رواية شظايا قلوب محترقه
الفصل العشرون20
بقلم سيلا وليد
أنا، أبدًا حتى اسألها، هي اللي حبِّت تغيَّر الصنف..
رمقهُ مصطفى بنظرةٍ استفهامية:
يعني إيه ؟!..
يعني أنا مش عايز أطلَّق، دا أنا بحبَّها أكتر من حبِّي للمحشي، بس هيَّ اللي مُصرَّة، بدليل رفعت قضية طلاق وحضرتَك لو مش مصدَّقني اتِّصل بالمحامي، معرفشِ ليه دايمًا واخدين الفكرة الوحشة عنِّي، ماتسألوا رشيدة هانم ..برَّقت عينيها:
أنا رشيدة..نهضَ من مكانهِ يضعُ كفِّهِ على جرحهِ حتى وصلَ إليها:
أحلى رشيدة في الدنيا ياحبِّي، انحنى وطبعَ قبلةً بجانبِ ثغرها..
وحشتيني…قالها غامزًا ثمَّ صعدَ للأعلى..شحبَ وجهها تهزُّ رأسها:
حبِّي وبيحبِّني، ووحشتيني، الراجل دا عندُه انفصام واللهِ العظيم ابنَك ناويلي على مصيبة…قهقهَ مصطفى يشيرُ إليها بالاقتراب..ألقت نفسها بأحضانهِ ولم تشعر سوى ببكائها:
أنا بحبُّه أوي ياعمُّو، عارفة إنِّي غلطت بس واللهِ غصبِ عنِّي..اللي سمعتُه منُّه كتير…أخرجها من أحضانه، محتضنًا وجهها:
ميرو حبيبتي، عارف إنِّك بتحبيه
لازم تستحمليه شوية ومش عايز نغمةِ الطلاق دي تاني..
ابتلعت جمراتها التي تكوي قلبها قبلَ جوفها متمتمة:
ليه إلياس بيكره ماما كدا، وهيفضل لحدِّ إمتى يكرهها ياعمِّو، أنا أمِّي متستهلشِ المعاملة دي..
أزالَ عبراتها وأردفَ بنبرةٍ حنون:
متخافيش بكرة يحبَّها قومي اطلعي ورا جوزك متسِبهوش لوحدُه..
فركت كفَّيها وشردت بنظراتِها بكافَّةِ الأرجاء:
تفتكِر هيسامح ويتقبَّلني تاني..
ربتَ على كتفها وباغتها بابتسامة:
إنتِ وشطارتِك ياميرو، هتستني من الراجل العجوز يقولِّك إيه..
أومأت له، ثمَّ نهضت مردفة:
عندَك حق ابنك دا عايز مراوغة وأنا بحبِّ المرواغة..
بالأعلى انتهى من تبديلِ ملابسهِ بعدَ معاناة، ثمَّ اتَّجهَ إلى فراشه، توقَّفَ ينظرُ إلى الفراشِ للحظاتٍ فمنذُ آخرَ حديثٍ بينهما وطلبها الطلاقَ لم ينم عليه، ذهبَ ببصرهِ إلى الأريكةِ وخطا الى أن وصلَ إليها مع دولفها، تطلَّعت عليهِ ثمَّ نظرت إلى الفراش، خطت الى أن وصلت إليه:
هتنام هنا ولَّا إيه؟!.،
تمدَّدَ دونَ أن يعيرها أيَّ اهتمام..جلست بجواره:
ممكن نتكلِّم..
قومي من جنبي عايز أرتاح..
نزلت بساقيها واستندت بركبتيها مقتربةً منه:
بس أنا عايزة أتكلِّم معاك.. أغمضَ عينيهِ وأردف:
سامعِك… رفعت كفَّها تمسِّدُ على خصلاته:
ليه قولت لماما عليَّا كدا وإنتَ بتحبِّني، هوَّ فيه حد بيحبِّ حد يتكلِّم عليه بالطريقةِ البشعة دي..
صمتَ لثواني وعجزَ عن الرد.. اقتربت من وجههِ تهمسُ بجوارِ أذنه:
أنا عرفت كلِّ حاجة.. قرأت مذكَّراتك..
فتحَ عينيهِ سريعًا، وهاجت ضرباتُ قلبه حتى شعرَ بآلامِ صدره، قُبلةً سريعةً اقتطفتها مبتسمةً بعدما وجدت ردَّةِ فعله..
ابتعدَ برأسهِ عنها مع ارتفاعِ أنفاسهِ قائلًا بنبرةٍ جافة:
متقرَّبيش منِّي تاني، ويالَّه اطلعي برَّة روحي أوضتك، إزاي أصلًا جيتي..إيه نسيتي إنِّنا انفصلنا..
حاولت إخفاءَ حزنها من كلماته، وأخذت نفسًا عميقًا، ثمَّ أدارت وجههِ إليها:
تعرَف لو كان حصلَّك حاجة أنا كنت ممكن أموت.
ابتسمَ ساخرًا، وزمَّ شفتيهِ قائلًا:
ليه الرجالة خلصت..
تفتكِر أنا ممكن أشوف راجل تاني غيرَك.. قالتها بخفوت..
رغمَ القبضةَ التي اعتصرت فؤادهِ إلَّا أنَّهُ رمقها بنظرةٍ قاسية، ودفعها بعيدًا عنه..
كفاية بقى عايزة منِّي إيه، قومي اطلعي برَّة.. قالها بنبرةٍ مخيفة، حتى تحجَّرت ملامحها الجميلةِ حزنًا وألمًا وانسابت عبراتها، لتنهضَ من مكانها وتهرولُ للخارج..
زفرةً حارقةً أخرجها يريدُ أن يحرقَ بها نفسهِ بعد ماتذكَّرَ دفتره.. نهض بهدوء واعتدلَ يبحثُ عنه، دلفَ إلى مكتبه… لمسَ أشياءها الموضوعةِ يبدو أنَّها تناستها..جذبَ ربطةَ خصلاتِها وقرَّبها إلى أنفهِ يستنشقُ رائحتها بولهٍ مغمضَ العينين، تمنَّى لو يضمُّها لأحضانهِ لتعودَ روحهِ الضائعة، ولكنَّهُ فتحَ عينيهِ متذكِّرًا كلماتها التي ذبحتهُ دونَ رحمة..
