
هناك قلوب لا تنكسر حين تُجرح بل حين تفهم أخيرًا سبب الجرح. وهناك أشخاص نخسرهم لأننا ظننا أننا نعاقبهم بينما كنا نعاقب أنفسنا معهم.
غزل كانت تظن أن جواد لن يتذوق هذا الألم الذي عاشت به لسنوات ولكنها أصبحت الآن كمن ينتقم منه. وما يخيفها أنها تعرف أن بعض الانتقامات لا تُعيد ما فُقد بل تحرق آخر فرصة للنجاة.
وفي مكان آخر... كانت رزان تقف أمام الحقيقة التي لم تكن مستعدة لرؤيتها، بينما سيلين للمرة الأولى تشعر أن كنان يبتعد عنها بالفعل
أما جواد... فقد اتخذ قراره. هذه المرة لن يطارد غزل ولن يسألها لماذا رحلت ولن يحاول معرفة إن كان في قلبها مكان له.
سيتراجع بهدوء... وسيتركها تختار.
لكن حين يتوقف الشخص الذي أحبك يومًا عن المحاولة قد تكتشف أن خسارته كانت أسهل بكثير من محاولة استعادته.
فهل تنتهي الحكاية حين يختار أحدهما الرحيل؟ أم أن الحب المدفون تحت الرماد... يستطيع أن يشتعل من جديد؟
وفي قلب رزان كان هناك إشتعالًا من نوع آخر... الغيرة. وحين خرجت من المكتبة وصلها صوت كنان وهو يصيح بسيلين ولكنها لم تسمع ما قال، فصوت بكاء قلبها كان أقوى من أن تسمع غيره.
لحق بها كنان وقال: استني يا رزان أرجوكي.
لم تتوقف فركض إليها وقبض على ذراعها وقال: كنت فاكرها إنتي. صدقيني هي جات من ورايا وحطت إيديها الاتنين على عيني وأنا افتكرتها إنتي عشان كده خدت إيدها وبستها. ولما رجعت بصيت ورايا اتفاجأت بيها ومالحقتش أعلق لقيتك قدامي.
رزان: أنا تعبت من كتر المبررات اللي بسمعها. يا كنان لو مش عايزني ولسه عايزها قولي وإحنا لسه على البر.
زفر كنان وهو يقبض على شعره بقوة ثم قال: أنا هفضل لحد إمتى محطوط في الزون ده أنا مش فاهم! طيب أعمل إيه تاني عشان أثبتلك إني بحبك إنتي وعايزك إنتي؟ يا رزان ده قراية الفاتحة بعد يومين. أثبتلك بإيه طيب تاني؟
رزان: بص يا كنان من الآخر؛ وجود سيلين جنبك طول الوقت في البيت والكلية مخلي الشك دايمًا في قلبي. وإنت قدام عيني بس ببقى مطمنة عشان ببقى شايفة حبي في عينيك. لكن لما ده يحصل كمان قدامي يبقى غصب عني هقول كلام يضايقك. وماتطلبش مني إني هتفهم كل اللي بيحصل ده.
اقترب منها وقال: صدقيني يا حبيبتي أنا مش شايفها أصلًا. وأنا عشان حاسس بيكي وعارف إن الموضوع صعب عليكي متفهم اللي بتعمليه. ومن غير ما تقولي أنا طلبت من جواد إن إحنا نعيش برا القصر بس رفض.
رزان: وأنا مش عايزاك تبعد عن أخواتك وعارفة إنت متعلق بيهم أد إيه. لكن أنا من حقي أطلب منك تحط حدود لسيلين في التعامل معاك.
كنان: حاطط... وبتكلم معاها قليل جدًا.
رزان: طيب إيه اللي عملته وقالته النهاردة ده! أنا مش شايفة غير إنها بتحبك وعايزة تاخدك مني ومش هقبل بمبررات تنفي الفكرة من دماغي ﻷن إحساسي بيك لا يمكن يكون كدب.
كنان: بصي... أنا مش هكدب عليكي عشان أنا ماتعودتش أعمل ده. سيلين بقالها فترة بتتكلم كلام غريب معايا وأنا برد عليها بكلام يجرح. بس هي مش عايزة تهدى. واللي عملته النهاردة محاولة منها إنها توقع بينا عشان تستغل الوضع. وأنا مش هسيبها تعمل كده. أنا بحبك ومش هسيبك. مش هبعد عنك ومش هستحمل وجع حب تاني. إنتي ليكي إنك تعرفي وتتأكدي إني عمري ما هعمل حاجة غلط عشان هي مرات أخويا أولًا وأنا مش خاين عشان أعمل كده نهائي، وعشانك. أرجوكي يا رزان حاولي تثبتي ومتتأثريش باللي هي بتعمله. لو لقت إنك جنبي وماسبتنيش هتعرف إن محاولاتها فاشلة وهتيأس وتسيبنا في حالنا.
