رواية اشارة منتصف الليل الفصل السادس6الاخير بقلم ياره علاء الدين

رواية اشارة منتصف الليل
الفصل السادس6الاخير
بقلم ياره علاء الدين
لو فاكر إنك عرفت السر من الأجزاء اللي فاتت... استنى النهاية، لأنها هتغير كل اللي كنت مصدقه!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد دقايق..

الباب المصفح اتفتح ببطء.. ودخلنا الفيلا ورا الشرطة، مفيش حراس للفيلا، مفيش أمن، مفيش خدم لما دخلنا جوة.

الدكتور عمر المنوفي كان واقف قدامنا، لابس بدلة أنيقة، ومفيش على وشه أي أثر للمفاجأة أو التوتر. جنبه في صالة الفيلا كان الممر مليان شنط سفر جاهزة!

بص للظابط بثبات مرعب وقال برزانة:

خير يا فندم؟ فيه حاجة؟ أنا كنت طالع على المطار حالاً عشان عندي مؤتمر طبي مهم بره مصر.

الظابط عينه لمحت الشنط، وبعدين بص لساعته، وقال بنبرة هادية لكنها مليانة شك:
حضرتك اتأخرت لحد ما البوابة اتفتحت ليه؟ وقبل ما تجاوب أعتقد ده لإن مفيش حارس على البوابة، وكمان لاحظت مفيش أمن ولا أي حد شغال هل كل ده عشان مسافر المؤتمر؟ 

الدكتور ابتسم ابتسامة باهتة وقال:
مراتي وبنتي كانوا مسافرين معايا يقضوا إجازة، فـاديت للكل أجازة، هو فيه اعتراض أو حاجة؟
الضابط ابتسم وقاله:
طب استريح عشان عايز حضرتك في كلمتين.
بصله وقاله:
بس ياريت بسرعة عشان عندي ميعاد طيارة.

الظابط قطع كلامه بصرامة وقال:
لالا مفيش سفر موضوع السفر هيتاجل شوية..
من فضلك عايز أشوف بنت حضرتك؟ مريم مش كده؟
الدكتور أتوتر شوية وقاله:
اه مريم خير فيه حاجة؟

الظابط كمل وقال:
عايزين نشوفها حالًا من فضلك.

نده على مراته وطلب منها تنزل بالبنت، وشه كان باين عليه القلق جدًا.

 
ثواني وظهرت البنت نازلة ماسكة إيد مراته.  كانت ماشية زي الآلة، عينيها  في الأرض، وشها شاحب، ومبتنطقش بحرف.

الظابط قرب منها وسألها بهدوء:
اسمك إيه يا شاطرة؟

البنت مردتش، فضلت باصة للأرض. الزوجة اتدخلت بسرعة وصوتها متوتر:
"هي مش بتتكلم يا حضرة الظابط.. من وقت الحادثة القديمة الصعبة اللي مرت بيها وهي دخلت في صدمة نفسية وتلعثم حاد، والدكاترة متابعين حالتها.

الظابط بص للدكتور بابتسامة وقاله:
عايز أي أوراق تخص مريم، أوراق الحادثة والمستشفى وأوراقها، كل حاجة تخصها..

الدكتور دخل الأوضة يجيب الملف.. وقتها أنا فضلت أبص للبنت وأحاول أخليها تتكلم تشاور، بس هي مرفعتش عينها من على الأرض كان باين عليها الرعب مش الخوف وبس ، لحد ما الدكتور ظهر وفي إيده ملف أزرق كبير واداه للظابط بثقة:

دي كل أوراقها.. شهادة الميلاد، أوراق المتابعة الطبية، دفتر التطعيمات، وكل التقارير.

الظابط قلب الأوراق بتركيز.. كل حاجة كانت مظبوطة تمامًا ومفيش فيها غلطة واحدة يقدر يمسك منها اتهام مباشر. لكن طريقة الدكتور ومراته المريبة خلت الظابط ياخد قرار حاسم.

قفل الملف وبص للدكتور بثبات:
الأوراق تمام.. بس أنا عندي بلاغات رسمية بمحاولة اعتداء واقتحام منزل وتهديد. اتفضلوا معانا كلكم على مديرية الأمن لاستكمال التحقيق.