هتجوِّز أيِّ راجل يمسَح آثارك المقرِفة،إنتَ مش راجل..كلماتٍ خلفَ كلماتٍ ليلقي مابيدهِ بالارضِ ثمَّ أزاحَ بيديهِ كلَّ مايُوضعُ على مكتبه..ارتفعت وتيرةُ أنفاسهِ كمتسابق، حتى فقدَ اتِّزانهِ وهوى على مقعدِ مكتبه، محاولًا أخذَ عدَّةِ أنفاسٍ بعدما شعرَ بانسحابها ..تراجعَ بجسدهِ وذكرياتهِ المؤلمةِ معها شقَّت صدره، حتى نزلت دمعةً رُغمًا عنهُ ليجزَّ على يديهِ معنِّفًا إيَّاه:
مشيت ورا قلبَك، حسَّرتك على نفسك، تستاهِل كنت مُنتظر إيه، رُد على نفسك وقول كنت مُنتظِر منها إيه، واحدة طعنِتَك برجولتَك، افرح بالحب..
أطبقَ على جفنيهِ ينهرُ قلبهِ الذي ضاعَ بغيباتِ الجبِّ بعدما شعرَ بالاشتياقِ إليها، كوَّرَ قبضتهِ يضربُ بها فوقَ مكتبه..
فوق يابنِ السيوفي، حتة بنت كسرِتَك، رُد كرامتَك الِّلي داست عليها ، ذهبَ ببصرهِ لذاكَ الدفترَ الذي يدَّوِنُ بهُ قِصة حبِّه..جذبهُ ثمَّ نهضَ متَّجهًا إلى سلَّةِ القُمامةِ وقامَ بإشعالِ قدَّاحتهِ لتلتهمَ النيرانُ كلَّ ماخطَّهُ قلبهِ قبلَ أنامله.. ألقاهُ بالسلةِ وظلَّ ينظرُ لتلكَ النيرانِ التي التهمت كلَّ ذكرياته..
ظلَّ لدقائقَ ينظرُ إليها ثمَّ خرجَ إلى غرفتِه..
عندَ يزن وخاصةً بغرفتِه:
جالسًا على مكتبهِ وأمامهِ بعضَ أوراقٍ للتصميمِ يرسمُ عليها بعضَ الرسومات، ورغمَ أنَّهُ مهندسًا إلَّا أنَّ رسوماتهِ اليومَ لا توحي لعمله، نظرَ إلى الأوراقِ بعُمقٍ ثمَّ حرَّكَ قلمهِ على كلِّ رسمةٍ على حدا..
هناكَ ورقةٌ يرسمُ بمنتصفها راجح وحولهِ طارق ابنهِ ورحيل وزين وآدم..
وهناكَ رسمٌ آخر يُدَّونُ عليهِ
فريدة وعلامةِ استفهامٍ كبيرة..ظلَّ ينظرُ لرسماتهِ مرَّة، لصورهِم مرَّة ..واحتضنَ وجنتيهِ بكفَّيهِ يتساءلُ بهمس:
ياترى إنتِ فين يامرات عمِّي، وليه مظهرتيش في الصورة، معقولة تكون اتجوِّزت تاني ..ظلَّ ينقرُ على مكتبه ..ثمَّ زفرَ بغضب، وقامَ بجمعِ الورق، وتراجعَ بجسدهِ رافعًا ساقيهِ على المكتبِ ينظرُ لصورهِم جميعًا، يشيرُ بيدِه:
راجح الشافعي، ظابط متقاعد..
رانيا …اتجوِّزت راجل متجوِّز ومخلِّف علشان تعانِد في أخوه اللي حب بنتِ عمَّها، اللي انتقمِت منَّها وخطفِت ولادَها وعذِّبتها..شكلِك راس الأفعى الكبيرة يامرات أبويا…قالها بتهكُّم..
اتَّجهَ إلى دفترِ والدتِه، وظلَّ يقلِّبُ بهِ إلى أن وصلَ إلى كلماتِها عن فريدة:
دي بقى مرات عمَّك المرحوم جمال، دي هيَّ الوحيدة اللي وقفِت معايا بعد ماجدَّك مات، عايزة أقولَّك ياحبيبي دي اللي نجدتني من أبوك، وصلَ بيها الحال إنَّها تبيع حلقْها علشان تدِّيني فلوسُه وتهرَّبني من جحيمِ راجح الشافعي بعد ماجُوزها مات، خافت عليَّا وعليك بعد ماعرفت نيِّة مرات أبوك، آخر مرَّة شوفتها لمَّا رُحت معاها نبلَّغ عن الولد اللي اتخطف، حبيبتي اتخطف ولادها الاتنين ومعرفتشِ توصلُّهم …هرَّبتني بعد ماعرفِت إنِّ راجح هياخدَك منِّي، ماهي رانيا بعد تسقيطها كام مرَّة الدكاترة قالوا عندها مشكلة ربَّنا بيخلَّص حقوق بحقوق..
عرفِت كمان من فريدة بعد ماهربت إنَّها أخدت ابنِ راجح من زهرة اللي عذَّبها..
سامحني يايزن علشان خبيت عليك كنت خايفة عليك، أوعى تاخُد أخواتَك بذنبي حبيبي، أبوك ابراهيم راجل ولا كلِّ الرجالة، كوَّرَ قبضتهِ حتى انكمشت الأوراقَ بيده، ونفرت عروقهِ ناهيكَ عن عينيهِ التي لمعت بخطٍّ من الطبقةِ الكرستالية..
راجح …راجح، ياويلَك منِّي، وحياة دموع أمِّي وعذاب مرات عمِّي لأدفَّعك غالي، اصبِر عليَّا لو مخلتَكشِ تندم مابقاش يزن إبراهيم السوهاجي..
1
بفيلَّا السيوفي:
رفرفت بأهدابِها إلى أن فتحت عينيها، اعتدلت على الفراشِ تنظرُ بالساعة، ثمَّ هبَّت من مكانِها تهمسُ بتقطُّع:
يوسف زمانُه رجع من المستشفى..خطت بجسدٍ واهن، قابلها مصطفى على الباب:
رايحة فين يافريدة مش الدكتور قال الراحة..
