
رواية راكان زيدان واصحابه الفصل الثاني والاربعون42 بقلم داليا السيد
أحتاج فرصة أخرى
لم يدخل سفيان العناية لرؤيتها مرة أخرى حتى صباح اليوم التالي عندما أخبره الطبيب بأنها ستخرج من العناية فلم يتحدث وأدرك أنه سيقابلها ولن يستمر بفراره من المواجهة
يحبها؟ نعم
قلق من أجلها؟ بالتأكيد
لكن ما زالت كرامته تؤلمه، قلبه يؤلمه، عقله يرفض الخضوع والاستسلام، كل ما بداخله يتبلور بالابتعاد عنها بقدر ما أمكنه ومع ذلك لا يستطيع تركها
لا أحد لها سواه، حتى ليان لم تأتي واعتذرت بالهاتف لأنها تستعد للزواج لذا لم يعد هناك غيره
دموعها لم تتوقف، كانت تدرك أنها ستظل وحيدة لنهاية عمرها، بلا أم ولا أب وحتى أخيها ملقى بالسجن وهي لا ترغب حتى برؤيته بسبب أفعاله
لكن سفيان ما زال موجود
لقد كان هنا معها بجوارها والممرضات يخبرونها بأنه هنا، مهتم، يسأل ولكنه لا يرغب برؤيتها، حتى راكان لم يتراجع بنقلها لمشفاه رغم ما فعلته بزوجته
كلهم يحملون داخلهم الخير إلا هي، الشيطان كان رفيقها بكل ما فعلته
الآن لم يعد هناك إلا إعادة التفكير بحياتها ولكن تلك المرة لابد أن تتراجع حقا، ليس لأنها تخسر سفيان فقط بل لأنها كادت تخسر نفسها وهانت عليها روحها وما زالت لأنه لم يسامحها
عليها أن تطلب العفو والسماح منهم جميعا، راكان، رهف وسفيان
تلك المرة ليس لأنها ترغب بالتواجد بينهم، بل لأن ضميرها يؤلمها لم فعلته بهم جميعا، عليها أن تعود تمارا، الفتاة التي تحب الجميع من حولها وتتمنى للكل الخير
هي بحاجة لأن يسامحها الكل حتى تبدأ من جديد وتستعيد حب حياتها، سفيان، زوجها بل وتبحث عن كل ما يرضيه وتفكر بسعادته هو لا سعادتها هي
لابد أن تعوضه عن كل إساءة تسببت له بها وبكل جرح أصابه منها، الحب يداوي جراح القلوب لكن جرح الكرامة أصعب، لذا سفيان لا يستطيع أن يغفر لها بسهولة ولكنها ستحارب ولن تتراجع أبدا لأن ليس لديها ما تبكي عليه سواه فهو حياتها ولو ضاع منها فلن ترغب بالحياة من بعده
نقلها التمريض لغرفة عادية وبعناية خاصة بالطبع، كل من يخص العمدة يحظى بذلك
ما أن تحركت الممرضات حتى رأته يقف متابعا نقلها، بدا مجهد وترك شعر ذقنه طويل، ملابسه لم تستبدل ومع ذلك لم يهتم، كان يتابع الممرضات حتى انتهوا وتبقت واحدة نظرت له وقالت
"سيمر الطبيب لرؤيتها بعد قليل"
هز رأسه ومنح الفتاة أموال فشكرته كالباقين وخرجت وظل واقفا بمكانه وهي تنظر له والتفت ليذهب ولكنها نادته برجاء "سفيان"
توقف دون النظر لها فقالت "سفيان أرجوك تحدث معي، لا تتركني هكذا"
التفت لها والتقى بعيونها المتعبة وقال "ما زلتِ متعبة"
قالت بنفس الرجاء "أنا بخير لأنك هنا"
ظل ينظر لها محاولا تصديق الكلمات، بالماضي كان يصدق أي كلمة تنطق بها لكن الآن الشك هو كل ما يحمله لها لذا قال "حسنا وأنا بالخارج"
التفت ولكنها هتفت "سفيان أرجوك امنحني فرصة أخرى، سفيان أنا حقا نادمة، أعلم أني أخطأت بحقك وحق الجميع ولكني أدركت خطأ ما فعلت وسأصلحه فقط لا تتركني سفيان، أرجوك لا تتركني"
لم ينظر لها وتحرك خارجا فعادت للبكاء مرة أخرى وهي لا تعرف كيف تجعله يسامحها وتستعيد حبه وقلبه الذي جافاها؟
****
جلست ليان بجوار رهف بالسيارة بعد أن انتهوا من جولتهم على المحلات وهتفت ليان "تبدين متعبة، أنا آسفة رهف"
ابتسمت وقالت "أنا بأفضل حال ليان وسعيدة لأني معك، غدا نذهب لرؤية الفساتين لتختاري أجمل فستان يليق بأجمل عروسة"
أمسكت يدها وقالت "أنا لا أعرف كيف أشكرك على وجودك معي، لم أكن لأعرف أي شيء وأنتِ لست معي"
قالت بحنان "أنتِ تستحقين كل الخير حبيبتي فقلبك الطيب يفيض بالخير والحب على الجميع"
ابتسامتها الرقيقة ملأت وجهها وكادت ترد عندما رن هاتفها فنظرت لتقول "تمارا، لم أذهب لها أمس واليوم"
تركتها لتجيب فأخرجت هاتفها واتصلت به وقد كان غاضبا فلم ينظر للهاتف وهو يتحدث مع سيف "كيف لم تصل له سيف؟ لن يسبقني بخطوة، أخبرتك أن تتابع حازم"
لم يتراجع سيف أمام غضبه فهو اعتاد عليه وقال "فعلت يا عمدة ولكن.."
