رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الحادي والثلاثون31 بقلم ليلي طاهر

رواية نارين بين الحب والوجع بقلم ليلي طاهر 
رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الحادي والثلاثون31 بقلم ليلي طاهر
اخترقت الرصاصة الفراغ بدقة متناهية، لتستقر مباشرة في الفازة الكريستالية الثمينة التي كانت تقف على الرف خلف بهاء، محوّلةً إياها في ثانية واحدة إلى شظايا متناثرة، دوّى صوت تحطمها في أرجاء الغرفة الساكنة.
انقبضت حدقتا بهاء للحظة خاطفة، لكنه سرعان ما استجمع ثباته بجهد جهيد. عدّل وقفته، ورفض أن يُظهر أي ارتعاش في جسده، بل رسم على ملامحه قناعًا من الجمود التام. هبطت قطرة عرق باردة من جبينه، حاول تجاهلها، بينما ظلت عيناه مثبتتين على فوهة المسدس التي انبعث منها خيط رفيع من الدخان الرمادي.

أما صابر، فلم تتحرك ملامحه، ولم تظهر عليه أي علامة تأثر. رفع المسدس إلى مستوى فمه، ونفث الدخان المتصاعد من فوهته ببرود قاتل، ثم لوى شفتيه بابتسامة ساخرة، وهو يتأمل محاولة بهاء المستميتة لإظهار التماسك.

وضع السلاح داخل جيب سترته بتمهل، وقال بنبرة خفيضة خالية من الانفعال:

«أنا أقدر أخلص عليك في أي وقت يا بهاء.. بس أنا مش هعمل كده.. عارف ليه؟ عشان الموت راحة للي زيك.. وأنا مش عايز أريحك.»

تحرك صابر بخطوات بطيئة وهادئة، وعاد إلى خلف مكتبه. ألقى الملف الجلدي الأسود على سطح المكتب، فاستقر في منتصفه، ثم دفع بالقلم الفاخر إلى جواره.

التفت بهاء بكبرياء مجروح، ونظر إلى الملف دون أن يمد يده لفتحه، ثم سأل بنبرة جافة صارمة تليق بنفوذه:

«إيه طبيعة المستندات دي يا صابر؟ وعايزني أمضي على إيه بالظبط؟»

أرجع صابر ظهره إلى الخلف بتمهل، واستند بكامل ثقله إلى الكرسي الجلدي، ثم شبك أصابع يديه ووضعهما خلف رأسه في استرخاء تام. بعد ذلك، رفع ساقيه ووضعهما فوق سطح المكتب، واضعًا رجلًا فوق الأخرى في برود مستفز.

ظل يتطلع إلى بهاء بعينين باردتين تحملان استخفافًا مطلقًا، وأجاب بنبرة متهكمة:

«ماعنديش مانع إنك تشوفه وتعرف اللي فيه.. افتحه واقرأ.. مع إنه مش هيفرق كتير، لأنك كده كده هتمضي.»

خطا بهاء نحو المكتب بخطوات رصينة، وامتدت أصابعه المتماسكة ليفتح الملف ويطّلع على محتوياته. لكن ما إن وقعت عيناه على السطور الأولى، حتى تلاشت كل ذرة جمود حاول رسمها؛ شحب وجهه تمامًا، وتراجع إلى الخلف بذعر أفقده وقاره، وهو يهز رأسه رافضًا، ويصيح بنبرة حادة مشحونة بالصدمة:

«لا يا صابر... مستحيل! كله إلا ده.. أنا مستحيل أمضي على الكلام ده! أنت مجنون؟! مش بهاء اللي يتلوّي دراعه ويتجبر على حاجة زي دي!»

لم يغيّر صابر وضعية جلوسه المسترخية، وظلت عيناه مثبتتين على ملامح بهاء الثائرة ببرود تام، ثم سأله بسخرية مفاجئة:

«صحيح يا بهاء.. هو ابنك شاكر فين صحيح؟ بقالي مدة مشوفتهوش.. وحشني والله.»

