
يخيفوني الليل والذكرى تعذبني."
وها أنا أضيف ذكرى جديدة إلى عقلي لتحمل النوم على الهروب من عيني.
أيتها الساكنة في الوجدان... يا من سلبت القلب وعلى عهود القلب أخلفت. عفوًا.. فقد جف الرجاء بخاطري ومحت الظنون كل ما أملت. فلا الشوق يشفع للتي أعلنت هجري مرتين، بل الفؤاد صار محصنًا لما صنعت. ولقد خسرت الوصل يوم رحلت.
ولا عزاء للحب الذي قتلت.
كانت ليلة تحمل من اﻷلم ما يكفي ليقضي كلٌ منهما ساعات الصمت في التفكير. أصبح الأمر واضحًا؛ جواد يحبني وأنا من أخذلته هذه المرة. وكأن القدر يجعلني أرد له الصاع صاعين. يذوق طعم المرار الذي قتل الفرح في نفسي لسنوات ولكن بطريقة أسوء. وإن كان قلبي لا يتحمل أن يراه متألمًا ولكن يعلم الله أنني أفعل ذلك رغمًا عني. فهو من أسر الفؤاد ولم يغادره يومًا. فهل سيسامح أم اتلقى عقابي منه؟
اشرقت شمس الصباح؛ وذهبت غزل إلى غرفة خالد كالعادة. كان الحزن مترسخ داخل عينيها. تبتسم بعين حزينة وشفاه ترفض الابتسام. نظر إليها خالد مطولًا وقال: زعلانة مني؟
غزل: لا يا حبيبي. عمري ما أزعل منك.
خالد: طيب ليه متضايقة كده!
غزل: قولتلك يا بابا إني مش مرتاحة. قلبي مش مريحني من ناحية سيف خالص.
كاد يتحدث فقاطعته: الموضوع ملوش علاقة بجواد نهائي. وعارفة إنك هتقولي مش باين أي حاجة عليه تخليكي تفكري كده. بس أنا بقولك اللي حاساه واللي هتأكد منه قريب.
قاطع حديثهما صوت كارما التي تنادي بالخارج على والدها. عقدت غزل حاجبيها وخرجت على الفور. وجدت الجميع يبحث عن جواد. وكارما يبدو عليها الخوف. اقتربت منها سريعًا وقالت: فيه إيه يا حبيبتي؟!
كارما: دخلت أشوف بابا مالقتوش في الأوضة.
أمل: السرير زي ما هو. شكله خرج من بليل ومارجعش.
خرج كنان من غرفته على الفور وهو يرتدي ثيابه متعجلًا وقال: أنا عارف ممكن يكون قاعد فين. هروح أشوفه.
لحقت به غزل وهي تقول: طيب أجي معاك؟
كنان: بصفة إيه! خليكي هنا وهبلغكم بالجديد.
خرج كنان وغزل من باب القصر وهي تراقب كنان وهو يصعد إلى سيارته. ولكن لمحت جواد يجلس بالحديقة فقالت مندفعة: استنى يا كنان. جواد أهو في الجنينة.
دخلت غزل المنزل لتطمئن كارما وذهب إليه كنان على الفور وقال بقلق: إيه يا جواد. خضيت البيت عليك.
نظر إليه بهدوء وقال: ليه؟
كنان: كارما دخلت تشوفك لقت الأوضة زي ما هي وصحت البيت كله وهي بتنادي عليك. إيه اللي مصحيك بدري كده ولابس رايح فين؟
جواد: أنا مانمتش أصلًا.
جلس كنان بجواره وقال: وبعدين معاك يا جواد بقى؟
جواد: مابقاش فيها بعدين خلاص. هي خلصت على كده. المطلوب مني دلوقتي اتعود على وجودها مع سيف طول الوقت.
أغمض كنان عينيه بحزن. لم يكن يرغب أن يمر جواد بما مر به هو من قبل. فقال: لازم تحاول تنسى. كفاية أوي كده حتى لو هتتجوز واحدة تانية بس تنساها.
جواد: لاااا... أنا جربت إحساس إني اتجوز واحدة مش بحبها ده ومش هكرره تاني مهما حصل.
نظر إليه كنان مطولًا وقال: هو إنت اتجوزت داليا ليه جواد؟!
نظر إليه جواد وابتسم بضعف وقال: تصدق يا كنان؛ إنت أول واحد تسألني السؤال ده. كلهم شافوا إني طمعان في الأسهم وحكموا عليا بكده بس محدش فيهم سألني.
