رواية مهرة في عرين القحطاني الفصل التاسع عشر19 بقلم اماني سيد

رواية مهرة في عرين القحطاني بقلم اماني سيد
 رواية مهرة في عرين القحطاني الفصل التاسع عشر19 بقلم اماني سيد 
جلست مهرة بجوار والدتها بثقة وهدوء، وأسندت حقيبتها الصغيرة إلى جوارها، ثم أخذت تتأمل القاعة دون أن تمنح نظرات الحاضرين أي اهتمام. كانت تشعر بعيونهم تلاحقها، وتسمع همساتهم المتقطعة، لكنها قررت ألا تلتفت إلى أيٍّ منها، وكأنها لم تعد ترى في الأمر ما يستحق الانشغال به.
كلما اقتربت منها إحدى السيدات لتسلم عليها، كانت تبادلها السلام بابتسامة خفيفة وفتور مهذب، ثم تعود إلى جلستها دون محاولة لفتح حديث أو معرفة ما يدور خلف ظهورها. لم تكن تنتظر إعجاب أحد، ولم تعد بحاجة إلى إثبات جمالها أو الدفاع عن شكلها أمام الناس.
لكن وسط ذلك الهدوء، تسللت إلى ذاكرتها صورة قديمة، فأخذتها إلى يوم آخر، في فرح آخر، كانت تجلس فيه بالطريقة نفسها تقريبًا، لكن الفارق بين مهرة الأمس ومهرة اليوم كان أكبر من أن يُقاس بتغير ملامحها أو رشاقة جسدها.
تذكرت يوم حضرت إحدى حفلات الزفاف قبل سنوات، حين كانت لا تزال ممتلئة، وجلست على أحد المقاعد تحاول أن تستمتع بالفرح مثل بقية الفتيات. لم تكن قد آذت أحدًا، ولم تفعل شيئًا يستدعي السخرية، ومع ذلك لم تسلم من ألسنة الحاضرين.
اقتربت منها إحدى السيدات، وتأملتها من رأسها إلى قدميها، ثم قالت بصوت سمعه من حولها:
- إيه يا بنتي، إنتِ واخدة المكان لوحدك ليه؟ وسعي شوية عشان الناس تعرف تقعد!
تعالت ضحكات بعض الجالسات، بينما حاولت مهرة أن تبتسم وكأنها لم تتأثر، ثم انكمشت في مقعدها وأزاحت حقيبتها من جوارها، رغم أن المكان كان يتسع للجميع.
ولم تكتفِ المرأة بذلك، بل راحت تتحدث مع أخرى وهي تنظر إلى مهرة بطرف عينها، ثم قالت متعمدة أن يصل صوتها إليها:
- يا بنتي إنتِ لسه صغيرة على الجسم ده! أمال لما تتجوزي وتخلفي، حجمك هيبقى إزاي؟! ده إنتِ هتحتاجي كرسيين لواحدك!
انطلقت ضحكات جديدة، وشاركتها بعض النساء التعليقات، بينما ظلت مهرة صامتة، تحاول إخفاء دموعها عن الجميع. يومها لم تكن تعرف كيف ترد، ولا كيف تجعلهم يدركون أن كلماتهم تؤلمها، فاختارت الصمت، وقضت بقية الحفل تتمنى لو استطاعت الاختفاء من المكان كله.
كانت تعود إلى البيت وهي تتذكر كل كلمة، وتقف أمام المرآة طويلًا، تتساءل لماذا يستسهل الناس جرحها، ولماذا يتعاملون مع جسدها وكأنه حق مشاع لهم، يعلقون عليه ويسخرون منه دون أن يفكروا في أثر كلماتهم على قلبها.
عادت مهرة إلى الحاضر على صوت والدتها وهي تسألها:
- مالك يا حبيبتي؟ سرحانة في إيه؟
التفتت إليها مهرة، ثم ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت:
- مفيش يا ماما، افتكرت بس حاجات قديمة.
ربتت أمها على يدها، ثم تأملت ملامحها بحنان، وكأنها أدركت أن وراء ذلك الهدوء حكايات كثيرة لم تنتهِ آثارها بعد.
أما مهرة، فعادت بعينيها إلى القاعة، حيث كانت إحدى السيدات تهمس لصديقتها وهي تشير إليها خفية، ثم التفتت إليها مبتسمة ابتسامة متكلفة، واقتربت منها لتلقي التحية.
