
رواية كبيرهم الفصل العاشر10 بقلم سهر احمد
«ليلى رجعت... والاسم اللي اتدفن تحت بيت منصور»
الصوت خرج من قلب الظلام...
هادئ.
مبحوح.
لكن واضح لدرجة خلت الدم ينسحب من وشوشهم.
الصوت .. آدم...
آدم وقف مكانه.
عينه اتعلقت بالظلمة قدامه.
آدم .. مين؟
مفيش رد.
بس أنفاسهم كانت مسموعة.
جابر كان واقف كأنه اتربط في الأرض.
سالم إيده ارتعشت.
أما رائد...
فلأول مرة من ساعة ما دخل الطاحونة، اختفت الابتسامة من وشه.
لجين قربت من آدم.
لجين .. آدم... الصوت ده...
آدم .. أيوه.
ثم جاء الصوت مرة تانية:
الصوت .. ما تروحش بيت منصور.
آدم رفع صوته:
آدم .. إنتِ مين؟!
ثواني...
ثم جاءت الكلمة:
ليلى .. أنا ليلى.
آدم حس إن قلبه وقف.
آدم .. أمي؟
جابر .. آدم!
آدم لف له.
آدم .. هي أمي؟!
جابر ما ردش.
آدم .. رد عليا!
جابر بص ناحية سالم.
سالم كان لسه بيبص للظلام.
سالم .. ليلى ماتت.
الصوت جاء من بعيد:
ليلى .. اللي شفته بعينك يا سالم... مش دايمًا هو الحقيقة.
سالم اتراجع خطوة.
سالم .. لأ...
رائد .. أبويا...
سالم .. قولتلك ماتت!
رائد .. وأنت متأكد؟
سالم سكت.
رائد قرب منه.
رائد .. عشرين سنة وأنت عايش على إنها ماتت... طب لو كانت الحقيقة غير كده؟
سالم بص له.
سالم .. لو ليلى عايشة...
وسكت.
رائد .. إيه؟
سالم .. يبقى اللي حصل من عشرين سنة كان تمثيلية كاملة.
جابر شد على فكه.
جابر .. محدش يتحرك.
آدم .. لأ.
جابر بص له.
آدم .. المرة دي أنا اللي هتحرك.
جابر .. آدم...
آدم .. طول عمري كل ما أسأل عن أمي تقولوا ماتت.
بص لسالم.
آدم .. وأنت تقول إنها ماتت.
وبص لرائد.
آدم .. وهو يقول إنه يعرف ليه ماتت.
ثم رجع لجابر.
آدم .. ودلوقتي صوتها بيكلمني من الضلمة.
آدم قرب خطوة.
آدم .. يبقى حد فيكم كان بيكدب.
جابر .. مش كل كذبة كانت خيانة يا ابني.
آدم .. بالنسبة لواحد عاش عشرين سنة من غير أمه... أي كذبة كانت خيانة.
الكلمة وجعت جابر.
لكن قبل ما يرد...
جاء صوت ليلى:
ليلى .. جابر... سيبه يعرف.
جابر رفع عينه.
جابر .. ليلى؟
ليلى .. أيوه.
جابر .. إنتِ فين؟
ليلى .. أقرب مما تتخيل.
جابر .. ليه رجعتي؟
ليلى .. عشان ابني كبر.
آدم شهق.
آدم .. ابني؟
ليلى .. ابني.
آدم حط إيده على صدره.
آدم .. أنا؟
ليلى .. أيوه يا آدم.
آدم .. طب ليه سبتيهم يقولولي إنك ميتة؟
صمت طويل.
ثم جاء صوتها:
ليلى .. لأن موتي كان الطريقة الوحيدة اللي تخليك تعيش.
آدم .. تعيش من مين؟
ليلى .. من الناس اللي كانوا عايزين ينهوا اسمك قبل ما تعرفه.
رائد .. اسم إيه؟
ليلى سكتت.
رائد .. أمي!
ليلى .. أنا مش أمك يا رائد.
رائد اتجمد.
لجين بصت له.
لجين .. يعني...
ليلى .. رائد ابني... لكن مش كل ابن لازم تكون أمه هي اللي ولدته.
رائد بص لسالم.
سالم خفض عينه.
رائد .. إنت كنت عارف؟
سالم .. عرفت متأخر.