هتف به "لم تحسن اختيار رجالك، هل أفعلها أنا سيف؟"
كان يواجه بقوة وسيف قال "لا، سأعيد ترتيب الخطط من جديد"
أشاح بيده وقال "وأنا راحل سيناء والدكتورة معي وسأترك حبيبة وسارة خلفي؟ أنت لا تدرك ما تقول سيف؟"
انفتح الباب ورأى سفيان يدخل وهو يقول "صوتك يصل للمصعد راكان؟"
حدق بسفيان ليمتص غضبه فلن يتحدث عن ياسر أمامه واستعاد نفسه وهو يقول "ماذا تفعل هنا؟ لماذا لست بالمشفى؟"
انسحب سيف بهدوء وسفيان يقف أمام راكان ويقول "أحتاج للتحدث معك"
ظل واقفا أمامه يستعيد هدوئه وسفيان يقول "أعلم أنك ما زلت غاضب مما حدث"
الصمت أفضل من العاصفة التي تتموج داخله عند ذكر ذلك الأمر لذا ابتعد من أمامه وقال "انتهينا من الأمر سفيان، أنا كل ما يهمني بالأمر أنت"
لم يتحرك سفيان وراكان يعود لمكتبه وسفيان يقول "أعلم وأعلم أن بقاء تمارا كزوجة لي ليس ما ترغب به"
نظر له بعيون فارغة كي لا يعبر عما يرغب به وقال "هي حياتك سفيان ولا دخل لي بها، بقائها زوجة لك من عدمه ليس من شأني"
تحرك سفيان وجلس أمامه وقال "ستظل بيننا"
أبعد وجهه ولم يرد فنفخ سفيان وقال "وأنا لا يمكنني المضي بحياتي بلا رفيق الطفولة"
عاد له بنظراته وقال "ولا بدون تمارا سفيان، أعلم أنك تحبها"
أبعد وجهه فلا مجال للإنكار فأكمل راكان "فقط أحتاج للوقت سفيان، لكن تأكد أنني أيضا لا يمكنني التخلي عنك أبدا، لا أنت ولا أحد من أصدقائنا، ما بيننا ليس وليد الأمس بل سنوات لم نعد نعرف عددها وصداقتنا أصبحت أمر نادر بوقتنا الحالي لذا لا يمكن التنازل عنها مهما كان الثمن وأنا لست بحاجة لأمنحك تلك الكلمات لتدرك ذلك"
هز سفيان رأسه دون النظر لراكان وقال "أعلم، أنت قدمت تنازل من أجلي وهذا يؤلمني راكان لكن لا أعرف كيف أتجاوز"
اعتدل وقال "لابد أن تفعل سفيان، أنا تجاوزت حتى تكون سعيد وليس لتتألم"
حدق به وقال "ما زلت أرى مشاعرها تجاهك وتلك الأفكار الشيطانية"
نهض وتحرك له حتى جلس أمامه وقال "لابد أن تنسى ذلك سفيان لو أردت أن تكمل حياتك معها، عندما تهدأ وتجد أنك بحالة تسمح للنقاش اسمعها ويمكنك وقتها معرفة ما إذا كانت صادقة بمشاعرها تجاهك أم لا ووقتها ضع خطوط عريضة لحياتك معها وربما تقتنع بكلماتها وتمنحها فرصة أخرى"
كان ينظر له ويسمعه بتمعن ثم قال "لن تقبل بأن تكون بمكان أنت به راكان؟"
لم يستطع الرد وتراجع بالمقعد ونظراته الفارغة تمنح سفيان معاني كثيرة وأكمل "وهذا يعني لي الكثير، أنتم عائلتي ولن نتجزأ"
أبعد وجهه لحظة ثم عاد له وقال "سابق لأوانه سفيان، أخبرتك أني بحاجة للوقت وهو خير دواء لكل شيء فقط اهتم بحياتك وفكر جيدا كي تصل للقرار الصواب"
****
دق وافي مكتب ظافر ودخل فرفع وجهه له وقال "لديك وقت لي؟"
ابتسم ظافر وقال "بالطبع تعالى"
جلس وافي أمامه وقال "كيف حال مي؟"
تراجع بمقعده وقال "الضغط منتظم والطبيب يأتي لرؤيتها بالبيت لكنه يحذرها من أي مجهود أو ضغوط نفسية"
رد وافي "مي امرأة رقيقة ولا تتحمل أي شيء"
هز رأسه وقال بصدق "هي حياتي وافي، هي السعادة كلها"
ابتسم وافي وقال "من الجيد العثور على امرأة تضفي السعادة على حياة الرجل"
وافقه ظافر وقال "بالتأكيد، ها أنت ترى كيف تبدل رائد من الحياة التي كان يعيشها وكلنا لم نثق بأنه سيتبدل ولكنه فعل من أجل حبه لليان، والعمدة، الرجل الذي كان يلفظ المرأة خارج حياته تبدلت حياته بوجود رهف وأصبح يهتم، لن نتحدث عن سفيان وسوء حظه مع تمارا رغم أني أرى أنها تحبه وسنتحدث عنك، متى ستخبرني بقصتك؟"
جمدت ملامحه ولكنه لن يتراجع فنهض وتحرك بالغرفة قليلا فقال ظافر "توترك هذا يعني شيء؟"
نظر لظافر وحسم أمره وألقى كل ما لديه دفعة واحدة "نعم، يعني أني أحب مليكة أختك وأرغب بالزواج منها"
تجمدت ملامح ظافر من كلمات وافي التي قذفها بوجهه حتى استوعب نفسه ووافي شعر بالقلق من صمته فعاد وقال "أعلم ما بيننا من ميثاق وأني كنت غاضب وقت ليان ورائد ولكن.."
قاطعه ظافر بهدوء "وماذا عنها؟"
توقف وافي وقطع كلماته وهو يحدق بظافر وردد "عنها!؟"
نهض ظافر وتحرك حتى وقف أمامه وقال "مليكة؟"
ظل يحدق به حتى ابتلع ريقه وقال "أرادت رأيك قبل أن توافق"
ركزه ظافر بكتفه وقال "لقد تعبت من انتظارك يا رجل حتى كدت أفقد الأمل بك"
تراجع وافي بذهول وهو لا يفهم وردد "انتظاري!؟"
لم يتحرك ظافر من أمامه وقال "هل ظننت أني لم أكن أعرف بما بينكم؟ لو لم أكن أعرفك جيدا ما قبلت بوجودك معها لحظة واحدة وتمنيت أن تطلبها للزواج، لكن قبل سفرها صدمت بتراجعك عنها وظننت أنك لم تكن جاد"
لم يصدق ما يسمعه ومع ذلك هتف "بل أكثر من جاد ظافر لم أكن لأتلاعب بأخت صديقي، لكن هي خافت من أن أفعل مثل يحيى وأطالبها بترك الموسيقى فأبعدتني ولكني شرحت لها أن الموسيقى هي سبب ما نشأ بيننا وأني لن أتراجع عن تشجيعها ودفعها للأمام"
ابتسم ظافر وربت على كتف صديقه وقال "جيد، لتذهب لاستقبالها بالمطار وحددوا موعد الخطوبة"
انفرجت ملامح وافي وبلحظة احتضن ظافر الذي قال "تمنيتك لها يا رجل"
أجاب وافي "لن تندم ظافر، أعدك ألا تندم"
****
ما أن دخلت رهف مكتبها بالشركة حتى رن هاتف مكتبها فأجابت لتجده يقول "هاتفك مغلق"
