رواية شظايا قلوب محترقه الفصل التاسع والعشرون29 بقلم سيلا وليد

رواية شظايا قلوب محترقه 
الفصل التاسع والعشرون29
بقلم  سيلا وليد

حبيبتي أود أن أخبرك أنك تسكنيني فكرا وحبا، أحببتك بطريقة لم تتركي لي ولو مساحة بسيطة لرؤية غيرك، أحببتك وأنا على يقينٍ تام من شعوري وإحساسي وبرضا كامل بعشقك، نعم أنا أحببتك للحد الذي شعرت به أن الحب الذي في صدري خلق لك وحدك، وأنني سأبقى مقيد بك حتى أفنى..
……….
و حين سألوها لمن تهدى قلبِك قالت :
لمن يحتضن خوفى كأنه سرٌّ لا يُفشى .
لمن يرمم كسرى دون أن يُذكرنى به ..
لمن يُضفى على عيوبى جمالًا لا أراه إلا من خلال عينيه .
لمن يجعلنى أحب نفسى كما لم أفعل من قبل .
فهذا له منى ما لم يكن لغيره : روحى و قلبى بكل تفاصيلهما
#الياس_السيوفي
#ميرال_جمال_الدين
بالجريدة عند ميرال
رفعت رأسها من فوقِ جهازها، وكأنَّ صوتهِ كابوسًا، لم تقوَ على ترجمةِ ما إذا كان حقيقةٌ واقعيةٌ أم أنَّهُ كابوسٌ يروادُ عقلها الباطن، كرَّرَ كلماتهِ مرَّةً أخرى، لتسقطَ فوق مسامعها كصوتِ رعدٍ يصمُّ الأذن..طالعتهُ بأعينٍ جامدة، ورغم جمودها إلَّا أنَّها تحجَّرت بالدموع، وقفت بجسدٍ مهتزّ، وابتعلت غصَّتها ذات الأشواكِ المدبَّبة، وغرزت عيناها التي أبت أن تفصحَ عن ضعفها أمامهِ وأردفت بلسانٍ ثقيل:
-إنتَ مين ياراجل إنت..وإزاي تتجرَّأ وتوقف تهدِّدني بالطريقةِ دي، هوَّ إنتَ متعرفشِ أنا مرات مين؟!..
أفلتَ ضحكةً صاخبة، وحدجها بنظراتٍ مشمئزِّة، ودنا منها كالذئبِ بعيونٍ دنيئةٍ ينطقُ بنبرةٍ متهكِّمة:
-أنا أعرف إنِّك بنت حرام، رانيا ال..دي وحياة عزة جلالةِ الله لأبكيها بدل الدموع دم، وأولها هبدأ بيك يابنتِ رانيا..
اقتربَ خطوةً أخرى وأشارَ بسببابتهِ هادرًا بفحيحٍ أعمى:
-اسمعيني يابنتِ الحرام إنتِ، أنا أدوس على الكلِّ علشان نفسي، والحيوانة اللي اسمها فريدة متفكرشِ إنَّها هتعدِّي بعملتها، وحياة الحبِّ اللي حبتهولها، لأقهرها على ولادها واحد واحد، وهجبها زاحفة لعندي برضو، ودلوقتي أنا مش جاي أقدم لك ناوي أعمل إيه، هتتِّصلي بالحيوان جوزك وتقوليله إنِّك مش عايزة تعيشي معاه، شوفي حجة بقى أكيد شاطرة زي أمِّك، ياأما طلقة واحدة في النونو اللي جوا بطنك دا، ومش بس كدا..
-أيوة عايز أعرف ياراجح هتعمل إيه كمان…قالها إلياس الذي دفعَ البابَ ودلفَ للداخل..
