
رواية صعيدي أجبرني الفصل السابع عشر17 الاخير بقلم ندا مصطفي عبد السلام
كان الصباح يشرق على صعيد مصر بنور ناعم ينسكب كالعسل المصفى فوق قمم النخيل العالية وأسطح الدور العتيقة. نسيم الخريف العليل يتهادى بين غيطان القصب والمزارع الممتدة على مد البصر، محاملاً برائحة الطين الخصيب وزهور الليمون. في هذا الصباح تحديداً، لم يكن دوار آل الجبل مجرد حصن مصفح بالرجال والبنادق كما كان طوال الايام الماضية؛ بل كان أشبه بقلعة استكانت أخيرًا لسكينة عميقة، وكأن الجدران الرخامية الشاهقة والأبواب الخشبية المزخرفة تنقش في جدرانها فصلًا جديدًا من الأمان.
في الجناح العالي المطل على البساتين، كانت "رحمة" تقف عند السور الرخامي للشرفة. كانت ترتدي عباءة ناعمة باللون الزيتوني الفاتح المطرّز بخيوط حريرية دقيقة عند الأكمام والحافة، وشعرها الأسود الغزير المنسدل يداعب كتفيها مع كل نفحة هواء. كانت عيناها الناعمتان تطوفان بالخضرة الممتدة، تشعر بداخلها أن هذه الأرض لم تعد ترهبها كما كانت في البداية. لقد جاءت إلى هنا وهي تتخبط في شتات هوية ضائعة، يبحث عنها الخطر والقتل من كل جانب، وحيدة لا تملك سوى ذكريات مشوشة وأوراق مطوية.. أما الآن، فكانت تقف بثبات وثقة، تلمس الدفء الذي يسري في أركان المكان، وتدرك أن خوف السنين قد بدأ يتلاشى كدخان يذوب في السماء.
انفتحت ضلفة الباب الخشبي الثقيل ببطء وصوت هادئ، وخرج "جبل".
كان يرتدي جلبابه الصعيدي الأبيض الناصع المصنوع من أجود أنواع القطن، وشاله العنابي الملفوف بعناية فائقة على كتفه العريض. في يده كان يحمل صينية فضية صغيرة عليها كوبان من الشاي المزين بأوراق النعناع الأخضر الطازج. كانت رائحة عود الصندل الأصيل تفوح منه بعبق خاص يملأ المكان هيبة ورحمة في آن واحد. وضع الصينية على الطاولة الخشبية المجاورة للسور، ثم اقترب منها ببطء، وعيناه النافذتان تتأملان سكونها بابتسامة حنونة.
ـ "الجميل واخد صفنة طويلة مع شمس الصباح ليه من بدري كده؟ ولا الغيطان والعرب عاجبينك يا ست البنات؟"
التفتت إليه رحمة، وانقشعت من وجهها رتوش التفكير لتشرق ابتسامة رقيقة أضاءت ملامحها الدقيقة:
ـ "الأرض حلوة قوي يا جبل.. بس الأمان اللي حاساه هنا أحلى بكتير. أنا طول عمري كنت بصحي وأنا خايفة من بكرة، خايفة الشارع يبلعنى أو الكوابيس تطاردني.. بس المرة دي، حاسة إن بكرة ده ملكنا إحنا، حاسة إن ليا سند وظهر يهد الدنيا عشان خاطري."
ابتسم جبل بنبرة دافئة هزت أركان حواسه، واقترب منها خطوة أخرى يمسك كوب الشاي ويسلمه لها بحذر:
ـ "بكرة وبعد بكرة والعمر كله بتاعك يا رحمة. جبل الصعيدي لما يحط يده على حاجة ويقول دي حمايتي، بيبقى موته أسهل عليه من إن شعرة واحدة منها تتأذى. الأرض دي كلها نبتت عشان أنتي تمشي عليها وراسك مرفوعة."