كان نفسي وقتها أمسك البنت وأحضنها وأطبطب عليها بس مقدرتش ..

في مبنى المديرية، الدنيا اتقلبت. الدكتور عمر طلب المحامي بتاعه فورًا، ورفض ينطق بكلمة واحدة أو يجاوب على أي سؤال إلا في حضور المحامي.

 الزوجة كانت قاعدة على الكرسي بتبكي وانهيارها بيزيد بشكل غريب، حسيتها مش طبيعية.

أما الطفلة.. فكانت قاعدة في أوضة ثانية مع أخصائية اجتماعية، ساكتة تمامًا، كأنها في عالم تاني.

واحنا الظابط طلب منا نروح بيتنا لإنه مينفعش نكون موجودين وقت التحقيقات الرسمية، وهو هيبلغنا لو فيه جديد، 

وبسبب البلاغات اللي قدمناها عن محاولة قتـ.ـلنا واقتـ.ـحام البيت، الظابط وفرلنا حراسة ٢٤ ساعة،
خرجنا من القسم وأنا وحسن حاسين إننا بنقرب أوووي..

مرت  أيام كأنهم كابوس طويل:

الإعلام بدأ يتداول تسريبات عن القبـ.ـض على جـ.ـراح شهير بتهـ.ـمة احتـ.ـجاز طفلة، والدكتور بيصدر بيانات إنكار من خلال محاميه.

الزوجة: حالة التوتر وانهيار وضحت أن عندها اضطراب نفسي.

الطفلة: فضلت رافضة الكلام مع أي حد من النيابة أو الطب النفسي.

ما قدرتش أقعد ساكتة بصراحة خوفت كل اللي عملناه يروح على الفاضي، نزلت من البيت وروحت على المديرية، دخلت الظابط وطلبت منه إني أزور البنت في دار الرعاية التابعة للنيابة.. وبعد محاولات، وافق بشرط إن الزيارة تكون تحت نظره.

دخلت الأوضة.. البنت كانت قاعدة على الأرض ماسكة كراسة رسم. قعدت جنبها على الأرض بهدوء.. مسكت كراستها وبدأت أقولها: الله رسمك حلو أوي.

البنت رفعت عينها ليا،  وعيونها كانت فيها دموع.
مسكت إيدها الصغيرة وقلت لها بصوت واطي جدًا:
"أنا نهى.. اللي شوفتك في العربية. أنا هنا عشان أحميكي.. محدش هيقدر يأذيكي تاني أبدًا
إيد البنت كانت بتترعش.. مسكت القلم الألوان، وبإيد تقيلة جدًا وببطء شديد، كتبت تحت الرسمة كلمة واحدة بخط ملخبط:
"حــلا"
ادتني الورقة..

 خدتها منها، وناولتها للظابط اللي كان واقف ورانا .
الظابط أخد الورقة وهو بيتنهد:

دي خطوة كويسة يا مدام نهى إنها بدأت تتفاعل معاكي بس برده اسم" حلا "مش هيوصلنا لحاجة لسه!

قولت له بلهفة: 
طب والتحليل؟
رد الظابط: 
التقرير النهائي للـ DNA هيوصل النهاردة.. وهو ده اللي هيحسم كل حاجة.
قررت مروحش البيت واتصلت على حسن قولتله ييجي على المديرية اللحظة اللي مستنياها قربت ويا إما أكون نجحت فعلًا. إني أساعد البنت دي يا إما تكون كل دي اوهام!

بعد ساعتين.. كنا قاعدين في مكتب الظابط، أنا وحسن ،الباب خبط ودخل عسكري معاه ظرف كبير كده.. كان تقرير الطب الشرعي

الظابط فتح المظروف ببطء شديد، وقرأ السطور الأولى .. وفجأة، ملامح هدوءه اختفت تماماً، رفع رأسه وبصلنا وقال بنبرة حادة هزت الأوضة:
النتيجة حسمت كل حاجة.. الطفلة دي مش الابنة البيولوجية للدكتور عمر المنوفي ولا لزوجته!

مسك التليفون، وضغط على الزرار وقال بأمر صارم:
هاتولي مرات الدكتور حالًا.