رفعت عينيها بأسى لدخوله، اقتربَ منها، يشعرُ بقبضةِ قلبهِ الذي يتلاطمُ كالموجِ بين عشقها، ثمَّ التفتَ مستديرًا إلى راجح يرمقهُ بنظراتٍ كالسهمِ المغموسِ بالسم، يتمتمُ بنبرةٍ حادة؛
-جاي لمراتي ليه؟..ولَّا إنتَ مالكشِ غير النسوان اللي يشبهوك، تراجعَ بجسدهِ يحاوطُ زوجتهِ ثمَّ ابتسمَ ينظرُ لبريقِ عينيها الحزين، ليتراجعَ لراجح الذي توقَّفَ وكأنَّ أحدهم سكبَ عليهِ دلوًا من الماءِ المثلج، ضمَّها يقرِّبها إليه قائلًا وكأنه هوا:
-حتى النسوان اللي بتجري وراهم أقوى منَّك، ومش بس كدا، عندهم كرامة اللي إنتَ ماتعرفهاش، ابتعدَ عن ميرال واقتربَ من وقوفهِ والغضبُ يتزايدُ ليسبِّبَ ضجيجًا داخله يريدُ أن ينقضَّ على عنقهِ قائلًا:
-إزاي تتجرَّأ وتوقف قدَّام مراتي وماسك مسدس، قالها وجذبَ سلاحهِ بلحظةِ تيهٍ من راجح، لم يفكِّر كثيرًا ليديرهُ ويطلقَ رصاصةَ الرحمةِ لتستقرَّ بساقهِ مرَّةً وبذراعهِ مرَّة، دون أن يرفَّ له جفنًا..
صرخت ميرال ببكاءٍ بعدما وجدت جنونَ إلياس، وحدثَ هرجٌ ومرجٌ بالخارجِ ووصولِ الأمنِ لاقتحامِ مكتب ميرال، توقَّفَ كالجبلِ لم يتحرَّك إنشًا واحدًا، ورغم اقتحامِ الغرفةِ ووصولِ رئيسِ التحرير، إلَّا أنَّهُ رفعَ كفِّهِ ولطمهُ بقوةٍ حتى تساقطت أسنانه:
-دي علشان مدِّيت إيدك على مراتي..اقتربَ الأمنُ لفصلهم، حينما أطلقت ميرال صرخاتٍ تضعُ كفَّيها على أذنها وهي ترى إلياس لأوَّلِ مرَّةٍ بتلك القسوة، وهو يلقيهِ على الأرضِ ويدفعهُ بقوَّةٍ مع شهقاتِ الموجودين..
تدخًَّلَ الأمنُ للفصلِ بينهما، إلا أنَّهُ كان كالأسدِ الجريحِ لم يقوَ أحدٌ الوصولَ إليه، وهو يجرُّهُ من ذراعيه التي أطلقَ عليهما رصاصةً ثانيةً لترتفعَ صرخاتِ راجح من الألم، ظل يجرُّهُ على الأرضِ إلى أن وصلَ الدرج ولم يرَ سوى بكاءِ والدتهِ وكلماتها التي تتردَّدُ بأذنيهِ عمَّا فعلهُ بها، ركلهُ بقدمهِ ليتدحرجَ على الدرجِ مع التقاطِ الكثيرَ من الصور، قائلًا
-الى الجحيم إن شاءالله، لكن للأسف الوقعة هتكسرك بس، أهو تتلم افضى لك..استدار ثم رفعَ كفَّيهِ باعتذارٍ عمَّا صار، وصاحَ بقوَّةٍ أمامَ كمٍّ من الصحفيين:
-دا كلب لقيته داخل يهدِّد مراتي بالسلاح، بيهدِّدها علشان تبطَّل تهاجم القذارة اللي زيه..آسف على اللي حصل ياأستاذ رفعت..آسف ياأساتذة..
