رواية سادسهم الشيطان الفصل الخامس والثلاثون35 بقلم ريناد يوسف

رواية سادسهم الشيطان بقلم ريناد يوسف
رواية سادسهم الشيطان الفصل الخامس والثلاثون35 بقلم ريناد يوسف
  لِكُلِّ ظَالِمٍ بَدْءٌ ثُمَّ مُنْتَهَى  وَلِلْحُقُوقِ قِصَاصٌ عَادِلٌ بَيِّنُ
لَا يَحْسَبِ الْبَاغِي سَيَبْقَى آمِناً
إِنَّ الْقِصَاصَ عَلَى الظَّلُومِ سَيَحِينُ
سِهَامُ الْمَظْلُومِ فِي اللَّيْلِ مَاضِيَةٌ  وَعَيْنُ الْمُهَيْمِنِ لَا تَغْفُلُ وَلَا تَلِينُ
فَمَا طَالَ عَرْشُ الْبَغْيِ إِلَّا هَوَى وَصَارَ كَقَشٍّ فِي مَهَبِّ سِنِينُ
يَظُنُّ الظَّلُومُ أَنَّ الْحَقَّ مَاتَ  وَالْحَقُّ بَاقٍ كَالْجِبَالِ رَصِينُ
سَيَعْلَمُ الْجَانِي غِبَّ مَا صَنَعَتْ  يَدَاهُ إِذَا ذَاقَ الْعَذَابَ الْمُهِينَ
فَأَبْشِرْ يَا مَنْ ذَرَفْتَ الدَّمْعَ قَهْراً  فَإِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَيَقِي
          *****
همس زكريا لنفسه بعدم استيعاب:
-يعني إيه، ورد العبيطة استغفلتني؟ وفتحي لبسني عملته وانا زي الجردل لبست، سترت عاللي عمله ووقعت ورد فزوري وبتهم بقت على اسمي قدام الدنيا كلها؟ 
بص لفوق على عين الشمس اللي اتوسطت كبد السما فوق دماغه وغمض عيونه بسرعة ونزل دماغه.. وعطس وبعد العطسه ضحك.. ضحك بعلوا صوته وجري على الزريبه فتحها ونزل في الحوض وبقى يتمرمغ فيه ويطلع منه يتمرمغ في الأرض فوق روث البهايم، وصوت ضحكته جابت الكل، دخلت عليه احلام وشافته وعرفت انه سمعهم من تصرفاته وضحكته المستمرة من غير إنقطاع.. فضل يضحك لغاية ماسكت.. سكت خالص وبص قدامه وسهم.. كأن العطسة لفظ فيها عقله، والضحكة كانت آخر صوت جواه. 
ومن بعدها وزكريا بقى من غير عقل، من غير ادراك ولا إحساس بالزمن ولا الوقت ولا بالناس، بقي عايش زي الجثة، ساكت وقاعد فموطرحه طول مامحدش مقومه،ياكل لو اتحطله الوكل ولو متحطلوش ميطلبش، بس الحلو إنه دلوك بقى يسهر مع ورد طول الليل تتكلم وهو ساكت ويسمعها من غير إعتراض أو مقاطعه.. ودا كل اللي هي عايزاه.. واستبدلت عروستها ببتها اللي سمتها احلام، تلعب فيها ومعاها وتديها لبخيته، بخيته اللي رجعت قعدت معاهم بعد مازكريا عرف وعقله راح، ولقت في احلام بت ولدها الصبر والعوض وأعز الولد.. حتى وهي بنص عقل. 

أما رفاعي فاكتشفوا موته في الأرض وبعد التحقيقات ومع غياب الأدلة اتحفظت القضية ضد مجهول، ومحدش شك فأحلام لأنها وقت موت رفاعي جابت شهود على انها مطلعتش من البيت أصلًا، وكمان الطب الشرعي أثبت إن الجريمة تمت بأدين وصوابع راجل مش ست. 
ومات رفاعي واندفن في جنازة مهيبه، وعلي رغم كترة الناس محدش كان زعلان عليه، ولا حتى ولاده، مفيش غير عواطف اللي كانت تبكي حفاظًا على ماء الوجه قدام اهل البلد وتكريمًا لرفاعي..وبرغم إن موت رفاعي جريمة، إلا إن محدش من عياله فكر يدور وراها أو ياخد بتاره، اصلهم عارفين ابوهم زين وقرروا إنهم مش هيفضلوا يدفعوا تمن اخطائه وهو عايش وهو ميت. 