تنهدت رزان وقالت بحزن: صعب أوي عليا يا كنان أشوف ده كله بعيني واسمع إنها بتحاول معاك وأنا أقعد اتفرج.
داعب كنان خصلات شعرها وقال: وحياتك عندي ولا بيفرق معايا أي حاجة بتعملها.
رزان: أمال ليه كنت متضايق من امبارح؟
تنهد كنان وقال: ﻷ ده حوار تاني خالص.
رزان: إيه هو؟
كنان: جواد بيمر بفترة مش كويسة. تعالي نقعد وأنا هحكيلك يمكن يبقى عندك حل.
أمسك يدها وجذبها خلفه. أما سيلين فكانت تقف بجوار باب المكتبة وتستند بجسدها على الحائط بعيدًا عن أنظارهما. كانت تسمع ما يقولان وسمعت ما قال كنان إليها مما جعل الدموع تنساب من عينيها. كنان يحمل قلبًا دافئًا واليوم تندم على خسارة ذلك القلب.
ذهب نديم وكنزي إلى أحد مراكز التسوق واتصل بسيف ليذهب معه كما اتفقا لشراء الحلة الخاصة بزفاف كنان. بعد وقت كانت كنزي تحمل حقيبة بها ثوب أنيق بلونها المفضل السماوي وتتراقص أمامهما وهما سيريان خلفها. ثم قالت: بابا لو خلصنا عايزة أشرب عصير من هنا.
نديم: تعالي نشرب عصير وناخد قهوة أنا وعمك سيف.
سيف: اه عشان صدعت بصراحة.
جلس نديم أمامه وهو يحتسي القهوة ويشرد بالفراغ فقال سيف: مالك يا نديم؟
نديم: دماغي مش رايقة بس.
سيف: ليه بس ده إحنا حتى عندنا فرحين في العيلة أهو.
نديم: اه يا عم ما أنت عملت اللي إنت عايزه. على الفكرة المفروض تشكرني ﻷن في الحقيقة هي فكرتي أنا بس كنت عايز نادر هو اللي يعمل كده. لكن واضح إن سيلين إعترضت.
سيف: بجد! ﻷ بس كويس إن سيلين إعترضت. الصراحة بعيدًا عن الموضوع الأساسي اللي خلاني أعمل كده هي إنها عجباني. وكمان لما عرفت إن جواد لسه بيحبها بقت الضربة أقوى.
نديم بتعجب: جواد بيحب مين؟!
سيف: إيه ده! إنت ماتعرفش؟
نديم: ﻷ ماعرفش.
سيف: قصر الخولي زي ما هو مش بيتغير. كل اللي عايشين فيه مش عايشين مع بعض وكل واحد في وادي.
نديم: يا عم أخلص وقولي جبت الكلام ده منين؟!
سيف: من نادر. هو عرف إن هي البنت اللي كان عايز يتجوزها أصلًا في الجامعة قبل داليا الله يرحمها. وسابها لما عرف حوار الأسهم ده.
شرد نديم وتذكر هيئة جواد عند إعلان موافقة غزل على سيف. والآن عرف سر مغادرته لمدينة الألعاب بهذا الشكل. ثم تذكر الحديث الذي دار بينهما اليوم عن ليان. وحين مر اسمها بمخيلته أغمض عينيه بضيق. فمن المؤكد أنها مستاءة مما فعله معتز.
لاحظ سيف شروده فقال: إيه رحت فين؟!
نديم: بجد دماغي مش رايقة. وبعدين يا سيف واضح إن جواد لسه بيحبها.
سيف: يا عم بيحبها إيه! هو لو بيحبها كان سابها عشان الفلوس والشركة. جواد بيحب نفسه وبس. وأراهنك إنه كان بيحاول معاها بس عشان ياخد منها الأسهم.
نديم: بس شكله النهاردة وامبارح مايدلش على واحد خسر فلوس. ده شكل واحد خسر روحه وهو عايش. أنا عارف النظرة اللي في عينيه دي كويس. كنت مستغرب إني شايفها بس دلوقتي فهمت. أنا من رأيي وقف اللي بتعمله ده لو هي كمان بتحبه.