كنان: طيب قولي. ليه اتجوزتها وإنت بتحب غزل بالشكل ده؟
تنهد جواد وقال: داليا كان طول عمرها بتحبني من إحنا صغيرين. وكان دايمًا في مشاكل بينها وبين ميرو بسبب الموضوع ده بس أنا كنت مكبر دماغي. الاتنين عندي واحد؛ إخواتي.
لحد ما جينا ندخل الجامعة ولقيت داليا اختارت نفس الكلية بتاعتي. وقتها رحت اتكلمت معاها بكل صراحة عشان مش عايز حوارات في الجامعة وكلام ملوش لازمة ويطلع شكلها وحش في الآخر. قولتلها إنتي أختي ومش هتبقي أكتر من كده.
فضلت فترة شكلها متضايق وبتتجنب تتكلم معايا وأنا سبتها براحتها عشان تعرف تتأقلم على الوضع.
لما دخلنا الجامعة وبدأت الدراسة شفت غزل. كانت صاحبتها ودايمًا بتقف معاها.
شرد جواد قليلًا وابتسم بحب وقال: خطفتني من أول ما شفتها. كانت بتخطف عيون الناس من حوليها بسبب ضحكتها وهزارها وروحها الحلوة لكن أنا خطفت قلبي ومارجعش من ساعتها.
فضلت مراقبها سنة عشان اتأكد هي فعلًا مناسبة ليا ولا ﻷ. وفي السنة التانية كانت نظراتنا مفضوحة لبعض. كل اللي حوالينا خدوا بالهم حتى داليا.
ضحك وأردف: لحد ما في يوم المجنونة جات في وسط أصحابي وقالتلي: "هو إحنا هنفضل مقضينها نظرات؟" ومن ساعتها ماسبتهاش. سنتين مع بعض كانوا أحلى سنتين في عمري وده مش مجازًا ده حرفيًا. أنا نسيت الضحك بعد ما سابتني.
أغمض عينيه بألم وقال: لحد ما في يوم نهت اللي بينا وأنا فضلت متمسك بيها لدرجة إني...
قطع حديثه وصمت قليلًا ثم أردف: بلاش.... مش عايز افتكر.
كنان: قول يا جواد.
جواد: مش قادر أحكي الكلام ده. خلينا في داليا. بعد غزل ما اختفت من حياتي نهائي واتقطع كل اتصال بينا كنت في حالة صعبة. لحد ما جيه عمك ودخل أوضتي وهو منهار. هديته واتكلمت معاه وعرفت إن داليا... بتموت.
جواد بتعجب: إيه ده! هي داليا كانت عيانة من قبل ما تتجوزها؟
جواد: اه. كانت حالتها صعبة والدكاترا قالوا إن العلاج هياخد وقت ومش دايمًا بيجيب نتيجة. عمك كان عارف إن داليا بتحبني وأنا رفضتها. ساعتها طلب مني إني أحققلها حلمها الوحيد واتجوزها. قالي ساعتها أنا هكتب الأسهم باسم داليا وأنا قولتله لأ. إدي لسيف حقه الشرعي بس هو رفض.
كنان: عشان طايش؟
جواد: طايش وسمعته وحشة والشركة كان وضعها مش كويس وماكنش فيه داعي نعمل مشاكل أكتر مع العملا بسببه. هو كان بيقولي كده عشان يعني يقولي إنك هتتجوزها وهتورثها بعد كده يعني. أنا ساعتها قولتله مش فارق معايا. أنا هعمل كده عشانك وعشانها. كنت خلاص بقى مش فارقة معايا؛ كده كده غزل بعدت واختفت ومابقتش موجودة. فا لو هفرح قلب بنت عمي مفيش مشكلة.
المهم؛ عمك راح قالها بس هي رفضت فا رحت كلمتها بنفسي. "قالتلي عايز تتجوزني شفقة يا جواد؟" قولتلها ﻷ، أنا هتجوزك عشان أنا عرفت إن إنتي الوحيدة التي تستحق تبقى مراتي، وفهمتها إن غزل خلاص مابقتش موجودة في حياتي.
كنان: ووافقت طبعًا.
جواد: فضلت معترضة وقالتلي الناس في البيت هيقولوا متجوزها شفقة ومغصوب على الجوازة والكلام ده كله. قولتلها محدش هيعرف إنك عيانة دلوقتي. ولما نتجوز نبقى نقولهم إن إحنا اكتشفنا المرض. والسر ده هيفضل بيني وبينك وبابا وعمي.
كنان: وده اللي حصل فعلًا.
جواد: اللي اتذاع في البيت ساعتها بعد خناقة سيف وعمك إن جواد وافق يتجوز داليا عشان اﻷسهم بقت باسمها.