بادلتها مهرة السلام ببرود مهذب، ثم أنهت الحديث سريعًا وعادت إلى جلستها، دون أن تسألها عن سبب دهشتها أو تحاول انتزاع كلمة إعجاب منها.
لم تعد تلك الفتاة التي تظل طوال الليل تفكر في تعليق عابر، ولا التي تتمنى رضا الناس عنها مهما كلفها ذلك من وجع. لقد تغير جسدها، نعم، لكنها أدركت أن التغيير الأهم كان في داخلها؛ فلم تعد ترى نفسها أقل من أحد، ولم تعد تسمح لنظرة أو كلمة بأن تحدد قيمتها.
وفي داخلها، ابتسمت وهي تتذكر تلك المرأة التي سخرت منها يومًا، ثم قالت لنفسها بهدوء:
كم كنت أتمنى وقتها أن أملك هذه الثقة، لا هذا الجسد فقط. واليوم، حتى لو عادوا إلى سخريتهم، فلن أكون أنا الفتاة نفسها التي جلست تبكي في صمت.
ثم رفعت رأسها، وأسندت ظهرها إلى المقعد براحة، وعادت لمتابعة الحفل وكأنها واحدة من الحاضرين لا أكثر، تاركة الآخرين يتساءلون عن هويتها ويتبادلون الإعجاب بمظهرها، بينما لم يعد رأيهم فيها يعني لها شيئًا.
شعرت مهرة بالحاجة إلى الابتعاد قليلًا عن ضجيج القاعة ونظرات الحاضرين، فاستأذنت والدتها وأخبرتها أنها ستعود إلى المنزل لتبدل ملابسها وتستريح قليلًا، ثم ترجع قبل انتهاء الحفل. كانت قد بدأت تشعر بالضيق من الفستان والطرحة، وأرادت أن تأخذ حمامًا سريعًا وتستعيد هدوءها بعيدًا عن الزحام.
خرجت من القاعة متجهة إلى المنزل ، لكنها فوجئت بزيدان يقترب منها بخطوات مترددة، ثم وقف أمامها على مسافة مناسبة.
- مهرة، ممكن أتكلم معاكي دقيقتين؟
نظرت إليه باستغراب، ثم أجابته بهدوء:
- خير يا زيدان؟
تنفس بعمق، وكأنه كان يجمع شجاعته منذ فترة طويلة، ثم قال:
- أنا آسف يا مهرة.
عقدت حاجبيها قليلًا، وسألته بفتور:
- على إيه؟
أطرق برأسه لحظة، ثم رفع عينيه إليها وقال بصدق:
- على الطريقة اللي اتكلمت بيها معاكي آخر مرة. أنا عارف إنك مش بتحبيني، وإن اللي كان بينا زمان مجرد كلام من أهلينا، ومش من حقّي أزعلك أو أجرحك بكلمة. أنا وقتها كنت عايز أوضح لهم إن في بنت تانية في حياتي، وإن عندي مواصفات معينة بدور عليها في شريكة حياتي، لكن ده مش معناه إني بعيب فيكي، والله أبدًا يا مهرة.
ظلت تستمع إليه دون مقاطعة، بينما تابع هو بنبرة أكثر هدوءًا:
- إنتِ بنت مليون واحد يتمناكي، وأنا مش بقول كده مجاملة، لكن أنا كنت بدور على واحدة تفهمني، نكون عارفين بعض، وبيننا تفاهم من البداية. واحدة أكون مرتاح معاها وتكون مرتاحة معايا، مش مجرد جوازة اتفق عليها أهلنا وخلاص. كان المفروض أوضح ده من غير ما أجرحك أو أخليكي تحسي إن فيكي حاجة غلط.
سكت قليلًا، ثم أضاف:
- أنا مش بطلب منك تنسي اللي حصل، ولا حتى تسامحيني دلوقتي، بس مكنتش عايز أفضل في نظرك الشخص اللي قلل منك. أنا غلطت في الطريقة، وحقك عليا.
تأملت مهرة ملامحه للحظات، ولم تستطع إنكار أن اعتذاره جاء مختلفًا عما توقعته. لم يحاول تبرير إهانته أو إلقاء اللوم عليها، بل اعترف بخطئه بوضوح.