أخذت منه الكوب، وارتشفت منه رشفة صغيرة وهي تنظر إلى ساحة الدوار السفلية، حيث كانت السيارات الدفع الرباعي السوداء متوقفة بانتظام. وفجأة، ارتفعت في عينيها لمعة شقاوة طفولية وهي تدير وجهها نحوه بنظرة توسل لطيفة.
ـ "جبل.. هو أنا ممكن أطلب منك طلب بس توعدني الأول إنك مش هترفض ولا تتريق عليا؟"
رفع جبل حاجبيه باستغراب مشوب بالمشاكسة، وحك ذقنه التي تزينها لحية خفيفة متناسقة:
ـ "طلب؟! قولي يا ستي، هو أنا من متى أقدر أرفض للباشا الصغير طلب؟ قولي وخلصيني قبل ما الشاي يبرد."
اقتربت منه خطوة، وقالت بنبرة حماسية متسارعة:
ـ "أنا من زمان قوي نفسي أتعلم السواقة! كل ما أشوف حد بيسوق عربية بحس إنها حاجة ممتعة أوي وفيها حرية.. إيه رأيك تعلمني السواقة بنفسك هنا في طريق المزارع الفاضي؟ الطريق عريض ومفيش فيه حد خالص، وأنت هتكون جنبي!"
توقف جبل لثوانٍ، ثم انفجر بقهقهة عالية هزت صدره، حتى تراجعت رحمة للخلف بغضب طفولي.
ـ "تسوقي؟! أنتي يا رحمة تسوقي الحديد ده؟! ده أنتي لما باب الدوار يتقفل جامد ب تتخضي وتستخبي ورايا! عاوزة تمسكي دركسيون عربية دفع رباعي وزنها اتنين طن في طريق المزارع؟!"
ضربت رحمة قدمها بالأرض برقة وغضب مصنع، وضمت يديها إلى صدرها:
ـ "جبل! بتضحك عليا؟ مش أنت قلت لي إنك جنبي وهتعلمني كل حاجة خطوة بخطوة؟ ولا الكلام الصعيدي ده مجرد كلام وبس؟ إيه يعني.. مش يمكن أطلع أشطر منك وتنبهر بيا؟"
توقفت ضحكة جبل، وتجمعت في عينيه لمعة حنان جارفة لم تستطع صلابته الصعيدية إخفاءها. وضع كوب الشاي جانباً، واقترب منها حتى أصبحت بين يديه، واضعاً يديه بحرص حول كتفيها:
ـ "بقى كده؟ جبل الصعيدي كلامه مجرد كلام؟ ماشي يا ستي.. أنا بصمجي سواقة وهوريكي البصمجي ده هيعلمك إزاي تخلي عربيات الصعيد كلها تقف ليكي انتباه! من النهاردة ليكي ساعة تدريب كل يوم في طريق المزارع العريض اللي ورا الدوار، لحد ما تبقي أسطورة السواقة في البلد!"
اتسعت عيناها بالفرح الخالص، وقفزت في مكانها بعفوية وهي تمسك بيده بكل قوتها:
ـ "بجد يا جبل؟! مش بتهزر معايا؟"
نطق بصوت هادئ وممتلئ بالصدق:
ـ "وهزر معاكي ليه يا روح جبل؟ أنتي تأمري والأرض دي كلها تمشي تحت أمرك."
.....................
وفى احد الزنزانات التى كان يقطن بها مسعد بنفس مكسورة بعدما حدث له فى الايام الماضيه وتكرر معه الوضع كل يوم
احد المجرمين معه : انت يا يلا قوم هز شويه ....قوم يلا....يا معلم الواد ده مبيردش
كبير المسجونين : يعى ال مبيرودش هو عايز يتعلم عليه تانى ولا اى (ذهب اليه يركله فى بطنه ولكن كان مسعد نائم ومسطح على وجهه دون حراك )
انزل يلا شوف ماله
انحنى ذاك الرجل ليرى ما بع مسعد ليجد ان وجهه شاحب وشفتاه مائلة للزرقان فأسرع ليضع اصابع امام انفه ليجد انه لا يشعر بانفاس مسعد ..نظر سريعا للكبير قائلا : شكله مات يمعلم
ذهبو مسرعين لحارس الزنزانه ثم اتو واخذوا مسعد الذى كان قد مات بالفعل اثر حزنه على نفسه .