انتفض بهاء وكأن صعقة كهربائية أصابته، وصاح بنبرة متوترة يغلب عليها الذعر:

«مالك بشاكر؟! شاكر ملوش دعوة بحاجة.. هو مسافر في شغل برة.. حسابك معايا أنا يا صابر.. حسابك معايا أنا!»

مدّ صابر يده بهدوء، دون أن ينزل قدميه عن المكتب، والتقط هاتفه المحمول. فتح تطبيق «إيمو»، وأجرى مكالمة فيديو مع الرجل الذي يراقب شاكر في الخارج.

لم تمر سوى لحظات حتى ظهر وجه غريب على شاشة الهاتف، فقال بطاعة واختصار:

«أيوة يا بَص..»

انحنى صابر بجسده إلى الأمام قليلًا، وعيناه الصقريتان تخترقان وجه بهاء، وقال بكلمات قليلة حاسمة:

«غريب.. وريني ابنك حالًا.»

أجابه غريب من الطرف الآخر دون تردد:

«ثواني يا باشا.»

ثم حرّك الهاتف الذي يحمله، ووجّه الكاميرا بعيدًا عن وجهه، لتظهر صورة المكان الذي يقف فيه.

كان غريب متخفيًا في مكان قريب من المقهى، يراقب شاكر من مسافة تسمح له بتصويره دون أن يلفت انتباهه.

وما إن ظهرت الصورة بوضوح على شاشة الهاتف، حتى انخلع قلب بهاء من مكانه، وجمدت الدماء في عروقه.

كان شاكر يجلس في مقهى مفتوح وسط الثلوج في العاصمة الروسية موسكو، في مواجهة مبنى المطابع ومصانع الورق الدولية، حيث سافر لإتمام صفقة استيراد الشحنة الجديدة لصالح دار النشر الخاصة بهم.

كان شاكر يرتشف قهوته ببرود، غير عالم بما يدور حوله، بينما كانت الكاميرا تلتقطه من مكان قريب من غريب، وتُظهر بدقة نقطة ليزر حمراء صغيرة مثبتة في منتصف صدره تمامًا، تتحرك ببطء مع أنفاسه، وتنتظر إشارة واحدة لتخترق قلبه!

أمسك صابر الهاتف، واقترب بوجهه من بهاء، ليهمس بفحيح مرعب زلزل ما تبقى من ثباته:

«غريب مستني كلمة واحدة مني دلوقتي عشان يخلي ابنك ينام في الثلج ده وميقومش تاني.. اخلص وامضي يا بهاء، بدل ما المكالمة الجاية تكون تصريح بدفن حتة منك.. ساعتها هتعرف يعني إيه تخسر أغلى ما عندك!»

تحوّل رفض بهاء وعناده إلى ذعر وهلع تام. شعر بأن جدران الغرفة تطبق على أنفاسه، ونظر إلى نقطة الليزر على صدر ابنه، ولم يجد أمامه سبيلًا آخر لإنقاذ فلذة كبده.

امتدت يده المرتعشة ليلتقط القلم بأصابع كادت لا تقوى على حمله، وانحنى بخنوع تام ليوقّع اسمه بخط مهزوز على كل ورقة في الملف، متجرعًا ذل الهزيمة النكراء.

سحب صابر الملف، وفحصه بعينين صقريتين ليتأكد من صحة التوقيعات، ثم قال باقتضاب لغريب الذي ما زال على الخط:

«خلاص يا غريب.. ارجعوا.»

داخل غرفة النوم الدافئة، خيّم صمت ثقيل لم يقطعه سوى أنفاس سيلا المتقطعة. وقفت بجانب الفراش، وعيناها معلقتان بالدكتور فكري، الذي رفع سماعته الطبية عن صدر نجاة، ثم هدأت ملامحه قليلًا بعدما اطمأن إلى استقرار نبضها.

