيلين؟
التفتت إليها وقالت: قصدك إيه؟
ميرو: تعالي بس نتكلم في أوضتك لوحدنا.
دخلا الغرفة وجلست ميرو بثقة وقالت: قصدي إنها بتستغل إنها عارفة عنك اللي بتعمليه مع كنان وبتتكلم قدامك بثقة وإنتي بتترعشي قدامها.
ابتلعت سيلين ريقها بتوتر وقالت: إنتي... إنتي تقصدي إيه؟
ميرو: أنا عارفة كل حاجة. وبعدين شايفة إن معاكي حق بصراحة. كنان شاب وروش وأحلى من نادر في الشكل. وبعدين طالما عايزاه يبقى من حقك تاخديه.
سيلين: وهو الموضوع سهل كده؟
ميرو: ﻷ طبعًا. خصوصًا لو غزل دي موجودة. من يوم ما جيت هنا وإحنا اتفقنا إن مصلحتنا إن غزل تمشي. فا خلينا نشوف حل يخلصنا منها. تساعديني وأساعدك. أنا أوصل لجواد وإنتي توصلي لكنان.
سيلين: ما ده مش سهل. لازم نخطط.
ميرو: نخطط. وإحنا ورانا حاجة. بس النهاردة أنا لازم أخرج وجواد منعني من الخروج. ساعديني أخرج عشان فيه حوار لازم يتعمل النهاردة.
سيلين: سهلة هخرجك. بس فهميني حوار إيه.
ابتسمت ميرو إليها وقصت إليها خطتها التي ستنفذها اليوم.
حين تجتمع شياطين الأنس لن يخرج أحد دون خسائر. لكن من سيكون الضحية هذه المرة؟
حب تحت الرماد... الفصل الرابع والعشرون
بقلم الكاتبة / رباب حسين
يكفي أن تسقط حلقة واحدة من سلسلة الخداع لتتبعها بقية الحلقات دون رحمة، وحينها تنكشف الحقائق واحدة تلو الأخرى.
في قصر الخولي؛ أصبح الشك أقوى من الثقة والكلمة الواحدة قادرة على إشعال معركة بين أشخاص جمعهم الدم والسنون.
جواد يحاول أن يحافظ على ما تبقى من تماسك عائلته بينما تتساقط أمامه الأسرار واحدًا تلو الآخر.
غزل... التي ظنت أن حياتها أصبحت معلقة بين الخوف والشك، ستجد نفسها أمام حقيقة لم تكن مستعدة لسماعها.
وكنان... الذي خرج من منزله متهمًا في شرفه وأمانته عاد إليه وهو يحمل في قلبه سرًا لا يستطيع البوح به دون أن يدمر حياة شخص آخر.
أما نادر... فما زال يرى في سيلين المرأة التي أحبها ووثق بها غير مدرك أن كل دمعة ذرفتها أمامه كانت تخفي وراءها شيئًا آخر.
وسيف... يقترب أكثر من الحافة التي رسمها له عزيز وكل خطوة يخطوها قد تجعله يخسر عائلته أو يخسر نفسه. بل وسيصبح الصراع بين القلب والعقل هو عنوان حياته.
وفي الجهة الأخرى، بدأت ميرو وسيلين تقتربان من بعضهما أكثر... امرأتان لكل منهما هدف وكل منهما تظن أنها تستطيع استخدام الأخرى لمصلحتها.
ماذا تخفي ميرو؟ وماذا ستفعل سيلين حتى تصل إلى كنان؟ وهل يستطيع جواد حماية عائلته من نار بدأت تشتعل من الداخل؟
لقد اقتربت الحقيقة... لكن ربما يكون ثمن ظهورها أكبر مما يتخيله الجميع.
عاد جواد وأخوته إلى المنزل وحين دخل وجد غزل تهبط الدرج تجمدت مكانها وهي تنظر إليه. أما هو فكان يلعن ذلك القلب الذي لا يزال ينتفض كلما رأها، لكن الآن أصبح الأمر محتوم... غزل قد اختارت وهي من ستدفع ثمن إختيارها.
وقف خلفها سيف الذي اقترب من الدرج وحين رأها ابتسم بسعادة ولكن سرعان ما اختفت ابتسامته حين لاحظ نظراتهما لبعضهما البعض. الغيرة بدأت تشتعل في قلبه فنادى باسمها لتلتفت إليه بفزع وتحاول أن ترسم ابتسامتها إليه ولكن التوتر كان جاليًا على ملامحها.