.....................
على بُعد كيلومترات قليلة من هدوء الدوار، وفي منطقة جبلية نائية يكسوها الفقر، كانت هناك فيلا قديمة معزولة بالستائر السوداء الثقيلة، تفوح من أركانها رائحة الرطوبة والتآمر.
في الداخل، كان "الباشا الكبير" يجلس خلف مكتب عتيق من الخشب الداكن. كانت ملامحه حادة وتجاعيد الغضب تنخر في وجهه، وعيناه جمرتان من الغل والشر. أمامه كانت تستقر خريطة تفصيلية للطرق المؤدية لدوار آل الجبل، وبجوار الشباك كان يقف "المجهول" (شريكه الخفي)، والذي بدت عليه علامات الإعياء والتعب الشديد بعد سهر أيام متواصلة في المراقبة والهروب من رجال الأمن.
ضرب الباشا قبضة يده على المكتب بقوة جعلت أقلام الحبر تطير في الهواء:
ـ "يعني إيه صقر ورامي اتحبسوا في القاهرة؟! يعني إيه كل الخطط اللي خططناها طارت في الهواء عشان الولد جبل ده أذكى من الشياطين؟! إحنا كده بنتخنق!"
قال المجهول بنبرة خائفة ومترددة، وهو يمسح العرق من رقبته:
ـ "يا باشا، جبل مأمن الصعيد كله! الغفر والمباحث ورجالته في كل حتة. والمحامي بتاعه في القاهرة بدأ يتحرك رسمياً في أوراق الميراث وحصر التركات اللي باسم أختك وأبو رحمة في الخليج. لو المباحث وصلت للتوكيلات المزورة اللي معانا قبل ما نخلص من البت ، إحنا مش هنروح السجن بس.. إحنا محكومين إعدام يا باشا!"
قام الباشا من مقعده، وتجول في الغرفة ببطء، وعيناه تقطران بشرر شيطاني:
ـ "مش هسيبها تاخد مليم واحد من المليارات دي! البت دي لو عاشت، أنا هكون انتهيت. لازم تموت بأسلوب ميخليش حد يشك فينا ولا يرفع صباعه ناحيتنا.. الموت القدر.. حادثة! حادثة قضاء وقدر محدش يقدر يعترض عليها ولا يحقق فيها!"
سأل المجهول بدهشة، وهو يقترب من الخريطة:
ـ "حادثة إزاي وهي محبوسة جوه الدوار وفي حماية رجالة جبل المتسلحين؟"
ابتسم الباشا ابتسامة مسمومة كشفت عن أسنانه الصفراء، وهو ينظر للهاتف الذي وصله عليه تقرير من أحد الجواسيس المترقبين بالقرب من أراضي الدوار:
ـ "الجاسوس اللي واقف على حدود المزارع بلغني إن البت نازلة تتسلى وتتعلم السواقة مع جوزها في طريق المزارع المهجور اللي في المنحدر.. بت جافية ما بتعرفش تمسك دركسيون! لو قطعنا سلك الفرامل في الوقت المناسب وهي طالعة لوحدها بالعربية، العربية هتدخل في الجدار الصخري أو تقع في المنحدر، والكل هيقول: "غشيمة ومش عارفة تسوق وراحت فيها"! محدش هيشك فينا، والجثة هتتدفن والورث يرجع لنا!"
تنهد المجهول بشر خفي وابتسامة ملعونة:
ـ "خطة ملعوبة يا باشا.. الموت يقابلك في الحادثة ومحدش يحاسب القدر!"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم/ ندا مصطفى عبد السلام (صفاء الروح)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مر يومان على الدوار في هدوء واستقرار ناعم.