نظرت للهاتف بيدها وقالت "فرغ الشحن منه راكان، هل أنت بخير؟"
وقف أمام النافذة وقال "نعم، هاتفتني؟"
كانت تعلم أنه ليس بخير ومع ذلك قالت "أردت إخبارك عن حبيبة، ليان طلبت أن تذهب وتبقى معها ونحن بسيناء"
ظل صامتا وأمر ياسر يشغله ولكنه لا يرغب بذرع القلق والخوف داخلها فقال "هل هي ترغب بذلك؟"
قالت "نعم وسارة قد تنضم لهم"
قال بجدية "لتذهب ليان إذن للقصر رهف"
قالت "رائد قد يصل بأي وقت وقد"
أجاب "رائد يبقى عندي بالقصر هو الآخر رهف، لن يذهب أحد لأي مكان، دعي ليان تأتي للبقاء معهم"
شعرت بغضب بصوته فقالت "حسنا"
أغلقت وهو كذلك وظلت لحظة تحاول إيقاف نفسها عن الذهاب له ولكنها تعرف أنه لن يتحدث
****
النجاح الذي حققته مليكة بالحفل وصل لمصر وتحدثت الميديا عنها وعن الفتاة المصرية التي شرفت بلدها بالخارج
ما أن دخلت المطار حتى تفاجأت به يشير إليها، أسرعت له حتى ضم يداها ليده والنظرات تمتلئ بالأشواق والحب
قبل يدها وهو يقول "افتقدتك مليكة، افتقدتك جدا"
كانت سعيدة جدا وهي تقول "وأنا أيضا وافي"
صوت المايسترو جعلها تنتبه وهو يقول "بطلتنا الجميلة الصحافة تنتظرك، هيا"
لم تترك يده وهي تقول "حاضر"
تحركت وهو بجوارها وهي تقول "أكاد أموت من الخوف"
ابتسم وقال "لا تفعلي، لقد تحدثت مع ظافر ووافق على ارتباطنا"
توقفت فجأة والتفتت له وهتفت "حقا!؟"
هز رأسه فضحكت بسعادة وهي تقول "هذا أفضل خبر بحياتي وافي"
نادها الرجل فتبعته حتى خرجوا من المطار لترى حشد فلم تترك يده والاسئلة تنهال عليها وهي تجيب بثقة حتى قال أحدهم مشيراً لوافي "هل هو أخيك؟ ظافر الحلواني؟"
هتفت بسعادة "بل خطيبي، وافي المعداوي"
نظروا له وقال أحدهم "سيد وافي هذا خبر جديد، متى تمت الخطوبة؟"
ابتسم وقال "الآن، أنتم أول من عرف بعد ظافر"
ضحك الجميع وقال أحدهم "قصة حب؟"
أجاب "ومن لا يعشق الفن والفنانين؟"
هتفت واحدة "لن تتوقفي عن العزف؟"
أجاب هو "لن أسمح لها بأن تتوقف"
ابتسمت له بامتنان فقال آخر "متى الزواج؟"
أجابت "سندعوك عندما نحدد"
وتحركت معه من بينهم لسيارته ودخل لجوارها وهي تلتفت له وتقول "أنا سعيدة جدا وافي، وجودك وحبك وخطوبتنا، قلبي لا يتسع لكل ذلك"
جذب يدها لفمه وقبلها وهو يقول "سلامة قلبك حبيبتي، سنقيم خطوبة بالمكان الذي تحدديه والزواج عندما تنتهي دراستك فقط تكونين لي مليكة، لا يمكنني الحياة وأنتِ لستِ معي"
ضحكت والسعادة تخترق قلبها وكل كيانها وهي تقول بصدق "أحبك وافي، أحبك بجنون"
****
بالتاسعة كانت تدخل مكتب السكرتارية الخاصة به فوقفت الفتاة وقالت "مرحبا دكتورة"
ابتسمت وقالت "هو وحده؟"
أجابت "الأستاذ سيف معه"
تحركت ودقت الباب فأذن، فتحت ودخلت، تراجع بالمقعد لرؤيتها وسيف كان يقف بجواره وهي تقول "مساء الخير"
بدا متجهم الوجه وسيف اعتذر خارجا فتحركت له حتى وقفت بجواره وقالت "لن تذهب؟"
نهض ومرر يده على وجنتها وقال "لا، أحتاج للبقاء اليوم قبل السفر، هل يضايقك بقائي؟"
ظلت ابتسامتها وهي ترفع وجهها له وقالت "بالطبع يضايقني، لكن لا فائدة من الجدال"
ظل ينظر لها وهي تدرك أن هناك ما يخفيه عنها ومع ذلك قالت "سأذهب كي لا تتعطل"
تحركت لتبتعد ولكنه أوقفها فعادت له وعيونها بعيونه وهو يقول "ماذا أخبرتِ حبيبة؟"
اندهشت لاهتمامه ولكنها قالت "ما قلته أنت وهي لا تمانع"
هز رأسه ولم يرد فقالت "لا أستطيع التوقف عن سؤالك راكان، ماذا بك؟"
ظل ينظر لها ولم يكن يمكنه إخبارها أنه لأول مرة بحياته يعرف معنى الخوف، ليس على نفسه بل عليها، على طفلهم، حبية، سارة..
هو حقا يخاف عليهم لذا صمته نابع من إدراكه أن لا مجال لإخبارها فقال "لدي الكثير مما يشغلني مليكتي وهو يغضبني لأني لن أرحل معك بسببه"
لم تصدقه وقالت "يا عمدة أنت لا تجيد الكذب، فقط أخبرني أنك لا تستطيع منحي أسرارك وأنا لن أغضب"
مرر أصابعه على وجنتها وقال "لم يجرؤ أحد على رميي بالكذب سواكِ دكتورة وبكل مرة تفعلين لا أجرؤ على عقابك"
ضحكت وقالت "بلى أنت تفعل يا عمدة"
ضاقت عيونه وقال "أفعل ماذا؟"
داعبت ربطة عنقه وقالت "تعاقبني، أنت تحرمني من وجودي بين ذراعيك وقضاء الليل معك"
تعرف كيف تتلاعب به كما لم يفعل أحد من قبل فلفها بذراعه وهي تفاجأت ولكنها أراحت يداها على صدره واقتربت منه أكثر وهو يقول "أنا أعاقب نفسي، ولكن الليلة فقط ومن الغد ستكونين لي بمكل ليالينا القادمة بالمنتجع"
قالت برقتها التي تذهب عقله "هذا يعني أن لا فائدة من إغوائك يا عمدة"
انحنى وهمس "بعض الإغواء قد يفيد"
وقبلها وهي تلفه بذراعيها وهو يضمها له بنفس قوة قبلته وكأنه لم يقبلها منذ قرون كثيرة ماضية وكأنه يتأكد أنها معه وبين ذراعيه حتى ترك شفاها فهمست برقة "تعالى معي راكان، لا أرغب بالذهاب وحدي"
الضعف يقوده لتلك المرأة التي تذهب عقله، قبلها برقة ثم أفلتها وقال "هذا طلب لا يقدر بثمن مليكتي"
أغلق الجهاز وجذب هاتفه ولفها بذراعه وقال "سأكمل بالبيت"
ابتسمت وهو يخرج وسيف نهض واقفا فقال "الدكتورة أمرت بالعودة للقصر سيف"
ابتسم سيف وتحرك خلفهم بلا جدال
****
اليوم كله لم يفكر بالدخول لغرفتها، ليان أتت لزيارتها بعد أن هاتفتها تمارا وبكت معها كثيرا ولكن ليان منحتها كلمات تهدئة ثم رحلت