التفت الدكتور فكري إلى سيلا، وسألها بنبرة حازمة تحمل القلق والاستفسار، وهو يضع سماعته في حقيبته:

«اهدي يا سيلا، ماما كويسة ونبضها بدأ يستقر.. بس قولي لي، إيه اللي حصل لها بالظبط قبل ما تفقد الوعي؟ زعلت من حاجة أو اتعرضت لصدمة؟»

وفي تلك الأثناء، كانت سيارة مراد تقترب من الفيلا بسرعة كبيرة، يقودها سليم، مخترقًا الشوارع المؤدية إليها في سباق مع الزمن.

كان مراد يقبض على حافة المقعد بيديه، وعيناه معلقتان بالطريق في قلق واضح، بينما يحاول سليم تهدئته وهو يتجاوز المنعطف الأخير المؤدي إلى بوابة الفيلا:

«استهدى بالله يا مراد، إحنا خلاص وصلنا.. دكتور فكري زمانه معاها دلوقتي وإن شاء الله خير.»

بالعودة إلى غرفة النوم، أغلق الدكتور فكري حقيبته وتحرك نحو الباب استعدادًا للمغادرة. همّت سيلا بالتحرك خلفه لترافقه وتوصله، لكنه التفت إليها عند الباب، وربت على كتفها بحنو قائلًا باقتضاب:

«خليكي معاها ومتسيبهاش.. أنا عارف سكتي كويس وهنزل لوحدي.»

غادر الدكتور فكري الغرفة وهبط الدرج مسرعًا، وفي اللحظة نفسها، انفتح باب الفيلا بالأسفل، ودخل مراد وخلفه سليم، وقد ارتسم القلق الجاد على وجهيهما.

ما إن لمح مراد الدكتور فكري يهبط الدرج حتى أسرع نحوه، وسأله بلهفة:

«خير يا دكتور فكري؟ طمني.. ماما مالها؟»

ربت الدكتور فكري على كتفه مطمئنًا إياه، وقال بهدوء:

«اهدا يا مراد، والدتك كويسة الحمد لله ومفيش أي خطورة على حياتها.. سيلا حكت لي فوق إنها عرفت موضوع عاصم، وما استحملتش الصدمة، فجالها هبوط حاد ومفاجئ في ضغط الدم خلاها تفقد الوعي.»

صمت لحظة، ثم أضاف بجدية:

«أنا هبعت لكم العلاج حالًا مع أي حد، وهي هتفوق كمان شوية. بس نصيحة من دكتور العيلة: مامتك لازم تبعد عن أي ضغط أو زعل الفترة دي.. جسمها مش مستحمل.»

أومأ مراد بجدية وامتنان، وقال:

«متشكر جدًا يا دكتور.. تعبناك معانا في وقت متأخر.»

ودّع مراد الطبيب الذي غادر الفيلا سريعًا، ثم التفت إلى سليم وقال بقلق:

«سليم.. إحنا لازم نطلع فوق حالًا.»

صعد مراد وسليم الدرج بخطوات سريعة، وتوجها مباشرة إلى غرفة نجاة.

ما إن انفتح الباب ودخلا، حتى التفتت إليهما سيلا، التي كانت تقف بجانب الفراش. وما إن وقعت عيناها على مراد حتى انهارت مقاومتها؛ اندفعت نحوه والدموع تنهمر من عينيها، وقبضت على قميصه، تلومه بصوت متهدج يملؤه العتاب والوجع:

«شفت يا مراد اللي حصل لماما؟! أنت خبيت علينا ليه اللي حصل لأبيه عاصم؟! ليه محدش قال لنا حاجة وتفاجئنا كده؟! ماما كانت هتروح مننا!»

استقبل مراد لومها بصمت حزين، ثم ضمها إليه برفق محاولًا تهدئتها.

تدخل سليم بسرعة، وقال بنبرة حانية:

«سيبي ماما ترتاح وتعالي معايا يا سيلا.. تعالي وأنا هفهمك كل حاجة.»

نظرت إليه سيلا بعينين مغرورقتين بالدموع، ثم أومأت موافقة، وخرجت معه بهدوء إلى الطابق السفلي.

هناك، بدأ سليم يشرح لها ما حدث بجدية، وأخبرها أن وضع عاصم الصحي أصبح أفضل، ثم أوضح لها خلفيات الموقف ومبرراتهم، محاولًا إزالة ما يملأ صدرها من خوف وغموض.