ابني يامصطفى عايزة اطَّمِن عليه..حاوطَ جسدها يجذُبها إلى الغرفةِ وتمتم:
إلياس نام وصل من فترة، وبعتلُه ميرال، يعني زمانهم ناموا ..تعالي ارتاحي..سحبت نفسها مبتعدةً عنه:
لا، لازم اطَّمِن عليه، هبُص عليه من بعيد، مش هدخُل جوا، أمسكَ كفَّها:
حبيبتي بقولِّك ميرال عندُه ..استمعَ إلى صوتِ ميرال:
ماما كنت جاية اطَّمِن عليكي..خطت إليها مبتسمةً وكأنَّها طوقَ النجاةِ لكي تصلَ لابنها..
حبيبتي جوزِك عامل إيه نايم؟..
أومأت تبتعدُ عن مرمى بصرها تهمس:
أيوة كويس…ارتاحي لو سمحتي..
تركت يديها وساقتها قدميها مع لهفةِ قلبِها إليه:
أرتاح ..أرتاح ازاي وهو مش مرتاح، قالتها بصوتٍ ممزوجٍ بالبكاء..دلفت بهدوءٍ تُغلقُ البابَ خلفها، بينما بالخارجِ توقَّفَ مصطفى يطالعُ ميرال:
ليه مش مع جوزِك، ينفع تسيبيه في الظروف دي..
إلياس مُصر على الطلاق ياعمُّو…قالتها وتحرَّكت إلى غرفتها.
تضجَّرت ملامحهِ بالغضبِ يُردف:
وبعدهالَك يابنِ فريدة، طالع عِنَدي لمين..استمعَ إلى رنينِ هاتفه:
أيوة عملت إيه؟…
مسكنا الولد ياباشا، واتحجَز، بس فيه حاجة لحظناها معاه..
هتنقَّطني بالكلام ماتتكلِّم بسرعة..
صورة مدام ميرال وعليها إكس بالقلمِ الأحمر.
أنا جاي أوعى حد يحقَّق معاه لَّما أوصَل..
بالداخلِ بغرفةِ إلياس ..وصلت إلى الأريكةِ التي يغفو عليها، جلست على الأرضِ بجوارِه، رفعت كفَّها على خصلاتهِ وانسابت عبراتها تهمسُ بخفوت:
ألفِ سلامة عليك يانور عيني، ياريتني مكانَك يابني، ياريت آخُد كلِّ آلامك..انحنت وطبعت قُبلةً مطوَّلةً فوقَ جبينه، لمعت عيناها بابتسامةٍ لأوَّلِ مرَّةٍ تراهُ وهو نائمًا بعدما بلغَ مرحلةَ الشباب.
ياااااه .أخرجتها من حرقةِ قلبها تمِّسدُ على خصلاتِه..
سنين ياإلياس مشفتكشِ كدا، تعرف كأنّ سنين الوجع دي ماعَدتشِ عليَّا بعد ماربِّنا ربط على قلبي وخلَّاني أربِّيك وأنا معرفشِ إنَّك ابني أوِّل فرحة لقلبي..
انحنت تضعُ رأسها بالقربِ منهُ تستنشقُ رائحتهِ وآاااه وكم من آهاتٍ وحسراتٍ أخرجتها متحسِّرة على سنينٍ كان بها قريبًا من العينِ بعيدًا عن القلب..شهقةٌ خرجت رُغمًا عنها، ممَّا جعلها تضعُ كفَّها على فمِها حتى لا يفيقَ ولكن كيفَ لهُ أن يظلَّ مُستغرقًا بعدَ شعورهِ بدموعِها على وجهه، ورُغمَ مفعولُ أدويتهِ القوي إلَّا أنَّهُ استيقظ ..فتحَ عينيهِ ينظرُ لقُربها منه،
حاولَ الاعتدالَ بعدما وجدَ بكاءها ..أطبقت على ذراعيه:
خلِّيك مرتاح ياحبيبي..نهضَ مُتحاملًا على نفسهِ وتساءل:
بتعيَطي ليه ميرال فيها حاجة..ابتسمت بعيونٍ دامعة، تهزُّ رأسها عاجزةً عن الرَّد..كيفَ تشكو لهُ ظلامَ قلبها بمنعُها بالتفوُّهِ عمَّا يُؤلمُ روحها..شهقةٌ ماهي إلَّا شهقةٌ خرجت من جوفِها حتى انتفضَ رعبًا من حالتِها التي تمادت كمَّا ظن، أنزلَ ساقيهِ وبسطَ كفِّهِ وهو يحاوطُ بطنهِ بكفِّهِ الآخر..
قومي من على الأرض، قاعدة كدا ليه؟..
نهضت بسعادةِ طفلةٍ بعدما رأت حنانَ عينيهِ ولهفتهِ بالخوفِ عليها.
جلست بجوارهِ وعينيها ترسمهُ بحنانِ أمومي، لم تشعر بنفسها وهي تضعُ كفَّها على وجههِ تتأمَّلُ ملامحهِ بكلِّ تفاصيلها وكأنَّها ترسمُه..
باغتها بنظرةٍ مطوَّلةٍ ثمَّ أبعدَ رأسِه:
مش عايز أزعلِّك صدَّقيني، بس شايف أفورة مش مريَّحاني، يعني تتعبي بسببي مش شايفة إنَّها أوفر شوية، ولَّا بترسمي على حاجة تانية، لو تُقصدي الطلاق، فالموضوع مُنتهي أنا وبنتِك زي الشمس والقمر، مايتجمَّعوش..بيستافدوا بس من بعض..
تنهَّدت بمرارةٍ ويبدو أنَّ الماضي ماتزالُ آثارهِ محفورةً بقلبِه..
إيه رأيَك نفتَح صفحة جديدة، اعتبرني والدتَك..
ابتسامةً ساخرةً مع نظرةٍ متهكِّمة، ثمَّ نهضَ متَّجهًا إلى سجائره:
الطُّموح حلو برضو يامدام فريدة..توقَّفت وخطت بخطواتٍ مترنِّحةٍ إليه محاولةً جذبَ سيجارتِه:
بلاش سجاير وإنتَ تعبان ياحبيبي..