وفضلت الأرض من بعد موته بنفس التقسيمة اللي قسمها، وخصوصًا إن زكريا اتجنن ومبقاش ليه لا فأرض ولا فحياة.. وحتى أرض ورد رجعتها احلام منه بعقود بصمته عليها وخدته للشهر العقاري كملت الإجراءات هناك وقالتلهم إنه اخرس مش بينطق، وهو كان زي الآلة تديه الأمر ينفذه، وبكده رجع الحق لأصحابه، لكن احلام مرضيتش ترميه وخلته مع ورد ياخدوا بحس بعض، اصلها عارفه لو رمته لاخواته هيكون مصيره الموت بأي طريقة ابسطها بين سنان ديب فليله بارده على أطراف البلد.. ومهما كان الحالة اللي هو فيها ورد سببها واحلام مش عايزة تحس بأي ذنب من أي نوع. 

أما تهاني... 
فمن وقت موت فتحي وهي متغيره وخايفه.. خايفه تكون اتسرعت في قرار جوازها من صلاح، وانها كانت محتاجة شوية وقت تاني عشان تتعافى كويس، وخصوصًا إن بعد موت فتحي كانت فرصتها في التعافي هتكون احسن.. خايفه تظلم نفسها وتظلم صلاح معاها ويكون فتحي لسه ساكنها حتى بعد كل اللي عمله! 
وخصوصًا إنه لسه عيزور احلامها من وقت للتاني كأنه عيأكدلها إنه لسه موجود ومحبته في القلب عايشه مماتتش بموته.. لكن الموضوع دخل في الجد وخلاص مبقاش ينفع الرجوع. 
وخصوصًا إن الجواز اتحدد بعد ٣ شهور،
 بالتحديد بعد موسم الحصاد وتخضير الأرض عشان يكون صلاح فضي للجواز. 
وبعد مرور ٣ شهور... 
وقفت تهاني قدام المراية، وبصت لنفسها كتير.
حست كأنها بتودع نفسها قبل ما تمشي في سكة ملهاش رجوع.
هي عارفة إن قرارها يمكن مش صح، بل يمكن أقرب للهلاك منه لأي حاجة تانية،لأنه اتولد في لحظة ضعف وتحت ضغط موقف وظرف، 
بس هو ده الطريق الوحيد اللي شايفاه قدامها للنسيان والإستمرار في الحياة،مفيش حل تاني قدامها غير إنها تمشي فيه،حتى لو كانت النهاية مش أمان ومش مضمونة والطريق ذهاب بلا عودة. 

بس اللي حصل إنها بعد الجواز اكتشفت العكس واتبددت كل مخاوفها مع صلاح، اللي من اول يوم عاملها كأنها بته مش مرته، كأنها أميرة اتهادت لواحد شحات فقرر انه يعمل كل جهده عشان يعيشها أميرة ويخليها في نفس المستوى، فكان كل قرش يشتغل بيه يرجع يرميه في حجرها ويقولها مشى البيت زي ماتعرفي وتحبي. 
صح اتجوزها فبيته ومرضيش يسكن معاهم وهي وافقت، بس دا ميمنعش انه كان خايف يتكرر المشهد بتاع عزه ومهدي، لكن تهاني فاجأته برضى وقناعة متوقعهمش منها!
بيته اللي معجبش اختها قبل منها تهاني كانت شايفاه مملكة كل يوم تغير فيه حاجة وتعمره بالحب.. ملته أصاصي زرع وخضره وطيور عالسطح وبقت تداوي في الشقوق بأديها، والبيت بيها اتحول لجنه، وكانوا احلام وعزه كل مايزوروها فيه يتفاجئوا إنه متغير عن المرة اللي قبلها للأحلى، والترتيب والنضافة والريحة الحلوة كانت مخليه صلاح يرجع البيت مش عايز يطلع منه تاني.. وكل ماكان يقعد ويتأمل تهاني والبيت كان يحمد ربه ويشكر فضله عليه. 
أما الوحيد اللي كان غيران من الوضع دا هو مهدي.. اللي من أول يوم شاف الفرق بين تهاني وعزه، شاف وحده راضيه بظروف جوزها ومقدراها، غير اللي من أول يوم عايرته بيها. 
حزت في نفسه بس مقدرش ياخد موقف من عزه بسبب محبتها الكبيرة فقلبه.. بس فيه مواقف بتعلم في الواحد ومتتنسيش مهما تجاهلها ومهما مرت عليها السنين. 
أما ناديه ففي الفترة دي حملت وعمر واهله كانوا طايرين بحملها طير، ومكانوش عارفين يعملوا عشانها إيه ولا إيه،  كانت حاسه انها متشاله عن الارض شيل منهم، وكل ماتكلم احلام وتوصفلها السعادة اللي هي فيها احلام تسمي وتصلي وتكبر عليها وتحصنها من عينها هي قبل أي عين وتدعيلها بسر هادي وبال مرتاح لآخر العمر. 