رائد .. إمتى؟
سالم .. بعد ما اختفت ليلى.
رائد .. وليه ما قلتليش؟
سالم .. لأنك كنت وقتها بتدور على عيلة النجار عشان تنتقم.
رائد .. وكنت خايف الحقيقة توقفني؟
سالم .. كنت خايف الحقيقة تقتلك.
رائد ضحك ضحكة قصيرة موجوعة.
رائد .. طول عمري فاكر إنكم بتخبوا عني عشان أنا غلطان.
سالم .. إحنا خبينا عنك لأنك كنت داخل على طريق مفيهوش رجوع.
رائد .. وطريق الانتقام كان أسهل؟
سالم .. كان الطريق الوحيد اللي شايفه.
رائد سكت.
لجين قربت من سالم.
لجين .. وأنا؟
سالم بص لها.
لجين .. أنا طول عمري عايشة وأنا فاكرة إن رائد عمي... وإن أبويا مات... وإن أمي...
سالم .. أمك ماتت.
لجين دموعها نزلت.
لجين .. وأبويا؟
سالم .. أبوكي حسان.
لجين .. وعلاقته بليلى؟
جابر تدخل:
جابر .. حسان كان بيحميها.
لجين بصت له.
لجين .. وبعدين؟
جابر .. وبعدين عرف إن ليلى معاها سجل الدم.
لجين .. السجل اللي كنتوا بتتكلموا عنه؟
جابر .. أيوه.
لجين .. هو فين؟
جابر سكت.
آدم رفع المفتاح.
آدم .. هنا.
الكل بص له.
آدم .. المفتاح ده هو اللي يفتح المكان اللي تحت بيت جدي.
جابر .. أيوه.
آدم .. والمكان ده فيه السجل؟
جابر .. فيه حاجة أهم من السجل.
آدم .. إيه؟
جابر .. الدليل اللي يفسر ليه السجل اتكتب أصلًا.
رائد .. يعني إيه؟
جابر .. السجل مش مجرد ورق عن الأرض.
سالم .. هو سجل نسب وملك وشهادات.
رائد .. شهادات على إيه؟
سالم .. على اللي حصل ليلة اختفاء ليلى.
آدم بص لسالم.
آدم .. وليه اسمي موجود فيه؟
سالم .. لأن اسمك كان لازم يختفي.
آدم .. ليه؟
سالم .. لأن وجودك كان هيكشف إن فيه حق اتدفن مع أبوك.
آدم .. أبويا مين؟
سالم سكت.
آدم قرب منه.
آدم .. المرة دي مش هسيبك تسكت.
سالم .. مش دلوقتي.
آدم .. ليه؟
سالم .. لأنك لو عرفت الاسم قبل ما تشوف الدليل... ممكن تصدق واحد وتظلم واحد.
رائد .. وهو مين؟
سالم .. الرجل اللي مات ليلة ولادتك.
آدم .. يعني أبويا الحقيقي مات فعلًا؟
سالم بص له.
سالم .. أيوه.
آدم غمض عينه.
ليلى من بعيد قالت:
ليلى .. وأبوك الحقيقي اسمه مش عبدالرحيم.
جابر انتفض.
جابر .. ليلى!
آدم فتح عينه.
آدم .. يعني إيه؟
ليلى .. عبدالرحيم كان اسمًا استُخدم لحمايتك.
رائد .. يعني الراجل اللي كان ورا الباب...
ليلى .. كان عبدالرحيم الحقيقي.
آدم .. وكان أبويا؟
ليلى .. لأ.
آدم اتنفس ببطء.
ليلى .. عبدالرحيم كان أقرب شخص لأبوك الحقيقي... وكان هو اللي حمل اسمه بعد موته عشان يحميك.
آدم .. يعني الرجل اللي كلمنا كان عارف أبويا؟
ليلى .. وكان آخر شخص شافه حيًا.
جابر قال:
جابر .. وعبدالرحيم مات بعد ما هرب بك.
آدم لف له.
آدم .. مات؟
جابر .. أيوه.
رائد .. يبقى اللي كان في الطاحونة مين؟
سالم .. مش عبدالرحيم.
لجين .. أمال مين؟
سالم .. واحد كان بيستخدم اسمه.
رائد .. عشان يوقعنا؟
سالم .. أو عشان يوصل لآدم.
آدم بص لقطعة القماش اللي عليها حرف «ح».