توسَّعت عيناهُ بوميضٍ غاضب، وتجمَّعت سحبُ الألمِ والحزنِ بعينيهِ يرمُقها بنظرةٍ تعني الكثيرَ من الكُره:
متنسيش نفسِك، إيه اللي مدخَّلِك أوضتي، بنتِك في أوضتها روحي لعندها، وياريت تقنعيها تفضَل مُتمسِّكة بالطلاق، دا لو بنتِك حبيبتِك بتسمَع كلامِك، أنا مش عايز أخسر أبويا كفاية خسارتي لأمِّي يامدام..
هتفضَل تعاملني كدا ياإلياس على إنِّي عدوِّتَك الأولى ..استفهامًا مؤلمًا لقلبها قبلَ قلبهِ انبثقَ من شفتيها، اقتربَ منها بعدما نفثَ تبغه:
أسامحِك!..تعالي نرجَع بالزمن للورا كدا
أنا كنت بقولِّك ياماما، شوفتي.. كنت بقولِّك ياماما، يعني كنتي غالية عليَّا أوي، عملتي إيه، ضحكتي علينا كلِّنا، بوشِّك البريئ دا عرفتي تتلاعبي علينا كلِّنا.
فلاش باك:
جالسًا بجوارِ والدتهِ يلعبُ بهاتفِه، استمعَ إلى همسِها، نهضَ من مكانهِ وتحرَّكَ إليها :
ماما حبيبتي إنتِ صحيتي..ضغطت على كفِّهِ الصغير تهمسُ بأنين:
إلياس ناديلي بابا ياحبيبي..هرولَ الصغيرُ إلى غرفةِ والدهِ بعدما تمَّ عقدُ قرانهِ على فريدة..
قبلَ قليلٍ جلسَ بجوارِها:
فريدة عايز أفَّهمِك حاجة مهمَّة لولا إصرار غادة على الجواز أنا كنت مستحيل أتجوِّز عليها مهما كان..كانت مطأطأةُ الرأسِ تفركُ بكفَّيها:
عارفة يابيه..
أطلقَ ضحكةً يهزُّ رأسهِ وتحدَّثَ بمشاكسة:
بيه، فيه واحدة تقول لجوزها بيه!..
رفعت عينيها الممتلئةِ بالدموع،
عايزة أعرَّفك إنِّي فهمت جوازنا هيكون صوري علشان الولاد وعارفة إنِّ كلِّ واحد لُه حياتُه الخاصة، صدَّقني عُمري ماهتخطى حدودي معاك..
نهضَ من مكانهِ واتَّجهَ إلى النافذةِ ينظرُ بالخارجِ وأردف:
مش أنا اللي أغضِب ربِّنا يافريدة، ربنا ماأمرشِ بكدا، حقوقِك هتاخديها بالكامل، ربِّنا أعلم بس الظروف اللي بتحتِّم علينا نعمل حاجات خارج إرادتنا، علشان كدا لازم تفهمي حاجة مهمَّة..إنتِ من وقتِ ما كتبت عليكي بقيتي جُزء من حياتي، أولادي ولادِك وبنتِك بنتي يعني هعاملِك بما يُرضي الله، ومش عايزِك تشيلي أمرِ غادة، غادة ماهيَّ إلَّا أيام وأكيد سمعتي كلام الدكاترة، أنا ماحبِّتشِ أزعلَّها في آخرِ أيامها، كلِّ اللي طالبُه منِّك تسامحيني في حقِّك الأيام دي مش هقدر أقرَّب منِّك وأدِّيلك حقوقِك الشرعية ومراتي على فراشِ الموت، غادة مش مُجرَّد زوجة وأم ولادي بس، غادة كلِّ حاجة حلوة في حياة مصطفى..
أومأت لهُ ثمَّ رفعت عينيها تنظرُ لمقلتيه:
حضرتَك شخص مُحترم وأنا سعيدة بوجودَك بحياتي أنا وميرال، بس فيه موضوع مهمّ لازم تعرفُه قبلِ مانبدأ حياتنا مع بعض، أنا حاولت أتكلِّم بس مدام غادة هيَّ اللي رفضِت، خافِت من ردِّة فعلَك معايا لكن حقيقي مش هقدر أنام جنبَك وأنا مخبيَّة حاجات عنَّك..
كان يستمعُ إليها بتمعُّن ..حتى اتَّجهَ إلى الأريكةِ وجلسَ يشيرُ إليها بالجلوس:
سامعِك، شكلِ الموضوع مش مقبول اللي يخلِّي غادة تخبِّيه..
فركت كفَّيها وانسابت عبراتها تتمتمُ بتقطُّع:
ميرال مش بنتي ..توسَّعت عينيهِ بذهولٍ حتى انتفضَ من مكانِه:
يعني إيه مش بنتِك..ارتفعت شهقاتها تقصُّ لهُ معاناتها مع راجح..
شعرَ بانسحابِ الأرضِ من تحتِ أقدامِه، ليهوى على الأريكةِ بدخولِ إلياس:
بابي ..بابي ..مامي عايزاك، قالتلي أناديك..
اطلع برَّة دلوقتي ياإلياس، شوية وجاي ..
أومأَ الصغيرُ وتحرَّكَ للخارجِ بعدما استمعَ إلى بكاءِ فريدة، أغلقَ البابَ خلفهِ فاستمعَ إلى صرخاتِ والدهِ بالداخل:
بقى إنتِ تضحكي على مصطفى السيوفي وتخلِّيه يزوَّر، إنتِ إيه ياشخية حيَّة، إزاي ورا وشِّك البريئ دا شيطان، تخطفي البنتِ وتنسبيها لجوزِك الميت..أنا أنسب بنت لراجل تاني قالها وهو يدفعُ المقعدَ بقدمه..
تحرَّكَ إلياس متراجعًا عن البابِ بعدما استمعَ إلى الحوار:
ماما فريدة كذابة، استمعَ إلى صوتِ ميرال خلفِه:
إلياسو تعالَ إلعب معايا..قالتها الطفلةُ وهي تحملُ ألعابها ..هزَّ رأسهِ قائلًا:
روحي لأنطي هدى ياميرو، مامي تعبانة هستنى بابي لحدِّ ما يجي يشوفها..
أوووف أنا مبحبِّش ألعب لوحدي..قالتها وتحرَّكت ..استمعَ إلى بكاءِ فريدة بالداخل:
كنت عايزني أعمل إيه، لازم أحرق قلبُه زي ماحرق قلبي، واللهِ لأدَّمرُه هوَّ ومراتُه..