بالمساء دخل الطبيب لرؤيتها فدخل معه وهو يفحصها ثم قال "هي بخير الآن ويمكنها العودة للبيت بالصباح ولكن الطعام والسوائل هامين جدا لاستعادة حيويتها ونشاطها"
هز سفيان رأسه وهو يقول "تمام، شكرا دكتور"
ما أن خرج الطبيب والفتاة تغلق خلفهم حتى ظل واقفا لا يعرف ماذا يقول وهي من بدأ "سفيان"
لم ينظر لها فقالت "أرجوك سفيان لابد أن تسمعني"
رفع وجهه لها وقال "ليس لي أي رغبة بالحديث تمارا لأنه لا يوجد ما يمكن أن يقال"
كانت عيونها حزينة وهي تخشى أنه لم يعد يرغب بها فقالت "بل هناك سفيان، هناك الكثير"
لم يبعد نظراته وهو يقول "لو تحدثت كلماتي ستؤلمنا نحن الاثنان تمارا، لو تحدثت فسأعيد فتح كل الجراح لذا دعينا نوقف كل ذلك لأنه ليس المكان ولا الوقت المناسبين لأي شيء"
عادت دموعها وهي تقول بألم "ولكني أتألم سفيان، أتألم بسبب ما فعلته، قلبي يؤلمني لمجرد فكرة ضياعك مني"
ظل يحدق بها ثم قال "لا تلوميني على ذلك تمارا لطالما غفرت لكِ زلاتك لكن الخيانة، هذا ما لم يمكن غفرانه"
هزت رأسها بالنفي وقالت "أقسم أني لم أخونك بأي يوم، صدقني سفيان أنا فقط كنت طماعة، ظننت أن السعادة بالمكانة الاجتماعية والمظاهر والشكليات، كنت أظن أنني بجمالي سأنال كل ما يرفعني للقمة، كنت أظن أشياء كثيرة عرفت مؤخرا أنها كانت سراب، أشياء لا معنى لها بجوار الحب الحقيقي"
رحلت نظراته للفراغ ولكنها أكملت "صدقني سفيان أنا لم أعد أرغب بأي شيء من كل ذلك، يمكنني البقاء بالبيت لو رغبت، البعد عن العالم كله لو شئت، الاعتذار لرهف وراكان، الاعتذار أمام الصحافة إن أرضاك الأمر، لكن لا يمكنني تحمل خروجي من حياتك وتركك لي فأنا أحبك سفيان، أحبك ولا أستطيع تخيل حياتي وأنت لست معي"
لم يمنحها أي كلمات.. تجهم ملامحه أجابتها.. برودة نظراته جعلتها تفهم ومع ذلك قالت بضعف ويأس "أرجوك سفيان، فرصة واحدة، فرصة أخيرة أثبت فيها حبي لك"
لكنه لم يقتنع بكلماتها ولم يستطيع مواجهة بكائها فتركها وخرج وهو يشعر بألم مماثل، هي تتنازل عن غرورها وكبريائها من أجله فهل يمكنه أن يسامحها ويعيدها لحياته؟
انهارت بالبكاء بخروجه مدركة أنه لا يصدقها وربما لا يعيدها ووقتها ستزحف للموت بكل طريقة
****
وصل وافي ومليكة لفيلا ظافر ونزلا معا وهو يجذب حقيبتها، تحركا للداخل عندما رأت والدتها تنزل لها فأسرعت تحتضنها بقوة وهي تهتف "ماما، افتقدتك جدا"
ابتسمت المرأة وقالت "وأنا أيضا حبيبتي، صورك وعزفك يملأ الميديا، أنا فخورة بك جدا"
احتضنتها مرة أخرى حتى ابتعدت وانتبهت ياسمين لوافي وقالت "أهلا وافي، آسفة لم أنتبه لك"
رحب بها وقال "مرحبا مدام ياسمين أين ظافر؟"
سمعه ينزل ويقول "هنا وافي، مليكة"
أسرعت مليكة لأخيها وهي تهتف باسمه وتلقي نفسها بأحضانه بسعادة حتى أبعدها وقال "أنا فخور بكِ حبيبتي"
قالت بسعادة "شكرا ظافر، كيف حال مي؟"
ظل يلفها بذراعه وهو يجيبها "بخير حبيبتي، مرحبا وافي تعالى، اجلس"
انضمت ياسمين لهم وحرر أخته التي جلست بجوار أمها بينما قال ظافر "ماما وافي طلب يد مليكة مني وأنا وافقت"
تجهم وجه ياسمين وقد تفاجأت من الأمر وقالت "ماذا؟ ولكن، حبيبي فارق العمر و.."
رحلت ابتسامة مليكة وتجمد وافي وظافر يجيب بهدوء "مليكة ليست صغيرة ماما، هي بالحادية والعشرين ووافي بالثالثة والثلاثين ليس بالفارق المؤثر، ماذا سيكون رأيك لو كان مثل ليان ورائد ومع ذلك وافي لم يعترض"
نظرت ياسمين لمليكة وقالت "وأنتِ توافقين؟"
أخفضت مليكة وجهها ولم تنظر لأحد وظافر أيضا أجاب "نعم ماما، أنا سألتها وهي لم تعترض"
نظرت له ياسمين بغضب وقالت "أنت لا تأخذ رأيي ظافر أنت فقط تخبرني"
رفعت مليكة وجهها لوالدتها بدهشة وقال ظافر "لا ماما لكن أنا لم أفكر أن رأيك قد يخالف رأيي خاصة وأننا جميعا نعرف وافي جيدا"
ظلت ياسمين صامتة ثم قالت "لا أرغب بأن نعيد تجربة يحيى مرة أخرى ونتسرع ثم نندم"
نطقت هي "لا ماما، وافي مختلف، وافي يحبني كما أنا وليس كما يريدني أن أكون، لن يفرض عليّ شيء وأنا سأمنحه كل شيء لأنه يستحق"
نظرات عتاب بعيون ياسمين وهي تقول "حب؟ لا أنصحك به كي لا تتفاجئي بطعنة بظهرك بعد سنوات من الحب والثقة تذوب بلحظة"
قال ظافر "خلقنا الله مختلفين ماما"
نظرت له وقالت "تعني أنه لن يتركها بيوم من أجل امرأة أخرى"
أجاب وافي "لا حضرتك لن أفعل لأن الحب بالنسبة لي أسمى معنى بالوجود، أنا لم أسقط بحب مليكة بلحظة حتى ينتهي حبها من قلبي بلحظة، بل ترسخ بقلبي مع الوقت حتى أصبح من الصعب تدميره تحت أي ضغوط"
نظرت له وقالت بإصرار نابع من الألم الذي نالته من غدر زوجها "والدهم كان يخبرني بذلك أيضا"
قالت مليكة بعصبية "لم تتحدثي هكذا مع يحيى وهو لم يحبني ربع حب وافي لي"
احتدت ياسمين وقالت "وقتها كان الأمل ما زال داخلي تجاه والدك وظننت أن الحب سيعيده لكن الآن تأكدت أنه لا وجود للحب لذا لا أرغب بأن تسقطي بنفس الفخ"
رد ظافر بقوة "وهذا يعني أني سأترك مي لامرأة أخرى بيوم ما مثله؟"
شحب وجه ياسمين ونهض وافي لانحراف الأمور لما لا يخصه وقال "اسمحوا لي أنا.."
