
رواية صعيدي أجبرني الفصل السادس عشر16 بقلم ندا مصطفي عبد السلام
نزل جبل بخطواته الثقيلة السريعة عبر درجات السلم الرخامي العريض، وهو يفرك جبينه بغضب لا يطاق، وعباءته البيتية تتطاير خلفه. كانت الأصوات الصادرة من أسفل السور الخارجي للدوار تزداد صخباً، وصوت الغناء البلدي يتردد صداه في هدوء الليل.
فتح جبل الباب الحديدي الخارجي بضغطة قوية، ليجد الموقف كالتالي: أحد حراس شركة الزجاج والرخام الشباب، يجلس عند شجرة الليمون المجاورة للسور، يمسك بيده زجاجة مياه غازية، ويغني بصوت جلي وأجش مع تقطيع في الكلمات:
ـ "يا ليل يا عين.. يا صعيدنا يا غالي.. الحب يابا هد حيل أجدادي..!"
وقف جبل ويداه في جيبيه، ورجال الغفر يتجمعون حوله يحاولون كتم ضحكاتهم. نطق جبل بنبرة حادة وصوت هادر:
ـ يا مرحب يا مرحب! بالعندليب الجديد بتاع آل الجبل! إنت يا زفت إنت وهوا، واخدين السور مسرح ولا إيه؟!
انتفض الحارس الشاب محاولاً الوقوف، وتأرجح يميناً ويساراً وهو يؤدي التحية العسكرية بطريقة مقلوبة مضحكة:
ـ جـ.. جبل بيه! سعادتك هنا بنفسك؟! والله يا باشا أنا مش سكران بس.. يعني منفعل شوية! خطيبتي فسخت الخطوبة بعد ما اشتريت الشبكة، وقلت أجي أغني تحت حمايتك في الدوار عشان قلبي مولع نار!
رفع جبل حاجبيه بذهول، والتفت للغفر المحيطين:
ـ قلبه مولع نار؟! وطالع ينقط بؤسه على دماغنا بالليل؟! خدوه يا جلال إنت وهوا، حطوا راسه تحت حنفية المية الباردة في الجراج لحد ما يفوق، والصبح يدفع ثمن الشبكة ويتربى من جديد! يلا أمشوا من قدام وشي بدل ما أرميكم في الترعة كلكم!
سحب الغفر الحارس الشاب وهو يستغيث ويغني بقهقهة مضحكة، بينما رجع جبل بخطواته وهو يتنحنح بضيق، مطفئاً نيران غضبه المداعب.
صعد إلى الجناح العلي، ودخل الغرفة ليجد رحمة لا تزال مستلقية على السرير، تختنق من الضحك وتغطي وجهها بالوسادة!
أغلق جبل الباب بالمفتاح، واقترب منها بتذمر مصنع وهو يرمي نفسه بجوارها على السرير:
ـ اضحكي يا ست رحمة اضحكي! بقى جبل يقطعوا عليه أحسن لحظة رومانسيه في حياته عشان واحد خطيبته سابته وجاي يغنيلي تحت الشباك؟!
جلست رحمة وعدلت شعرها الأسود المنسدل، والابتسامة تزين وجهها المشرق:
ـ معلش يا جبل، طبعاً غلبان ومجروح، وبعدين إنت قلبك كبير وبتستوعب الكل!
اقترب جبل منها ببطء شديد، وانكمشت حدقتا عينيه بشرر دافئ ورغبة صادقة. وضع يده حول خصرها الرقيق، وجذبها نحوه ببطء حتى لامست أنفاسه الشديدة وجهها الشاحب الناعم. تراجعت رحمة قليلاً بكسوف وتوتر، فشعر بها جبل وربد على يدها بحنان:
ـ رحمة.. إحنا بقالنا فترة في الدوار، والمشاكل والأسرار كانت حابسة أنفاسنا. بس أظن إن الوقت جه عشان نعيش زي أي زوج وزوجة حقيقيين.. نعيش تحت سقف واحد بجد، مش بس ورق وأسماء في المحكمة. أنتي مراتي وروح قلبي.. وأنا نفسي تحسي بيا قبالك.