كان طريق المزارع الواسع الممتد بين النخيل الخضراء يشهد أجمل لحظات الضحك والمشاكسة بين جبل ورحمة.
كانت رحمة تجلس خلف مقود السيارة الجيب الفاخرة السوداء الخاصة بشركة جبل، وجوارها جبل يجلس في مقعد الركاب، يمسك بدليل القيادة ووجهه يجمع بين الرعب والضحك.
رحمة وهي تمسك الدركسيون بقوة وتغمض عينًا وتفتح الأخرى:
ـ "جبل.. أنزل رجلي على البنزين ولا الدبرياج الأول؟ أنا حاسة إن العربية هتنط بينا في الترعة!"
جبل وهو يمسك طرف التابلوه بيده ويضحك بحرارة:
ـ "يا بوي يا رحمة! بالراحة على الدواسة الله يخليكي! إحنا بنتعلم سواقة مش طالعين حرب! ارفعي رجلك براحه ودوسي بنزين بالهداوة يا ست البنات."
تحركت السيارة ببطء شديد للغاية، كالسلحفاة، ورحمة تصرخ ببهجة طفولية:
ـ "مشيت! جبل العربية مشيت! شايف أنا شاطرة إزاي؟!"
جبل وهو يطالع عداد السرعة الذي لا يتجاوز 10 كم/ساعة:
ـ "شاطرة أوي يا حبيبتي.. كده إحنا نوصل آخر الطريق على العصر إن شاء الله! بس الله ينور عليك، السواقة هيبة برضو!"
ضحكت رحمة بحرارة، واقتربت منه بنظرة مليئة بالحب:
ـ "تعرف يا جبل.. أنا بقيت بحب الأيام دي أوي. بحس إن العمر لحظة جنبك بتخليني أنسى كل اللي شفته زمان."
نظر لها جبل بعيون تشع حباً وعاطفة صادقة:
ـ "وأنا هنسيكي الدنيا كلها يا رحمة.. أنتي أغلى حاجة دخلت حياتي، واللي جاي كله هيكون سعادة وراحة بال اوعدك
....وفى اليوم التالى
كان المجهول قد استغل فترة استراحة الغفر وتأخر جبل لدقائق في إجراء مكالمة عمل مهمة بجوار المزرعة. تسلل أحد أتباع الباشا بالخفاء ونزل أسفل السيارة الجيب القابعة أمام المزرعة، وبسرعة ودهاء احترافي، قام بقطع سلك الفرامل الموائم للبدال، ثم اختفى بين أشجار النخيل كالشبح!
خرجت رحمة من الاستراحة الخشبية وهي ترتدي نظارتها الشمسية وتضحك:
ـ "جبل.. أنا هسبقك وأركب العربية وأعمل دورة لوحدي في الطريق الصغير ده زي ما علمتني الأسبوع ده!"
جبل وهو ينهي المكالمة الهاتفية بابتسامة:
ـ "ماشي يا شاطرة، بس امشي على مهلك وما تزيديش عن السرعة الثانية لحد ما اجيلك. ماشى!"
ركبت رحمة السيارة، وأدارت المحرك. كانت فرحة للغاية بثقتها الجديدة بنفسها. حركت ناقل الحركة، وضغطت على بدال البنزين لتنطلق السيارة في الطريق الممتد بين المزارع.
انطلقت السيارة.. وبدأت سرعتها تزيد تدريجياً نتيجة وجود منحدر خفيف في نهاية طريق المزارع متجه نحو الطريق الصحراوي السريع الممتد أعلى الهضبة!
شعرت رحمة بزيادة السرعة، فقررت أن تضغط على بدال الفرامل لتهدئة السيارة...
ضغطت رحمة قدمها على بدال الفرامل.. ولكن البدال سقط لأسفل بالكامل دون أي استجابة!