آدم .. حسام؟
سالم .. حسام.
جابر .. حسام كان شريك في آخر مرحلة من الحكاية.
رائد .. شريك مين؟
جابر .. الراجل اللي كتب أول سطر في سجل الدم.
آدم .. مين الراجل ده؟
جابر سكت.
ليلى قالت:
ليلى .. منصور.
الاسم وقع عليهم كأنه حكم.
آدم .. جدي؟
ليلى .. أيوه.
جابر رفع عينه للظلام.
جابر .. أبويا ما كانش وحده.
ليلى .. وأنا عارفة.
جابر .. كان بيحاول يصلح اللي عمله.
ليلى .. بعد ما فات الوقت.
جابر .. لكنه حاول.
ليلى .. وقتها كان لازم يختار.
آدم .. يختار بين إيه؟
ليلى .. بين اسم العيلة... وبين حياة ابن أخوه.
آدم اتجمد.
آدم .. ابن أخوه؟
جابر سكت.
رائد قرب.
رائد .. آدم... أنت مش مجرد ابن راجل مات.
آدم بص له.
رائد .. أنت ابن الرجل اللي كان وجوده خطر على عيلة النجار كلها.
آدم .. ليه؟
رائد .. لأن أبوك كان يعرف أصل الأرض.
آدم .. أصل الأرض؟
سالم .. الأرض دي ما كانتش ملك النجار من البداية.
آدم .. كانت ملك مين؟
سالم .. لعيلة أقدم.
جابر .. والحق اتنقل بطريقة ما كانتش قانونية.
آدم .. ومنصور عرف؟
جابر .. عرف.
آدم .. وسكت؟
جابر .. في الأول.
آدم .. وبعدين؟
جابر .. حاول يرجع الحق.
آدم .. فمات أبويا؟
جابر ما ردش.
آدم .. فماتت أمي؟
ما ردش.
آدم .. فاختفى سالم؟
سالم قال بهدوء:
سالم .. واختفيت أنا عشان ما كنتش عايز أكون شاهد على قتل تاني.
آدم .. ورائد؟
رائد .. وأنا اتربيت على الكراهية.
ثم بص لجابر.
رائد .. لأن كل واحد فيكم سلّمني نص حكاية.
جابر .. أنا ما ظلمتكش يا رائد.
رائد .. لكنك خبيت عني.
جابر .. كنت بحاول أحميك.
رائد ابتسم بسخرية.
رائد .. نفس الكلمة.
ثم سكت.
لجين مسحت دموعها.
لجين .. وأنا؟
الجميع بص لها.
لجين .. لو كل واحد فينا عاش باسم مش اسمه... أنا كمان ممكن أكون عايشة بحكاية مش حكايتي.
سالم قرب منها.
سالم .. وإنتِ فعلًا عايشة بنص حكاية.
لجين .. يعني إيه؟
سالم .. أبوكي حسان ما كانش مجرد شاهد.
لجين .. كان إيه؟
سالم .. كان حامل آخر مفتاح.
لجين .. مفتاح إيه؟
سالم .. مفتاح الوصول للحقيقة.
لجين .. ومات قبل ما يقولها؟
جابر .. أيوه.
لجين .. لمين سلّم المفتاح؟
جابر سكت.
لجين .. جابر!
جابر بص لها.
جابر .. حسان سلّمه لليلى.
لجين .. وأمي؟
ليلى ردت من الظلام:
ليلى .. وأنا سلمته لابني.
آدم رفع رأسه.
آدم .. إمتى؟
ليلى .. قبل ما تختفي.
آدم .. فين؟
ليلى .. في مكان أنت عمرك ما دورت فيه.
آدم .. فين؟
ليلى .. تحت بيت منصور.
آدم قبض على المفتاح.
آدم .. يبقى المفتاح ده...
ليلى .. هو المفتاح.
جابر تقدم.
جابر .. آدم، اسمعني.
آدم .. لأ.
جابر .. لازم نرجع.
آدم .. لا.
جابر .. المكان ده خطر.
آدم .. أنا قضيت عشرين سنة بعيد عن الحقيقة.
ثم بص ناحية بيت منصور.
آدم .. مش هبعد عنها دلوقتي.
رائد وقف بجواره.
رائد .. مش هتروح لوحدك.
سالم .. وأنا جاي.
لجين .. وأنا.
جابر .. لأ.