نهضت مليكة بخوف وقال ظافر بحزم "اجلس وافي نحن لم ننتهي، زواجك من مليكة أمر حتمي ولا رجعة به وعلى ماما أن تدرك أن ليس كل الرجال محمد الحلواني ومع الوقت ستتأكد من حبك لمليكة كما هو أنا"
ظلت ملامح ياسمين جامدة ووافي لا يعرف ماذا يفعل حتى أبعدت ياسمين وجهها لمليكة التي نظرت لها برجاء فقالت "حسنا ظافر ولكن هي من ستتحمل نتيجة اختيارها"
لم ترد بينما قال ظافر "جيد اجلس وافي لنقرأ الفاتحة ونحدد موعد الخطوبة"
ارتاحت مليكة رغم تجهم والدتها ولكن ظافر يعرف الصواب من الخطأ وهي تثق به كما تثق بمشاعر وافي ولن تندم أبدا
****
ما أن نامت حتى رحل من جوارها وأخذ حمام واستبدل ملابسه ونزل لمكتبه وسيف يتبعه وكأنه يدرك أنه سيعود وما أن دخل حتى قال "لم تنم؟"
أجاب سيف "لا، عرفت أنك ستعود، ياسر يشغلك"
نظر له وقال "بل حازم، هو ظل سنوات بحالة من الخمول بعيدا عني وأفكر كيف سيخرجه ياسر من خموله ويدفعه ضدي"
جلس خلف مكتبه وقال سيف وهو يجلس أمامه "هل تظن أن ياسر سيمنحه مال؟"
ابتسم راكان وقال "ألم تطلع على رصيد حازم سيف"
أبعد سيف وجهه وقال "تبقى البنات"
هز راكان رأسه وما زال يفكر وهو يقول "لذا أفكر جديا باصطحابهم معي"
رد سيف "هذا سيزرع الشك والقلق لدى الدكتورة، تعلم عقلها"
قال "أعلم"
نهض وتحرك للنافذة وقال "أنت تأخرت سيف، لأول مرة لا تمنحني ما أرغب به"
لم يرد سيف وهو يدرك تقصيره لكنه استنفد كل الطرق مع حازم ولم يجد نقطة ضعف ليدخل منها ولكنه يعرف أن راكان لن يستسلم حتى ولو نال الصفعة فسيردها بعشرة
****
ألقت ليان نفسها بين أحضان رائد بالمطار وهو يلفها بذراعه ويرفعها عن الأرض وهو يهتف "اشتقت لكِ حبيبتي، اشتقت لكِ بجنون"
استنشقت عطره الذي افتقدته كثيرا وأنفاسه الحارة تضرب عنقها وهي تهتف "وأنا أيضا رائد افتقدتك بجنون، لا أصدق أنك هنا"
أعادها على الأرض وابتعد ليرى وجهها المشرق وعيونها الزيتونية تلمع لرؤيته بسعادة وقال "أنا هنا حبيبتي ولن أرحل إلا وأنتِ معي"
ضحكت فضحكت له الحياة وتحرك رجال راكان له لحمل الحقائب وقال الرجل "السيارة بالخارج سيد رائد"
ظل يلفها بذراعه وهي تقول "راكان أصر على إرسال رجاله معي"
ابتسم وقال "هي من المرات النادرة التي لا يأتي فيها لاستقبالي، لكنه أخبرني أنه ترك لكِ الأمر تلك المرة حبيبتي"
نظرت له وقالت "كنت ترغب برؤيته؟"
ضحك وقال "لا للرجال ومرحبا بأجمل وجه على الكرة الأرضية"
ضحكت والحارس يفتح لها باب السيارة فدخلت وهو بجوارها وعيونها لا تفلت عيونه، جذب يدها له وقبلها وهو يقول "أنتظر الزفاف بفارغ صبر ليان"
أجابت بحب وصدق "وأنا رائد، أشعر أن قلبي لا يتحمل سعادته بوجودك"
لمس خصلاتها بيده ومررها على وجنتها وقال "كنت أحلم بكِ كل ليلة ليان، بين ذراعي، لا تفارقيني ولو لحظة واحدة، أنا أحسد نفسي عليكِ حبيبتي"
قالت بسعادة "بل أنا لا أصدق أن رجل مثلك ترك كل النساء التي كان يعرفهم من أجل فتاة مثلي، أنا لا أملك أي شيء مما يملكون رائد"
ضم يدها لصدره وقال "أنتِ تملكين حياتي ليان، أنت الرقة والحنان، القلب الطيب، الأخلاق النادرة بهذا الزمن، أنتِ حلم كل رجل يرغب بزوجة صالحة تشاركه حياته"
ابتسمت وقالت "وأنت الحلم رائد، الحلم الذي تمنيت تحقيقه منذ أول لحظة رأيتك فيها، كنت بكل يوم وليلة أغمض عيوني وأدعو الله أن تفكر بي كما كنت أفكر بك"
قبل يدها وقال "فعلت ليان، من أول نظرة تمنيتك لكن راكان أوقفني، دفعني للخلف بقوة لأنكِ أخت صديقنا ولأني ذلك الفاسد العابث ولفارق العمر، ثبتني بمكاني وجعلني أهرب منكِ لأبعد مكان ولكني لم أستطع بكل مرة كنت أراكِ فيها، أتأكد أني أحبك وأنك المرأة التي سأدمر عالمي من أجلها فقط لم أكن أثق بمشاعرك لكن يوم تأكدت كنت على استعداد لمحاربة قوى العالم لأصل لك"
ابتسمت وهي تشعر بالسعادة تغمرها والحلم يتحقق وقالت "سأبقى عند راكان بالأيام القادمة مع حبيبة وسارة لأنهم راحلون لسيناء"
هز رأسه وقال "نعم أعلم، هو أخبرني وطلب مني أيضا البقاء بالقصر معكم كي لا تكونوا وحدكم بغيابه وهذا كالجحيم بالنسبة لي، أن تكوني قريبة مني ولا أستطيع ضمك لأحضاني"
تورد وجهها وأخفضت عيونها فابتسم وقال "خافي من العالم كله ليان لكن إياكِ والخوف مني"
رفعت عيونها له وقالت "أبدا رائد، أنا أثق بك وأعلم أنك تخاف علي ولن تضرني أبدا"
عاد وقبل يدها سعيدا بثقتها وحبها وقلبها واقتراب موعد زفافهم ولم يعد يرغب سوى بذلك اليوم كي ينال ما يتمنى
وصلت السيارة القصر وفتح لهم الحرس وجذب يدها بيده وتقدما للداخل عندما خرج راكان من مكتبه وتحرك لصديقه واحتضنه بقوة وهو يقول "الحمد لله على سلامتك، مرحبا ليان"
ابتسم رائد وقال "تبدو بحالة جيدة، الزواج يليق بك راك"