اضطربت رحمة، وضغطت مرة أخرى بمهابة وذعر:
ـ "إيه ده؟! الفرامل مش شغال ليه؟!"
ضغطت بكل قوتها مراراً وتكراراً، لكن السيارة استمرت في الاندفاع بسرعة أكبر نحو الأسفل! بدأت السيارة تتأرجح يساراً ويمينًا، والصراخ ينفجر من حنجرتها بانهيار:
ـ "جبلللل! جبل الحقنييي! العربية مش بتوقف! الفرامل مقطوعة يا جبلللل!"
من بعيد.. سمع جبل صوت صراخها الهستيري وصوت محرك السيارة المندفع بسرعة جنونية نحو الهاوية والصخور الممتدة على جانب الطريق الصحراوي!
انقبض قلب جبل، وشخصت عيناه برعب لم يعرفه في حياته من قبل!
ـ "رحمـــــــــــــة!"
بدون تفكير في كسر من الثانية، ركض جبل كالمجنون نحو سيارته الأخرى الواقفة بجوار المزرعة، قفز داخلها، وأدار المحرك بأقصى قوة لديه، واقتحم الطريق خلفها مخلفاً غباراً كبيراً!
كانت سيارة رحمة تسرع كالمجنونة نحو نهاية المنحدر حيث يوجد جدار صخري ضخم وشاحنة ثقيلة متوقفة، والاصطدام بها يعني الموت المباشر والانتهاء التام لجسدها الرقيق!
رحمة داخل السيارة تبكي بانهيار وتغطي وجهها بيديها المضمختين بالدموع:
ـ "يارب! يارب احميني يا جبل! يا جبل الحقنييي!"
في تلك اللحظة الحاسمة الحابسة للأنفاس.. ظهرت سيارة جبل الضخمة من الجانب السريع!
نظر جبل من شباك سيارته ورأى وجه رحمة المرعوب وصراخها.
جبل : ظوسى فرامل يا رحمه دوسى بسرعه
رحمه بصريخ : بدوس مش بيعمل حاجه
علم جبل فوراً أن الفرامل تم العبث بها، وأن الاصطدام بالجدار الصخري يفصلها عنه أقل من خمسين متراً!
لم يتردد جبل للحظة واحدة.. لم يفكر في حياته ولا جسده ولا مستقبله!
نطق بصوت هادر زلزل المكان:
ـ "مش هسيبك تموتي يا رحمة.. عمري فداكي!"
حرف جبل مقود سيارته بأقصى سرعة وقوة، وانطلق بسيارته ليتجاوز سيارتها، ثم انحرف فجأة ليضع سيارته الضخمة بعرض الطريق أمام سيارتها المندفعة، متحملاً الصدمة والضربة المباشرة بجسد سيارته ليكون هو الحصن والمانع الذي يصدها عن الجدار والصخور!
طاخخخخخخخخخخخخخخخخ!
صوت اصطدام مروع هز جنبات الجبل والمزارع!
اصطدمت سيارة رحمة بجانب سيارة جبل بقوة هائلة، مما أدى إلى توقف سيارتها فوراً وتحشم مقدمتها، بينما انقلبت سيارة جبل الضخمة من شدة القوة والسرعة دورة كاملة على جانب الطريق، ليصطدم قاعها بالأرض والدخان يخرج بكثافة من محركها المحطم!
ساد الصمت المطبق للمكان لثوانٍ معدودة.. لا صوت إلا صوت الدخان وصفير الريح.
خرجت رحمة من سيارتها وهي تنتفض برعب خيالي، والخدوش البسيطة تغطي وجهها، وتصرخ بصوت يمزق أحشاء الليل والنهار:
ـ "جبلللللللللل! جبل رد علياااا! جبل لااااااا!"