نظر سيف إلى جواد وكأنه يحذره من الاقتراب منها فلم يهتم. التفت نحو كنان وقال: غير هدومك وتعالى على المكتب. عايز اتكلم معاك.
أومأ إليه كنان وصعد الدرج. أما كنزي فهبطت الدرج ووقفت أمام نديم وقالت: مش كان المفروض نخرج النهاردة مع براء وطنط ليان؟
نديم: بس براء تعبان شوية وماعرفش خرج من المستشفى ولا ﻷ.
كنزي: طيب أنا عايزة أروح أشوفه وأشوف طنط ليان.
تنهد نديم، هو يهرب من رؤيتها. يهرب من هذا الحب الذي بدأ ينبض بقلبه. فقال: طيب ممكن نأجلها الأسبوع الجاي؟
كنزي بتذمر: ﻷ. أنا لسه هستنى الأسبوع الجاي! أنا عايزة أشوفها بقى. هي وحشتني أوي يا بابا.
نديم: يا حبيبتي هخليكي تشوفيها بس مش إحنا اتفقنا أصلًا إن هنشوفهم كل فترة؟
كنزي: وليه بقى كل فترة. أنا بستنى كل جمعة عشان أشوفها.
لم يعد لديه حجة ليقنع تلك الفتاة بعدم رؤية المرأة التي إعتبرتها أمها الثانية. عوضتها عن ذلك الحرمان التي تعيش به والذي عجز هو عن تعويضه مهما حاول. فنظر حوله وكأنه يبحث عن مهرب. اقتربت غزل وجثت أمام كنزي وقالت: مالك يا حبيبتي؟
كنزي بحزن: عايزة أروح أشوف طنط ليان وبابا مش راضي مش عارفة ليه.
غزل: طيب ممكن تطلعي تلعبي مع كارما شوية بالعروسة الجديدة وأنا هتكلم مع بابا؟
كنزي: هتخليه يوافق؟
ابتسمت غزل وقالت: هحاول. إدعيلي بس.
كنزي: يارب يوافق.
غزل: طيب يلا اطلعي.
صعدت كنزي ووقفت غزل أمام نديم وقالت: شكل عندك مشكلة.
نديم: وأنا من إمتى ماعنديش مشاكل. بس هعرف اتصرف.
غزل: طيب ما تقولي وأنا أساعدك. يعني ده لو عايز مساعدة.
نظر إليها قليلًا بصمت. ربما تفهم ما يمر به وتعطيه الحل. فأومأ إليها بالإيجاب. ابتسمت إليه وقالت: تيجي نتكلم برا في الجنينة؟
نديم: ياريت. معلش يا سيف هستلف خطيبتك شوية.
سيف: بس ماتأخرهاش عليا.
خرجا معًا وقال نادر: مش هنشوف إحنا كمان اللي عندنا ده؟
سيف: تعالى في أوضتي.
جلس نديم أمام غزل ولم يتحدث، فابتسمت وقالت: شكل الموضوع ليه علاقة بالعواطف.
نديم: عرفتي منين!
غزل: باين عليك. بس مش فاهمة يعني لو إنت معجب بليان دي بتبعد كنزي عنها ليه؟
نديم: مش ببعد كنزي.
غزل: يبقى أنت اللي بتهرب.
نديم بتعجب: إنتي ساحرة ولا إيه؟
غزل: تقدر تقول من كتر ما جربت كل أنواع الوجع بقيت بعرف أحس بأي حد بيمر بيه.
نديم: إنتي كنتي بتحبي جواد زمان صح؟
غزل: طيب خلينا في مشكلتك الأول لأن ممكن يبقى ليها حل وبعدين هقولك على موضوع جواد.
تنهد نديم وقال: مش عارف أبدأ منين بس تقريبًا كده أنا اتعقدت.
غزل: ليه؟
نديم: من طلقتي ميرال.
غزل: اه صح، اللي أعرفه من زمان إن إنت وميرال كنتوا بتحبوا بعض من أيام الجامعة. ليه اطلقتوا؟
نديم: أنا هقولك ﻷني مابقتش قادر أشيل الحمل ده أكتر من كده ومحتاج اتكلم يمكن أهدى من اللي أنا فيه. ده غير إنك مش هتلوميني على اللي عملته معاها زمان.
غزل: قول بس وماتقلقش.