وفي هذه الأثناء، بقي مراد في الطابق العلوي، وعاد الهدوء إلى غرفة نجاة. جلس على طرف الفراش، وعيناه لا تفارقان وجه والدته، منتظرًا أن تستعيد وعيها.

وبعد لحظات، بدأت نجاة تفتح عينيها ببطء ووهن.

غمرته فرحة عارمة لرؤيتها تستعيد وعيها، فمد يده بلهفة ليمسك يدها.

لكنها سحبت يدها من يده بقوة، وأدارت وجهها إلى الناحية الأخرى، رافضة حتى النظر إليه من شدة زعلها وعتابها له.

عقد مراد حاجبيه باستغراب وحزن، وارتسم الضيق والأسى على ملامحه؛ فهو يعلم كم جرحتها حقيقة أنه أخفى عنها ما حدث.

اقترب منها أكثر، وقال بصوت خافت يملؤه الشجن:

«أنا عارف إنك زعلانة مني يا ماما.. وحقك عليا. بس والله أنا عملت كده عشان كنت خايف عليكي وعلى صحتك ومش عايز أصدِمك.. وكمان مكنتش عارف هقولك إيه!»

توقف لحظة، ثم تابع بصوت مثقل بالعجز:

«الفترة دي أنا كنت بتعذب كتير ومش عارف أتصرف إزاي ولا أروح فين. عاصم مرمي في المستشفى تحت الحراسة، وممنوع حتى إني أشوفه أو أطمن عليه، وأنا واقف عاجز مش قادر أعمل له حاجة.»

ثم أمسك يدها برفق، وتابع:

«بس الحمد لله، عاصم هيطلع براءة لأن تحليل الـDNA طلع سلبي والجثة مش لينا أصلًا.»

تأثرت نجاة بصدق كلماته، والتفتت إليه ببطء، وقد امتزجت الدموع في عينيها بالارتياح بعد أن زال عنها كابوس التهمة.

قالت بصوت واهن:

«يعني خلاص يا مراد؟ مش هيتحبس؟»

ضغط مراد على يدها بحنان، وابتسم لها رغم الدموع التي لمعت في عينيه:

«أيوه يا ماما..»

تنفست نجاة بارتياح، ثم قالت بلهفة:

«أنا عايزة أروح أشوفه يا مراد.. خدني عنده المستشفى حالًا، مش هطمن غير لما عيني تشوفه.»

قبّل مراد رأسها بحنان، محاولًا تهدئتها:

«حاضر يا أمي، والله هاخدك وتشوفيه.. بس ارتاحي دلوقتي، إحنا مش هنعرف ندخل المستشفى في الوقت ده والزيارات ممنوعة عليه حاليًا. بكرة إن شاء الله أول ما آجي من النيابة هاخدك تشوفيه وتطمني عليه بنفسك.»

ثم أضاف بثقة محاولًا بث الطمأنينة في قلبها:

«وإن شاء الله هيخف ويبقى كويس.. أنا هسفره أحسن مستشفى بره مصر فورًا عشان يتعرض على دكاترة متخصصين ويفوق ويرجع لنا بالسلامة.»

أغمضت نجاة عينيها للحظات، وتمتمت بصوت خافت وهي تتشبث بالأمل:

«يا رب يا مراد.. يا رب.»
انطلقت السيارة التي استأجرها إبراهيم في طريقها إلى القاهرة، تشق الطريق بسرعة، بينما كانت لينا تجلس في المقعد الخلفي، شاردة الذهن، لا تفكر سوى في الوصول إلى عاصم بأسرع وقت ممكن.

التفت إليها إبراهيم من حين لآخر، قبل أن يسألها بقلق:
«لينا، إنتِ معاكي بطاقتك؟»

تجمدت ملامحها للحظة، ثم هزت رأسها بالنفي، وهي تجيب بتوتر:
«لأ، أنا سيبت كل حاجة في الفيلا.»