نظرت رحمة للأرض، واشتبكت أصابعها بتوتر، ونطقت بصوت خفيض صادق ينبض بالرجاء:
ـ جبل.. أنا عارفة إنك سندي وجوزي وحاميني، وعارفة إنك بتعمل المستحيل عشاني. وأنا مش نكرانة لده خالص، بل بالعكس.. أنا بقيت بحس بأمان معاك عمري ما حسيت بيه في حياتي. بس.. بس أعذرني يا جبل، كل الأحداث والتغيرات دي حصلت بسرعة أوي! في شهر واحد اكتشفت إن أهلي مش أهلي، وإني مخطوفة، وإن فيه كبارات عايزين يقتلونى، وإني بقيت حرم جبل الصعيدي! أنا محتاجة وقت بس.. محتاجة فرصة وعقلية هادية أتعود فيها على الجو الجديد ده، وعلى وجودك القريب ده.. أنا خايفة وبحس إن جسمي لسة مستغرب القرب العاطفي ده. أديني فرصة وأنا أوعدك إني مش هتاخر عليك.
نظر جبل في عينيها الصافيتين، ورأى فيهما الصدق والخوف الطفولي. لم يضغط عليها، بل ابتسم ابتسامة رجولية حنونة، وقبل رأسها بقبلة طويلة دافئة:
ـ حقك عليّ يا عيون جبل.. أنا أسف إن استعجلتك. خد وقتك وزيادة يا ستي، وأنا معاكي ومستني لحد ما تحسي إن جبل ده هو روحك ومش غريب عنك خالص. نامي وارتادي يا رحمة قلبي.
تنهدت رحمة براحة عميقة، ونامت في أحضانه تلك الليلة وهي تشعر بأعلى درجات السلام والأمان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم / ندا مصطفى عبد السلام (صفاء الروح)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفى احد السجون يجلس مسعد فى احدى جوانب الغرفه منكمش على نفسه خائف من هذا الوضع الجديد ومن مصيره فى الحياة ...ابعد كل هذه الرفاهية مكانه هو اقذر مكان رأته عيناه ...ثم قاطع شروده فى خوفة رجل يبدو عليه الإجرام
الرجل : قوم يا حيلتها
مسعد : عايز اى
الرجل : قوم يخويا بقولك بدل ما اخليك فرجه للى يسوى وميسواش
مسعد بغضب : لا بقولك اى لو فاكرنى خليجى بصحيح تبقى غلطان دول شويتين لزوم الشغل بس انما انا من اضيق حى شعبى فيكى يا مصر مياكلش معاك الشكل الناعم ولا لغة الحوار المؤدبة
نظر الرجل لمسعد من اسفل لأعل ثم حك ذقنه وفى عينيه قد لمعت فكره : اتصدق شكلك ناعم ومش ناعم بس وكرى كمان ...قوم ارقصلنا يلا
مسعد بصدمه : ارقص اى انت اتجننت
الرجل وقد اشار لرجلين ضخمين اخرين : لبسوه
مسعد وهو يصرخ كالفتيات : اوعو كده سيبونى ...يا شويش ..يا حارس يا اى حد الحقونى
...وبعد قليل نرى ان مسعد قد ارتدى بالاكراه بالفعل ملابس لا تمت بملابس الرجال بصلة واحده ونرى نظرة الانكسار فى عينيه وهو ينظر لكل الرجال من حوله وهم ينظرون له نظرات غامضه ومنها مليئة بالخبث والغدر والشهوة وهو لا يعرف كيف يفر من هذه اللحظه
الرجل : ارقص بالزوق بدل ما نرقصك بالعافيه
مسعد : بس
الراجل ضربة فى بطنه ضربة قوية جعلت مسعد يرتد للخلف خطوتين وكاد ان يقع وتألم مع تأوه بسيط
احد الرجال الآخرين : بص حتى صوته ناعم ازاى ...ده انت ليلتك هتبقى عنب انهردا
الرجل : براحه يا شباب متخوفهوش مننا ..اصل الحجات دى محتاجه امان الاول مينفعش نخوفه
وما ان سمع مسعد هذه الكلمات حتى ملئ عقلة بأقذر واسوأ السيناريوهات التى قد تقع فى مثل هذا المكان . هل فعلا سيكون مصيره بشع بهذه الطريقه ....