أما عمر فكان حلقة الوصل والإطمئنان وعين حمزه اللي لسه بتراقب احلام من بعيد ومتابعه اخبارها. 
حتى بعد البُعد لسه شاغله باله، وبرغم إنه قطع كل الفروع اللي بينه وبينها، إلا إن جذور المحبة لسه مزروعة جواه، ومن وقت للتاني تطلع فرع حنين يخلي حمزه يتصل بعمر ويسأله عن أحوالها، وبس يرجع البيت ويضحك مع بته وياخدها فحضنه كان يكسر الفرع دا ويرميه بعيد بدال مايطلع عليه قرد جديد يدخل حياته وياخد منه روحه اللي بقت ماشيه قدامه على رجلين وأسمها ريما، والقرود حوالين احلام كتير ومش بيبطلوا تنطيط وحمزه مش حمل خسارة تانيه لضنى المرادي هياخد روحه معاه. 
وقد ايه ارتاح لما عرف بموت رفاعي، بس دا ميمنعش إن خوفه عليها من عياله ومن نوح بالذات مستمر. 
وقد ايه كمان فرح لما شاف احلام عملت فيس بوك وانها بقت صديقة عند عمر والفيسبوك اقترح صفحتها ليه، وحس إن دا لطف بيه من ربنا عشان يفضل متابع اخبارها دايمًا ويدخل صفحتها كل مايراوده الحنين.. بس كل مرة كان يعمل ده كان تفكيره فيها يزيد وعقله يتشتت والإشتياق يتعبه.. فقرر إنه يبطل يتتبع اخبارها ويحاول ينساها عشان يعرف يعيش حياته برضى. 

أما أحلام.. ففي الفترة الأخيرة بعد جواز اخواتها كلهم بدأت تهدى وتحس انها في هدنه من كل حاجة..من التعب ومن الخوف ومن القلق، وبدأت تفوق لنفسها، ولقلبها اللي كانت متجاهله وجعه وصوت الدربكه والخراب اللي جواه.. بُعد حمزه المفاجئ عنها ورجوعه لمرته متنكرش إنه هزها، لكن مصلحته وراحته عندها أهم من أي حاجة في الدنيا. 
وبرغم إن بموت عمها وبعد حمزه وجواز اخواتها كلهم حتى ورد كل الإشاعات اللي طلعت عليها في البلد ماتت، ورجعت العرسان تتقدملها من تاني، إلا إنها مكانتش توافق بأي حد، عشان كان عندها أهداف أكبر من الجواز.. وكانت تقف من بعيد تشوف نوح وهو عامل نفسه باني سد حواليها وماسك كل واحد يسمع إنه اتقدملها وعامل معاه مشكلة كبيرة ومفكر إن الناس خايفه منه هو مش بيمشوا بعد رفض احلام ليهم.. وكانت تضحك عليه وتسكت وسايباه فاهم إن هو اللي ماسك خيوط اللعبة فإيده زي مافاكر.. بس واخده قرارها إن أي فرصة هتجيها تعرف تخرب فيها حياة ولاد رفاعي هتخربها ومش هتتردد، وأولهم نوح..وإن موت أبوهم مموتش العداوة اللي بينها وبينهم. 

بدأت السنين تعدي سنه ورا التانيه وحالًا بقوا ٧ سنين، والكل اتلهى بحياته،
 وأحلام دايب ذاتها ومنصهره مابين الأرض والزرع ومشاكل إخواتها البنات وخلافاتهم مع اجوازهم اللي مبتخلصش زيهم زي أي حد متجوز ولو متدخلتش فيها احلام تكبر والزعل يطول.. ولقت نفسها لسه محتوم عليها تلف في ساقية المسئولية اللي اتربطت فيها من البداية ومفيش تور غيرها يتربط فيها، بس برغم كل دا منسيتش نفسها بالكامل وخدت خطوة كانت حتمية بالنسبالها، وبرغم السنين إلا إن نوح لسه على نفس إصراره. 
في يوم كانت في الأرض عتركب المكنه عشان تروي من بعد مامهدي وصلاح اتوظفوا وظايف حكومية في البندر وساعات يقصروا غصب عنهم في مراعاة الأرض فتسد هي وراهم وتكمل الناقص. 