قالها وتحرَّكَ للداخل، ليجدها جالسةً بجسدٍ متجمِّدٍ وعيونٍ شاردةٍ باكية، حاوطَ وجهها بين راحتيه:
-ميرال..طالعتهُ بنظرةِ ترجمها عقلها بالجهلَ ، استوطنَ القلقُ داخله، ليساعدها على الوقوف:
-ميرال ياله حبيبتي علشان نروح..خطت بجوارهِ كالجثةِ التي خرجت روحها..وقعت عيناها على جسدِ راجح الذي حملهُ المسعفون إلى السيارة..احتضنت ذراعَ إلياس بخوفٍ حينما تلاقت عيناها أعين راجح المتوعِّدة،
ضمَّها لتخفي رأسها بأحضانه، محاولًا إيقافِ ارتجافةِ جسدها، لقد نزفت روحها وأصبحت شظايا متناثرة، فتحَ بابَ السيارةِ يساعدها بالصعود، أغمضت عينيها تضعُ كفَّيها على أذنها من صدى صوتهِ القبيح “إنتِ بنتِ حرام..جلسَ بجوارها وأنزلَ يديها محاولًا طمأنتها، ولكن أصابتها حالةً جنونيةً تصرخُ وتدفعهُ بقوة، تضربُ على أذنها:
-كذاب، كذاب..حاولَ السيطرة َعلى حركاتها، ولكنَّها كانت كالطائرِ الذي ذُبح على غدر، بكت بقوَّةٍ تدفعه، لا يعلم ماذا فعلَ لها ذاك المختل، حاولَ بكلِّ طرقهِ أن يسيطرَ على جنونها فجذبَ رأسها وقامَ بتقبيلها علَّها تهدأ ولكن خابَ ظنِّهِ وهي تدفعهُ بكاملِ قوَّتها وتزيلُ آثارَ قبلته وكأنَّهُ شيطان، لم يسمع منها سوى شهقاتِ صوتها التي زادت من غضبه، تحرَّكَ بالسيارة متَّجهًا بها إلى المشفى، ينظرُ إليها من الحينِ للآخر، مازالت تضعُ كفَّيها على أذنيها تبكي بشهقاتٍ مرتفعةٍ وحالُ لسانها يردِّدُ كلمةً واحدةً فقط “كذاب”
وصلَ إلى المشفى ترجَّلَ من السيارةِ سريعًا واستدارَ إليها، فتحَ الباب، رفعت عينيها التي ماتت بها الحياة، وحربًا عنيفةً داخلها من قسوةِ كلماتِ راجح فهمست بتقطُّع:
-عايزة أموت..قالتها وهي تشعرُ بخضمِّ المشاعرِ التي تدلُّ على القهرِ والألم..
تجمَّدَ بوقوفهِ يحاولُ ترجمةَ كلماتها التي احرقته، هنا نزع كبريائه، حينما شعر بنصل حاد يغرز بصدره، وانحنى يحملها ويضمها بقوة إلى صدره
-حبيبي طمنيني عليكي، بلاش تعملي فيا كدا ياميرو
حاوطت عنقهِ تدفنُ نفسها بأحضانهِ تبكي بشهقاتٍ مرتفعة، تكرِّرُ كلماتها:
-عايزة أموت، عايزة أموت، كرَّرتها لتذهبَ فاقدةً الوعي، لااا لنقول هنا المعنى الحقيقي الذي شعرته، أنَّها فقدت الحياة..هنا شعرَ بثقلِ تنفُّسهِ ولم يعد لديهِ القدرةَ على الحركة، هرولَ إليهِ المسعفين، ليضعها بهدوءٍ على الفراشِ المتحرِّك، يحتضنُ كفَّها..
دقائق مرَّت عليهِ كسنينِ حياتهِ المريرة، حتى نطقَ الطبيب:
-انهيار عصبي، أخدت مهدِّئ، وإن شاءالله تكون بخير..قالها الطبيبُ بعمليَّةٍ وتحرَّكَ للخارج،
جلسَ بجوارها واقتربَ يطبعُ قبلةً حنونةً فوق جبينها:
-آسف حبيبتي كنت عارف أنُّه رايح لعندك ورغم كدا سبتك لوحدك..قالها وشعورُ القهرِ يتملَّكُ منه..ذهبَ بذاكرتهِ قبل ساعات..
فلاش باك:
استمعَ إلى حديثِ راجح مع ذلك الرجل، تراجعَ بجسدهِ للمقعد، وظلَّت نظراتهِ جامدةً باردةً يردِّدُ بينهِ وبين نفسه:
-عايز تقتل مراتي ياحيوان، طيِّب قرَّب منها، رفعَ هاتفهِ وتحدَّثَ مع صديقه:
-شريف اسمعني كويس، فيه راجل خرج من فيلا راجح، عايز يوم ولادته، وبعد كدا أقولَّك تعمل إيه.