تدخلت سعاد، التي كانت تجلس بجوارها، قائلة بقلق:
«يبقى لازم نعدّي على الفيلا الأول يا بنتي، تاخدي بطاقتك، وبعدها نروح النيابة.»

أومأت لينا موافقة، وقد ازداد توترها مع كل دقيقة تمر، فكل ما يشغلها الآن هو عاصم، والخوف من أن يكون قد أصابه مكروه لا تستطيع تداركه.

وبعد فترة، توقفت السيارة أمام الفيلا.

نزلت لينا على عجل، واتجهت نحو البوابة، ثم ضغطت جرسها عدة مرات متتالية. وما إن ظهر الحارس، حتى اتسعت عيناه بذهول، وتراجع خطوة إلى الخلف، وكأنه يرى شبحًا أمامه.

تمتم بصوت مرتجف:
«مدام لينا؟!»

لم تمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه أو طرح أي سؤال، بل اندفعت إلى الداخل، بينما أسرع هو بإبلاغ مراد وسليم بما رآه.

وما هي إلا لحظات حتى ظهر مراد، وخلفه سليم، وقد بدت الصدمة واضحة على وجهيهما.

توقف مراد أمامها، محدقًا فيها غير مصدق، قبل أن يهتف:
«لينا؟! مش ممكن.. إنتي عايشة؟! الحمد لله يا رب.. إنتي كنتِ فين؟ وكل ده حصل إزاي؟!»

قاطعته لينا بلهفة، وقد بدا نفاد صبرها واضحًا:
«مش وقت كلام يا مراد.. أنا عايزة البطاقة عشان أروح النيابة فورًا!»

ظل مراد ينظر إليها للحظات، وكأنه يحاول استيعاب حقيقة أنها تقف أمامه حية، ثم التفت نحو الداخل ونادى:
«يا تحية!»

ظهرت تحية بعد لحظات، وما إن وقعت عيناها على لينا حتى شهقت بفرحة، واقتربت منها وهي تكاد لا تصدق عودتها.

لكن لينا لم تكن تملك رفاهية التوقف طويلًا، فقالت لها بسرعة:
«أنا هطلع أجيب بطاقتي بنفسي.»

أسرعت نحو غرفتها، بينما تبادل مراد وسليم نظرات مصدومة، قبل أن يلحقا بها.

قال سليم بجدية:
«مفيش وقت نضيعه، خلينا نتحرك وراها بالعربية.»

أومأ مراد موافقًا، ثم أسرع الاثنان للاستعداد للحاق بها.

---

دخلت لينا غرفتها القديمة، وتوقفت للحظة عندما وقعت عيناها على المرآة الموجودة أمام منضدة الزينة.

بدت الغرفة كما تركتها تقريبًا، لكن كل شيء فيها صار يحمل وجعًا لا يُحتمل. مررت عينيها على المكان، قبل أن تستقر نظراتها على المرآة، فتدفقت إلى ذاكرتها ذكرى قديمة، من أيام كانت فيها الحياة أكثر دفئًا، وكان عاصم لا يزال يحتضنها بحبه.

قبل فترة...

كانت لينا تجلس أمام المرآة، تمشط شعرها، حين سمعت صوت عاصم يدخل الغرفة بعد عودته من سيارته.

لم تكد تلتفت نحوه حتى اقترب منها من الخلف، وأحاطها بذراعيه، ثم هزها برفق وهو يضمها إليه، قائلًا بحنان:
«وحشتيني أوي يا لينا.»

ابتسمت لينا، ونظرت إليه من خلال المرآة بمشاكسة:
«يا سلام؟! وأنت لحقت تنزل أصلًا؟ ده أنت مابقالكش دقيقتين يا دوب وصلت للعربية وعندك ميعاد مهم!»

ابتعد عنها قليلًا، ثم جلسها أمام منضدة الزينة، وأخذ المشط من يدها، ليبدأ في تمشيط شعرها برفق، وهو يتأمل انعكاس وجهها في المرآة.