قالت مهرة بهدوء:
- ومين قالك إني ماحبتكش يا زيدان؟
توقف زيدان عن الحركة، واتسعت عيناه وهو ينظر إليها بصدمة، وكأنه لم يتوقع أن يسمع منها تلك الكلمات أبدًا.
- إنتِ... إنتِ كنتِ بتحبيني؟
لم تستطع مهرة التماسك أكثر، فضحكت وهي تلوح بيدها قائلة:
- ماتتخضش كده، أنا بهزر معاك!
تنفس زيدان براحة، ثم ابتسم رغم إحراجه، بينما تابعت مهرة بنبرة أكثر جدية:
- أنا كمان ليا مواصفات معينة في شريك حياتي، وإنت برضه يا زيدان مش فيك المواصفات دي، وده مش عيب فيك ولا فيا. إحنا ببساطة مش مناسبين لبعض، ومش معنى إني كنت متضايقة من كلامك إن كنت مستنياك تحبني أو تختارني.
أطرقت قليلًا قبل أن تتابع:
- ومنكرش إني اتضايقت وقتها، خصوصًا إن الكلام اتقال قدام الناس، وحسيت إنك بتقلل مني وبتتكلم عني كأني أقل من غيري. بس خلاص، حصل خير، وأنا مش عايزة أفضل شايلة في قلبي من حد حاجة.
ابتسم زيدان بامتنان، وقد بدا عليه الارتياح لأنه استطاع أخيرًا الاعتذار لها دون أن يتحول الحديث إلى خلاف جديد.
- شكرًا يا مهرة إنك تفهمتيني، وصدقيني أنا فعلًا مكنتش أقصد أجرحك.
- خلاص يا زيدان، اعتذارك وصل، وربنا يتمملك على خير ويسعدك مع مراتك، وإن شاء الله تلاقي معاها كل اللي بتتمناه.
شكرها مرة أخرى، ثم تركها تتابع طريقها إلى المنزل، وقد شعر أن عبئًا ثقيلًا قد أزيح عن صدره.
أما مهرة، فواصلت سيرها وهي تفكر في أن بعض المواقف لا تحتاج إلى انتقام أو رد اعتبار أمام الناس؛ يكفي أن يتعلم الإنسان ألا يسمح لأحد بأن يجعله يشعر بأنه أقل قيمة من غيره. 
دخل يزيد قاعة الفرح، وأخذ يتلفت باحثًا عن عتمان، فقد جاء تنفيذًا لدعوته، وهو يعلم أن هذه الليلة قد تكون بداية الطريق الذي خطط له طويلًا، إذ سيعلن عتمان خطبته من مهرة أمام الجميع. لكن قبل أن يتحرك نحوه، وقعت عيناه على صفوان الذي كان يقف بالقرب من المدخل، فابتسم له ابتسامة عابرة، غير أن صفوان اكتفى بنظرة باردة، ثم أشاح بوجهه عنه تمامًا، وكأن وجوده لا يعنيه في شيء.
لم يكن لديه وقت ليضيعه مع يزيد، ولا رغبة في مجاملته، فكل ما شغل تفكيره في تلك اللحظة هو مهرة، التي لمحها تتجه نحو الخارج بعدما انتهت من حديثها مع زيدان.
أسرع خلفها، حتى رآها تخرج من القاعة وتتجه نحو السياره. كانت قد أرهقها ما حدث في الداخل، ولم تعد ترغب في البقاء دقيقة أخرى، فهي جاءت لتواجه والدها، لكنها لم تكن مستعدة لخوض المعركة معه أمام الجميع.
فتحت باب سيارتها وجلست خلف المقود، وما إن همّت بإدارة المحرك حتى فُتح باب المقعد المجاور، وجلس صفوان بجوارها بكل هدوء.
التفتت إليه بدهشة، ثم قالت بضيق مصطنع:
- إنت بتعمل إيه هنا؟
ابتسم وهو يربط حزام الأمان، ثم أجاب ببساطة:
- هوصلك.
- شكرًا، أنا عارفة أروح لوحدي.
- وأنا عارف إنك عارفة، بس أنا عايز أوصلك.
- يا صفوان، من فضلك، انا مرهقه حدا واليوم لسه طويل .
نظر إليها للحظات، ثم فتح الباب ونزل من السيارة، فظنت أنه قرر أخيرًا أن يتركها وشأنها، لكنها فوجئت به يلتف حول السيارة ويفتح بابها من جهة السائق.