ابتسم راكان وهو يقودهم للاستقبال وقال "نحن السابقون وأنتم اللاحقون"
ضحك رائد وقال وهو يجلس "أنتظر ذلك اليوم بفارغ صبر ولولا تقاليدكم هذه لرحلت بها بلحظة"
تورد وجهها وقالت رهف وهي تتحرك تجاههم "من حقها أن تكون عروسة وسط أهلها رائد"
نهض للقائها وهو يقول "أهلا دكتورة، بالطبع من يشهد للعروسة، ليان لا تكف عن الحديث عنك"
قبلت ليان وقالت "هي مثل حبيبة عندي وقلبها الطيب يستحق الأفضل"
جلسوا ورائد يقول "نعم معك كل الحق، مبارك الحمل، لا أصدق أني سأكون عم لأولادك أخيرا، شكرا رهف على تلك الهدية"
ضحكت وقالت "أرغب بالمثل رائد، أن أكون خالة عن قريب"
رحلت ابتسامة رائد وتبعتها نظرة غير مريحة على وجه راكان لم تفهمها وهو يقول "هل ليان وافقت على اسبوع بالفندق بعد الزواج؟"
رحلت ليان بطريق راكان وقالت "لا أعرف راكان، رائد يرغب بالعودة وأنا لا أريد إغضابه"
ابتسم رائد وقال "أنتِ أرق من أن تغضبي أحد حبيبتي لو رغبتٌ بالبقاء فلن أمانع، ربما شقتك بالإسكندرية راكان، أنا أحب الاسكندرية"
رحلت عيونه لزوجته التي بادلته النظرة وليلة زفافهم تمر عليهم فعاد لرائد وقال "بالطبع لا أمانع"
ابتسمت ليان وقالت "لم أراها من قبل، اسكندرية"
قالت رهف "ولا أنا صدقيني هو كان يوم زفافنا وعدنا بالصباح"
ضحك رائد وقال "نعم، أكاد أذكر ذلك اليوم آسف رهف لم أقصد تذكيرك"
ضحكت وقالت "لم يكن بهذا السوء رائد"
دخل سيف وقال "موعد الطائرة بعد ساعتين"
نهض رائد وقال "أرغب بالحديث معك قبل ذهابك، رهف لا تغضبي سأخطفه قليلا"
ضحكت وقالت "هو لك فقط لأنك كنت بعيد عنه عدة أيام"
نهض راكان وتحرك الاثنان للمكتب بينما قالت ليان "تمارا خرجت من المشفى اليوم وسفيان أعادها فيلتهم وأخبرني أنه لا يمكن تركها بالشقة وحدها عندما عرف أن رائد عائد ولن أتفرغ لها"
رحلت ابتسامتها وقالت "راكان يرفض الحديث عنها تماما"
هزت ليان رأسها وهي تقول "راكان لن يغفر لها بسهولة دكتورة"
هزت رأسها وقالت "كان غاضبا جدا عندما تحدثت سارة عن زيارتي لها"
حدقت ليان بها وقالت "لا أعلم رهف، هي تدرك أنها أخطأت ونادمة ولكن لا أحد يجرؤ على طلب السماح لها حاليا، حتى سفيان لم يغفر لها حتى الآن"
أدركت رهف أن الأمور ليست بالسهولة التي يتخيلها البعض، سفيان يرى الأمر كخيانة وراكان يراها تجاوز وهي إهانة وبالنهاية تمارا سبب كل ذلك ومن الصعب أن يغفر لها الجميع ما فعلت أو يفكروا بمنحها فرصة أخيرة
****
جذب رائد كأس ومشروب وسكب لنفسه وتناول جزء منه وراكان يقول "رهف لا تعرف شيء"
هز رأسه وقال "أعلم، وأعلم أن عليّ إخبار ليان راكان، لا أستطيع أن أخدعها"
ابتعد راكان ولم يرد حتى وقف أمام النافذة فقال رائد "لماذا لا ترد؟"
قال بهدوء "لن تعجبك كلماتي"
تحرك ووقف بجواره وقال "التي هي؟"
نظر له وقال "أنت لم تمنحها الاختيار رائد"
تراجع رائد وقال "لا أفهم!؟"
عاد ينظر للخارج وقال "هي زوجتك بالفعل فقط تبقى ليلة الزفاف"
تجهم وجه رائد وابتعد وهو يقول "خشيت لو سافرت وتركتها أن تضيع مني راكان، أنا أنام كل ليلة وأرى كوابيس أنها تتركني وترحل، أنت لا تتخيل كم أشعر بالجنون عندما أفكر بأنها بيوم ما قد تدرك أن زواجنا كان خطأ وترغب بالتحرر مني، سأموت راكان، سأموت لو تركتني"
التفت لصديقه وهو يتدارك كلماته فقال "ليان ليست طفلة صغيرة كي تفكر بهذا الشكل رائد، هي تدرك جيدا أي طريق اختارت ولن تتراجع عنه ولأنها تملك عقل راجح كان عليك إخبارها بالأمر قبل أن تعقد القران رائد لأنك عندما ستفعل الآن فهي ستظن أنك تضعها أمام الأمر الواقع لا هي ستطلب الطلاق ولا سيمكنها تقبل الأمر بسهولة"
زاد تجهم وجهه وهو يدرك كلمات راكان وظل يفكر به حتى قال "لم أقصد ذلك لقد تسارعت الأحداث وقت عقد القران مما جعل من الصعب إخبارها، لم أقصد الإجبار"
ابتعد ولكن راكان قال بحزم "أخبرها رائد ولا تتأخر أكثر من ذلك كي لا تتعقد الأمور أكثر من ذلك"
لم يمانع وهو يقول "سأفعل، تمنيت أن تكون رهف هنا فهي تثق بها وتعتبرها كأم"
قال راكان بهدوء "أعلم، لكني لا أرجح البقاء حتى نعود"
هز رائد رأسه وقال "معك حق، سأفعل ولكن أرغب برؤية سفيان أولا، هل تمارا بخير؟"
تحرك لمكتبه وأشعل سيجار ونفخ دخانه ثم قال "خرجت من المشفى اليوم وأعادها بيتهم"
تحرك له وقال "وأنت لا ترغب بذلك"
الدخان فصلهم وهو يقول "أخبرته أنها حياته ولا شأن لي بها، هو فقط من يخصني"
لم يترك نظراته من خلف الدخان وهو يقول "هذا يعني أنك تعزلها عنا"
ابتعد وقال "عني وعن رهف، عنكم لا أملك الحق بذلك"
تبعه رائد وهو يقول "وترى أن ذلك أمر سهل عليه راكان؟ أنت تمزقه بينك وبينها"
لم يرد فاقترب منه رائد وقال "أوقف غضبك هذا، المرأة دفعت ثمن خطأها بما يكفي"