قال بصوت هادئ، يحمل من الصدق ما جعل قلبها يخفق:
«تعرفي يا لينا.. إنتي بتوحشيني حتى وإنتي في حضني، بحس إن أنا مش عايش غير وإنتي معايا.»

تعلقت عيناها بعينيه في المرآة، وابتسامة رقيقة ارتسمت على شفتيها. كانت تحبه بكل ما فيها، وكان قربه منها يمنحها شعورًا بالأمان لا يشبهه شيء.

وضع عاصم المشط جانبًا، ثم مال نحوها وقبّلها.

كانت قبلة هادئة وعميقة في آن واحد، تدفق فيها حبهما كأنفاس متلاحقة، جعلت الزمن يتوقف حولهما، وأشعرتهما بأن العالم بأسره قد اختفى، ولم يعد هناك سوى نبضاتهما المتسارعة التي تعهدت ألا يفرق بينهما غياب أو وجع.

عادت لينا إلى الحاضر...

أغمضت عينيها بألم، وكأن الذكرى التي منحتها الدفء للحظات قد تحولت إلى سكين يغرس في قلبها. لم تعد تلك اللحظات سوى وجع يطاردها، وحنين إلى رجل لم يتوقف قلبها عن حبه، رغم كل ما فعله بها.

فتحت عينيها، ومسحت دموعها سريعًا، ثم التقطت بطاقتها من مكانها، وأسرعت إلى الخارج.

وجدت مراد وسليم في انتظارها، فخرجت معهم، وعادت إلى السيارة التي كانت تنتظرها، وانطلقوا جميعًا نحو النيابة.

---

داخل النيابة، كان ظهور لينا حيّة كفيلًا بتغيير مسار القضية بالكامل. فبعد التأكد من هويتها، سقطت تهمة قتلها عن عاصم، وصدر القرار برفع الحراسة المفروضة عليه.

وقفت لينا تستمع إلى الإجراءات، وقلبها يخفق بشدة، وقد اختلطت داخلها مشاعر الراحة والخوف والقلق على الرجل الذي جاء بها إلى هنا.

اقترب منها سليم، وقال:
«نتيجة تحليل الـDNA كانت طلعت سلبية فعلًا، وده معناه إن الجثة مش جثة لينا. بس ظهورك النهارده وفّر علينا إجراءات كتير، وساعد في إنهاء الموضوع بسرعة.»

أضاف مراد بامتنان:
«الحمد لله إنك رجعتي يا لينا. وجودك هنا فرّق كتير.»

التفتت لينا إليهما، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة مريرة، ثم قالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا:
«إنتوا معقول بتشكروني؟! بتشكروني عشان جيت أنقذ عاصم؟!»

لم تنتظر منهما إجابة، بل أشاحت بوجهها سريعًا، تحاول السيطرة على دموعها التي أوشكت على الانهمار. لم تكن بحاجة إلى شكرهما، ولم تأتِ إلى هنا انتظارًا لامتنان أحد. لقد جاءت لأنها، رغم كل ما حدث، لم تستطع أن تترك عاصم يواجه مصيره وحده.

التفتت إلى مراد، ونظرت إليه برجاء، قائلة:
«مراد.. لو سمحت، ودّيني لعاصم. عايزة أشوف عاصم حالًا!»
وصلت شاهندة إلى البيت، وجسدها يرتعش من قسوة الصدمة. وما إن خطت إلى داخل الصالة، حتى استقبلتها والدتها مديحة بنظرات قلقة، وسألتها بلهفة:

«مالك يا شاهندة؟ وشك أصفر وعينيكِ حمرا كده ليه؟ حصل إيه؟!»

تجاهلت شاهندة سؤالها، ولم تقوَ على النطق بحرف واحد، بل اندفعت بخطوات متهالكة نحو غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بالمفتاح.

وما إن أصبحت وحدها، حتى انهارت تمامًا، وارتمت على سريرها، وانخرطت في بكاء هستيري مرير، كاتمةً صرخاتها في الوسادة، بعدما أدركت أنها أضاعت نفسها بيدها، وأن ما فعلته لم يعد بالإمكان التراجع عنه.