وفجأه نوح مد إيده يساعدها، لكنها سبقت وكملت اللي بتعمله، فوقف بعيد خطوة واتنهد وقال: 
-وبعدهالك يابت عمي؟ مش بزياداكي من الجفا ونشوفية الراس، خلاص نوح جاب آخره والشوق قتال، سنين مستنيكي تحني وتليني واقول ياد الصبر بعده الفرج، وانتى ولا فبالك، واعياني عتقلي كيف السمكه الحيه في الزيت وعتبصيلي بقلب بارد وعين شايفه قدامها عدو مش حبيب! عارفاني عموت من غيرتي عليكي وبرضك طالعه الارض بنفسك تزرعي وتروي ولا كأن معاكي رجاله! لبستينا كلنا الطرح وخليتي سيرتنا على كل لسان في البلد.. خلاص يااحلام عمك مات والعداوة زالت، انسي اللي فات وتعالي نفتحوا صفحة جديدة عاد. 

كانت احلام متابعاه بعينيها وهي بتحاول تشغل ماكينة الري، ولما اشتغلت، بعدت عنها ومشيت، وهو وراها لحد ما وصلوا لشجرة التوت. قعدت أحلام تحتها تقلب الجمر تحت براد الشاي من غير ما تبصله، كأن كلامه مش ليها، وهو قعد جنبها وكمل:
-ياشيخه اقولك ايه تاني خلصت فيكي كل الكلام وتعبت؟!
ردت أحلام بهدوء تقيل:
-انت اللي تاعب روحك والله يانوح، انا مش فاهمه انت عاوز ايه، متأمل فيا إيه بعد  كل اللي جرا، ايه اللي منتظره مني؟
نوح:
-اتجوزك يااحلام، تبقى على ذمتي يابت عمي، مع انه مش سؤال يتسأل وإجابته معروفه بس هفضل اجاوبك عليه لحد ماتصدقي.
أخدت احلام  نفس طويل قبل ما ترد بالحسم اللي متعودة عليه وبالجملة المعتادة على طلبه المعتاد: 
-وانا شرطي لسه زي ماهو يانوح متغيرش.. لو عايزني تطلقها، تقولي عشره تقولي بيني وبينها عيال مليش فيه، انا زي الفريك محبش شريك، وياأحلام وبس يابلاها.. مرتك وعيالك فكفه وانا فكفه يانوح، ولو اخترت كفة مرتك وشك مااشوفهوش قدامي لو صدفه، ولو سمعت ان احلام  اتخطبت ولا  عتتجوز اياك رجلك تلفلف حوالي وتخرب دنيتي زي ماعتعمل كل مرة، متوبقاش انت عايش ومحرم علي غيرك يعيش.
نوح اتنفض ووقف وهو مولع: 

-والله يااحلام يابت عمي عشمك ديه عشم ابليس في الجنه،والعيشه اللي عايزه تعيشيها لو مش معاي مهتعيشيهاش، عشان أول هام محدش خالص هيقدر يقرب نواحيكي واي حد هيفكر بس يعملها هيحسبلها ألف حساب، وتاني هام مرتي لا هطلقها ولا هفرط فيها هي وعيالي، وهتجوزك عليها، وزي ماهي هترضى وتسكت انتي كمان هترضي غصب عنك، ونوح باله طويل يااحلام وانتي عارفه..وتشهد عليا السنين الطويلة اللي مرابط فيها قبالك.
سابها ومشي وهو بيضرب رجليه في الأرض بغضب، كأنه بيعاقب التراب بدلها.
وهي فضلت باصاله وهو ماشي. عمرها ما شافت منه غير حب وإصرار، بس الحب لوحده عمره ما كان كفاية. مش بيشبع جوع ولا بيطمن قلب متعود على الخوف. واللي اتعود يخاف من كل حاجة، عيبقى شايف الطمأنينة فخ كبير في العادي، واحلام شافت من نوح اللي موت أي طمأنينه فقلبها من ناحيته. 
كملت شرب شايها وقامت تشوط على الأرض، وبعد ماخلصت رجعت علي البيت عشان تلاقي القردة الصغيرة مستنياها عالباب واول ماشافتها جريت عليها وقالتلها:
-خاله احلام خاله احلام، تعالي اضروبيلي أمي عشان خدت مني عروستي تلعب بيها ومش راضيه تديهاني. 
احلام:
-اديها عروستها ياورد انتي الكبيره وانتي الأم ومينفعش الأم تاخد اللعب من ولادها. 
ورد:
-له ينفع مادام لعب ولادها احلى من لعبها، وبعدين بخيته العايبه هي السبب، ليه تجيب لأحلام عروسه وانا له؟ 
بخيته:
-عشان لقيتش حد يربيني، انا وحده متربيتش. 
احلام:
-ابقي لما تجيبي يابخيته تجيبي من الحاجة اتنين يامتجيبيش. 