وقطع تفكيره مره اخر ذلك الرجل : هترقص يحيلتها ولا اقوم ارقصك بنفسى
مسعد حاول ان يعترض ولكن وجد سلاح ابيض قد وجه فى وجهه
وبغصه فى حلقه وبعيون دامعه وبنظره ضعف وانكسار اخذ يحاول الرقص
الرجل : لا يا حيلتها هزلنا الوسط الحلو ده ....عارف دينا بترقص ازاى ...ارقص زيها كده
وتحت الضغط والتهديد حاو مسعد الرقص كما يريدون حتى ينتهى من هذا الوقت ولكن قطع رقصه هذه المره رجل ضخم البنيه واقرع وتنبت من عينيه نظرات لا يمكن ان تفهم غير النية التى فهمها مسعد ....ابتعد مسعد خطوتين قائلا : عايز اى ...مش رقصت زى ما انتو عايزين ...عايزين اى تانى
الرجل : ده كان تسخين للى جاى يروح امك
مسعد وهو يحاول طرد هذه الافكار : يعنى اى
اقترب الرجل : هوريك دلوقتى
وها هو ذاك الرجل يكسر اخر ذرة رجولة تبقت لدى مسعد امام باقى المساجين وصارو يتناوبونه حتى القى مسعد كالجثه الهامدة بين ايديهم ودموعه منهمرة على وجهه لا يصدق ما حدث له بين ليلة وضحاها لا يصدق انه طعن فى رجولته بهذه الطريقه ثم وجد هذا الرجل الذى يقطن فى زاوية الزنزانه يخرج هاتف صغير ويتحدث به : خلتهولك زى القطنه المبلوله لا نافعه ولا شافعه هههههه ...لا يا باشا يكلمك اى بس هو فى عروسه فى ليلة دخلتها بتقدر تفتح بؤها بردو ...خلاص خلاص كده كده الفيديو معاك شوفه واتأكد بنفسك ....انت تؤمر يا باشا
وما ان اغلق الخط حتى سقط اخر دمعه من عين مسعد ثم اغمض عينه بقهر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في اليوم التالي.. انفتحت طاقة جديدة من الأحداث في الصعيد!
عاد "صقر" أخو جبل إلى الدوار، ومعه صديقه "رامي"! ولكن هذه المرة لم يعودا بالسلاح أو بالتهديد، بل دخلا الدوار برؤوس خفيضة ورجاء خاضع.
وقف صقر في وسط المجلس أمام جبل وأمه "الحاجة فاطمة"، وجسده يبدو عليه التعب، ونبرته تمتلئ بالندم والمكر المتخفي:
ـ جبل.. يا أخويا الكبير وتاج راسي. أنا جاي النهاردة مش عشان أطالب بحاجة ولا عشان أرفع عيني في عينك. أنا جاي أقولك إني غلطت.. غلطت في حقك وفي حق أهلي وفي حق الصعيد كله لما مشيت ورا رامي وورا الطمع. أنا ندمان يا جبل، وجاي أطلب منك السماح والصفح.. اعتبرني خدام تحت رجليك في الدوار، بس ما تطردنيش من حضن أخويا!
وقفت أمهما الحاجة فاطمة وبكت بلهفة الأمومة، تنظر لـ جبل بلمسة رجاء:
ـ سامحه يا جبل يابني.. ده أخوك من دمك ولحمك! المسامح كريم يا ولدي!
نظر جبل لـ صقر بعيون حادة وغموض صلب لم يستطع أحد قراءته. ثم خطى نحوه بخطوات متزنة ونطق بصوت قاطع كالحديد:
ـ أنا هسامحك يا صقر.. عشان أمي وعشان الدم اللي بيننا. تدخل الدوار وتعيش وسطنا كأخ ومكرم. لكن.. لازم تفهم حاجة واحدة كويس وماتنسهاش طول عمرك! الأرض والأملاك والشركات اللي أبويا سابها.. خلاص بقت باسمي وأنا المالك الوحيد ليها! إنت استغنيت عنها زمان وبعتها بالرخيص للغرباء، وأنا اللي رجعتها بدمي وفلوسي وعرقي من غير مساعدة حد! إنت مالكش حق ولا ورث في المتر الواحد هنا خلاص! هتعيش هنا أخ وياك أكلك وشربك وعزك، لكن قرش واحد من الشغل والأرض مالكش صالح بيه! فاهم ولا مش فاهم؟!