كنان: دي الخناقة اللي ساب فيها سيف البيت بعدها؟
جواد: اه، ساعتها داليا قالتلي أقولهم قولتلها ﻷ أنا استحمل الكلام عادي مش فارق معايا.
كنان: وإستحملت.
ابتسم جواد وقال: كتييير. بس كله عشانها. داليا استحملتني. كانت عارفة إن غزل لسه في قلبي. أنا مش فاكر كام مرة ندهتلها باسم غزل وهي كانت بتصبر. عشان كده كنت بعمل المستحيل عشان أعوضها عن إنها اتجوزت واحد قلبه مش معاها وبنص عقل. حتى لما طلبت إنها تخلف ماعترضتش. مارضتش أحرمها من إحساس الأمومة كمان. كفاية إنها عايشة مع راجل مش عارف يحبها.
أنا مش هعمل في واحدة كده تاني يا كنان. مش هأذي حد بالشكل ده. أنا كفاية عليا كارما. واضح إن هي الحاجة الوحيدة الحلوة اللي هتفضل مكملة معايا إن شاء الله. وبالنسبة لغزل خلاص... أنا مش عايزها. كفاية أوي لحد كده. خليها تعيش حياتها زي ما هي عايزة.
قاطع حديثه صوت كارما الذي يصدع من خلفه. التفت إليها وارتمت بين أحضانه وقالت: إنت كنت فين؟
جواد: أنا هنا يا قلبي.
كارما: كنت بدور عليك عشان نسيت أقولك على حاجة.
جواد: قولي بسرعة.
كارما: في الحضانة عايزني أجيب بابا وماما معايا. هي حفلة كده يعني وكل الأمهات والأبهات هيجوا.
ابتسم جواد بحزن وهو يداعب خصلات شعرها وقال: أنا هاجي معاكي يا حبيبتي.
كارما: هو ينفع... لو غزل جات معايا على إنها ماما؟
نظر إليها قليلًا وقال بصوت مكسور: ماشي.
كارما: طيب... فيه حاجة كمان.
جواد: قولي، إيه كمان؟
كارما: هو أنا يعني... ينفع أقول لغزل يا ماما؟
ابتلع جواد ألمه وقال: إنتي بتحبي غزل أوي كده يا كارما؟
كارما: أوي أوي. حضنها زي حضن ماما.
جواد: يا بختك يا كارما. ربنا عوضك بحضن زي ماما. قوليلها يا حبيبتي اللي إنتي عايزاه لو هي مش هتضايق من ده.
كارما: هي مش هتضايق. لما سألتها قالتلي إسألي بابا الأول.
جواد: إعملي اللي يريحك يا حبيبتي.
قبلته وقالت بسعادة: أنا بحبك أوي يا بابا.
جواد: وأنا كمان بحبك أوي. يلا روحي أفطري عشان تروحي الحضانة.
عادت كارما إلى الداخل وجواد يتابعها بحزن. لقد حرمت من أمها ولن يكون السبب في حرمانها من حنان غزل أيضًا.
كنان: طيب تعالى أفطر يلا.
جواد: ﻷ أنا مش جعان. أنا هخرج كده ألف بالعربية شوية لحد معاد الشغل وبعدين هطلع على الشركة. ماتقلقش عليا يا كنان. أنا هبقى كويس. زي ما عديت المرة اللي فاتت هعدي المرة دي كمان.
نهض وأخذ سيارته وغادر المنزل ثم دخل كنان إلى القصر وجلس على طاولة الطعام دون حديث، فنظر إليه نادر وقال: هتشتري البدلة إمتى يا كنان؟
كنان: لسه هشوف، رزان عايزة تيجي معايا. ممكن نروح بعد الجامعة.
سيلين: عندنا مشروع. سلمته ولا لسه؟
كنان: هروح النهاردة المكتبة عشان فيه حاجة عايز أشوفها هناك وبعدين أخلص المشروع وأسلمه.
سيلين: وأنا كمان المفروض أسلم النهاردة عشان أشوف الفستان والبدلة لنادر.
نديم: أنا عندي إجتماع النهاردة هخلصه وأروح أشتري البدلة أنا كمان وفستان لكنزي.
سيف: أجي معاك أنا بقى طالما سيلين هتشتري لنادر. ده لو سيادة المدير يسمح.
نادر: الشركة كلها تحت أمرك يا عريس.
نظر سيف إلى غزل وقال: أنا لسه مش مصدق إني عريس. بيتهيئلي مش هصدق غير لما ألاقيها قاعدة جنب المأذون وبتمضي.