-اعتبره حصل يابوص، فيه حاجة لازم تعرفها، صمتَ يستمعُ إليه:
-طارق، المحامي طعن في الحكم، يعني عايز يفتح القضية تاني..
-يفتح ياشريف، المهم ركِّز مع راجح بيرتِّبوا لحاجة ياشريف، مش عايزين نقوم على كارثة، مش عايز غلط مع راجح لازم نوصل للمموِّل الكبير..
-أوكيه، متخافش..
ربنا يوفِّقنا يارب..
-يارب ويحمي بلدنا من تلك الشرزمة..
-آمين ياشريف..قالها وأغلقَ الهاتف، ليدلفَ مصطفى:
-مرحتش لأرسلان ليه..نهضَ يجمعُ أشيائه:
-كنت بعمل تليفون مهم، بعد إذنك محتاج حاجة..أمسكهُ مصطفى من ذراعه:
-أه..توقَّفَ يطالعهُ بنظراتٍ مستفهمة، فأجاب:
-ترجع إنتَ ومراتك البيت، مش عجبني قعدتكم لوحدكم..ابتسمَ قائلًا:
-ماتسبني أصالح مراتي براحتي ياسيادةِ اللواء..
عقدَ مصطفى حاجبيه، ونظرةُ غموضٍ انبثقت من عينيهِ باستفهام:
-هيَّ لسة زعلانة، أومال بقالك أسبوع بتعمل إيه؟..إيه مش عارف تسيطر ولَّا إيه يابنِ مصطفى..
تحرَّكَ يهزُّ رأسهِ ضاحكًا:
-أنا عندي شغل ياسيادةِ اللواء..صعدَ سيارتهِ وتحرَّكَ بعضَ الكيلومترات، نظرَ بمرآةِ السيارة، وابتسمَ ساخرًا:
-تعالَ ياروح أمَّك، رفعَ هاتفهِ يهاتفُ زوجته، إلى أن وصلَ إلى شقَّةِ أرسلان..
جلسَ أمامَ أرسلان:
-اسمعني من غير ماتقاطعني..بيتك دا فيه باب خلفي؟..
-أومأ له بالإيجابِ واستفهم:
-ليه؟!..نهضَ من مكانه، يشيرُ إلى النافذة:
-كلِّم الأمن يفتِّشوا العربية اللي واقفة قدَّام باب بيتك دي، واتولَّى الموضوع عندي مشوار نصِّ ساعة وراجع وبعدين نتكلم
تحرَّكَ إلى سيارةِ أرسلان وقادها متحرِّكًا من البابِ الخلفي، مع رنينِ هاتفه:
-حصل زي مااتوقعت ياباشا، إبعادهِ هناء وخمول للأمنِ بالكامل..
-تمام أنا في الطريق، اطلع عند ميرال، دقايق وأكون عندك، لو حاول يعمل حاجة موِّته لو أنا اتأخَّرت.
خرج من شرودهِ على رنينِ هاتفه..
-آسف ياارسلان، مراتي تعبت واضطريت اخدها المستشفى، هأجل موضوعنا لوقت تاني
-فيها حاجة، يعني محتاجة حاجة..تسائل بها ارسلان
هز رأسه بالنفي قائلًا:
-لا مفيش شوية إرهاق واجهاد مش أكتر
بعد فترة بجوارها استمع إلى رنينِ هاتفه، تنهَّدَ بمرارةٍ ثمَّ رفعَ هاتفه:
-أيوة يابابا..
-إلياس إيه اللي بيحصل، إيه الخبر اللي قرأته دا؟!..
-راجح كان عند ميرال، معرفشِ كان عايز إيه، يادوب لحقتها..تنفَّسَ بهدوءٍ وعينيهِ عليها يمسِّدُ على خصلاتها مستطردًا:
-إحنا في المستشفى يابابا، نهضَ مصطفى من مكانه، وعقدَ العزمَ على الذهابِ إليه، ليهتفَ قائلًا:
-أنا جايلك ياحبيبي…قاطعهُ يخبره:
-لا مفيش داعي يابابا، هيَّ كويسة، بس حبيت أطَّمن عليها..