ركضت تعرج على قدميها نحو السيارة المنقلبة، ودموعها تسيل بغزارة. جثت على ركبتيها في التراب بجوار شباك سيارته المحطمة، لترى جبل مستلقياً والدماء تسيل من رأسه وكتفه، وعيناه تغمضان ببطء شديد.
رحمة وهي تحاول مد يدها المرتجفة داخل الشباك المكسور لتمسك بوجهه الملطخ بالدم:
ـ "جبل! أرجوك افتح عينيك! عشان خاطري ما تسيبنيش! جبل إنت عملت كده ليه؟! ليه ضحيت بنفسك عشاني يا جبل؟! قوم يا جبل أنا بحبك! بحبك ومش هقدر أعيش في الدنيا دي من غيرك لحظة واحدة! افتح عينيك يا جبلللل!"
رفع جبل جفنيه ببطء شديد للغاية، ونظر لدموعها ووجهها الباكي، وابتسامة باهتة جداً ظهرت على شفتيه المجهدتين، ونطق بصوت خفيض كالهمس:
ـ "المهم.. أنتي.. أنتي بخير يا رحمة؟"
رحمة وهي تبكي بانهيار وتضع كفها على خده:
ـ "أنا بخير والله بخير! بس إنت قوم عشان خاطري! الحقوووونا يا ناس! الحقونيييي!"
تجمع الغفر والمزارعون من كل حدب وصوب بعد سماع الانفجار والاصطدام، وسحبوا جبل بصعوبة من داخل السيارة المنقلبة، ونقلوه فوراً في سيارة الإسعاف التي جاءت بصفيرها المدوّي ونقلته نحو المستشفى العام في الصعيد.
أمام غرفة العمليات الكبرى في المستشفى العام...
كانت الأجواء تغلي بالخوف والرعب. كانت الحاجة فاطمة تجلس على الكرسي تبكي بحرقة وتدعو لابنها، ومنار تمسك بها وتبكي، وحازم يقف مستنداً على الجدار وعيناه محمرتان من شدة الغضب والحزن على رفيق عمره وأخيه.
أما رحمة.. فكانت تقف أمام باب العمليات الزجاجي، ترفض القعود، وترفض تغيير عباءتها الملطخة بدم جبل. كانت تمسك بيدها المصحف الصغير، ودموعها لا تتوقف، ولسانها يلهث بالدعاء:
ـ "يا رب احفظه ليا.. يا رب ما تحرمنيش منه.. ده أماني وسندي وهو اللي فداني بروحه."
خرج الطبيب الجراح بعد ساعات طويلة من الانتظار الحابس للأنفاس، وهو يمسح العرق عن جبهته.
اندفع الجميع نحوه، ورحمة تسأله بصوت مرتجف:
ـ "دكتور! جبل عامل إيه؟! أرجوك قولي إنه كويس!"
ابتسم الطبيب بنبرة طمأنينة متعبة:
ـ "الحمد لله.. ربنا كتب له عمر جديد. الإصابة كانت قوية في الرأس والكتف نتيجة انقلابات السيارة، وعملنا العملية وأوقفنا النزيف الداخلي. جبل بطل وجسمه قوي، والعملية نجحت تماماً وهو دلوقت تحت الملاحظة وهيعدي مرحلة الخطر خلال ساعات!"
سقطت رحمة على ركبتيها سجدة شكر لله وهي تبكي براحة وفرج لا يوصف، وحازم يربد على كتفها بنخوة وأخوة:
ـ "الحمد لله يا مدام رحمة.. جبل أسد وراجع لنا أقوى من الأول. ودلوقت جه دورنا إحنا عشان نجيب حق الدم ده ونخلص الفاجعة دي للأبد!"
تلتفت رحمة لـ حازم بنبرة قاطعة وعيون مليئة بالثبات:
ـ "الفرامل اتقطعت بفاعل فاعل يا حازم.. الباشا والكبارة هم اللي عملوا كده عشان يخلصوا مني، وجبل هو اللي فداني! أنا مش هسيب حق جبل ولا حق أهلي يضيع!"