نديم: بعد الجواز إكتشفت إنها بتحب الفلوس أكتر من نفسها حتى. ماكنش الموضوع عامل مشكلة معايا ﻷن كده كده كان الحال متيسر. لكن فجأة حصل دروب جامد في الشغل وده اللي بسببه نادر باع الأسهم في الشركة لجواد. وبصراحة لولا جواد كان زمان الشركة ضاعت مننا.
غزل: هو شاطر أوي في الإدارة. كان باين عليه من أيام الجامعة.
نديم: بالظبط. كل العيلة بقى كانت عمالة تقولي إنها طماعة وأنا من غبائي ماكنتش مهتم. اللي بحبها معايا ومش عايز حاجة تاني. حتى لما كنت بتضايق من تصرفاتها ساعات ماكنتش ببين ده عشان محدش يشمت فيا.
غزل: بس إنت كده بتأذي نفسك.
نديم: ما أنا فهمت كده بعدين. بس مش ده السبب الوحيد اللي خلاني أسيبها. فيه سبب تاني محدش يعرفه.
غزل: يا ترى إيه؟
نديم: هي... خانتني.
فتحت غزل عينيها بصدمة ولم تتحدث.
أما سيف فكان يجلس مع نادر ويتحدثان معًا وقال سيف: أنا بدأت اتحرك فعلًا في موضوع عزيز ده. بس عشان أعمل أول خطوة لازم أدخل الشركة بتاعت العيلة.
نادر: إنت هتهرب فعلًا البضاعة اللي هو عايزها؟
سيف: بصراحة يا نادر أنا مش عايز أعمل كده. وكنت عايز أشوف طريقة تانية أخلع بيها.
نادر: يا ابني حيرتني. عايز تدخل الشركة وتصرف البضاعة ولا مش موافق أصلًا على التهريب!
سيف: أنا مش عايز أهرب حاجة. بمعنى أصح يعني مش عايز أعمل حاجة غلط. أنا... شكلي كده بدأت أحب غزل فعلًا. وعايز أستقر بقى. أنا ما صدقت لقيت شكل لحياتي واستقرار.
نادر: يا عم حبها مش دي مشكلتي. مشكلتي في عزيز اللي مش هيخليك تلحق تتجوزها.
سيف: بص... أنا أقنعت غزل إن جواد هو اللي ورا الحادثة وهي صدقت. وخلاص فهمت إني خايف عليها منه وعمي كمان نفس الموضوع. أنا بقى هحاول أخليها تعمل توكيل ليا بالإدارة عشان أبعدها عن أي مشاكل خالص. بس في نفس الوقت مش عايز أخسر ثقتها فيا. فا أنا لو عرفت أخد فلوس من الشركة وسددت فلوس عزيز تبقى المشكلة اتحلت وأنا خرجت من الحوار ده.
نادر: بس صعب تسحب المبلغ كله كده مرة واحدة. كده هي هتشك فيك.
سيف: ما أنا مش عارف بقى. هحاول اتصرف يا نادر.
تنهد نادر وقال: أنا مش موافق كمان نورط شركة العيلة في حوار زي ده. كده سمعتنا في السوق هتبقى زي الزفت ولو الحوار اتقفش جواد اللي هيروح فيها.
سيف: طيب عندك حل تاني؟
نادر: حاليًا لأ.
صمت سيف ليفكر. لم يعد هناك سبيل آخر. وكل ما كان يخشاه أن يخسر غزل.
كانت غزل تسمع نديم بإهتمام ثم قالت: يعني إنت قلقان من كلام معتز طليقها ده؟!
نديم: عشان مش أول مرة يلمح إن فيه سر عند ليان هو السبب في الطلاق. خايف أوي تكون زيها. خايف تكون خانته هي كمان ومكسوف أسألها عن سبب الإنفصال.
غزل: امممم... بصراحة محدش هيقدر يفيدك في الموضوع ده غيرها هي أو معتز نفسه. بس الفكرة يا نديم إن معتز ده باين عليه شخص مش كويس وأكيد مش هتاخد كلامه ثقة.
نديم: وصعب عليا أوي أروح أسألها. أنا محتار ومش عارف أعمل إيه. هي بجد باين عيلها كويسة جدًا غير ميرال خالص. وكنزي متعلقة بيها وأنا كمان حبيت براء ابنها أوي. بس.. خايف. خايف أقع تاني والمرة دي مش هقع لوحدي. كنزي هتتأذي للمرة التانية.