-يعني مش أذاها ياإلياس؟..
-لا يابابا، هيَّ كويسة، والدكتورة هتيجي تطمنَّا على البيبي..
أغلقَ الهاتفَ واقتربَ منها يهمسُ بجوارِ أذنها علَّها تستمعُ إلى كلماته:
-وحياتك لأكرَّهه حياته، اصبري عليَّا، متعرفيش إنتِ عندي إيه..
مرَّت عدَّةُ ساعاتٍ أخرى حتى عادَ بها إلى منزله، ترجَّلَ متَّجهًا إليها، انحنى ليحملها ولكنَّها رفضت، ونزلت متحرِّكةً بخطواتٍ بطيئة، كأنَّها تجرُّ قدميها بصعوبة، اقتربَ يحاوطُ جسدها لتصبحَ بالكاملِ تحت حنانِ ذراعيه، طبعَ قبلةً فوق رأسها:
-كدا تخوِّفيني عليكي يابايرة..
دفنت رأسها بعنقهِ تتمسَّحُ به كقطةٍ أليفة:
-إلياس أنا بنتِ مين؟!
استفهامٌ مؤلمٌ شقَّ ثغرها بدمعةٍ تحرَّرت من طرفِ عينها حينما رفعت رأسها تناظرهُ بقلبٍ ممزَّق، ثمَّ تابعت حديثها الذي كادَ أن يزهقَ روحه:
-أنا بنت حرام، ماليش نسب ياإلياس..
-ياريت..قالها بنبرةٍ جيليديةٍ لتصفعَ روحها من كلماتها التي جعلتها كلوحٍ من الثلج، لتتراجعَ بعيدًا عن أحضانه، تائهةً حائرةً تخطو بتمهُّلٍ وكأنَّها تخطو فوق زجاجٍ متناثر..تحرَّكَ خلفها حتى دلفَ إلى الداخل..
-ميرال ..
توقَّفت دون أن تلتفتَ إليه، اقتربَ منها، يشيرُ للخادمة:
-اطلعي جهِّزي للمدام الحمَّام، ثمَّ التفتَ لهناء:
-خلِّيكي مع المدام لحدِّ ماتجهز، عايزها تكون جاهزة بعد ساعة بالظبط..
تجمَّعت دموعُ الألمِ بمقلتيها قائلة:
-أنا تعبانة ياإلياس وعايزة أرتاح، ممكن تسبني على راحتي..
قاطعها يضعُ أناملهِ على شفتيها:
-الليلة دي مش عايز أيِّ عذر، ولا عايز اعتراض سمعتيني ولَّا لأ.
أجابتهُ بضعف:
-الضرب في الميِّت حرام ياإلياس، وأنا ميِّتة، بلاش تموِّت فيا أكتر ماأنا ميِّتة.
تفاجأ من حالةِ الوهنِ والضعفِ التي انتابتها، ليضغطَ على ذراعيها بقوَّةٍ آلمتها مع دموعها التي لم تتوقَّف:
-اسمعيني علشان أنا زهقت منِّك، قولت مليون مرَّة إنتِ بنتِ مدام فريدة، وياستي زعلانة عليه ليه، دا حيوان، فيه حدِّ يزعل إنِّ الراجل دا مش أبوه.
ثقلُت أنفاسها ورجفةً أصابتها بالكامل، حتى فقدت النطقَ للحظاتٍ تشيرُ إلى نفسها:
-يعني أنا بنتِ حرام؟..
لوَّنَ الغضبُ وجهه، مستنكرًا حديثها ليهتفَ ما شقَّ قلبها:
-ياريتك واللهِ أهو أهون ما يكون الراجل الحيوان دا أبوكي.
أجهشت بالبكاءِ متراجعةً للخلف، تتقهقرُ بانهيارِ جسدها:
-للدرجة دي أنا نصيبي من الدنيا وحش ياإلياس؟..