فصل الظابط بين الدكتور وزوجته كان ضربة معلم.

بدأ بالزوجة؛ لأن نظرات التوتر والرعب في عينيها كانت بتقول إنها الجزء الأضعف..

دخل عليها الظابط غرفة التحقيق، وقعد قدامها بهدوء مرعب، من غير ما ينطق بحرف. حط ورقة التقرير قدامها على الطاولة.
الزوجة كانت بتترعش، وجسمها كله بيتنفض. بصت للورقة وهي بتبكي بصوت مكتوم وتكرر زي الآلة:
دي بنتي... اسمها مريم... والله بنتي!

الظابط مال بجسمه لقدام، وبص في عينيها مباشرة وقال بنبرة قاطعة:

التحليل بيقول إنها مش بنتك يا مدام!

الجملة نزلت عليها زي الصاعقة.انهارت وقالت بصوت مبحوح :

أنا كنت عارفة... بس مقدرتش أعيش من غيرها! مقدرتش!

بدأت الزوجة تعترف، وكل كلمة كانت بتخرج منها بتكشف حجم المأساة:

مريم بنتنا ماتــ.ـت في الحادثة من سنتين...  بس لما ماتــ.ـت عمر كتم على الخبر. وأنا دخلت في انهـ.ـيار عصبي كامل..  
كنت هنهي حياتي بأيدي.. عمر كان شايفني بضيع منه كل يوم، وكل الدكاترة أكدوا له إن عقلي خلاص بيروح.

شهقت وهي بتحط إيديها على وشها وكملت:

وفي يوم... رجع البيت ومعاه بنت. دخل عليا الأوضة ومسك إيدي وقالي: 

مريم رجعت يا هدى... مريم رجعت!
ومن ساعتها وأنا مش قادرة أشوفها غير مريم. حتى مسألتوش مين دي ولا إيه اللي بيحصل، كنت خايفة، خايفة أسمع الحقيقة. قولت أسكت أحسن..

الظابط بعد ماسمع اعترافها وعرف إنها مريضة نفسيًا مكنش مقتنع إن جوزها جاب بنت بس لمجرد إنه بيحبها ولا خايف عليها، فيه حاجة ناقصة!

دخل الظابط بعدها غرفة التحقيق الثانية  بتاعت الدكتور عمر المنوفي.

كان قاعد بثقة مزيفة، لابس نضارته، ومستني المحامي بتاعه. الظابط رمى تقرير الـ DNA على الترابيزة قدامه، وقاله ببرود:
مراتك اعترفت بكل حاجة!

الدكتور ملامحه اتجمدت.. حاول يحافظ على ثباته وقال:
"هي تعبانة نفسياً وتأثير الصدمة عليها..."
سكت لحظة، ولما شاف نظرات الظابط الصارمة، ريقه جف وسأل بصوت مهزوز:
قالت ايه؟

الظابط مردش. فضل ساكت وهو بيبص له بجمود. الصمت في الأوضة كان مرعب.. الدقايق اللي عدت كانت كفيلة إنها تخلي أعصابه  تنهار  مع كمان تحليل الDNA اللي بوظ كل خططه.

وفجأة.. انهار الدكتور، ورفع نضارته يمسح عرقه اللي غرق وشه وقال :

بعد وفاة مريم، مراتي كانت بتموت كل يوم.. وكل ثروة العيلة وأملاكها باسمها، لكن الفلوس مكنتش تهمني أد ما كان يهمني إنها متضيعش مني. الدكاترة قالوا لي أي صدمة جديدة هي نهايتها.  اتفقت مع المستشفى أنها تعلن إن بنتنا عاشت مماتتش لحد ما أشوف حل الورطة دي.

فضلت كتير أدور على حل لحد ما استعنت بشخص عرفته عن طريق حالة من حالاتي.. طلبت منه يدور لي على طفلة بنفس العمر، وقريبة جداً في الملامح، طفلة من أطفال الشوارع يعني..