حازم بصلابة ورجولة:
ـ "ولا إحنا هنسيبهم يا مدام رحمة. رجال آل الجبل والمباحث طوقوا المنطقة، وجالتنا كشفت الموقع اللي مستخبي فيه الباشا والى معاه في الفيلا المهجورة على حدود الصحراء! المداهمة طالعة دلوقت وأنا أترأس رجالتنا مع الشرطة!"
في الفيلا المهجورة بقلب الصحراء...
كان الباشا والمجهول يجلسان يترقبان أخبار الحادثة عبر شاشات التلفاز والهواتف.
قال المجهول بفرح خبيث:
ـ "يا باشا الأخبار بتقول إن عربيه جبل انقلبت في الجبل وهو في العمليات بين الحياة والموت!"
الباشا بابتسامة نصر زنيفة:
ـ "أهو ده الشغل المظبوط! جبل غار والبت أكيد ماتت أو اتعوقت، ودلوقت نطلع بالطيارة الخاصة على الخليج ونقبض المليارات ونعيش ملوك!"
وفجأة!!
طااااااااخ! طااااااااخ!
انفجرت أبواب الفيلا الخارجية بتحطيم مروع! واقتحمت قوات المباحث والعمليات الخاصة المدججة بالسلاح والدرع الأمنية المكان من كل جانب، يقودهم الضباط وحازم بجواره يحمل سلاحه الصعيدي بثبات!
ـ "اثبت مكانك إنت وهو! الشرطة! أرفع إيدك فوق ما تتحركش!"
شخصت عينا الباشا والمجهول بالرعب والذهول المطبق! سحب المجهول سلاحه محاولاً إطلاق النار، لكن طلقة سريعة من ضابط العمليات أصابت يده ليسقط السلاح منه وهو يصرخ ألماً!
اندفع الضباط ورجال آل الجبل، وأسقطوا الباشا والمجهول على الأرض، وقيدوا أيديهم بالحديد والكلابشات الصلبة!
تقدم الضابط الكبير، ووقف أمام الباشا المنهار ونطق بحزم وصرامة:
ـ "الباشا الكبير.. إنت مقبوض عليك بتهمة التزوير واستعمال القوة، ومحاولة القتل العمد لجبل وحرمه ، وإعادة فتح قضية اغتيال عائلة رحمة القديمة بناءً على الاعترافات والأوراق المثبتة التي قدمتها الشرطة الدولية والتحليلات! المليارات والشركات اتحفظ عليها لصالح الوريثة الشرعية "رحمة"، وإنت ورجالتك رايحين لحبل الإعدام!"
نظر الباشا لـ حازم بغل وحسرة وهو يُسحب للخارج:
ـ "جبل..مطلعش سهل ؟!"
رد حازم عليه ببصقة ساخرة ونبرة رجولية:
ـ "عشان جبل الصعيدي أعلى وأقوى منك ومن أشكالك يا خاين! الحق راجع لأصحابه، وإنت مكانك القفص والسجن طول عمرك!"
مر أسبوعان آخران...
تعافى جبل بالكامل وخاط جروحه، وعاد إلى دواره وسط استقبال أسطوري من أهالي البلدة والفرسان الذين أطلقوا الأعيرة النارية في الهواء احتفالاً بسلامته.
كانت رحمة تقف في استقباله عند درجات السلم الرخامي، ترتدي ثوباً أنيقاً باللون الأزرق الملكي، وعيناها تفيضان بالدموع والفخر. بمجرد أن صعد جبل الدرجات، ألقى عصاه جانباً واحتضنها أمام الجميع احتضاناً دافئاً مسح به كل آلام الماضي.