---

توقفت السيارة أمام بوابة المستشفى، وفي غضون دقائق، كانت الخطوات تتسارع عبر الممرات نحو غرفة عاصم، حيث كانت أوامر النيابة قد نُفِّذت بالفعل، وبدأ الجنود في الانسحاب من أمام الباب.

تراجع مراد وسليم إلى الخلف بخطوات هادئة، في تفهُّم تلقائي للموقف، تاركين لها الخصوصية لتنفرد بعاصم في هذه اللحظة الحاسمة.

فتحت لينا الباب بهدوء، ودلفت إلى الغرفة الساكنة. وفور أن وقعت عيناها عليه، رأته ممددًا وسط الأجهزة والأسلاك، غائبًا عن الوعي، فشعرت وكأن الأرض تميد بها. هزّ منظره كيانها، ولم تقوَ قدماها على حملها، فاقتربت بخطوات واهنة، ثم جثت على ركبتيها بجانب الفراش.

التقطت كفّه الباردة بين يديها، وانفجرت شهقاتها المكتومة التي حاولت حبسها طويلًا.

سحبت يده ببطء، ووضعتها فوق بطنها، ثم ضغطت عليها برفق، ونظرت إلى ملامحه الشاحبة، وقالت بصوت مرتجف يغلفه الرجاء:

«فوق عشان خاطر ابننا.. ابننا يا عاصم..»

وفجأة، ارتسمت على شفتيها ضحكة خافتة، امتزجت فيها السخرية بالانكسار. صمتت لثوانٍ، غاصت خلالها في صمت موحش، وعيناها معلقتان بوجهه الغائب، قبل أن تعود وتقول بنبرة مخنوقة:

«دي المفاجأة اللي كنت محضراها ليك..»

سكتت مرة أخرى، وارتفعت غصّة مريرة من أعماقها كادت تقطع أنفاسها، ثم تابعت بوجع:

«بس مع الأسف.. إنت كسرتني وطردتني!»

توقفت للحظة، ثم رفعت يدها المرتجفة ومسحت دموعها بكمّ سترتها، وهي تشهق بوجع. اقتربت بوجهها منه أكثر، وضمت كفّه إلى خدها، وقالت بلهفة جارفة، متخليةً عن كل عتابها:

«بس مش مهم.. مش مهم أي حاجة دلوقتي.. المهم إنك تفوق وتصحى!»

ظلت ممسكة بيده، تضغط عليها وكأنها تخشى أن تفقد آخر ما يربطها به، وعيناها تتشبثان بملامحه في انتظار أي إشارة منه، حين انفتح الباب بهدوء، ودخلت الممرضة.

تقدمت نحوها بنظرة متعاطفة، لكنها حازمة، ثم قالت بصوت خفيض:

«ما ينفعش كده يا مدام.. المريض محتاج راحة تامة، وحضرتك كده بتضغطي عليه وعلى أعصابه، وده غلط على حالته دلوقتي.»

ابتلعت لينا غصتها، ورفعت يدها الأخرى تمسح دموعها المتبقية بسرعة، ثم نظرت إلى الممرضة وأومأت برأسها قائلة بصوت متحشرج:

«حاضر..»

أرخت قبضتها عن كفّه الباردة ببطء شديد، وكأنها تنتزع روحها من بين أصابعه، ثم نهضت بخطوات متثاقلة، وعيناها لا تزالان معلقتين بوجهه، تحاول أن تستجمع شتات نفسها لتغادر الغرفة.

---

ترجّل بهاء من سيارته، ودخل بوابة القصر بخطوات ثقيلة ومتهالكة، وقد كسا وجهه خزي ومرارة لم يذق مثلهما من قبل؛ فقد نجح صابر في كسر كبريائه وإذلاله في ثوانٍ معدودة.

وما إن خطا داخل الردهة، حتى استقبله حفيده ممدوح بملامح قلقة، واقترب منه قائلًا بلهفة:

«كنت فين يا جدو في الوقت المتأخر ده؟ قلقتنا عليك.. مقلتش لينا إنك خرجت!»