- انزلي يا مهرة.
عقدت حاجبيها باستنكار.
- نعم؟!
- انزلي، أنا اللي هسوق.
- إنت اتجننت؟ دي عربيتي!
ضحك رغمًا عنه، ثم قال:
- عارف إنها عربيتك، وعارف كمان إنك هتفضلي تجادليني لحد الصبح لو فضلت قاعد جنبك. انزلي بقى يا ستي، عايزك فر موضوع مهم .
لم تستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور على شفتيها، لكنها أخفتها سريعًا، ثم نزلت من السيارة وجلست في المقعد المجاور، بينما استقر هو خلف المقود وانطلق بها بعيدًا عن قاعة الفرح.
ظل يقود في صمت، حتى وصل إلى طريق هادئ خالٍ تقريبًا من المارة، فتوقف على جانب الطريق وأطفأ المحرك.
التفتت إليه مهرة باستغراب.
- إنت وقفت هنا ليه؟
نظر إليها طويلًا، ثم قال بصوت هادئ يحمل من الجدية ما جعلها تتوقف عن التذمر:
- عشان عندي كلمتين عايز أقولهم، وبعدها اعملي اللي إنتِ عايزاه.
لم تجبه، فمد يده وأمسك يدها برفق، يتأمل أصابعها للحظات قبل أن يرفع عينيه إلى وجهها.
- إنتِ حلوة أوي يا مهرة... زمان كنتِ حلوة، ودلوقتي حلوة، وأنا بحبك من زمان. فاهمة يعني إيه من زمان؟ يعني قبل ما تخسي، وقبل ما الناس كلها تبصلك وتتكلم عن جمالك، وقبل ما تبقي البنت اللي الكل بيتمنى يلفت نظرها. أنا حبيتك وإنتِ زي ما إنتِ، بضحكتك، بعنادك، وبكل حاجة كنتِ إنتِ شايفاها عيب في نفسك.
ارتجفت أصابعها داخل يده، لكنها أبقت عينيها معلقتين بالطريق أمامها، تخشى أن تفضح نظراتها ما تحاول إخفاءه.
تابع صفوان، وقد بدا وكأنه قرر أخيرًا أن يخرج كل ما احتفظ به في قلبه لسنوات:
- لما عرفت إنهم ناويين يجوزوكي زيدان، بطلت أروح البلد. مكنتش قادر أشوفك وأنا عارف إنك هتبقي لواحد غيري، ومكنتش عايز أوجع نفسي كل مرة أشوفك فيها. وبعدها ارتبطت برشا، كانت مناسبة ليا، وبنشتغل مع بعض، وقلت يمكن أقدر أبدأ معاها حياة طبيعية، وأبطل أفكر فيكي.
توقف لحظة، ثم ابتسم ابتسامة باهتة.
- بس مقدرتش. إحنا حاولنا، لكن لا عرفنا نقرب من بعض بجد، ولا قدرنا نحب بعض بالطريقة اللي المفروض تكون بين اتنين ناويين يكملوا حياتهم سوا. وفي الآخر سيبنا بعض بهدوء، وكل واحد راح لحاله.
ضغط على يدها برفق، مستعيدًا ذكرى ذلك اليوم الذي قلب الأمور بينهما.
- أما يوم ما رشا اتصلت بيا، فهي كانت منهارة من العياط. أبوها جتله ذبحة صدرية، وكان في حالة خطيرة، وهي كانت مرعوبة عليه. عمها وابن عمها وكل قرايبها كانوا مسافرين، ومكنش معاها حد، وكانت خايفة أبوها يموت وهي لوحدها. روحتلها المستشفى، وفضلت معاها لحد ما اطمنت عليه، وبعدها روحت أطمن عليه في البيت. ده كل اللي حصل يا مهرة، والله ما كان بيني وبينها أي حاجة تانية، ومن يومها ما كلمتهاش ولا شوفتها تاني.
ظلت مهرة صامتة، تنظر إلى يده التي تحتضن يدها، بينما تتزاحم في صدرها مشاعر متناقضة. جزء منها كان يريد أن يصدقه ويغلق صفحة الشك التي عذبتها، وجزء آخر كان يعاتبه لأنه تركها تواجه مشاعرها وحدها، من غير أن تعرف حقيقة ما يجري في قلبه.