اخرسي بقى إنتِ إيه مصدَّقة نفسِك، إنتِ دلوقتي مراتي تفتكري هرضى إنِّك تروحي لراجل واطي زي دا، صدمتيني يافريدة، وليه جايَّة تقولي دلوقتي ليه ماقولتيش قبلِ الجواز، كنتي عايزة تضمني جوازي منِّك؟..أطبقَ على ذراعها يهزُّها كالمجنون..
رُدِّي عليَّا إنتِ اللي ضغطي على غادة علشان تخلِّيها تضغط عليَّا وأقبل أتجوِّزِك، مراتي بتموت ياهانم وإنتِ اشتغلتي بدورِ الحنيَّة والخوف على الولاد صح..
هزَّت رأسها بالنفي..هرولَ الطفلُ إلى والدتهِ يقصُّ لها
مامي مامي شوفتي طنط فريدة طلعت كذَّابة ووحشة..كانت تلفظُ أنفاسها الأخيرةَ تهمسُ باسمِ زوجها مرَّةً وباسمِ فريدة مرَّة..مسحَ عرقها وهو لا يدري ماذا يصيبُها:
مامي مالِك، ليه عرقتي كدا..وضعَ أذنهِ بجانبِ فمِها ليستمعَ إلى كلماتَها المتقطِّعة:
مصطفى إسلام، غادة..مصطفى، بكى الطفلُ على حالةِ والدتهِ ..ظل لبعض الوقت فتحرَّكَ سريعًا إلى والدهِ بعد تأخره دفعَ الباب:
بابا ماما عايزاك دلوقتي حالًا..
إنتَ إزاي تُدخل بالطريقةِ دي ياحيوان اطلَع برَّة حالًا..
اتَّجهَ بنظرهِ إلى فريدة التي يضمُّها والدهِ إلى أحضانهِ لتنسابَ دموعهِ رغمًا عنه..نهضَ مصطفى بعدما وجدَ دموعهِ واقتربَ منه:
حبيبي متزعلشِ منِّي، تعالَ معايا..أمسكت ذراعهِ تجذُبه:
مصطفى ..قالتها ببكاءٍ تنظرُ إلى وجههِ المتجهِّمَ حتى ترى هل سامحها أم لا..
استدارَ يحتضنُ وجهها يُزيلُ دموعَها:
خلاص نكمِّل كلامنا بعدين..هزَّت رأسها رافضةً وأكملت بشهقات:
لازم تسمعني..اتَّجهَ إلى ابنهِ يداعبُ خصلاتِه:
أنا جاي حبيبي..هقول لماما فريدة حاجة وجاي.
خرجَ بذيولِ الخيبةِ للمرَّةِ الثالثةِ على التوالي، طفلًا لم يتعدَّ الثانيةَ عشرَ من عُمره، توقَّفَ لدى البابِ ينظرُ لوالدهِ الذي ضمَّها يُربتُ على ظهرها:
خلاص بطَّلي عياط، خطا الطفلُ ودموعهِ تفترشُ طريقهِ إلى أن قابلَ مربيتهِ تبكي وهي تحملُ أختهِ الرضيعةِ التي لم تتعدَّى الشهر ..توقَّفت أمامِه:
باباك فين ياإلياس…قالتها بدموعٍ كالشلال، نظرَ إلى أختهِ التي ارتفعَ بكاؤها وكأنَّها شعرت بوفاةِ والدتها..رفعَ ذراعيهِ إليها:
هاتيها أخُدها لمامي هتفرَح بيها، قطعَ حديثهِ صوتُ الخادمةِ وهي تبكي وتردِّدُ اسمَ غادة، تحرَّكَ سريعًا إلى أن دفعَ بابَ والدتهِ وهو يرى الخادمةُ تحتضنُها وتبكي، فكانت جميلةُ الخُلقِ وحسنةَ المعاملة، الجميعُ يعشقُها لمعاملتِها ..هرولَ يبكي ويدفعُ الخادمة:
ماما حبيبتي فوقي بابا جي، ماما فوقي ..انحنى بجسدهِ يدفنُ نفسهِ بأحضانها يبكي بشهقات:
ماما فوقي بابا جي يسمعِك..دلفَ مصطفى على بكاءِ إلياس..توقَّفَ شاحبًا وكأنَّ روحهِ هي التي خرجت لبارئِها يهمسُ باسمها مذهولًا، هل زوجتهِ توفَّاها الله، هل لم يعدْ يراها..تحرَّكَ بجسدٍ منتفضٍ وقلبًا هزمهُ الألمَ والحزن..
إلياس ..رفعَ الصغيرُ رأسهِ يطالعهُ بدموعهِ ثمَّ اتَّجهَ بنظرهِ إلى فريدة المتوقِّفةِ على بابِ الغرفةِ تبكي بصمت..
نفضَ ذراعهِ من كفِّ والدهِ وابتعدَ عنهُ مهرولًا للخارجِ وهو يصرُخ:
أنا عايز ماما، أنطي هدى اتِّصلي بالدكتور، ماما عايزة الدكتور..
خرجَ من شرودهِ ووجههِ اختفى خلفَ شلَّالِ دموعهِ ينظرُ إلى فريدة:
مكنتُش عايزة غير بابا لحظات بس، بس إنتِ استكترتي عليها اللحظات دي، رغم إنَّها السبب في إنِّك مرات مصطفى السيوفي.. انحنى بجسدهِ رغمَ تألُمه:
رغم اللي عملتيه كنت بحُطِّلِك أعذار، لحدِّ ماعرفت حقيقتِك السُّودة، واحدة هربِت من جوزها وبعتتلُه ناس يضربوه علشان يطلَّقها بعد ماكشف خيانتها وياريت توقف على كدا، دا إنتِ بعتي ولادِك علشان اللي يدفع للمدام أكتر، لازم حياة الرفاهية ماحترمتيش جوزِك اللي مات ولعبتي على أخوه لحدِّ مااتجوزِّك على مراتُه، المدام تسكُت.. لا، تحسَّرُه بعد ماتخلِّف منُّه،ماهو شبهها اشتغل في الممنوع،تصدَّقي كان لايق عليكي،هل هروبِك بميرال علشان لو ملقتيش راجل لُقطة تضغطي عليه ببنتُه، بس اللي مش قادر أفهمُه لحدِّ دلوقتي ليه راجح بعد ماوصلِّك ماطلبشِ يشوف بنتُه وليه مراتُه بتراقب ميرال ومخبية عن جوزها..