اتنهد بكسرة وكمل:
بعد فترة جابهالي.. قالي إنها طفلة ملهاش حد.. .. دفعت مبلغ ضخم جدًا وأخدتها. ظبطتلها كل الأوراق، غيّرت طريقة لبسها، ولون شعرها، وحفظتها اسم 'مريم' عشان تبقى نسخة طبق الأصل من بنتنا.

الظابط سأله بحدة: 
وعشان كده كنت حابسها ومخبيها عن العالم؟

رد الدكتور  وقال:

كان لازم أمنعها تخرج.. لو خرجت، كان ممكن أي حد يتعرف عليها، أو هي تتعامل مع حد وتقوله على  أهلها والموضوع كله يبوظ! عشان كده الفيلا كانت أمان.. كنت موفر لها كل حاجة؛ أوضة العاب، مدرسين بيجوا الفيلا، دكاترة بيتابعوها.. كنت موفر لها كل حاجة... 

 
الاعتراف ده مكنش النهاية، ده كان بداية الخيط.
الدكتور كتب اسم الرجل اللي جاب له "حلا". وفي ظرف 48 ساعة، كانت قوات الأمن راقبت الشخص ده، لحد ما وصلهم  لمجموعة كبيرة بتتاجر في الأطفال!

اقتحمت الشرطة واحد من  المقرات السرية للشبكة، وانقذوا  6 أطفال تانين كانوا مستنيين دورهم أنهم يتباعوا . القضية اللي بدأت بحركة إيد في إشارة مرور، بقت هي القضية التي هزت الرأي العام ووقعت  أكبر عصابات الخطف، الناس دي مكنوش بيقطــ.ـعوهم ويبيــ.ـعوهم لا كانوا بيدوروا على ناس زي الدكتور يشتــ.ـروا العيل كامل  على بعضه ودي طريقة جديدة هتكسبهم أكتر.

طبعا الدكتور لما عرف إننا بندور وراه كان لازم يعمل أي حاجة عشان يخبي السر ده، وبناء عليه الشرطة أمرت بحبـ.ـــسه ومحاكــ.ــمته.

بعد أسبوع من التحقيقات والوصول للبصمات الوراثية الحقيقية لـ حلا،  والبحث في حالات الاختـ.ـفاء والاختـ.ـطاف. قدرت الشرطة توصل لأسرتها .. أسرة كانت عايشة في كابوس البحث عنها من أكتر من سنتين

كنت واقفة أنا وحسن في صالة الاستقبال بالمديرية لما دخل الأب والأم. الأم كانت بتجري ودموعها نازلة بغزارة أول ما شافت حلا قاعدة على الكرسي.

الأم اترمت على الأرض قدامها وقعدت تبكي وتضمها.. حلا في الأول كانت متجمدة،  وكأنها ناسية أو مش مجمعة مين دي

لكن الأم مسكت وش حلا بين إيديها، وبدأت  تقولها أنا ماما يا حلا ..
في اللحظة دي.. عيون حلا اتفتحت على وسعها، دموعها نزلوا فجأة، ورمت نفسها في حضن أمها بقوة وهي بتشم ريحتها.. مشهد هز كل الموجودين وقتها.

كنت واقفة بعيد، ساندة على كتف حسن وأنا بدمع من الفرحة.. حسيت إن التمن اللي دفعناه والخوف اللي عيشناه كان يستاهل كل لحظة.

فجأة.. حلا سابت حضن أمها ببطء.
التفتت وبصت لينا.. مشيت بخطوات ثابتة ناحيتي، ووقفت قدامي.
رفعت إيدها الصغنونة، ومسكت إيدي..

ورفعت صوابعها وعملت نفس الحركة اللي بدأت بيها كل حاجة في الليلة الضلمة إياها.. فتحت كفها وضمت صوابعها على إبهامها..
لكن المرة دي.. مكنتش إشارة استغاثة.
المرة دي ضغطت على إيدي بقوة، وابتسمت ابتسامة صافية طالعة من قلبها، ونطقت لأول مرة من سنتين بصوت مسموع:

شكرًا.

أتنهدت براحة وأنا ببتسم لها والدموع مغرقة وشي.. وفي اللحظة دي بس، عرفت إن الكابوس انتهى.. وإن حلا أخيرًا رجعت لحياتها
      تمت بحمد الله 
تعليقات



<>