لاحظ شرودها، فرفع يدها إلى شفتيه وقبّلها برفق، ثم قال بصوت خافت:
- بصيلي يا مهرة.
التفتت إليه أخيرًا، فوجدته ينظر إليها بعينين امتلأتا بمشاعر لم يحاول هذه المرة أن يخفيها.
- أنا لما بعدت، مكنش قصدي أتجاهلك ولا أوجعك. أنا كنت بدور على حل أبعد بيه يزيد عن طريقك، وفضلت أحاول لحد ما لقيت السبب القوي اللي يخلّصك منه من غير ما أضطرك تدخلي في مشاكل مع أبوكي. والله ما كنت عايز أسيبك للظروف، ولا كنت مستعد أشوفك بتضيعي من إيدي وأنا واقف أتفرج.
تأملته مهرة لثوانٍ، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة لم يستطع تفسيرها في البداية، قبل أن تقول بهدوء:
- ومين قالك إني كنت محتاجة سبب أصلًا عشان أسيبه؟ أنا أصلًا سبته.
ظل ينظر إليها لحظة، وكأنه يحاول التأكد من أنه سمع كلامها بصورة صحيحة، ثم انفجر ضاحكًا بصوت عالٍ، حتى اضطرت إلى الابتسام رغم محاولتها التظاهر بالجدية.
- سبتيه إزاي يا مهرة؟! وإمتى؟! ويزيد موجود أصلًا، وأنا لسه داخل الفرح لاقيت يزيد قدامي!
رفعت كتفيها بلا مبالاة مصطنعة، وقالت:
- يزيد جه عشان بابا عزمه، مش أكتر. أما موضوع الخطوبة، فده انتهى من ناحيتي. أنا قلت ليزيد إني مش موافقة، ومش هتجوز واحد أنا مش عايزاه لمجرد إن بابا قرر كده.
اختفت ضحكته تدريجيًا، وحل محلها ذهول ممزوج بفرحة لم يستطع إخفاءها. اقترب منها فجأة، وضمها إلى صدره، محيطًا إياها بذراعيه وكأنه يخشى أن تكون كلماته قد جاءت في حلم سينتهي بمجرد أن يفتح عينيه.
- بجد يا مهرة؟ إنتِ بتتكلمي بجد؟
ضحكت وهي تستند برأسها إلى صدره، ثم رفعت وجهها إليه وقالت:
- بجد.
ابتعد قليلًا ليتأمل وجهها، وكأن تلك الكلمة وحدها أعادت إليه سنوات من الأمل ظن أنه فقدها.
ابتسمت مهرة، ثم أضافت بثبات:
- وأنا جاية النهارده ومستعدة عشان أواجه بابا. مش هسمح لحد يقرر حياتي مكاني تاني، ولا هقبل أتجوز عشان أرضي حد على حساب نفسي. أنا عارفة أنا عايزة إيه، ومستعدة أتحمل نتيجة قراري.
نظر إليها صفوان بإعجاب، ثم مرر يده على شعرها برفق.
- وأنا مش عايز منك غير إنك تفضلي كده، قوية وعارفة قيمة نفسك. بس اسمحيلي أكون جنبك المرة دي، مش هسيبك تواجهي الدنيا لوحدك.
ابتسمت له، وقد ذابت بقايا العتاب في قلبها أمام صدقه ودفء احتضانه، ثم قالت بمشاكسة خفيفة:
\- جنبّي بس يا صفوان، مش قدامي ولا مكاني.
ضحك وهو يقبّل جبينها.
\- جنبك يا ستي، ولحد آخر العمر كمان، لو إنتِ موافقة.
نظرت إليه طويلًا، ثم أراحت رأسها على كتفه من جديد، تاركةً للصمت أن يقول ما عجزت الكلمات عن التعبير عنه. وللمرة الأولى منذ شهور، لم تشعر مهرة بأنها مضطرة إلى الهرب من مشاعرها أو الاختباء خلف كبريائها؛ فقد عرفت أخيرًا أن قلبها لم يكن وحده الذي ينتظر هذه اللحظة.
ابتعدت مهرة عن صدر صفوان أخيرًا، ثم نظرت إلى ساعة يدها، لتنتبه إلى أنها ابتعدت عن قاعة الفرح وقتًا أطول مما كانت تنوي.
- يلا بقى يا صفوان، عشان متأخرش. وصلني وارجع تاني، وأنا هاجي لوحدي عشان محدش يتكلم أو ياخد باله إننا جينا سوا.