غزل: طيب أنا عندي فكرة. إيه رأيك تعزمها هنا في البيت. نقولها مثلًا تجيب براء ويجي يلعب مع كنزي وكارما هنا. والولد أكيد محتاج كده دلوقتي كمان بعد اللي أبوه عمله. وأنا هقعد معاها وهحاول ألاقي طريقة أعرف منها إيه سبب الطلاق.
نديم: هتعرفي تعملي كده؟
غزل: هحاول. ولو ماعرفتش أكيد هعرف أحكم عليها إذا كانت كويسة فعلًا ولا ﻷ.
نديم: شكرًا يا غزل. مش عارف أقولك إيه.
غزل: ولا حاجة. إحنا أخوات.
نديم: طيب بما إني فتحت قلبي كده معاكي؛ ممكن أسألك سؤال؟
غزل: جواد؟
نديم: إنتي لسه بتحبيه ولا عايزة تكملي مع سيف؟
غزل: السؤال مباشر أوي يا نديم. بس عايز الصراحة؟ أنا... عمري ما حبيت غير جواد. بس اللي بيحصل بينا الفترة دي مع اللي حصل زمان خلاني مش عارفة أخد قرار صح.
نديم: هو أنا لو نديم بتاع زمان كنت هقولك أمشي بقلبك وثقي فيه. لكن دلوقتي هقولك ﻷ استني وفكري كويس. بس بعيدًا بقى عن إن جواد أخويا. جواد بيحبك بجد. أنا فاكر لما بابا أعترض على جوازه منك كان عامل إزاي.
عقدت غزل حاجبيها وقالت: ثواني... هو جواد كلم باباه في جوازه مني؟!
نديم: إنتي ماتعرفيش؟ أنا فاكر كويس. أنا أصغر من جواد في السن ولما جيت طلبت من بابا إني عايز أخطب ميرال وأنا في جامعة وافق. وساعتها جواد عرض على بابا إنه يتقدملك كمان بس هو ماوافقش عشان يعني... أسف فرق الماديات.
غزل: ليه جواد ماقليش حاجة زي كده! وبعدين معنى كلامك ده إن جواد كان جد معايا. طيب ليه اتجوز داليا في الآخر؟
نديم: ﻷ ماعرفش. فجأة بعد فترة مش كبيرة لقينا جواد وداليا بيعلنوا إنهم هيتجوزوا. وده بعد ما عمي وسيف اتخانقوا وعرفنا إن عمي كتب كل الأسهم باسم داليا. وعشان كده كلنا فكرنا إنه اتجوزها طمع.
شردت غزل تفكر بما قاله نديم. فقد زادت حيرتها. ربما حان الوقت لتتحدث مع جواد بالأمر.
صدع صوت سيف خلفهما وهو يقول: مش كفاية كده يا عم نديم، خطيبتي وحشتني وعايز أقعد معاها شوية قبل ما تطلع ترتاح.
نديم: تعالى أقعد معاها وأنا داخل جوا.
جلس سيف بجوارها أما نديم فرمقه بإشمئزاز. يعلم أنه يتقن دور العاشق المخلص وهي تقع ضحية لهذه الخطة. لعن نفسه أنه اقترح ذلك الأمر. فلم يكن يعلم أن جواد يكن لها مشاعر الحب. لذا قرر أن يتحدث مع جواد بعد أن علم أن غزل لا تزال تحبه.
أما جواد فكان يجلس بغرفة المكتب مع كنان. وبعد وقت قال: هو إنت ليه شكيت في نادر وسيلين إنهم ورا الحادثة؟
كنان: عشان أنا وإنت عارفين إنهم بيفكروا في الفلوس وبس.
جواد: يعني مجرد تخمين مش أكتر؟
كنان: اه. أصل مين هيعمل معاها كده؟!
طُرق الباب ودخل نديم الغرفة. ثم قال: كنت عايز أقولك على حاجة يا جواد.
جواد: تعالى يا نديم. إيه عندك متهم جديد في الحادثة إنت كمان؟
نديم: ﻷ عندي حادثة تانية.
كنان: العيلة دي أخرها في المسامح كريم.
نديم: ومش هنسامح بعض في الآخر. ده ممكن البرنامج يقفل على حسنا.
جواد: ليه بس! ده إحنا أخوات حتى.
نديم: يعني هتسامحني؟
جواد: قول اللي عندك يا نديم.