هتف بقوة "لا، لا رائد لم تدفع الثمن الذي يكفيني، هي زوجتي من أهينت، زوجة العمدة رائد ولو أي واحد منكم كان بموقفي فماذا كان سيفعل؟ هل كنتم ستغلقون أعينكم عن إهانة زوجاتكم؟ لا، لم تكونوا لتفعلوا فلماذا ترغبون بأن أتنازل أنا عن حق زوجتي إذن؟"
لم يتراجع رائد أمام غضبه وقال "من أجل سفيان راكان"
هتف بقوة "اللعنة رائد أنا فعلت، تنازلت كثيرا من أجله فيما يخصني لكن عند رهف ولا"
اعتدل رائد وقال "تنازلت كثيرا؟ لا أفهم"
ابتعد وقال وهو ينفخ الدخان "لا داعي لفتح ملفات تم إغلاقها رائد"
ولكن رائد لحق به وقال "لابد أن أفهم راكان، ما الذي تنازلت عنه من أجله؟ أم أنها مجرد كلمات منك لتبرير غضبك"
قبض راكان قبضته كعادته وقت الغضب وقال بكلمات نارية "العمدة لا يبرر تصرفاته لأحد رائد احذر بكلماتك"
أشاح رائد بيده مبتعدا وهو يقول "أوقف أنت غضبك هذا الذي زاد عن حده راكان، ما زالت صداقتنا بيننا وعليك بالتنازل من أجله أم أن كرامتك وغروك وكبريائك يأبى عليك أن تفعل؟"
صمت أجاب رائد الذي أدرك اندفاعه بالكلمات فالتفت لراكان وقال "راكان أنا"
التفت راكان لمكتبه وأطفأ السيجار وقال "أعتقد أني لابد أن أذهب، القصر بيتك رائد"
وتحرك خارجا من المكتب بلا أي كلمات أخرى ورائد يرفع يده لشعره ويهتف "اللعنة راكان أنت لا تسمع لأحد أبدا"
****
ما أن وصل لجناحه حتى هاتفه ظافر فتنفس بانتظام ليستعيد هدوئه وأجاب فقال ظافر "مرحبا يا عمدة"
دخل جناحه وقال "مرحبا ظافر كيف حالك وحال مي؟"
كانت تغلق الحقائب وهو يخلع قميصه ولم ينظر لها وظافر يقول "بخير، هل وافي هاتفك؟"
قال وهو يتحرك للحمام "نعم مبارك الفاتحة"
ابتسم ظافر وقال "الخطوبة هنا بالفيلا عندما تعود من سيناء أنت ورهف"
فتح المياه وقال "مليكة تستحق كل خير ووافي الأفضل لها ظافر"
أغلق كلاهم ودخل تحت المياه الباردة وأسند يداه على الحائط مغلقا عيونه محاولا إغلاق باب الغضب داخله وكلمات رائد تزيده غضب وهو يعلم أنه لن يوقف غضبه لأنه لم يعتد التنازل أبدا
يداها لمست ظهره جعلته يعتدل وهي تفرك له أكتافه وقالت "متى لا تكون غاضب؟"
التفت لها وهي تقف أمامه فقال "عندما أكون معك"
دخلت تحت المياه معه بملابسها دون أن تهتم وهي تضع يدها على وجنته وتقول "العمدة لا يكذب، أنت غاضب راكان"
أغمض عيونه وتنفس بعمق فقالت "هيا لترتدي ملابسك سنتأخر"
لكنه أمسك يدها وهو يفتح عيونه وقال "لن تغضبي مني رهف؟"
ابتسمت وقالت "أبدا، سأنتظر حتى تتحدث بلا ضغوط مني"
ظل ينظر بعيونها ثم أخبرها ما يعرفه عن نفسه "لن أفعل"
لم ترحل ابتسامتها وقالت "لا يهم، المهم أني معك حتى وأنت غاضب"
أبعد شعرها المبلل عن وجهها وقال "لماذا تتحملين رجل مثلي؟ أناني ومغرور وكبرياؤه يفقده الكثير؟"
رفعت يداها ولفتهم حول عنقه وقالت "لأني أحب ذلك، لأني زوجتك، لأني نصفك الآخر ولأنك لست ذلك المغرور ولا الأناني كما تقول، ربما مغرور قليلا ولكن لا يهم فأنت العمدة على كل حال"
وابتسمت فابتسم فجذبته لها فاستجاب وقبلها تحت المياه حتى سرق أنفاسها وهي أعادت له الهدوء الذي فقده بسبب كلمات رائد
****
عاد رائد لليان التي كانت تقف بالشرفة وحدها، أحاطها بذراعه فالتفتت له وهي تخجل من لمساته فابتسم وقال "ما زلتِ تخجلين من قربي ليان؟"
لم تنظر له وإنما أخفت عيونها بصدره المواجه لها وانخفض صوتها "لا"
رفع وجهها له بأصابعه وقال "أنتِ زوجتي ليان، لي، ولا شيء يمكن أن يوقفني عنكِ سواكِ، لولا أني أحترم رغبتك لأخذتك دون انتظار"
ابتعدت من أمامه وهي خائفة من كلماته، أمسكها من ذراعها وأعادها أمامه وقال "ليان هل لي بقلبك أي مكان؟"
التفتت له والدهشة تملأ عيونها وقالت "أنت تسأل؟"
لمس وجنتها الناعمة بأصابعه ونظراته تتجول على وجهها الرقيق وملامحها التي يعشقها وقال "لابد أن أفعل فأنتِ لم تمنحيني ولا كلمة عن مكانتي لديك"
ظلت تنظر له ثم قالت "أنت تحتاج لكلمات رائد؟ ظننت أنك تعرف من تصرفاتي ومن نظراتي، ظننت أنني منحتك كل ما يمكن أن يجعلك تدرك من أنت بحياتي"
أحاط وجهها براحته ولم تعترض لأول مرة، بعد عقد القران كانت تفر منه وتخجل من لمساته لكن اليوم ومع اشتياقها له تشعر بالضعف
أجاب "أحيانا الكلمات تكون أقوى من الأفعال ليان وكلماتك تعني الحياة لي"
لمسته جعلتها هشة، فاقدة للعقل وفقط قلبها من يتحدث وهي مسروقة بعيونه ونبض قلوبهم ومنحته كلماتها "وأنت تعني الحياة لي رائد، وجودك يحييني، كلماتك تذهب بأحزاني على فراقك وتمنحني السعادة"
ابتسم دون ترك وجهها وقال "هي تفعل حبيبتي، تلك الكلمات تفعل الكثير، لذا أحيانا أتساءل لم يبخل لسانك بها علي؟"
قالت "لأني لم أظن أنك بحاجة لتكرار ما كانت تلفظ به تلك النساء من قبل بحياتك، لأني لم أرغب بأن أكون مثل أي واحدة منهم"