تبدلت ملامحه إلى اعتراض واضح، وشبك أصابعه بأصابعها وكأنه يرفض حتى فكرة أن يترك يدها.
- أرجع تاني ليه؟ ما أنا ممكن أستناكي ونرجع سوا.
- يا صفوان، مش ناقصة كلام الناس، 
- حاضر، هوصلك دلوقتي، وبعدها نبقى نشوف حكاية الرجوع دي.
هزت رأسها بيأس من عناده، بينما أعاد تشغيل السيارة وانطلق بها نحو منزلها. وطوال الطريق، لم يترك يدها إلا حين اضطر إلى تغيير سرعة السيارة، ثم سرعان ما كان يعود ليمسكها من جديد، يمرر إبهامه فوق أصابعها بحنان، ويرفع يدها إلى شفتيه ليطبع عليها قبلة بين الحين والآخر.
ضحكت مهرة وهي تنظر إليه بطرف عينها.
- إنت هتفضل تعمل كده لحد ما نوصل؟
- آه.
- انت متأكد انك صفوان اللى كنت بخاف منه ؟! انت بتكثفنى اوى يا صفوان 
ابتسم صفوان 
ـ أه انا صفوان بس معاكى ببقى واحد تانى غير اللى الناس تعرفه ولسه يا مهره لما نرتبط رسمى وقتها هتلاقى صفوان جديد خالص انتى ماتعرفهوش 
ابتسمت وهي تخفض عينيها، محاولة إخفاء سعادتها التي باتت تظهر على وجهها رغمًا عنها.
كان صفوان كلما اقترب من منزلها شعر بأنه لا يريد للطريق أن ينتهي، وكأن تلك الدقائق القليلة التي جمعتهما بعيدًا عن الجميع لم تكن كافية لتعويض سنوات من البعد والحرمان. وحين توقفت السيارة أمام المنزل، ظل ممسكًا بيدها، ينظر إليها وكأنه ينتظر منها أن تمنحه إذنًا بالبقاء معها قليلًا آخر.
سحبت مهرة يدها برفق، وقالت وهي تفتح الباب:
- وصلنا يا صفوان.
- عارف إننا وصلنا، بس مش معنى كده إنك تنزلي وتسيبيني كده.
- هخلص وأرجع، متقلقش.
راقبها وهي تدخل المنزل، وظل مكانه للحظات يتأمل الباب الذي أغلقته خلفها، ثم أسند رأسه إلى المقعد وأطلق زفرة طويلة، وقد شعر للمرة الأولى منذ وقت طويل أن الدنيا بدأت تعطيه شيئًا من الأمل الذي انتظره.
أما مهرة، فما إن دخلت غرفتها حتى خلعت حذاءها وألقت بنفسها على السرير، تفرد جسدها فوقه براحة، وقد أنهكها الوقوف طوال الوقت في الفرح، إلى جانب التوتر الذي صاحبها منذ لحظة دخولها القاعة.
أغمضت عينيها لدقائق، تستعيد حديثها مع صفوان، وابتسامته حين أخبرته بأنها أنهت علاقتها بيزيد. لم تستطع منع ابتسامتها من الظهور، فقد كان منظر الفرحة في عينيه كافيًا ليجعلها تنسى جزءًا كبيرًا من تعبها.
لكنها لم تسمح لنفسها بالاسترخاء طويلًا؛ إذ نهضت بعد قليل، ودخلت الحمام لتغسل وجهها وتنعش نفسها، ثم عادت لتعدل حجابها وتصلح ما أفسده الوقت من مكياجها. وقفت أمام المرآة تتأمل هيئتها، ثم رفعت ذقنها بثقة.
لم تعد تلك الفتاة التي تخشى مواجهة الآخرين، ولم تعد بحاجة إلى إثبات جمالها لأحد. الليلة ستواجه والدها، وستقول ما تريد قوله بوضوح، مهما كانت ردة فعله.
التقطت حقيبتها، وتوجهت نحو الباب، وما إن خرجت من المنزل حتى فوجئت بسيارة صفوان لا تزال متوقفة في مكانها.
توقفت للحظة، ثم اقتربت منه وطرقت على زجاج النافذة. فتح لها الباب، فمالت نحوه تسأله باستغراب:
- إنت مرجعتش ليه؟
ابتسم صفوان وهو يفتح لها باب السيارة.