في اليوم التالي، وصل الوفد القانوني المكون من كبار المحامين والمستشارين من القاهرة والخليج. وفي قاعة الضيوف الكبرى بدوار آل الجبل، أُعيد فتح الملفات وتوقيع المستندات الرسمية التي تثبت ملكية رحمة لكافة عقارات وأسهم وشركات والدها الراحل بالكامل، والتي تقدر بمليارات الجنيهات، لتعود الحقوق إلى أصحابها بعد سنوات من الظلم والشتات.
قالت رحمة وهي تمسك القلم وتوقع الأوراق، ثم تنظر إلى جبل:
ـ "الفلوس والشركات دي كلها مالهاش أي قيمة عندي من غير وجودك يا جبل.. إنت الثروة الحقيقية اللي ربنا عوضني بيها."
ابتسم جبل ورد بثبات:
ـ "والحق ده حقك وحق أهلك اللي ماتوا مظلومين يا رحمة، وجبل ما كانش يرتاح غير لما يشوفك واخدة حقك ثالث ومتلث."
وفي ليلة ساحرة من ليالي الصعيد...
كانت الأنوار الملونة والزينة تملأ ساحة دوار آل الجبل الكبرى. أُقيم حفل زفاف أسطوري مزدوج لـ "حازم ومنار"، وفي نفس الوقت إعادة زفاف ورسم البسمة لـ "جبل ورحمة" كزوجين حقيقيين أمام الدنيا كلها.
كانت الطبول الصعيدية تضرب بقوة، والمزامير تعزف ألحان النصر والسلام. الفرسان يرقصون بخيولهم العربية الأصيلة في الساحة، وحازم يتألق ببدلته الرسمية وجواره منار بفستانها الأبيض الرقيق.
أما جبل، فكان يقف بجلبابه الصعيدي الهيبة وشاله العنابي، بجواره رحمة بفستان زفاف أبيض ساحر يفيض بالجمال والرقة، وطرحتها الحرارية تتدلى بجمال على ظهرها.
اقترب جبل من حازم، وضغط على يده بقوة:
ـ "مبروك يا حازم يا بطل.. أختي في حمايتك ودين في رقبتك، وإنت راجل وسند."
رد حازم بحب:
ـ "منار في عيوني يا جبل.. وربنا يديم الفرحة في بيت آل الجبل طول العمر!"
التفت جبل نحو رحمة، وأمسك بيديها الناعمتين، ثم جرهما ببطء ليمشيا بين الحضور وسط زغاريد النساء وتصفيق الجميع.
جبل بنبرة صوت خافقة تشع بالحب والرجولة:
ـ "مبروك عليا أنتي يا رحمة.. مبروك على جبل إنه بقى له روح وعوض في الدنيا."
نظر له رحمة بعيون مليئة بالسلام والأمان الخالص، ووضعت رأسها على صدره العريض وسط ألحان المزمار:
ـ "أنت أماني يا جبل.. الراجل اللي علمني إني أخاف على نفسي عشان أعيش ليه. أنا بحبك يا جبل .. بحبك من هنا لآخر العمر."
ضمها جبل إلى أحضانه بحماية وقوة، لترتفع الزغاريد في سماء الصعيد، وتُغلق صفحات الخوف والظلم للأبد، وتبدأ حكاية عشق أسطورية أزهرت في قلب الجبل
🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
💚 مرحبا بكم ضيوفنا الكرام 💚
هنا في كرنفال الروايات ستجد كل جديد
حصري ورومانسى وشيق ابحث من جوجل باسم الروايه علي مدوانة كرنفال الروايات وايضاء اشتركو في قناتنا👈علي التليجرام من هنا يصلك اشعار بكل جديد من اللينك الظاهر امامك
🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
تمت بحمد الله
💚 مرحبا بكم ضيوفنا الكرام 💚
هنا في كرنفال الروايات ستجد كل جديد
حصري ورومانسى وشيق ابحث من جوجل باسم الروايه علي مدوانة كرنفال الروايات وايضاء اشتركو في قناتنا👈علي التليجرام من هنا يصلك اشعار بكل جديد من اللينك الظاهر امامك
🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
تمت بحمد الله