سيف: لأ غزل فهماه كويس أوي ومش هتقع ضحية ليه تاني. وبعدين إنت فاكر إن فيه ست تسامح على اللي جواد عمله ده بسهولة؟
نديم: مش عارف بقى. بس أنا مش مرتاح للوضع ده.
سيف: أنا ونادر عارفين بنعمل إيه كويس أوي. على اﻷقل أنا مش هتجوزها طمعان في الفلوس وبس زي ما هو عمل في أختي.
نديم: إنتوا حرين. وهي لو إختارتك وعايزاك فعلًا يبقى مش هتنفع جواد خلاص. يلا يا كنزي نروح عشان عايز ارتاح.
غادرا ولحق بهما سيف.
أما كنان فكان يجلس أمام رزان التي شردت بحزن بعد أن قص لها كنان ما حدث مع جواد. ثم قالت: بس ليه كل واحد فيهم بيقول إن التاني هو اللي سابه؟
كنان: مش عارف. بس اللي متأكد منه إن جواد ماسبهاش.
رزان: أنا من رأيي إن فيه حد وقع بينهم. حد كان ليه مصلحة إن جواد مايتجوزش غزل.
كنان: وده هيكون مين يعني؟
رزان: من رأيي؛ وما تزعلش يعني. بس داليا هي أكتر حد ليه دافع في إن جواد وغزل يبعدوا عن بعض. هقولك زي إيه؛ زي سيلين مثلًا وإحنا. هي بتعمل كل حاجة عشان ترجعك ليها وداليا كانت في وضع إنها شايفة غزل وجواد مع بعض سنتين في الكلية وبيحبها هي وهيتجوزها كمان. ده غير إنه كان هيجبها تيجي تعيش معاكم في البيت. وأعتقد أنها المستفيدة الوحيدة من اللي حصل. يعني خدت الأسهم وكمان اتجوزت من الراجل اللي كانت بتحبه واللي رفضها من الأساس.
كنان: هو كلام منطقي. بس اللي حصل إن غزل هي اللي سابت جواد.
رزان: وغزل بتحبه، يبقى مش هتسيبه من غير سبب منطقي. ده لو إفترضنا إن غزل فعلًا سابته زي ما جواد بيقول.
كنان: أيًا كان اللي حصل زمان؛ أنا شايف الوضع دلوقتي وعايز أساعد جواد. وكنت بعمل كده فعلًا بس النهاردة لقيته بيقول إنه خلاص هيقفل الصفحة دي خالص. وبصراحة شايف إن من حقه يعيش حياته بقى. كفاية سنين متجوز واحدة مش بيحبها وفي الآخر يلاقي حبيبته بتتجوز ابن عمه.
رزان: جواد مش هينسى بسهولة. هو حاليًا كرامته مجروحة لكن بعد فترة هيرجع ويحاول تاني.
كنان: لو ده بقى قراره أنا هساعده أكيد. بس الأول خليني أسلم المشروع وبعدين نمشي عشان نجيب البدلة.
ابتسمت رزان وقالت: يارب اليوم ده يجي بقى.
كنان: فاضل يومين وتبقي بتاعتي رسمي.
ضحكت بخجل وذهبا معًا إلى المكتبة وبعد وقت سلم كنان المشروع.
أما جواد فكان في الشركة حتى بعد أن تأخر الوقت وغادر جميع العاملين. يجلس على مكتبه يشاهد هذا المشهد من نافذة المكتب ولكن عقله بمكان آخر. دخلت المساعدة الخاصة به وقالت: مستر جواد؛ حضرتك محتاج مني حاجة تانية ولا أروح؟
نظر إليها جواد وكأنه عاد إلى أرض الواقع من جديد. ثم انتبه إلى الساعة الموضوعة على المكتب وقال بدهشة: يااااه. ده الوقت اتأخر جدًا. لأ طبعًا روحي.
المساعدة: هو حضرتك كويس يا مستر جواد؟
جواد: أيوة كويس.
أومأت إليه المساعدة وغادرت. وبعد قليل أخذ جواد أغراضه وغادر. وحين عاد إلى المنزل دخل ليطئن على كارما بالأول وقبلها وهي نائمة بالفراش.
أما نادر وسيف فكانا يتحدثان بغرفة سيف وبعد أن تسامرا قليلًا قال سيف: أنا كنت عايز فلوس يا نادر.
ابتسم نادر وقال: ليه هتشتري الشبكة؟
سيف: لأ دي مبلغها سهل. أنا عايز مبلغ كبير شوية.
نادر: ليه؟
سيف: عليا فلوس وعايز أسددها ضروري.
نادر: كام يعني.
سيف: ٥ مليون.