ضم وجهها بين راحتيه وأخفض وجهه لها وقال بحنان "أنتِ لا تشبهين أي امرأة ممن عرفت ليان، أنتِ واحدة بهذا العالم، واحدة ملكت قلبي وعقلي وكياني والكلمة منك أغلى من ماء المحاياة بالنسبة لي، ولا امرأة سمعت منها كلمة وصدقتها لكن أنتِ، لطالما حلمت بكلمة واحدة منك لتعيد الأمل لقلبي بأنك له"
قالت بحب "أنا لقلبك أنت فقط رائد، كما هو أنت لقلبي، أنت تسكنه كله رائد، أنت الدماء التي يدفعها لجسدي، الهواء الذي أتنفسه، أنت النور الذي يضيء حياتي، أنت حياتي رائد حياتي التي لم أعرفها إلا يوم أحببتك"
أغمض عيونه وتنفس بقوة وهو يستمتع بالكلمات وتنهد ثم فتح عيونه وهمس "أنت هدية الله لي ليان"
وجذب وجهها له وقبلها قبلة بريئة لفتاة أو امرأة لم تعرف عن قبلات العشق سوى ما تخجل عند رؤيته بالأفلام ولكنها الآن تجربها وتستمتع بها ولا ترغب بالتوقف
****
تحرك راكان للأسفل ولم يجد أحد فقط سيف الذي قال "ياسر ظهر بأحد كمائن حازم هو يختبأ عنده"
هز رأسه وقال "لا تغفل عنه"
قال سيف "المبنى الذي يعاد بنائه يحتاج لتصريحات جديدة، النائب العام اكتفى بالأدلة التي قدمناها ضد شكري قريب ندى وقريبا ستعاد لنا الغرامة"
سمع رائد يقول "عن ماذا تتحدث؟"
نظر سيف لراكان الذي لم ينظر لأحد منهم وقال "عن العمل رائد"
لكن رائد هتف "كنت تتحدث عن قريب ندي، أليست المرأة التي تزوجها سفيان عرفي"
نظر له راكان ولم يجيب فهتف رائد "شكري هذا هو من تسبب بسقوط المبنى لينتقم لندى قريبته؟ أنت لم تخبر أحد بذلك راكان"
عاد راكان لمزاجه السيء ولكن رهف كانت قد نزلت وقالت "هل نذهب يا عمدة؟ أنا لا أستطيع أن أصبر أكثر من ذلك"
هز رأسه وقال "نعم هيا، أراك عندما أعود رائد لا تنسى حبيبة وسارة"
****
تركها سفيان بالفراش بغرفتهم بالفيلا ولم تكن تصدق أنه سيعيدها لفيلتهم وخافت أن يتركها لوحدتها مرة أخرى ولكن لا جديد هنا فقد تركها أيضا وحدها ولم تراه طوال اليوم
أخذ حمام وأزال شعر ذقنه واستبدل ملابسه ورحل لرؤية ابنه، ميرفت كانت مع الطفل الذي كبر قليلا وبدأ يتعرف على والده ويبتسم له ويداعبه بأصابعه الصغيرة
ابتسم سفيان للطفل وميرفت تقول "هو يحبك سفيان"
لم ينظر لها وهو يقول بسخرية "كوالده؟ أعتقد أنه لابد أن يفعل"
صمتت وتابعته وهو يلعب على الأرض مع الطفل ثم قالت "هل انتهت أزمتك مع تمارا؟"
رحلت ابتسامته ولم ينظر لميرفت ولم يجيب فقالت "تظن أن لا حق لي بالتدخل بحياتك؟"
رفع عيونه لها ولأول مرة يشعر بالألم بعيونها وهي أكملت "هي تشبهني كثيرا سفيان، كلانا عاش الوهم ولكن بطرق مختلفة، أنا ظننت أنني وجدت الحب مع ذلك الرجل وكنت مخطئة، وعندما أعادني والدك أدركت أنه هو الحب الحقيقي"
راقبها من مكانه وعيونها زاغت للفراغ وربما كانت تنظر للماضي وهي تكمل "يوم أدركت أن الآخر هجرني ولم يكن مخلص لي كما ظننت، أصبت بصدمة كبرى وشعرت أني كنت مخدوعة لكن عندما عاد والدك لي وضمني له بحنان أدركت كم كنت رخيصة جدا وأنا لا أستحق مشاعر رجل مثله"
كتمت دموعها واهتز صوتها "تمنيت الموت كعقاب على ما فعلت بحقه لكن حنانه وحبه جعلوني أنسى، فقط قسوتك أنت وأخيك هما المر الذي ارتويت به حتى اليوم"
أدرك كلماتها، اليوم يفهم العذاب الذي عاشته عادت نظراته لابنه وقال بصوت منخفض بلا قوة "الخيانة أيضا مُرة"
هزت رأسها بالنفي وقالت "أنا فعلا رحلت معه لكني لم أخن والدك، أردت الطلاق قبل أن يلمسني رجل آخر، لكن تمارا لم تفعل ذلك سفيان"
نهض من جوار الطفل وتحرك للنافذة وتوقف فقالت "هي كانت ترغب بالمكانة التي يمنحها العمدة لمن له، أرادت المظاهر والغنى والثراء، لكنها ضعيفة أمام قلبها الذي اختارك، غارت من رهف لأنها سرقت حلمها لكنها اختارت الموت على فقدانك"
عقد ذراعيه أمامه ودموع تمارا هي كل ما يراه أمامه مختلطا بتلك اللحظة عندما قذف راكان الأكر بوجهه
لم يسمح للغضب بأن يتملكه وقال بهدوء "هي جعلتني أتخبط بلا هدى، لا أعرف ماذا عليّ أن أفعل؟ أرغب بها وأحبها لكن كرامتي تقف بيني وبينها، أنظر لها وأسمعها أصدق أنها تريدني أنا، لكن سرعان ما أتذكر أفعالها فأتراجع وأرى رغبتها براكان وحب الطفولة بعيونها له"
لف وجهه لها ثم أكمل "أشعر أني لو عدت لها سأحترق مرة أخرى بنيران الغيرة من راكان وهو لا ذنب له، هو اختارني ومع ذلك لا أستطيع نسيان أنه بيني وبينها"
اقتربت منه وقالت "لا حبيبي، هي لو كانت تريده لظلت ورائه حتى حصلت عليه لكنها أدركت أنها أخطأت سفيان وما أصابها دليل على ذلك، اسمعها وحاول أن تسامحها، الجراح مهما كبرت، تشفى مع الوقت"
لف وجهه لها وابتسامتها منحته بعض الهدوء وهو فعلا بحاجة للوقت كي تندمل جراحه وتهدأ أحزانه