-نعم ياختي، ليه هوَّ أنا وحش علشان تقولي كدا، إيه نسيتي إنتِ متجوِّزة مين، ولَّا نسيتي إنِّك حامل في ابني، لا فوقي يابنتِ مدام فريدة واحمدي ربنا إنِّك عايشة حياة غيرك يتمنَّى بس نظرة منِّي،
هزَّت رأسها بألمٍ انبثقَ من عينيها:
-عندك حق، لازم أحمد ربِّنا إنِّ فيه واحدة زيي اتجوِّزت عظيم وابنِ ناس زيك..
تجمدَّت الدماءُ بعروقهِ من حديثها اللاذع، ليثورَ غاضبًا:
-فوقي ياميرال، أوعي تفكَّري أنا بطبطب، لا يابنتِ فريدة، أنا عايز ستِّ قوية، الستِّ الضعيفة دي، هشاورلها على الباب وأقولَّها برَّة حياتي، حتى لو حامل في ابني..
تهدَّلت أكتافها بانهزامٍ من قسوةِ حديثهِ اللاذع، فيكفي ماتمرُّ به، يكفي حياتها التي تدهورت وأصبحت نحو الهاوية، تراجعت للخلفِ حينما لم تقوَ على تجاوزِ ذلك الألمِ الرهيبِ الذي عصفَ بجميعِ خلاياها، ثمَّ استدارت متجهةً للباب:
-يبقى أمشي قبلِ ماتطردني..
-استني عندك يابت..كان صوتهِ كالرعدِ الذي اهتزَّت له الجدران، ليرفعَ يديهِ نحو الدرج:
-اطلعي فوق، نظرَ بساعتهِ وتابعَ حديثه:
-ساعة واحدة وألاقيكي جاهزة، فتحت فاهها إلَّا أنَّهُ أشارَ باعتراضٍ تجلَّى بمقلتيهِ وهو يرمقها بنظراتٍ جحيمية:
-ولا نفس، سمعتيني ولا نفس..هناااء، صاحَ بها لتفزعَ متراجعةً وهي تراهُ يقتربُ منها، جذبها بقوَّةٍ حتى اصطدمت بصدرهِ يهمسُ إليها بنبرةٍ هادئةٍ رغم ضجيجَ قلبهِ من الوجع:
-اطلعي اجهزي حبيبتي، الليلة دي مهمَّة وأوي ياميرو..قالها وهو يطبعُ قبلةً مطوَّلةً على جبينها، ثمَّ تحرَّكَ سريعًا إلى غرفةِ مكتبه.. تلوت شفتيها من تغيره بلحظات، هل من الممكن أن يلفظها من حياته
صعدت إلى الأعلى لتتفاجأ برداءٍ من الحريرِ الناعم، باللونِ الذهبي، رفعتهُ بين يديها تطالعهُ بذهولٍ وتحدِّثُ نفسها:
-معقولة هيرضى يخرَّجني بالفستان دا، طب إزاي، ياترى ناوي على إيه ياإلياس، ولَّا بتعمل كدا علشان تخرَّجنى من اللي أنا فيه؟..تأفَّفت بضجر، وشعرت بأنينٍ يمزِّقُ قلبها..
-مدام ياله علشان منتأخرشِ على الباشا..
-الباشا..ردَّدتها بينها وبين نفسها، أهو الباشا معرفشِ بيخطَّط لإيه، بس مهما كان اللي بيخطَّط له، أنا معاه، حتى لو رماني بالنار، أهي ناره أهون من جنة الحقير راجح، وضعت الفستان ثمَّ ولجت لداخلِ الحمَّام، وأغلقت البابَ خلفها تجولُ بنظرها على تحضيرهم لها، قطبت جبينها ورفعت إحدى زجاجاتِ العطور، ابتسامةٌ متهكِّمة، تهمسُ لنفسها:
-جنِّنتي ياإلياس، أصلي ناقصة جنان، نزعت ثيابها ودلفت للمياهِ الدافئة، علَّها تزيحُ إرهاقَ طيلةِ اليوم، ظلَّت لبعضِ الوقت إلى أن انتهت من استحمامها، وخطت للخارجِ لتنهي زينتها، مرَّت الساعةُ سريعًا لتضعَ أحمرَ شفاهٍ بعدما أفلتت ضحكةً جنونية، ورغم أنَّها ضحكة إلَّا أنَّها ممزوجةٌ بكمِّ الآهاتٍ والآلامِ التي تعانيها
-محتاجة حاجة تانية يامدام..تساءلت بها هناء وهي تجمعُ أشياءها الخاصة..