انقبض وجه صقر بغل مكتوم وشرار خفي في عينيه، لكنه بلع ريقه بسرعة وأظهر الانكسار والتواضع:
ـ فاهم يا جبل بيه.. فاهم وموافق! الأرض أرضك والعز عزك، وأنا كفاني بس إنك سامحتني ورحمتني من الشارع!
رحب البيت كله بـ صقر ورامي بشكل ظاهري، ورحبت رحمة أيضاً بوجوده وأظهرت طيبة قلبها، متمنية أن تكون صفحة الشر قد انطوت للأبد.
مرت ثلاثة أيام كاملة.. كانت كالشهد والجمال في دوار آل الجبل
عاشت العائلة في سلام تام ورغد. كانت الأيام تشهد ضحكات رحمة وجبل، وخروجهم في المزارع الكبيرة، وجلسات العائلة أمام التلفاز في المساء وشرب الشاي بالنعناع، والتنافس الكوميدي بين جبل وحازم حول منار، وتصنع صقر ورامي التوبة والخدمة والدفاع عن الدوار، حتى اطمأن الجميع تماماً ورجع الهدوء إلى القلوب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم / ندا مصطفى عبد السلام (صفاء الروح)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي اليوم الرابع.. وفي وقت الظهيرة تحديداً...
كانت السفرة الكبيرة في الدوار تُعد للغداء. كانت الحاجة فاطمة والخدامات قد أعددن وجبة سمك مشوي ومقلي فاخر مع أرز الصيادية والأنواع المختلفة، فالجميع في الصعيد يعشقون السمك.
ولكن.. رحمة كانت تحضر للمطبخ وقالت بابتسامة ورقة للحاجة فاطمة:
ـ يا ماما فاطمة.. أنتِ عارفة إني ماليش في السمك أوي وما بحبش ريحته.. أنا هعمل لنفسي طبق مكرونة بالوايت صوص وفراخ بانيه سريعة كدة أتعشى بيها على جمب!
الحاجة فاطمة بحنان:
ـ ماشي يا حبيبتي، اعملي اللي يريحك يا حبيبتى، المطبخ ملكك والخير كتير!
في تلك الأثناء.. كان صقر يمر بالقرب من باب المطبخ المفتوح ورأى رحمة وهي تضع طبق المكرونة والبانيه الخاص بها على الطاولة الجانبية، ثم خرجت لتنادي جبل من الحديقة.
تسرب صقر للمطبخ كالأفعى السامة! تلفت يميناً ويساراً للتأكد من عدم وجود أحد.. أخرج من جيبه الداخلي زجاجة صغيرة بلورية تحتوي على مادة سائلة شفافة شديدة السمية والخطورة، حذر إياها الكبارة والمجهول وقالوا له: "نقطة واحدة في الأكل، وخلال دقيقتين قلبها يقف وتبقى جثة!".
فتح صقر الزجاجة بسرعة، وسكب القطرات السامة فوق طبق المكرونة الخاص برحمة بالكامل، ثم حرك الأكل برفق لإخفاء أي أثر، وخرج متسللاً بابتسامة شيطانية شاحبة!
بعد دقائق.. تجمع الجميع على السفرة الطويلة. كان جبل يجلس على رأس الطاولة، وجواره رحمة وباقي العائلة وصقر ورامي.
وضع طبق المكرونة الفاخر أمام رحمة. أخذت رحمة الشوكة، وأكلت القشطة الأولى والثانية وهي تتجاذب أطراف الحديث الضاحك مع جبل والحاجة فاطمة...
وفجأة!
توقفت رحمة عن الكلام! تغيرت ملامح وجهها إلى الشحوب الموتور، واتسعت عيناها برعب حقيقي! ألمس كفها بطنها، وتساقطت الشوكة من يدها لتحدث صوتاً مرتفعاً على الطبق!