ابتسمت غزل إليه ثم لاحظت نظرات كنان إليها. رمقها بضيق ثم ترك الطعام وقال: أنا ماشي.
سيلين: لسه بدري على المحاضرة.
كنان: مخنوق. عايز اتمشى.
تبعته غزل وأوقفته ثم قالت بهمس: مش هنكمل كلام امبارح؟
كنان: مابقاش ليه لازمة خلاص.
نظر إلى سيف الذي يتابعهما فأردف: إنتي اختارتي؛ بس بتمنى تلحقي نفسك قبل ما تقعدي جنب المأذون وتمضي.
كاد يذهب فقالت: استنى بس طيب. هو... جواد كويس؟
كنان: السياف مش بيسأل عن ضحيته بعد ما بيقطع رقبتها يا غزل.
ثم تركها وغادر. ابتسمت بتهكم وقالت لنفسها. بقيت أنا السياف؟! صحيح محدش هيحس بيك غير اللي منك. عشان كده إنت حاسس بجواد بس يا كنان. مع إني عشت كل الوجع ده لسنين لوحدي.
غادر الجميع من المنزل. بعد وقت، كان نديم وجواد يجلسان مع المدير المالي للشركة وليان. بعد مرور ساعتين من العمل اتفقا نديم وجواد أن يسلما القوائم المالية لمكتب المراجعة الخاص بليان. كانت تشعر بالسعادة لحصولها على تلك الفرصة والعمل لدى شركة الخولي الجروب وهذا سوف يرفع من شأن المكتب ويتسبب في دعاية قوية لها.
خرج جواد من غرفة الإجتماعات أولًا ولحق به نديم وقبل أن تخرج ليان والمدير المالي قال جواد: البنت دي كويسة.
نظر إليه نديم بتعجب وقال ضاحكًا: إنت اتعاديت من كنان ولا إيه!
جواد: ﻷ بقولك يعني.
نديم: ﻷ يا عم أنا مش عايز المواضيع دي.
جواد بحزن: عيش حياتك يا نديم. ماتقفش عند حد عشان محدش بيستنى. هي ذات نفسها أكيد عاشت حياتها وإنت كمان عيش حياتك.
ربت على كتفه ورحل. لاحظ نديم الحزن في عينيه والدموع التي كادت تهرب منها. لم يعرف ما السر وراء هذا الحزن. قاطعه صوت ليان وهي تقول: أنا هروح عشان أجيب براء من المدرسة.
نديم: وأنا كمان. أنا ممكن أوصلك لو حابة.
ليان بخجل: ﻷ مش عايزة اتعبك.
نديم: مفيش تعب ولا حاجة. أنا كده كده رايح هناك.
ليان بابتسامة: ماشي.
ذهبا معًا ووقفا خارج بوابة المدرسة ينتظران خروج براء وكنزي. بعد قليل خرجا معًا وركض براء نحو نديم فور أن رأه وكذلك كنزي التي احتضت ليان بقوة. لكن تفاجئا أن هناك صوت يصدع من خلفهم ويقول: وده بقى العريس الجديد ولا إيه!
براء بدهشة: بابا!
نظر إليه نديم وقالت ليان: إنت إيه اللي جابك هنا؟
معتز: جاي أفكرك بالاتفاق اللي بينا. لو اتجوزتي هاخد الولد منك.
ليان بحدة: وإنت جاي بعد سبع شهور مابصتش في وش ابنك عشان تقولي الكلمتين دول! فاكرة يا خويا. يلا أمشي من هنا.
معتز: مش لما أسلم على الواد اللي ماسك في جوز أمه ده كأنه أبوه ومش معبرني.
نديم: حضرتك فاهم غلط.
معتز: ﻷ حضرتي مش فاهم غلط. إنت اللي فاهم غلط ومضحوك عليك. ده إنت المفروض تشكرني إني بلحقك قبل ما تقع الوقعة دي.
دفعته ليان بغضب بعيدًا وقالت: إخرس... إنت بتتكلم عليا أنا كده! طيب أنا هعملك محضر سب وتعدي كمان. عشان تتعلم تتكلم إزاي على أم ابنك.
معتز: أم ابني اه، بقولك إيه؛ هما كلمتين ومش عايز هري كتير. الولد ده لو اتجوزتي تنسيه خالص. تنسي حتى إنك تشوفيه. ووريني بقى هتتجوزي البيه إزاي.
نديم: أنا لحد دلوقتي بتكلم بالذوق وبقولك إنك فاهم غلط. لكن لو فضلت تزعق وتتكلم بالأسلوب ده مش هتسيب قدامي غير طريقة واحدة.