بخيته:
-له يابوي خلاص حرمت مجايباش حاجة، دي من الصبح مقطعه مصارين البت على العروسه، ولولا خوفي اسيبها معاها وحدهم ارجع القى ورد ناتفاها نتف كنت خطفت رجلي جبت عروسه تانيه. 
احلام:
-له لا تروحي ولا تيجي انا بكره رايحه البندر وهجيبلهم اللي عايزينه.. وانتي بااحلام العبي مع امك سوا سوا حبايب، انتي شويه بالعروسة وهي شوية. 
أنا داخله اتسبح يابخيته اقعدي جارهم بدال ماتشتغل العيطه. 
دخلت احلام الحمام ويادوب فتحت الدش وسمعت صراخ ورد وبتها احلام، وخناقة جديدة من خناقاتهم المستمرة، بس رغم دا إلا إن ورد لقت في بتها الونس الحقيقي، نفس الحالة ونفس التفكير والتفاعل مابينهم اللي نسى ورد أي حاجة تانيه في الدنيا، حتى زكريا اللي بقى وجوده بالنسبالها زي عدمة.. وبالنسبة للجميع مش بس هي، لحد مافيوم صحيوا من النوم ملقوهوش، ساب البيت وساب البلد وفص ملح وداب في الدنيا الواسعه مرجعش تاني خالص. 

طلعت احلام من الحمام ودخلت أوضتها، قعدت علي مكتبها وفتحت الكتب بتاعتها وبدأت تذاكر، اصلها في آخر سنة كلية زراعة.. ايوه رجعت تكمل تعليمها والكل شجعها، ومع تفوقها كل سنه تتأكد إن دا أصح قرار اخدته فحياتها. ورجعت احلام تحقق احلامها الغير مكتملة. 
ومع كل صفحة كانت بتقراها، كانت بتحس إنها مش بتتعلم عن الأرض والزرع وبس، كانت بتتغير للأحسن وبتوصل للنسخة الأفضل على الأطلاق من أحلام، وطبعاً عمر كان له دور كبير معاها، عشان كان مرجعها اللي بتلجأله كل ماتقف معاها حاجة وهو عمره ماحجب عنها علم ولا معلومة. 
عارفه إن الأرض قلبها طيب  ومهما اتشققت من العطش، لو لقيت اللي يسقيها هتفتح قلبها وتخضر من تاني.
وإن البذرة ممكن تفضل تحت التراب شهور، وتفتكر إنها ماتت، وهي في الحقيقة بتستعد تطلع للحياة من جديد بس في الوقت المناسب. 
يمكن عشان كده حبت الزراعة، 
لأنها كانت شايفة نفسها في كل حبة زرع دفنتها الدنيا كتير، وغطتها بالخوف، وحاولت تمنع عنها الميه، لكنها في كل مرة كانت تطلع من تحت التراب وتعلن وجودها، وكل ماتتحصد بيد غادر كانت ترجع تنبت من تاني. 
وأحلام اللي قضت عمرها فاكرة إن حياتها انتهت قبل ما تبدأ، اكتشفت متأخر إن اللي انتهى كان مجرد فصل.. وأن حكايات العمر دايمًا ليها تحديثات بأي شكل، بالفرح او بالحزن، أو بالاشتياق والحنين والتفكير. 
كانت ساعات تقعد قدام كتبها، وتفتكر كل اللي فات.
تفتكر حمزه اللي كان أقرب إنسان لقلبها، وبقى أبعد إنسان عن حياتها.
حمزه اللي اختار طريقه، وهي اختارت طريقها. ومع الوقت، بطلت تسأل نفسها هو كان بيحبها قد إيه، وبطلت تسأل لو كان ممكن يحصل بينهم حاجة تانية غير اللي حصلت، وبطلت حتى تحاول تعرف أخبار حياته.
لأنها فهمت أخيرًا إن بعض الناس بنحبهم، لكن مش مكتوب لنا نعيش معاهم.. وإن الحب مش دايمًا وعد بالبقاء.
ساعات بيكون درس.. وساعات بيكون وجع.. وساعات بيكون مجرد باب يعدي منه الإنسان، عشان يوصل لنفسه.
ابتسمت أحلام.
وبصت للكتاب قدامها اللي من أول يوم راحت استلمت فيها كتب الكلية من ساعتها ماحستش إن حياتها ناقصة، 
كانت عارفة إن فيها حاجات كتير ضاعت، لكنها عرفت كمان إن مش كل حاجة بتضيع بتكون خسارة، بعض الحاجات لما بتروح، بتفضي مكانها لشيء أكبر، وأحلى. 
وممكن الإنسان يقضي عمره كله بيبكي على باب اتقفل في وشه، من غير ما ينتبه إن ربنا كان بيقوده من خلاله لباب تاني، هو أصلًا ماكانش يعرف إنه موجود من الأساس. 