لم يرد بهاء عليه، بل اكتفى برفع يده بضعف، مشيرًا إليه بصمت أن يكف عن الكلام ويتركه وشأنه، ثم تجاوزه متجهًا مباشرة نحو مكتبه الخاص.

ظل ممدوح واقفًا مكانه، يتابعه باستغراب، بينما ارتسمت على وجهه علامات الدهشة والقلق، لكنه فضّل أن يتركه وشأنه.

دلف بهاء إلى مكتبه، وأغلق الباب خلفه، ليحتمي بجدرانه بعيدًا عن أعين الجميع، ثم ألقى بجسده المنهك فوق مقعده الجلدي، وأسند رأسه إلى الخلف في عجز.

بدأت الأسئلة تنهش عقله بلا رحمة.. كيف سيواجه ابنه شاكر؟ وكيف سيقف أمام بقية أبنائه بعد ما حدث الليلة؟ وكيف سيمضي ما هو قادم بعدما تبدّل كل شيء في لحظة واحدة؟

---

خرجت لينا من الغرفة وهي تحاول تجميع شتات نفسها، وما إن رأتها سعاد على هذه الحالة، حتى أسرعت نحوها واحتضنتها بقوة وحنان، دون أن تنطق بكلمة.

أسندت لينا رأسها إلى كتف سعاد، وانخرطت في بكاء مرير، وهي تهمس بصوت متقطع ومجهد:

«مش قادرة.. مش قادرة يا ماما أسيبه في الحالة دي.. أنا حاسة إن روحي بتروح مني وهو كده!»

ربتت سعاد على ظهرها بحنان جارف، ثم قالت بنبرة دافئة يغلفها التعاطف، محاولةً طمأنتها:

«معلش يا حبيبتي.. استهدي بالله، كده كده قعدتك جنبه دلوقتي مش هتفيده بحاجة وهو غايب عن الوعي. تعالي معايا ارتاحي ونامي شوية، وبكرة الصبح نيجي تاني نشوفه ونطمن عليه.»

التفتت سعاد نحو زوجها إبراهيم، وأومأت له إشارةً إلى أن يتحركوا، فأومأ برأسه بتفهُّم، ثم ساند إيمان برفق.

أومأت لينا برأسها في استسلام هادئ، فتمسكت سعاد بيدها، وتحركوا معًا نحو الخارج، بينما ودعهما مراد وسليم بهدوء، وظلا في الممر يراقبان ابتعادهم، تاركين عاصم تحت الرعاية الطبية بعد ليلة طويلة قلبت حياة الجميع رأسًا على عقب.

---

في تلك الأثناء، عادت الغرفة إلى سكونها، ولم يعد يُسمع فيها سوى النبضات الرتيبة للأجهزة المحيطة بعاصم.

اقتربت الممرضة من الفراش، وبدأت في تعديل وضع المحلول المعلّق له، ثم تفقدت مؤشراته الحيوية بهدوء وروتين معتاد.

وفجأة، لاحظت رعشة خفيفة تسري في أطراف أصابعه، أعقبتها حركة بطيئة في رأسه. تحركت شفتاه الذابلتان بصعوبة بالغة، وخرج منهما صوت خافت متحشرج، بالكاد استطاعت سماعه، وهو يهمس بأول كلمة نطق بها:

«لينا..»

ومع الكلمة، فتح عينيه بصعوبة، وأخذ يتطلع حوله بتشوش، كأنه يحاول استيعاب المكان الذي وجد نفسه فيه.

اتسعت عينا الممرضة بذهول، ثم استدارت واندفعت نحو الباب لتستدعي الطبيب. وما إن خرجت مسرعة، حتى كادت تصطدم بمراد وسليم اللذين كانا لا يزالان واقفين في الممر.

انتفض مراد قلقًا، وأمسك بذراعها قائلًا بلهفة:

«في إيه؟! حصل إيه؟!»
أجابته على عجل، وهي تحاول الإفلات لتواصل طريقها:
«المريض فاق! فتح عينيه جوه وبيتحرك!»
تعليقات



<>