- كنت بريح في العربية ومستنيكي تخرجي عشان أوصلك.
نظرت إليه بعدم تصديق.
- يعني إنت فضلت قاعد هنا كل الوقت ده؟
- أيوه، عندك اعتراض؟
- يا صفوان، أنا قولتلك هاجي لوحدي!
- وأنا سمعتك، بس غيرت رأيي. الطريق فاضي، والكل في الفرح، ومش هسيبك تروحي لوحدك وأنا موجود.
تنهدت مهرة، وقد أدركت أنها لن تستطيع إقناعه بالعدول عن قراره، ثم ركبت السيارة وهي تتمتم:
- إنت عنيد بشكل مستفز، على فكرة.
جلس خلف المقود، والتفت إليها بابتسامة واسعة.
- عارف، بس إنتِ بتحبيني كده.
احمر وجهها قليلًا، فالتفتت إلى النافذة حتى لا يرى ابتسامتها، بينما انطلق بها عائدًا إلى قاعة الفرح.
وحين وصلا، ترجل صفوان أولًا، ثم فتح لها الباب ومد يده إليها. ترددت مهرة للحظة، تتذكر أنها كانت تريد الدخول بمفردها حتى لا تثير الشكوك، لكنه نظر إليها بثبات وقال:
- تعالي يا مهرة، كفاية بُعد لحد كده.
وضعت يدها في يده، وترجلت من السيارة، ثم سارا معًا نحو مدخل القاعة.
كانت الموسيقى لا تزال تصدح في الداخل، والضيوف منشغلين بالاحتفال، بينما كان يزيد قد بدأ يبحث عن عتمان ليعرف متى سيعلن خطبته من مهرة. لم يكن يتخيل أن الفتاة التي جاء من أجلها قد اتخذت قرارها بالفعل، وأنها عائدة إلى القاعة برفقة الرجل الذي أحبها طويلًا، مستعدة لأن تواجه الجميع وتختار حياتها بنفسها.
أما صفوان، فكان يسير بجوار مهرة ممسكًا بيدها، غير راغب في إخفاء سعادته، بينما رفعت هي رأسها بثقة، وقد حسمت أمرها أخيرًا؛ فما ينتظرها داخل القاعة لن يكون سهلًا، لكنها هذه المرة لن تتراجع عن قرارها.
انتهى الفرح، وبدأ المدعوون في المغادرة، بينما كان عتمان يجلس بوجه متجهم وملامح تنطق بالغضب. فقد أخبره يزيد أن مهرة رفضته، وأنها أبلغته بوضوح أنها لا تريد الزواج منه، وهو ما اعتبره عتمان إهانة لقراره أمام الناس، خاصة أنه كان ينوي إعلان خطبتهما في تلك الليلة.
أما مهرة، فكانت تتصرف بهدوء، وكأنها لم تفعل شيئًا يستحق كل هذا الغضب، بينما ظل صفوان يراقب عتمان بحذر، مدركًا أن المواجهة الحقيقية ستبدأ بمجرد عودتهم إلى المنزل.
وبعد انتهاء الفرح، تبادل صفوان النظرات مع والده جاسر، واتفقا دون حاجة إلى كثير من الكلام على ألا يتركا مهرة وحدها في مواجهة غضب أبيها. اقترب جاسر من عتمان وقال بهدوء:
\- إيه رأيك نروح معاك ونبات عندك الليلة؟ بقالنا كتير ما قعدناش مع بعض.
لم يعترض عتمان، رغم أن الغضب كان لا يزال يسيطر عليه، فتحرك الجميع نحو المنزل، وصفوان يسير بجوار مهرة، يطمئنها بنظرة هادئة أنه لن يتركها تواجه ما ينتظرها بمفردها.
كانت مهرة تجلس بجانب خديجه فى السياره وتمسك يدها محاوله اخفاء توترها فهى تعلم أن الليله سوف تبدأ الآن تعرف أن والدها لن يمرر رفضها بسهولة، لكنها حسمت أمرها، ولن تتراجع هذه المرة مهما حدث.
شعرت خديجه بما تشعر به مهره وشدت على يدها دون أن تتحدث كأنها تخبرها أنا بجانبك وصلوا البيت ودخلوا كلهم 
ولسه مهره هتطلع شقتها وقفها عتمان 
تعليقات



<>