نهضت من مكانِها تجرُّ قدميها بصعوبةٍ بعدما حطَّمَ قلبها باتهاماتهِ الشنعاء،
تفاجأ بضعفِ حركتها وجسدها الذي ارتجفَ مردِّدَةً بتقطُع:
أنا مظلومة والله يابني مظلومة.. قالتها حتى هوت على الأرضيةِ بجسدٍ شاحبٍ كشحوبِ الموتى..
تجمَّدت الدماء، وانحبست أنفاسِه، ليرتجفَ جسدهِ بعدما ازرقَّت شفتيها، هرولَ يجثو أمامها مردِّدًا:
ماما فريدة.. قالها بدلوفِ مصطفى إليهما بعد غيابها… هرولَ إليها متسائلًا:
إيه اللي حصل، قولتلَها متتحرَّكيش لكن أصرِّت إنَّها تطمِّن عليك..
أطبقَ على جفنيهِ متذكِّرًا قساوةِ حديثهِ إليها..
باليومِ التالي.. وخاصةً بغرفتهِ فتحت غادة الباب:
شوف مين اللي جِه عندنا يشوفَك، دلفت رؤى برأسِها:
ممكن أدخل ياسيادةِ الظابطِ العظيم؟..
أطلقَ ضحكةً رنَّانةً يشيرُ إليها:
تعالي ياأمِّ لسانين.. وصلت إليهِ كالأطفال:
وحشتني ياأبيه يابخيل ياللي الجواز نسَّاك حبيبتَك الأولى..
صفعها بخفَّةٍ على مؤخرةِ رأسها:
بطَّلي غلبة يابت وقوليلي إيه اللي فكَّرِك بيَّا.. احتضنت كفِّه:
كدا تتعّب من غير ماأعرف، دا وعدَك ليَّا..
ضمَّ رأسها وقُبلةً مطوَّلةً فوقَ حجابها:
آسف عارف انشغلت عليكي. دلفت ميرال تنظرُ إليهما بصمتٍ ثمَّ وضعت طعامِه:
عملتلَك شوربة خضار..
زوى مابين جبينه:
ليه هو أنا مريض، شيلي الأكلِ دا.
مفيش غيرُه قالتها وهي ترمقهُ بنظراتٍ نارية، رفعت رؤى طبقَ الشوربة:
طيب دوقُه الأوَّل..إيه رأيَك أكلِّك زي زمان..
عقدت ميرال ذراعيها وأردفت متهكِّمة:
أه ياريت ياسي رميو خلِّيها تأكلَّك زي زمان..
توقَّفت معتذرة:
مش قصدي والله ياميرال، خُدي الطبق وأكِّليه..
أرسلتهُ بعينانٍ تلتهبُ بنيرانِ الغيرةِ ثمَّ أردفت بخفوت:
مفيش داعي البيه صحتُه حديد وعندُه إيد ماشاءالله يعرَف يأكِّل نفسُه كويس..
جذبَ كفَّ رؤى وأجلسها بجواره:
أنا متعوِّد على إيد رؤى.. شوفي وراكي ايه أه المحامي أكِّدي ميعادُه..
نظراتٍ موجعةٍ كادت أن تهزمها لتسحبَ نفسها متحرِّكةً للخارج..
وضعت رؤى الطبق:
مش لاقي إلَّا ميرال وتوقّّعني معاها دي لو طايلة تموِّتني من زمان كانت عملتها، بتغير عليك بجنون ياعم..
ارتسمت ابتسامةٌ ساخرةٌ على ملامحه:
تموتي وتعرفي إيه اللي حصل صح؟..
أومأت تضحكُ ثمَّ تساءلت:
أنتو زعلانيين.. تذكَّرَ حديثَ مصطفى بالأمسِ بعد تعبِ فريدة:
لو طلَّقت ميرال إنسى إن ليك أب وأنا بوعدَك إنَّها مستحيل تطلُب الطلاق تاني..
بس أنا مش عايزها..
مش بكيفَك يابنِ مصطفى، عايز تفضح أبوك روح طلَّقها وانساني..
فاقَ من شروده؛
شوفت سيف عمل إيه؟..
ضيَّقَ عينيهِ متسائلًا:
عمل إيه؟!
حظر رقمي.. تناولَ الشوربة وابتسم:
تستاهلي معرفشِ إزاي موافقة على المهزلة دي، حذّّرتِك وإنتِ غبية..
طالعتهُ وهو يتناولُ الشوربة:
متقولشِ كدا قلوبنا مش بإيدينا.. توقَّفَ مرَّةً واحدة:
رؤى تتجوزيني.. قهقهت بصوتٍ مرتفع:
أيوة ومالُه ياحبيبي، عايز الفرح بعدِ كام ساعة؟..
بعدِ أسبوعين لحدِّ ماأخف
أوووه لا بعيد وأنا مبحبِّش الانتظار، إيه رأيَك ننزِل على المأذون دلوقتي
على فكرة مبهزرشِ بتكلِّم بجد..
إزاي يعني ياإلياس عايز تتجوِّزني بجد؟..
وأنا عُمري هزَّرت؟..
الحقيقة لا.. طالعها بغموضٍ وتابعَ حديثِه:
طيب إيه رأيِك؟..
رأيي في إيه… توافقي تتجوزيني
عايزني أتجوِّز واحد متجوِّز!..
التوت شفتيهِ يرمُقها:
على أساس البنتِ بتحبِّ واحد مش خاطِب..نهضت من مكانِها ومازالت الصدمةُ تصفعُها حتى توقَّفت الكلماتُ على أعتابِ شفتيها لترفعَ عينيها إليه:
بس بينا قصة حب..
من إمتى.. مش دا اللي رماكي وراح خطب وطردِك من المحاضرة..
إلياس أنا متأكِّدة إنِّ سيف بيحبِّني..
أشعلَ سيجارة
بتكدبي على نفسِك.. أشارت على نفسها تتحدَّثُ بضياع:
عايز تتجوِّز واحدة تربية ملجأ بتعطِف عليها ليه، وإنتَ لسة متجوِّز من كام شهر بس.