صرخت رحمة بصوت يمزق القلوب وتأوهت بانهيار:
ـ آآآآآخ! بطني! جبل الحقني يا جبل! بطني بتتقطع! حاسة بنار بتاكل في مصاريني! أنا بموووت يا جبل!
قفز جبل من كرسيه كالأسد المجروح، وانقض عليها يحتضنها وجسدها يرتعش ويهتز بشدة بين يديه! صرخت الحاجة فاطمة ومنار بانهيار وهستيريا:
ـ اسم الله عليكي يا بنتي! مالك يا رحمة فيه إيه؟!
جبل بصرخة هادرة هزت سقف الدوار:
ـ رحمة! رحمة رد عليا!
حملها جبل فوراً بين ذراعيه واندفع بها صاعداً درجات السلم نحو جناحه الخاص وهو يصرخ في العائلة بالأسفل:
ـ محدش يطلع ورايا! أنا هشوف مالها وأطمن عليها بنفسي فوق! اتصلوا بالإسعاف بسرعة يا حازم! بسرعةةة!
دخل جبل الغرفة وأغلق الباب بقوة خلفه، وساد الرعب في أسفل الدوار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم / ندا مصطفى عبد السلام (صفاء الروح)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في تلك الأثناء.. وفي الزاوية المظلمة الخلفية للحديقة بجوار السور المقطوع...
كان صقر يقف مستنداً على الشجرة، يمسك هاتفه الذكي بضغطة فرح ونشوة شريرة، ويتصل بـ "المجهول/الكبارة"!
رد الكبارة بلهفة وجشع عبر الهاتف:
ـ ألو! أنطق يا صقر! عملت إيه؟! البت راحت ولا لسة؟!
ابتسم صقر بابتسامة خبيثة ونطق بنبرة ثقة وبجاحة:
ـ اعتبر الموضوع انتهى يا باشا! البت أكلت السم كله قدام عيني، ودلوقت بتفرفر وميتة في أوضتها فوق وفيه حالة صريخ ورعب في الدوار! كلها دقائق والإسعاف تصدر التقرير إنها ماتت بسكتة قلبية! جهز الـ 5 مليون جنيه اللي اتفقنا عليهم.. أنا طالع على القاهرة فوراً عشان أستلم حقي....
وفجأة!!
ومن خلف ظهر صقر مباشرة.. صدر صوت هادئ، واثق، وحاد كشفرة السيف!
ـ "الـ 5 مليون جاهزين يا صقر.. بس هيتدفعوا ثمن كفنك يا خاين!"
انتفض صقر ورجع للخلف بذعر وذهول! ليجد "جبل" يقف أمامه بكل هيبته وقوته، ممسكاً بهاتفه الشخصي الذي يتصل بنفس الرقم، وعلى وجهه ابتسامة ساخرة مليئة بالغضب الساطع!
أخذ جبل الهاتف من صقر المصدوم، ورفعه إلى أذنه وقال بنبرة هادرة كالرعد أسمع بها الكبارة على الطرف الآخر:
ـ ألو يا كلب! أياً كنت إنت مين ولا مستخبي في أنهي جحر في مصر.. هجيبك وهشرب من دمك! وموت رحمة ده بعينك وعين صقر وعين اللي خلفوكم! رحمة عايشة وسليمة وفي حمايتي، وحسابكم كلكم معايا قبل ما تتخيلوا!
ضرب جبل الهاتف في الأرض بكل قوته ليتحشم لمئات القطع تحت جزمته الفاخرة!
شخصت عينا صقر، وجفت الدماء في عروقه، ونطق بتلعثم ورعب خرافي:
ـ جـ.. جبل؟! إنت.. إنت هنا إزاي؟! ورحمة.. رحمة ماتت فوق والسم..!
خطى جبل خطوة واحدة وانقض على قبة قميص صقر بكلتا يديه، ورفعه في الهواء كالريشة، ثم سدّد له صفعة وركلة قويه متتالية جعلت صقر يرتطم بالسور وينزف الدم من فمه وأنفه!