جلس نديم وقص له خطته مع نادر وما فعله مع سيف. العجيب أن جواد كان يجلس هادئًا لم يتفاجأ. فقال نديم: هو إنت كنت عارف ولا إيه؟!
جواد: هو كان باين أوي بالنسبالي إن سيف بيحاول يقرب من غزل عشان الأسهم. أصل يعني حبه لكارما اللي زاد فجأة واللعب معاها ولازق في البيت ليل نهار؛ باين أنه بيرسم على غزل. بس حكاية إن الفكرة كانت بتاعتك ونادر بيشاركه دي هي اللي مش معروفة. بس برده عادي؛ نادر بيدور على أي حل عشان يرجع أسهم الشركة تاني وطول ما وراه سيلين هيفضل يجرب كل الطرق اللي مش صح قبل الطرق الصح.
كنان: طيب وإنت ناوي تعمل إيه مع غزل؟
جواد: ولا حاجة. هي اللي اختارت يا كنان. وأنا حاولت أفهم منها اللي حصل زمان واتكلم معاها وهي اللي رافضة. وبعد ما وقفت واتهمتني إني حاولت أقتلها مابقاش فيه طريق للرجوع خلاص.
كنان: بس مش هتسيبها تقع في شباك سيف في الآخر وياخد أسهم كارما.
جواد: غزل لازم ترجع الأسهم لكارما لما تكبر كاملة من غير ما تنقص ولا مليم. دي شروط العقد اللي كتبته مع داليا. وعز الدين قال كده بنفسه.
نديم: أنا مش فارق معايا الأسهم دلوقتي. إنت بتحبها وهي بتحبك يا جواد.
جواد بحدة: بتحبني وسابتني مرتين! دي أصدقها إزاي دي؟ دي فضلت عليا سيف وبتعاملني على إني طماع وقاتل. وطبعًا البركة فيكوا... يا أخواتي. الموضوع ده اتقفل بالنسبالي وأنا مش هجري وراها تاني. أنا عملت اللي عليا وهي تتحمل نتيجة اختيارها.
كنان: ولو رجعت؟
أشاح بعينيه عنهما يخفي ذلك الألم الذي ترسخ بهما. يا لهذا الحب الذي لا ينتهي! يعلم أنه سيسامحها مهما فعلت. مهما قست عليه سيرضخ قلبه أمامها معلنًا إستسلامه. ابتلع ريقه ولم يتحدث أما كنان ونديم فنظرا إلى بعضهما البعض. جواد يحبها ولكن كرامته تمنعه.
خرج جواد من غرفة المكتب وتركهما. توجه إلى غرفة ميرو كي يتحدث معها بما فعلته بالأمس. وقبل أن يطرق الباب سمع أمل تقول: مستر جواد.
جواد: نعم يا أمل.
أمل: حبيت أفكر حضرتك بمعاد الكشف الدوري على كارما.
جواد: اه صح. ده داليا كانت موصياني على الموضوع ده. هو إمتى؟
أمل: يوم التلات.
جواد: بس هي عندها حفلة في الحضانة يوم التلات.
أمل: أيوة وأنا كلمت المديرة وإستأذنتها بعد الحفلة تروح معاكم. مش المفروض غزل كانت هتروح معاكم.
جواد: المفروض. ماعرفش بقى خطيبها هيوافق ولا ﻷ.
أمل: طيب أنا هسألها.
أومأ إليها جواد وطرق باب غرفة ميرو. وحين لما يسمع صوت بالداخل دخل الغرفة فلما يجدها. نزل إلى أسفل يبجث عنها وهو يصيح بغضب باسمها: ميرو... ميرو.
خرج أحد الخدم وقال: لسه في أوضتها يا مستر جواد.
جواد: مش في الأوضة. هو أنا مش قلت البت دي ماتخرجش. دخلت غزل وسيف وسمعت صوت جواد وهو يبحث عن ميرو. ثم جلس بالبهو يتصل بها. أما سيلين فكانت تتابع ما يحدث من الطابق العلوي واتصلت بميرو على الفور من داخل غرفتها.
ميرو: أيوة يا سيلين.
سيلين بهمس: جواد عرف إنك خرجتي. شوية بقى ونفذي.
ميرو: تمام.
خرج كنان ونديم من غرفة المكتب وقال كنان: بتزعق ليه يا جواد؟
جواد: الهانم اللي مقضياها نوم طول النهار وسرمحة طول الليل وفي الآخر ترجع سكرانة. منعتها من الخروج وبرده خرجت.