لجين .. ليه؟
جابر .. لأن اللي تحت البيت ممكن يغير كل حاجة.
لجين .. حياتي أصلًا اتغيرت.
ثم نظرت لآدم.
لجين .. ولو الحقيقة هتوجع... أنا عايزة وجعها بإيدي.
جابر سكت.
ثم قال:
جابر .. خلاص.
رفع عينه للسماء.
جابر .. نروح.
تحركوا الأربعة.
لكن سالم وقف فجأة.
سالم .. استنوا.
رائد .. في إيه؟
سالم كان باصص ناحية الطاحونة.
سالم .. في حاجة غلط.
آدم .. إيه؟
سالم .. الصوت اللي سمعناه...
جابر .. صوت ليلى.
سالم .. أيوه.
ثم بص للظلام.
سالم .. لكن ليلى لو كانت فعلًا هنا...
رائد .. إيه؟
سالم .. كانت هتفتح الباب بنفسها.
الجميع سكت.
وفجأة...
اتسمع صوت خطوات من داخل الطاحونة.
خطوة.
خطوتين.
ثلاثة.
آدم لف.
آدم .. مين هناك؟
ولا رد.
رائد رجع ناحية الباب.
رائد .. اظهر.
صمت.
ثم ظهر ظل امرأة عند نهاية الممر.
شعر طويل.
عباية غامقة.
وشاح يخفي نصف وجهها.
لجين شهقت.
لجين .. هي...
المرأة رفعت رأسها.
وصوتها خرج واضح:
ليلى .. متروحوش بيت منصور.
آدم قرب منها خطوة.
آدم .. أمي؟
المرأة رفعت يدها.
ليلى .. لو عايز تعرف أنا ليه سيبتك عشرين سنة...
آدم .. قولي.
ليلى .. تعالى لوحدك.
جابر .. لأ!
ليلى بصت له.
ليلى .. أنت بالذات... ما ينفعش تيجي.
جابر شحب.
جابر .. ليه؟
ليلى .. لأن آدم لازم يعرف منك أنت...
وسكتت.
جابر .. يعرف إيه؟
ليلى بصت لآدم.
ليلى .. إن الراجل اللي قتل أبوه...
ثم توقفت.
آدم .. مين؟!
ليلى .. لسه عايش.
وفجأة...
انطفأت آخر شعلة في الطاحونة.
صرخة لجين خرجت.
ولما رجع النور بعد ثواني...
ما كانش فيه حد.
ليلى اختفت.
لكن على الأرض...
كان فيه ظرف أبيض.
آدم انحنى ورفعه.
فتح الظرف.
ورقة واحدة.
ثلاث كلمات فقط:
«أبوك مش عبدالرحيم.»
آدم رفع عينه ببطء.
رائد قرأ الورقة.
ثم بص لجابر.
رائد .. كنت عارف؟
جابر ما ردش.
سالم قرب من الورقة.
ولما شاف التوقيع في أسفلها...
تغير وشه.
آدم .. مين كاتبها؟
سالم ما قدرش يتكلم.
آدم .. سالم!
سالم رفع عينه.
وقال بصوت مكسور:
سالم .. أبوك.
آدم .. أبويا مات.
سالم .. أيوه.
آدم .. يبقى إزاي كتبها؟
سالم بص ناحية الظلام.
سالم .. لأنه كتبها قبل ما يموت.
آدم قلب الورقة.
وكان في ظهرها سطر واحد:
«يا آدم... لو وصلت للبيت، ما تثقش في أول شخص يفتح لك الباب.»
وفي نفس اللحظة...
من ناحية بيت منصور...
اشتعل نور واحد في شباك الدور العلوي.
رائد بص له.
رائد .. البيت فاضي من عشرين سنة.
جابر قال بصوت خافت:
جابر .. كان فاضي.
سالم .. دلوقتي مش فاضي.
آدم قبض على المفتاح.
وقال:
آدم .. يبقى اللي مستنينا هناك...
عارف إني جاي.
وتحركوا ناحية بيت منصور.
لكن قبل ما يبعدوا...
ظهر على سطح البيت ظل رجل.
واقف.
ساكت.
وبيده...
صفحة ممزقة من سجل الدم.
رفع الصفحة أمام الضوء.
وكان أول اسم مكتوب عليها:
«آدم...»
ثم انطفأ النور.