ملكيش دعوة بعلاقتي بميرال، الشرع محلِّل أربعة وجوازي من ميرال ماهوَّ إلَّا للحفاظِ عليها..ليه بعدين أقولِّك بس اللي عايز تتأكدي منُّه يُعتبر جوازنا صوري تقدري تقولي بالمعنى الأصح جواز مصلحة..
مصلحة!! زفرَ باختناق:
وبعدين بقى اسمعيني أنا مش هغصبِك على حاجة، فكَّري ورُدي عليَّا..
إنتَ بتتكلِّم جد!.
نفثَ سيجارتهِ ينظرُ لمقلتيها:
جد جدًا جدًا.. ومتنسيش ياصُغيرَة إن إلياس الحبِّ الأوَّل ولَّا يكون الدكتور سيف مسحني من حياتِك..
نظرت إليهِ بتوهانٍ فلقد ألقاها بغيباتِ الجُّب..
مرَّ أسبوعينِ إلى أن جاءَ ماحطَّمَ القلوبَ التي لن تغفرَ لمن أحرقها..
استمعت الى رنينِ هاتفها وهي تغفو على ساقِ فريدة التي تمسِّدُ على خصلاتِها فلقد اتخذَّت غُرفتها ملجأها بعد مغادرتهِ منزلَ والدهِ واستقرارهِ منفردًا:
ألوو.. قالتها بنبرةِ متألِّمة..
العربية تحت إنزلي وتعاليلي هبَّت من مكانِها:
إنتَ تعبان.. كان يقفُ أمامَ صورتها ليتابعَ حديثهِ معها:
لا.. أنا كويس بس وحشتيني وعايز أشوفِك فيه موضوع لازم نتكلِّم فيه.،
تمام.. قالتها ونهضت من فوقِ فراشها
تقبِّلُ والدتها..هروح لإلياس
رسمت ابتسامةً تومئُ لها ثمَّ تمتمت:
خلِّي بالِك من نفسِك.
بعدَ فترةِ قُبيلَ المغربِ دلفت إلى المنزلِ المزيَّنِ بطريقةٍ هادئة.. من يراهُ يظنُّهُ احتفالًا لأحدِ العشَّاق.. دلفت للداخلِ قابلتها الخادمة:
البيه مستنيكي فوق.. صعدت اليهِ وقلبها كطبولِ حربٍ وجسدها الذي يرتعشُ من حلوِ الِّلقاءِ فمنذُ أسبوعينِ تتعذَّبُ بلهيبِ الشوق.. طرقت الخادمةُ البابَ لتشيرَ إليها بالدخولِ اليه.. وجدتهُ واقفًا أمامَ النافذةِ ينظرُ للخارج.. اقتربت تهمسُ اسمِه.. استدارَ بهدوئهِ الذي جعلها كفراشةٍ تريدُ أن تطيرَ بأجنحتِها الناعمةِ لتصلَ لأحضانه.. فتحَ ذراعيهِ إليها، لتهرولَ تُلقي نفسها بأحضانهِ، همسَ بنبرتهِ الرخيمة:
وحشتيني.. رفعت رأسها تحاوطُ عنقهِ تسبحُ ببحرِ عينيهِ لتستشفَّ كذبهِ مرَّرَ أناملهِ على وجنتيها الناعمةِ لتسري قشعريرةً لكلٍّ منهما..
عايزة تطلَّقي، أنا معاكي في القرار اللي إنت..توقَّفَ عن الحديثِ عندما وضعت أناملها على شفتيه، ودنت تبعثرُ شهدَ عشقها بجانبِ شفتيهِ تهمسُ له:
مش عايزة غير حُضنَك وبس، إنسى أي حاجة قولتها في وقتِ غضبي منَّك، واعذرني مكنتُش أعرف إنَّك بتحبِّني أوي كدا..
وياترى شوية الحبرِ اللي قرأتيهم همَّا الِّلي عرَّفوكي بحبُّي؟..
رفعت أكتافها بعجزٍ عن الرَّد..ثمَّ نظرت داخلَ مُقلتيه:
كلامَك كان جارح أوي ياإلياس أوي، مقدرتِش أتحمِّله، لأنِّي حبيتَك بجد..
دا كلُّه ومحستيش بحبُّي، بعد اللحظات اللي عشناها مع بعض ماعرفتيش أدِّ إيه بحبِّك..
بتحبِّني ياااه أخيرًا قولتها..كُنت فقدت الأمل..
احترقَ داخلهِ من تأثيرها القوي.. كيفَ يتحمَّلُ إهدارها لكرامتهِ ورجولتِه، صراعٌ بين العقلِ والقلبِ إلى أن حكمَ القلبُ ليصفعَ العقل، يسحبُها من كفَّيها يفتحُ الخزانة، يشيرُ إلى ثيابها:
بعت جِبت شوية هدوم من بتوعِك، لو وافقتي تكمِّلي حياتِك معايا يبقى إنتِ تروحي تجيبي الباقي، أو تشتري غيرهُم..
أممم يعني بتحاوِل تستفزِّني؟..
أبدًا..قلَّبَ بيديهِ بين الملابسِ إلى أن تذكَّرَ خروجها بذاكَ الفستان..
الذي خرجت به..فستانًا أقلُّ ما يقالُ عنهُ برأيهِ أنَّهُ ماهو إلَّا قميصًا للنوم..
قبضَ عليهِ بكفِّهِ يجذبهُ يريدُ أن يمزقَهُ كلَّما تخيَّلَ أن أحدًا غيرهُ رأى مفاتنها ..تراجعَ خطوةَ ينظرُ إلى مفاتِنها بوقاحةٍ قائلًا:
عايز أشوف الجمال دا بالفستان.،
عايزني ألبس الفستان دا..لا متهزرشِ أكيد إنتَ سُخن..
رسمَ ابتسامةً مقتربًا منها ثمَّ جذبها من خصرِها بقوَّةٍ لتصطدمَ بصدره:
ليه هيَّ المدام مش واخدة بالها إنَّها علشان تعاندني كشفِت جسمها للكلّ..
إلياس..بترَ حديثها وهو يطبقُ على ثغرها بخاصتهِ يمنعها بالتفوُّهِ عندما فقدَ السيطرةَ على غضبِه..لحظاتٍ ربما دقائقَ وهو ينفثُ غضبهِ بها إلى أن اختنقت ليتركَها ويتحرَّكَ للخارج..