معتز باستهزاء: إيه هتضربني مثلُا؟! وبعدين عمال تقولي فاهم غلط؛ هو الواحد اللي ياخد واحدة مطلقة هي وابنها وياخد معاه بنته الملاهي يبقوا إيه! بتحلوا مشكلة ديون مصر. ولا عاملين إجتماع على مستوى اللعبة الحلوة! والمنظر الجميل اللي أنا شايفه ده معناه إيه؟ ما هي أسرة سعيدة أهي.
ليان بصدمة: إنت بتراقبني؟!
معتز: أنا بس جاي أقولك إني شايف كل حاجة. ولو فكرتي بس تتجوزي من ورايا فأنا هعرف عشان عيني عليكي في كل حتة. وأحسنلك ماتشوفيش البيه تاني. سلام يا أم ابني.
غادر والنظرات تحيط بهم أما ليان فا كانت تُخفي وجهها عن الناس خجلًا مما قاله هذا الرجل عنها. لم يفكر حتى بشعور ولده الصغير. كيف سيواجه زملاءه بعد أن سمعوا هذ الحديث عنها. أما نديم فكان متخبط؛ يشعر بالضيق مما حدث وبقلبه ينبض ألمه من جديد. تذكر ما حدث بينه وبين ميرال وهذا ما جعله يقول: روحي يا ليان. أنا هطلبلك تاكسي تروحي بيه. مش عايز أعملك مشاكل أكتر من كده لو وصلتك.
ليان بخجل: ﻷ ﻷ... أنا هروح بنفسي. أسفة يا نديم. عن أذنك.
غادرت وكنزي تحتضنه بحزن من هيئة ليان وبراء. كانت تخشى ألا تراها مرة أخرى بسبب معتز.
أما كنان فكان يشعر بالحزن والضيق بسبب جواد. الحقيقة التي سمعها منه اليوم جعلته يعي بحجم الألم الذي تحمله جواد من أجل الجميع والعجيب أنه لا يزال يتحمل. لم يرغب بأن يبوح بالسر الذي احتفظ به لسنوات من أجل داليا فقط لشعوره بالذنب أنه لم يكن زوجًا صالحًا بالرغم من كل الجهد الذي بذله فقط ﻷجلها.
كانت رزان تنظر إليه ولا تعرف ماذا حدث معه منذ الأمس. حاولت أن تتحدث معه منذ أن غادرا مدينة الألعاب ولكنه لم يخبرها بالسبب.
انتهت المحاضرة وقال كنان: أنا هستغل البريك ده وهروح المكتبة عشان عايز أشوف تصميم كده هناك.
رزان: طيب أنا شوية وهجيلك. هروح بس الحمام أظبط الميكب وأجيب قهوة من الكافتيريا.
أومأ إليها وغادرا معًا واتجه كنان إلى المكتبة. أما سيلين فكانت تجلس خلفهما وسمعت ما قالا. نظرت إلى ماهر وقالت: أنا هروح الكافتيريا وأجي.
أومأ إليها ماهر وخرجت من المدرج.
كان كنان يبحث في المكتبة عن بعض الأبحاث القديمة. يقف أمام بعض الكتب في ممر بين الرفوف. ودخلت سيلين تتسلل بهدوء داخل المكتبة. بحثت عن كنان وما أن رأته وقفت على مقربة منه وتترقب دخول رزان المكتبة.
بعد قليل كانت رزان تدخل المكتبة وهي تحمل الأكواب بين يديها. وما أن رأتها سيلين تقترب من كنان حتى التفت من الجهة الأخرى وركضت نحو كنان بهدوء من خلفه حتى لا يراها. ثم وضعت كلتا يديها على عينيه فابتسم كنان وقال: إيه يا حبيبتي.
ثم أمسك يدها وقبلها وهو مغمض العين وحين فتح عينيه تفاجأ بسيلين تقف وراءه وقالت: إنت اللي حبيبي.
كاد يتحدث ولكن سمع صوت الأكواب تسقط من يد رزان التي نظرت إليه بغضب وذهبت من أمامه على الفور. دفع سيلين عنه بقوة وكاد يلحق بها ولكنها تمسكت بذراعه بقوة وقالت: فوق بقى يا كنان. إنت مش بتحبها.
دفعها عنه وقال بغضب: إبعدي بقى. كفاية خراب في حياتي أكتر من كده.
لحق برزان وهي تركض بعيدًا عنه. أما سيلين فا بقيت تنظر إلى أثره والغضب يشتعل في عينيها. فهي لن ترضخ وتستسلم بل ستجعله ملكٌ لها رغمًا عن الجميع.