نادر بصدمة: إيه! وإنت عملت إيه بال ٥ مليون دول؟!
سيف: ﻷ ما هو ماكنوش ٥ مليون كان المبلغ أقل. لكن بالفوايد بقوا ٥ مليون. ولو استنيت أكتر من كده هيزيدوا تاني وفوقيها رقبتي.
نادر بحدة: يا نهارك اللي مش فايت! إنت مستلف بالفوايد كمان يا سيف؟!
سيف: ما هو دين قمار يعني عايزه يبقى شرعي؟
نادر: يادي البلاوي اللي بتتحدف عليا على المسا. أنا مش معايا المبلغ ده دلوقتي. ما أنت عارف الشركة لسه صغيرة.
سيف: طيب وبعدين، أنا كده في خطر أو كلنا في خطر.
نادر: ليه هو إنت مستلف من مين؟
قال سيف مترددًا: من عزيز الونش.
وقف نادر وقال بغضب: عزيز الونش!
وقف سيف أمامه مندفعًا ووضع يده على فم نادر وقال: بس إنت هتفضحنا!
دفع نادر يده وقال: ده إحنا كلنا روحنا في داهية كده خلاص.
سيف: اتصرفلي في المبلغ يا نادر وأنا لما أخد الأسهم هتنازلك عن أسهم من حصتي بالمبلغ.
نادر: مش معايا، أجيب منين المبلغ ده كله؟
شرد سيف قليلًا وقال: ينفع تستلف من جواد؟
نادر: ﻷ طبعًا مش هستلف منه.
سيف: طيب نديم.
نادر: هشوف نديم. مع إن هيبقى شكلي قدامه إني فاشل والشركة واقعة.
سيف: قوله داخل صفقة ومحتاج فلوس زيادة.
تنهد نادر وقال: هشوف يا سيف. يارب يكون معاه المبلغ.
أما نديم فكان يجلس بالفراش وعينيه تنظر إلى اسم ليان على هاتفه. وبعد تردد اتصل بها ورفع الهاتف بيد مرتعشة على أذنه ثم سمعها تقول: ألو.
علم على الفور بحزنها فقال: عارف إنك متضايقة بس بجد بالي مشغول وعايز اطمن عليكي. إنتي كويسة؟
تنهدت ليان وقالت: أنا هستحمل لكن الولد ده ذنبه إيه؟ تخيل أبوه ماشفش وشه من ٧ شهور ولما جيه خلاه يشوف نفس الصورة اللي في دماغه هي هي. بابا بيزعق وبيغلط وبيتكلم بأسلوب همجي.
نديم: هو فعلًا أسلوبه غريب أوي في الكلام. أنا حتى إستغربت إنك وافقتي تتجوزيه وهو بيتكلم كده.
ليان: لاااا. ما كان راسم دور الجنتل مان اللي مفيش زيه اتنين في العالم. لحد ما اتكشف قدامي بقى. بس بعد إيه.
نديم: الحمد لله إنك خلصتي منه.
ليان: إنت شايف إني خلصت منه يا نديم؟ ده حتى بعد ما أطلقت منه بالعافية وخد فلوس عشان يسيبني أنا وابني في حالي طلع بيراقبني. وإنت فاكر إنه بيعمل كل ده عشان ياخد ابنه فعلًا لو اتجوزت! ده هيساومني تاني عشان ياخد فلوس تاني. وأنا خلاص مابقاش معايا فلوس. يا دوب المكتب ممشيني أنا والولد ده. بس كل ده بجد مش فارق معايا. أنا مش عايزة اتجوز وعايزة أفضل جنب ابني. بس براء... بيقولي مش عارف هروح المدرسة إزاي يا ماما. وفعلًا مش هيروح بكرة ومش هقدر أغصب عليه.
نديم: ﻷ ماتغصبيش عليه. وأنا هشوف طريقة أشوفه بيها واتكلم معاه.
ليان: أنا مش عارفة أشكرك ولا أعتذرلك يا نديم بجد.
نديم: ولا تشكريني ولا تعتذري. أنا حبيت براء فعلًا وبجد هو ولد جميل. ومعتز ده خسران بجد أوي.
ليان: ولا هيحس بيه أصلًا. وهيكبر ابني وهو شايل وصمة أبوه طول عمره وأنا السبب.
قالت الجملة الأخيرة بصوت محمل بالبكاء. فقال نديم: ماتحمليش نفسك كل حاجة. إنتي كمان بتعاني معاه مش هو بس.
ليان: مش مهم أنا. بجد مش فارق معايا حاجة غير براء وبس.