خلصت مذاكرتها وراحت على سريرها عشان تنام فجاتلها احلام الصغيرة وبدأت نوبة الرغي والأسئلة، وعشان اتعلمت من درس أمها كانت تفضل صاحية معاها تسمعها وترد عليها لغاية ماتجاوبها علي كل أسئلتها وتفهمها اللي لا ورد ولا بخيته هيقدروا يفهموهولها وتعلمها الحياة بشكل صحيح، ايه الغلط فيها وإيه الصح، ايه اللي ينفع وإيه اللي مينفعش، والمرادي بحرفية تامة.. من غير أخطاء ولا إهمال..وأول مايجي ميعاد نومها كانت تسيبها وتروح تنام في حضن ستها بخيته، فتقدر احلام وقتها تاخد نفسها براحة وتغمض عيونها وتنام وهي حاسة إنها عملت اللي عليها ناحية احلام الصغيرة. 
وتاني يوم زي عادتها خرجت من البيت في الصبح بدري.
كانت الأرض قدامها واسعة، والهوا بارد، والشمس لسه طالعه بنص وشها تصبح عالدنيا بخجل قبل ماتطلع بالكامل..وقفت وسط الغيط.
مدت إيدها ولمست سنبلة قمح صغيرة لسه طالعه تبشر إن المحصول خلاص قرب يدي خيره ويكافئ صاحبه التعبان على تعبه واهتمامه بيه.. ابتسمت، كانت عارفة إن كل حاجة في الدنيا بتبدأ صغيرة.
حب، خوف، كراهية، طمع، 
حتى الشر نفسه، كل حاجة بتبدأ بخطوة، بنظرة، كلمة، تنازل، وبعدها تكبر وتستمر لحد ما تبقى قدر.
واثناء مرورها وسط الزرع رن تليفونها.. كان عمر اللي بلغها بصوت خايف وملهوف إن ناديه بتولد للمرة التالته، وانه طالع بيها عالمستشفى وانها عايزاها معاها. 
فرجعت احلام عالبيت جري خدت فلوس للسفر ونصيب ناديه اللي معاها من آخر محصول وسافرتلها بسرعة.. بالطيارة زي ماعلمها حمزه. 
ووصلت عندها في خلال ساعتين..
وهي في الطريق رن عليها "جاد".. الدكتور اللي دائم التواصل معاها من بعد مادرسلها السنة اللي فاتت وأُعجب بتفوقها ونباهتها وحطها في خانة المتفوقين، وفخانه تانية سرية ماأفصحش عنها بلسانه، لكن كل تصرفاته كانت تقول إن أحلام محطوطة عنده في الخانة دي. خانة الإعجاب والتعلق.
وأول ماعرف إنها مسافرة القاهرة لأختها وهو كان فيها صمم يقابلها لسبب مهم وضروري، فأداته عنوان المستشفى اللي ناديه فيها. 
وصلت ولقت اختها ولدت وقامت بالسلامة وسط فرحة عمر وحماتها وحماها وحتى ولادها الاتنين بأختهم اللي الكل كان مستنيها لأنها أول بنت هتتولد في البيت، أو البرنسيس زي ماكله مسميها من قبل ماتيجي. 
ومن لحظة وصولها معدتش ساعة وكان جاد واصل المستشفى، ببوكيه ورد وشيكولاته من الفاخرة،بارك لناديه وعمر، واخد احلام وطلعوا في الطرقة يتكلموا، وبدون مقدمات جاد قالها:
-احلام انا جاي النهاردة مش بصفتي دكتورك الجامعي وانتي تلميذتي، أنا جاي النهاردة بصفتي راجل جاي يطلب ايد البنت اللي من أول ماشافها لفتت نظره، وكل ماكان يعرفها اكتر كان إعجابه بيها يزيد، لحد ماوصل لحب. 
فإيه رأيك تقبلي تتجوزيني ياأحلام؟ 
رفعت احلام عنيها وبصتله لاول مرة بنظرة وحده بتبص لراجل جاي يتقدملها مش دكتورها، نظرة مختلفة دققت فيها علي كل تفاصيلة وشافت إنه شكليًا مقبول جدًا وملامحه مريحة، وشخصيته رزينه وهاديه.. يعني كشخصية مقبول،كعلم ومنصب مقبول جدًا،ومتنكرش انها بترتاحله وبيتناقش معاها فى أي موضوع بكل وعي ورقي. 
لكن دا مش كل حاجة.. وفي حالة احلام الظروف بتاعتها هي اللي هتحكم جوازها وتقرره.. 
فأخدت نفس وقالتله:
-أيوه يادكتور بس انا عندي ظروف وا... 