نديم: ميرو! البت دي مفيش فايدة فيها.
جواد: أنا هعلمها الأدب بس لما ترجع.
كل هذا تحت نظرات غزل التي تتابع ما يفعله جواد بصمت ولكن الغيرة بقلبها لا تهدأ. كان سيف يتابع نظراتها ويشعر أنها لاتزال تكن مشاعر إلى جواد. شعر بالغضب وأراد أن يحسم هذا الأمر معها. فالآن هي حبيبته وليست مجرد وسيلة للوصول إلى الأسهم.
نزل نادر وهو يحمل هاتف كنان وقال: خد يا كنان. موبايلك عمال يرن في الأوضة.
أمسك كنان الهاتف ووجد رزان تتصل به. فتلقى المكالمة بعيدًا عنهم وقال: أيوة حبيبتي.
رزان بحدة: حبيبتك اه! إنت فين من امبارح يا كنان. عمالة اتصل بيك تليفونك مقفول.
كنان: معلش حبيبتي الموبايل فصل شحن وماكنش معايا شاحن وأنا برا.
رزان: وإنت برا من امبارح لحد دلوقتي؟!
كنان: اه. لسه راجع من شوية وسبت الموبايل على الشاحن.
رزان: ليه؟ نمت برا البيت ولا إيه؟
كنان: اه. اتخانقت مع نادر ومشيت. جواد جابه وجالي عند سالم وحلينا الحوار يعني.
رزان: ليه حاسة إن سيلين السبب!
كنان: هفهمك لما أشوفك يوم الحد.
رزان: ﻷ. عايزة أشوفك بكرة.
كنان: ياريت. إنتي وحشتيني أصلًا. بس خفت أطلب نخرج لوحدنا باباكي يعترض يعني عشان لسه الخطوبة مش رسمي.
رزان: ﻷ مش هيعترض. وبعدين عايزين نحدد معاد الخطوبة بقى.
كنان: أنا جاهز بس باباكي يرجع.
رزان: بابا هيرجع يوم التلات. لو إنت جاهز أنا ممكن أنزل أشوف الفستان وكده ونتفق على كل حاجة ونعمل الخطوبة الخميس.
كنان: موافق جدًا.
رزان: تمام. هو أنا سألت بابا لو يقبل نعمل الخطوبة عندكم عشان سيف وغزل وهو ماعندوش مانع.
كنان بضيق: ليه النكد ده يا رزان!
رزان: ما أنا ماكنتش أعرف حوار جواد ده. فا إيه رأيك؟
كنان: طيب أنا هقولهم ولو لقيت غزل وسيف لسه مصرين نعمل الخطوبة هنا، لو غزل رجعت في كلامها نبقى هنعملها عندك. ويارب ترجع في كلامها.
أنهى المكالمة واقترب من جواد الذي يجلس ويمسك بهاتفه ويتصل بميرو ولكنها لا تجيب. فقال كنان: بقولك يا جواد. كنا عايزين نعمل الخطوبة بقى لما حمايا يرجع من السفر. هو هيرجع يوم التلات فا بنفكر نعمل الخطوبة الخميس.
جواد: تمام. لو محتاج فلوس عشان الشبكة قولي.
كنان: ﻷ أنا عامل حسابي.
كان سيف يتابع نظرات غزل بضيق فاقترب من كنان وقال: مش إحنا اتفقنا نعمل الخطوبة سوا؟
نظر كنان إلى غزل التي ارتبكت نظراتها. ثم نظرت إلى جواد الذي يتطلع بها وكأنه ينتظر أن تعترض أو ترجع عن قرارها. ثم قال كنان: لو لسه عايزين تعملوا الخطوبة معانا مفيش مشكلة. ولا إيه رأيك يا غزل؟
سيف: وهي غزل هترجع في كلامها ليه يعني! ﻷ طبعًا إحنا زي ما اتفقنا. وبعدين قدامها أسبوع تكون خفت وبقت كويسة. وأنا مش عايزك تتعبي نفسك. كل حاجة محتاجاها هتبقى هنا. الفستان والشبكة، كل حاجة؛ وتنقي اللي إنتي عايزاه.