اجهزي عملِك مفاجأة هتعجبِك.
بعدَ فترةٍ انتهت من زينتها، توقَّفت أمامَ المرآةِ تنظرُ إلى نفسها، ابتسمت بعدما تورَّدَ وجهها مرَّةً أخرى، لتهمسَ لنفسها:
كنتي مجنونة ياميرال عايزة تبعدي عنُّه، دا أسبوعين موتي واندفنتي فيهُم..ذهبت ببصرِها على قميصهِ الموضوعِ على الفراشِ لترفعهُ وتستنشقَ رائحتهِ باشتياق..وضعتهُ بهدوءٍ وتحرَّكت للخارج..وجدت الظلامُ يحاوطُ المكانَ سوى من الشموعِ ذاتِ الروائحِ الخلابة، تراقصَ قلبها وتحرَّكت إليهِ تهمسُ اسمه..
نهضَ من فوقِ المقعدِ بعدما أطفأ سيجارتهِ واقتربَ متوقِّفًا أمامَ الدرج..كان ينتظرُها كعريسٍ ليلةَ زفافهِ ببذلتهِ السوداءَ وقميصهُ الأبيضَ من يراهُ يظنُّ أنَّهُ عريسٌ ينتظرُ عروسه..
وصلت إليهِ بطلّّتها الخاطفةِ للقلبِ قبل العقل..بسطَ كفَّيهِ إليها لتحتضنَ كفَّيها وتتحرَّكُ على الموسيقى متَّجهةً إلى الطاولةِ التي يُوضعُ عليها المشروبات.
توقَّفَ أمامها يحتضنُ وجهها ثمَّ طبعَ قبلةً مطوَّلةً على جبينها، ثمَّ رفعَ ذقنها بأناملهِ ينظرُ لجمالِ عينيها قائلًا:
من أوَّل ماارتبطنا ونفسي أرقُص معاكي تانجو.
جحظت عيناها بصدمةٍ تشيرُ إلى نفسها:
أرقُص تانجو إزاي معرفش…لحظاتٍ واستمعت إلى الموسيقى وكأنَّهُ أعدَّ نظامًا لحفلتهِ الخاصة، ليسحبَ كفَّيها متحرِّكًا بها قائلًا:
اتحرَّكي زي ماهعمِل، بجد نفسي أرقُص معاكي الرقصة دي، علشان لو جد في الأمور أمور يبقى فيه حاجة تفتكريني بيها..
تحرَّكت مع الموسيقى برشاقةٍ وحركاتِ ساقيهِ التي أبهرتها لتتناسى كلَّ شيئٍ سوى أنَّها بين أحضانه…خطواتٍ مدروسةٍ مع الموسيقى أشعرتها وكأنَّها تلمسُ نجمًا من السماء..
وصلَ لإحدى المقطوعاتِ الموسيقيةِ وهي تقتربُ من وجههِ ولم يفصُل بينهما شيئًا..ليهمسَ بصوتهِ الأجشِّ لأوَّلِ مرَّةٍ ليسحبَ أنفاسها:
بحبِّك ياميرال أكتر من أيِّ حاجة في الدنيا…ترقرقت الدموعُ بعيونِها وهي تفردُ ذراعيها لينسابَ كفَّها على وجنتيهِ لتكملةِ الرقصة، ليسحبها إلى أحضانهِ متراجعًا للخلفِ وعينيها تعانقُ عيناه:
بتحبِّني؟..
أكيد وكان لازم تعرفي إنِّ الحب مش مجرَّد كلمات …قالها وهو يحملُها يدورُ بها على الموسيقى ثمَّ أنزلها بهدوءٍ ويديهِ تعانقُ خصرها، ليحرِّكها بسرعةٍ يرفعها مرَّةً أخرى ثمَّ ينحني بجسدهِ لتصبحَ بأحضانِه، وعينيها تعانقُ عيناهُ متمتمة:
ميرال بتعشَقك ياإلياس..اعتدلَ يضمُّها إلى صدرهِ مع انتهاءِ الرقصةِ يهمسُ لها:
فاكرة قولتلِك إيه عن بُعدنا..
تراجعت تنظرُ إليهِ تهزُّ رأسها بالموافقة:
مش هتبعد عنِّي إلَّا إذا أنا بعدت..
عانقَ أناملِها بأناملهِ وتحرَّكَ إلى الطاولة، يشيرُ للخادمة، هاتي حاجة للمدام تلبسَها علشان عندنا ضيوف
طالعتهُ باستفهام:
ضيوف..وصلت الخادمةُ بوشاحٍ يغطِّي جسدها بالكاملِ وهو ينظرُ للخادمةِ للتحرُّكِ للخارجِ بدخولِ المأذونِ بجوارِ إسلام ورؤى.
طالعتهُ باندهاشٍ وهتفت:
مأذون ليه…استدارَ وتوقَّفَ أمامها:
وأنا عند وعدي..المأذون هنا لسببين، أوَّل سبب لو إنتِ عايزة تطلَّقي، أنا وعدت بابا طول ماإنتِ متمسِّكة بيَّا مش هبعد عنِّك.
بس أنا مش عايزة أطلَّق أنا اعتذرتلِك..دلفت رؤى وتوقَّفت بجوارهِ بفستانِها الأبيض..تجمَّعت الدموعُ رغمًا عنها تتساءلُ بقلبٍ مفطور:
هوَّ فيه إيه، ممكن تعرَّفني …اقتربَ منها وحاوطَ خصرها منحنيًا لمستواها:
هتجوِّز ياميرال ، علشان أمسح آثارك من عليَّا، أصلها وجعاني أوي..
صمتًا مميتًا بالمكانِ سوى حبسِ الأنفاسِ ِوهي تنظر لعيناه وعيناها تفيض من الألمِ مايغطِّي الكون، وآه حارقة بخفوتٍ انبثقت من بين شفتيها تمنَّت من اللهِ أن تلفظَ أنفاسها لبارئها، وهو يتراجعُ يشيرُ على الطاولةِ المعدَّةِ لعقدِ القران ..مازالت متوقَّفة تنظرُ إلى جلوسِهم..عيناها عليهِ فقط، نظراتٌ ماهي سوى نظرات ولكن ليتها كانت رصاصاتٍ لتخلَّصت منهُ للأبد.