قاطعها جاد بإبتسامة:
-عارف ظروفك كلها وموافق بيها، عارف انك مش هينفع تسيبي البلد واخواتك وانا ياستي موافق وهانقل للجامعة اللي عندكم وابني بيت ونستقر فيه، وكده كده معنديش غير أبويا ودا بيعشق عيشة الصعيد لأن جذوره من هناك.. يعني هيفرح جدًا بقراري وهيجي جري يعيش معانا.. دا لو مكانش وجوده هيدايقك يعني.. انا ممكن أوفرله سكن مستقل وا... 
احلام:
-اخص عليك أوعى تنطوقها.. إلا ابوك متفرطش فيه لأي سبب. 
ولا حتى عشان ترضي وحده وتأسس حياة معاها، إلا الأب.. احنا اتربينا على حب الأهل وعارفين إن وجودهم معانا فرض ورعايتهم لآخر العمر واجب، واللي يبدي حد عن أمه. وابوه خسيس. 
ابتسم جاد وسألها:
-يعني موافقه إنه يعيش معانا؟ 
ردت عليه احلام بضحكة خفيفة:
-وهو انا لسه وافقت اني اعيش معاك اصلًا؟ 
جاد:
-افهم من كده إنك رافضه طلبي؟ 
سكتت احلام شوية ورفعت عينها وأملت عليه شروطها قبل اي رد:
-انا مش هسيب بلدي ياجاد لأي سبب، ومش هسيب بيت ابوي ولا هبعد عنه قوي، يعني لو سكنت فبيت منفصل ممكن اسكن فبيت يتبني جاره. 
جاد:
-موافق.. اللي بعده. 
احلام:
-ورد اختي هتفضل معاي لآخر العمر هي وبتها نظرًا لظروفهم ولو مش هلاقي واحد يقبل بيهم في حياته مش هتجوزه. 
جاد:
-موافق.. اللي بعده. 
احلام:
-اخواتي البنات ملهمش غيري وأرضنا انا اللي عراعيها، يعني فأي وقت وحده منهم تحتاجني هجري عليها ومش هتأخر عنهم في يوم. 
جاد:
-موافق ولو تسمحولي اكون اخوهم واجري معاكي عليهم هكون اسعد واحد في الدنيا انا طول عمري بتمني يكون عندي إخوات بنات..ها اللي بعده. 
احلام:
-تصوني وتحترمني. 
جاد:
-دا شيء مفروغ منه،انا لو مش بحترمك مكنتش جيت اتقدمتلك اصلًا.. ووعد هشيلك في قلبي وعيوني وفوق دماغي العمر كله.. ها اللي بعده. 
احلام:
-ولد عمي في البلد عايزني وسبق وعمل مشكلة عشان متجوزش وكل اللي يتقدملي يعمل معاه مشاكل. 
جاد:
-لا متشغليش بالك بيه وسيبيهولي، بحب انا التعامل مع الناس دي، وبالمرة دا هيديني فرصة اعرفك على وش تاني للدكتور جاد هتتفاجئي بيه، منا لسه قايلك جذوري صعيدية يعني عِندي ودماغي ناشفه انا كمان.. ها اللي بعده. 
احلام:
-مفيش. 
جاد:
-شبكتك مهرك مؤخرك، طلب مخصوص فبيتك مثلًا؟ 
احلام:
-آاااخر همي الحاجات دي، انا قولتلك الأهم عندي والباقي شكليات. 
جاد:
-يعني على بركة الله اجيب والدي ونطلب ايدك.. بس هنطلبها من مين؟ 
احلام:
-من عمر جوز اختي من مهدي من صلاح.. كلهم اخواتي ورجالتي.
جاد:
-لا خلينا في عمر ونخلص هنا كل حاجة ونكتب الكتاب وترجعي البلد وانتي حرم الدكتور جاد، والفرح بعد مانبني البيت ونجهزه، واهو بالمرة نكون مهدنا الصدمة لابن عمك ونوسعله عشان ينقي اعلى مافخيله ويركبه ويوريني هيعمل إيه بروح امه. 
احلام:
-دا ايه الدكتور اللبط ديه؟ 
جاد:
-لا دانا لسه هفاجئك..ميغركيش النضارة والبدلة  والدكترة دول مخبيين تحتهم طفولة مشردة نتج عنها شخصية غاويه مشاكل من النوع دا بقالي سنين كابتها لما تعبت، واهو جه وقتها وسبب لظهورها الحمد لله. 