صدم جبل رأس صقر بالحائط وهو يصرخ بقلب مجروح وغضب ساطع:
ـ فاكرني غبي يا ولد أبوي؟! فاكر جبل الصعيدي بياكل من دخلة الحنية والأخوة والندم المزيف دي؟! أنا من أول لحظة دخلت فيها الدوار وإنت ورامي، وأنا عارف ومتأكد إنك راجع بمصيبة ووراك غدر! أنا ما آمنتش ليك ثانية واحدة يا صقر!
انهار صقر تحت يديه بدموع الجبن والخوف:
ـ جبل.. ارحمني يا أخويا! أنا.. أنا الشيطان غواني!
صرخ جبل وهو يضربه بقبضته الحديدية على وجهه:
ـ شيطان إيه يا رمّة؟! ده إنت الشيطان بياخد منك دروس! أنا شفتك بفضل عيني من خرم الباب وإنت بتتسلل للمطبخ وبتحط المادة السامة في طبق رحمة الخاص! شفتك بعيني وأنت بتبتسم بالغدر! ولما إنت خرجت، أنا دخلت فوراً وبدلت طبق رحمة بطبق تاني سليم مية بالمية، وأخدت الطبق المسموم للتحليل والمعمل عشان أضمن حقنا!
توسل صقر المصدوم:
ـ يعني.. يعني رحمة ما أكلتش السم؟!
جبل بضحكة ساخرة مريرة:
ـ رحمة كانت بتمثل معايا الخطة فوق! قلتلها صرخي واتنططى عشان نشوف رد فعلك ونأكد الشك باليقين! كنت بأمن نفسي وبقول يمكن أخويا ما وصلتش بيه القذارة والقتالة إنه يقتل بنت عمه ومراتي في بيتي! بس إنت أثبت إنك مش أخويا ولا تعرف دين ولا أصول!
في هذه اللحظة، ركضت الحاجة فاطمة ورحمة وحازم ورجال الغفر نحو الحديقة الخلفية بعد أن سمعوا صراخ جبل والضرب!
وقفت الحاجة فاطمة ورأت ابنها صقر مدمى ومطروحاً على الأرض وتحت قدم جبل! صرخت وأمسكت بذراع جبل تبكي:
ـ جبل! يا بني حرام عليك! ده أخوك من بطني! هتموت أخوك بيدك عشان بنت عمك؟! هتموعه وتضيع العيلة عشان بت؟!
التفت جبل لأمه بعيون محمرة تقطر بالدموع والقسوة القاطعة، وقال بنبرة هزت أركان الدوار كله:
ـ سيبيني يا أمي! دي مش بس بنت عمي.. دي مراتي وحرمي وست الدوار ده! والأخ اللي كنت فاكر إني ربيته وطلع ابن أصول، طلع أفعى خاينة عايز يقتل مراتي بالسم عشان 5 مليون جنيه من الكبارات!
صدمت الحاجة فاطمة وشهقت بذهول وهي تنظر لـ صقر غير مصدقة:
ـ عايز تقتل رحمة بالسم يا صقر؟! يا مري يا فضيحتي في البلد!
أخرج جبل هاتفه واتصل بالشرطة والمباحث فوراً، ونطق بصوت قاطع أمام الجميع:
ـ ألو.. معاك جبل .... عندي بلاغ بمحاولة شروع في قتل مرتبة داخل الدوار، والمتهم أخويا صقر وصاحبه رامي.. تعالوا خدوهم من هنا فوراً!
أغلق جبل الخط، والتفت لـ صقر المنهار على الأرض:
ـ أي حد يلمسني، أو يلمس عيلتي، أو يفكر يأذي شعرة من مراتي.. حسابه هيكون أقصى عذاب وموت! وإنت.. عشان إنت أخوي ومن دمي، أنا رأفت بيك ومش هموتك بيدي وهسيبك تتهفن في السجن طول عمرك يا خاين!
احتضن جبل رحمة التي تقدمت منه ودموعها تسيل، ووضعت رأسها على صدره، بينما أحاط رجال الغفر بـ صقر ورامي المقيدين في انتظار الشرطة، لتنتهي معركة الخيانة الداخلية وتبدأ مرحلة المواجهة الكبرى مع الباشا والكبارات!
يتبع