كانت تنظر إليه بصمت وجواد لا يزال يعلق نظراته عليها. لحظات من الصمت كانت كفيلة بأن تحسم القرار. هل تتقدم خطوة نحو جواد أم تنهي كل شيء؟
كانوا ينظرون إليها جميعًا وينتظرون أن تتحدث. ولكن قطع ذلك الصمت رنين هاتف جواد. نظر به فوجد رقم مجهول يتصل. تلقى المكالمة وسمع فتاة تتحدث عبر الهاتف وتقول: أستاذ جواد الخولي؟
جواد: أيوة أنا. مين معايا؟
ميرنا: أنا ويتر. كنت بتصل بحضرتك عشان أقولك إن ميرو بنت خالتك شربت كتير شوية ومغمى عليها هنا في النايت. ممكن حضرتك تيجي تاخدها.
جواد: طيب لو سمحتي أبعتي لوكيشن وأنا هاجي أخدها.
أنهى المكالمة وهو يهم بالخروج فقال كنان: فيه إيه يا جواد؟
جواد: ميرو مغمى عليها في النايت. هروح أجيبها.
نظر إلى غزل وهي يهم بالخروج من المنزل. فرمقته بضيق ثم سمعت سيف الذي يقف أمامها ويقول: إيه يا غزل. مش هتقولي رأيك ولا إيه!
نظرت إلى أثر جواد الذي رحل قبل حتى أن يسمع إجابتها ثم عادت النظر إليه وقالت: اللي تشوفه يا سيف. أنا ماعنديش مشكلة.
سيف بسعادة: يبقى خطوبتنا يوم الخميس.
نادر بسعادة: مبروك يا جماعة. وفرتوا علينا تمن بدلة تانية.
سيف: لأ ما أنت هتعمل الخطوبة على حسابك بقى هنا في البيت. ولا إيه يا كنان.
كنان بتهكم: أيوة طبعًا. ده نادر ده أبو الكرم كله. وبعدين هو فيه حد هيفرحلك وهيفرحلي زيه.
نادر: أنا حاسس إني بتدبس.
نديم: ﻷ هو إنت متدبس كده كده. شيل بقى يا معلم.
للحظة شعر نادر بأنهما يلمحان أنهما يعرفان سر سعادته بإتمام زواج سيف وغزل. فا تحمحم بخجل وقال: ماشي هعملها على حسابي.
أما غزل فكانت تنظر إلى أثر جواد بحزن. لا تعرف كيف تتراجع عن هذا القرار. فلم يعد الأمر ملكها. ولكن قلبها لا يزال ملكًا لجواد.
وصل جواد إلى الملهى الليلي ودخل يبحث عن ميرو، وجدها نائمة على أحد الطاولات فاقترب منها ثم ارتد إلى الخلف مرة أخرى بإشمئزاز من رائحة الخمر التي تفوح منها. أمسك حقيبتها ورفعها من على الطاولة. فتحت عينيها بنعاس وقالت: جودة!
جواد: قومي يا هانم قدامي على البيت.
ميرو بتذمر: لسه السهرة في أولها يا جودة بقى.
جواد: وطالما هي في أولها شاربة المحل كله ليه كده؟
ميرو: عشان أنسى معاملتك ليا يا جواد. أنسى إني كل أنا أقرب منك تبعدني وتجرح فيا. دايمًا شايفني قليلة ومانفعكش. مع إني بحبك يا جواد وإنت مش حاسس بيا. إنت بتدور على غزل وبس مع إنها بقت مع غيرك. أنا بحبك وهي ﻷ. أنا مستنية إشارة منك لكن إنت مش شايف غيرها.
جواد: مش وقته الكلام ده.
دفعت يده وقالت: ﻷ وقته. أنا بشرب عشان أنساك ومش بعرف.
رفعت الكأس وشربته فأمسك جواد يدها وأبعد الكأس عنها وقال بحدة: كفاية قلت. هتموتي نفسك.
ميرو: أنا عايزاك. ويا تبقى معايا يا تسيبني أموت هنا.
جذبها جواد بقوة نحوه وأمسك بها جيدًا حتى لا تسقط وتوجه بها نحو الباب وهي تلف ذراعيها على رقبته وتحتضنه بقوة. وفي تلك الأثناء قام أحد بتصويرهما عدة صور.
ولم ينتظر لوقت طويل، فحين حل الصباح كانت صورة جواد وميرو تزين المواقع والصحف الإلكترونية وفوقها عنوان: "زواج رجل الأعمال جواد الخولي مرة ثانية بعد وفاة زوجته بأسابيع