ضحكت احلام  وضحك معاها جاد واتغير مجرى الحديث لغزل صريح احلام مكانتش عارفه ترد عليه، وكانت مكتفيه بإبتسامة وهي بتحاول تهرب بعنيها منه، وتخبي الدقة اللي اتولدت في اللحظة دي في أروقة المستشفى عشان تعلن عن ولادة حب جديد قدام كشك الولادة مباشرة. 
وفي الوقت اللي أحلام وجاد كانوا بيخطوا أول خطوة في تجربة جديدة كان واقف في آخر الطرقة اللي اتسمر من المنظر. 
كان جاي وجايب معاه رقيه وريما ومالك الصغير عشان يباركوا لعمر وناديه، متوقعش ابدًا انها تكون في المستشفى معاهم.. وقف ورقيه وقفت معاه تراقب لحظة المواجهه، عشان تشوف لو فيه حاجة لسه جوا القلوب. 
أما حمزه ففضل شوية باصصلهم، يقيم الراجل اللي واقفه معاه احلام ويقيم نظرتها ليه، وبعد دقايق اخد نفس ونفخه، واتقدم منهم، سلم واتفاجأت بيه احلام هي كمان نفس المفاجأة.. بس سلمت عادي وبصت لجاد وقالتله:
-دا حضرة الظابط حمزه، صاحب عمر جوز اختي وخدم حدانا في البلد فترة، وصديق شخصي، وكان فيه مشروع خطوبة مابينا وفشل بسبب الظروف، عشان متعرفش من براي وتزعل وتقول دست عني.. ودي مرته وام عياله،  ودا دكتور جاد، دكتوري الجامعي وخطيبي ياحمزه. 
الاتنين ابتسموا ومدوا اديهم وسلموا على بعض، وهما محترمين صراحة احلام واللي مكانتش جديدة على حمزه. 
وبعد السلام باركلهم حمزه ورقيه هي كمان باركتلهم، وحاوط حمزه كتف رقيه بدراعه ودخل بيها الأوضه لناديه وعمر وهو حاسس براحة غريبة، وفرحة عشان احلام، وشوية غيرة طبيعيين وهو شايفها مع غيرة، بس فرحته بإنها اخيرًا مع شخص بالكمال دا غطت علي غيرته.. احلام المرادي عرفت تختار صح وحمزه بيعرف يقرا الناس كويس من مجرد نظرة لملامحهم وهما بيتكلموا. 
سلم على عمر وباركله وبارك لناديه ونقط المولوده الجديدة، وأخد مراته وولاده ونزلوا، اخدهم على اقرب محل ايس كريم واشترالهم الانواع اللي بيحبوها، ودي كانت رغبته هو، اللي في اللحظة دي حس إنه محتاج حاجة بارده تنزل جوفه. 

أما أحلام.. فشوفتها لحمزه حسمت جواها حاجات كتير، وعرفت إن اللي باقي جواها منه وليه مجرد زكريات حلوة عزاز عليها مش أكتر. 
عدوا كام يوم اتفقوا فيهم جاد وابوه مع عمر على كل حاجة وكتبوا الكتاب.. ورجعت احلام وهي محضره لنوح ولأهل البلد كلهم مفاجأة من العيار التقيل. 
وبدات بنفسها تشرف على بنى بيتها، أو فيلتها بمعنى ادق، كانت تبنيها جنب بيت أبوها بالظبط، وكانوا مهدي وصلاح واقفين على ايدين العمال لحد ماخلصت، وكل دا ونوح رايح جاي عليهم عايز يوصل لأي معلومة عن الفيلا ومين صاحبها محدش مديه عقاد نافع. 
وطول الفترة دي احلام وجاد ٢٤ ساعة علي التليفون، قربوا من بعض ومبقوش يقدروا تمر ساعة من غير مايسمعوا صوت بعض، واكتشفت احلام إن كل اللي مر قبل جاد علي قلبها كان مجرد هزات خفيفة، أما هو فزلزال بأقوي ريختر نفض قلبها نفض وعمله إعادة ضبط، طرد منه أثر كل اللي مروا عليه، وهيأه ليه هو وقعد جواه واتربع. 
وفضل متابع معاها مراحل بنى وتشطيب البيت لغاية ماكمل خالص. 
وسافر دمياط اشترى عفش وحمله على عربيات كبيرة وبعته لأحلام فرشت بيه الفيلا، وبعده بكام يوم وصل جاد وأبوه وسكنوا الفيلا.. وبدأ يتنصب صوان كبير في البلد محدش كان عارفه بيتنصب ليه ولا مين صحابه؟ 
لغاية ماطلعوا صلاح ومهدي وعزه وتهاني يدعوا لحنة وفرح احلام.. الخبر اللي نزل على دماغ نوح زي ضربة مطرقة أفقدته صوابه
تعليقات



<>