كان الفرق واضحًا... ليان وميرال لا يتشابهان. وهذا ما جعل نديم يتعلق بها. ولكن هناك هذا الشعور الذي يمنعه من الخوض في علاقة جديدة. فبعض الجروح لا تشفى بمرور الوقت. فهل ستسطيع ليان أن تشفي جرحه؟
عاد نادر إلى غرفته ونام بالفراش بجوار سيلين التي تدعي النوم وتغمض عينيها حتى لا يظهر هذا الشرخ الذي صدع بروحها منذ أن سمعت كنان ورزان.
كانت الليلة محملة بالحزن على الجميع. عكس الظاهر تمامًا. من يراهم يظن أنهم يستعدون ليوم زفاف ولكن القلوب قد تشبعت بالهموم. وبالصباح يضحكون بوجوه بعضهم البعض. منهم من يرسم القوة الزائفة، والآخر يخفي سرًا لا يجوز البوح به حتى لا يفقد حياته، وهناك من يخفي تعلق بدأ ينبض بقلبه؛ لا يخشى فقط أن يراه أحد بل يخشى أن يعترف به، ومنهم من يجيد التمثيل حتى يصل إلى الحقيقة.
كلهم يجيدون إرتداء الأقنعة ولكن السؤال؛ من سيسقط قناعه بالأول؟
جاء يوم قراءة الفاتحة وذهبوا جميعًا إلى بيت رزان. الجميع يجلس متأنقًا بملابس براقة وابتسامة عريضة. وقد تزينت رزان بثوب أرجواني رقيق وارتدى كنان حلة بيضاء. وبعد أن جلسا بجوار بعضهما البعض وقرأ الجميع الفاتحة. أخرج كنان علبة صغيرة من جيبه بها دبلة وخاتم رقيق وحين رأتها رزان فتحت عينيها بسعادة. وعبرت عن جمالهما. فنظر كنان إلى غزل التي ساعدته بإنتقائهما بإمتنان.
الجميع يهلل بسعادة عدا سيلين التي تنظر إليهما بعين الحسرة وتكتم تلك الصرخة التي تصدع بداخلها. الآن أصبح الأمر منتهي. يكفي نظرة كنان التي تبوح بما في قلبه. نظرت إلى نادر الذي يجلس بجوار أحمد ويتحدث بأمور العمل. تعلم أنه يحبها ولكن بالحقيقة هي تأكدت من حبها لكنان. ظنت أن السعادة بالمال ونسيت أن السعادة الحقيقة هي تلك التي ترتسم داخل عيني رزان وهي تنظر إلى كنان.
أما جواد فكان يجلس بصمت. يتجنب الحديث مع الجميع. فقط يقول ما عليه قوله ويصمت لساعات. يتجنب النظر إلى غزل وسيف اللذان يجلسان بجوار بعضهما البعض.
أصوات الصخب المحلمة بالفرح تحيط بهم. رزان وكنان يتراقصان معًا بالمنتصف والجميع ينظر إليهما. أصدقائهما الذين شاركوا تلك اللحظة السعيدة وسعادة أصدقاء كنان به تظهر في مشاركته الرقص. نظرات الحب التي ترتسم على عينين كنان ورزان؛ صورة مكتملة لحب جديد قد توج بالزواج رغم أنف الحاقدين.
فهل ستكتمل تلك السعادة أم ستنتهي كحال أخوة كنان؟
وبعد وقت انقضى اليوم وعادت الأسرة إلى المنزل.
وفي صباح اليوم الجديد، خرج جواد باكرًا كعادته مؤخرًا هربًا من الجميع. وبعد أن غادر الجميع إلى العمل والجامعة خرجت غزل مع كارما لتقلها إلى الحضانة. كانت تمشي بجوارها في طريقها إلى هناك وكارما تقبض على يدها بسعادة ثم قالت: ماما هتيجي معايا الحفلة صح؟
نظرت إليها غزل وهي تضحك، لم تعتاد على هذه الكلمة بعد ولكن قلبها سعيد بها. فقالت: هاجي طبعًا يا قلب ماما. هو أنا أقدر أزعلك أبدًا.
وقبل أن تصل إلى الحضانة بخطوات صدع صوت سيارة تقترب منهما بقوة. وفجأة اندفعت السيارة نحو غزل فاصطدمت بها بقوة ثم انطلقت هاربة. وقفت كارما تنظر إليها وهي تصرخ بقوة: مامااااااا!
ترى هل ستتحمل تلك الطفلة أن تفقد هذه الكلمة مرة أخرى من حياتها؟!