-هزَّت رأسها بالنفي ثمَّ أشارت على الفستانِ الذي ترتديه:
-هوَّ الفستان مش جاي معاه أيِّ حاجة تانية؟.،
-نفت هناء قائلة:
-مفيش غير الميكب والمجوهرات بس..
أومأت لها تشيرُ إليها بالخروج، لتتحرَّكَ للخارج، نهضت من مكانها تنظرُ لنفسها بسخرية، فحقًا كانت كقطعةِ ألماسٍ نفيسةٍ تُذهبُ العقولَ من روعتها، خطت إلى أن وقعت عيناها على شهادةِ تقديرٍ لتفوُّقها بإحدى المقالاتِ الإخبارية، تُوضعُ بأحدِ أركانِ الغرفة، وصلت إليها، بسطت كفَّيها وتناولتها، ظلت تنظرُ بها لبعضِ الوقت، تحرِّكُ أناملها على الاسمِ وتكرره بلسان ثقيل:
“ميرال جمال الشافعي” يعني حتى الاسم المسروق مش صح، ألقتها على الأرضيةِ تطالعها بعيونٍ متحجِّرةٍ بالدموع، دلفَ إليها وجدها تنظرُ إلى الصورةِ بضياع..
لاحت صواعقُ الحزنِ المرسومةِ بالألمِ بمقلتيه، لأوَّلِ مرَّةٍ يرى ضعفها بتلك الطريقة، التفتت إليهِ بعدما شعرت بوجوده، تشابكت الأعينُ للحظات، نظرت لحلَّتهِ الكلاسيكية، لمعت عيناها رغمًا عنها فمن يراهُ يقسمُ أنَّهُ عريسًا ليلةَ زفافه، وصلَ إلى وقوفها، ثمَّ حاوطَ خصرها يلفُّ ذراعيهِ الاثنينِ حولها:
-إيه الجمال دا ..ابتعدت تشيحُ بصرها عنه، بسببِ دقَّاتها العنيفة..
رفع يديهِ ليزيلَ الوشاح الذي فوق أكتافها بالكاملِ ، ينظر ل خصلاتها الحالكةِ كظلامِ الليل، ثم قام بفك رباطها:
-كدا أحسن..توقَّفت أمامهِ بكاملِ هيئتها:
-هوَّ إنتَ إيه حكايتك الليلة، لو بتعمل كدا علشان تنسِّيني..أوقفها حينما سرق قبلتهِ الأولى لتلك الليلة، قبلةً سريعةً حتى أنَّها لم تشعر بها..تراجعت عن ذراعيه:
-عايز تفهِّمني هنخرج كدا الليلة؟ ..
بسطَ كفَّيهِ لتحتضنً راحتيها، ثمَّ ضغطَ عليها وتحرَّكَ للخارج، حتى وصل إلى المسبح ب الحديقة، طافت بعينيها على الأنوارِ الهادئةِ والموسيقى الغربيةِ التي تصدحُ بالمكان:
-إيه دا، مش هنخرج؟!،،
هزَّ رأسهِ بالنفي قائلًا:
-لأ، الليلة دي بالذات مش هنخرج..
سحبت بصرها إلى الطاولةِ المعدَّةِ بأصنافِ الطعام، ثمَّ وقعت عيناها على مجموعةِ الورودِ الحمراء، وبجوارِها قلبًا باللونِ الأحمر..رفعت عيناها إليهِ وهمست:
-بتحبِّني؟..تساءلت بها بعيونٍ جامدة..
علمَ بما يستوطنُ داخلها، ليقرِّبها إليهِ حتى اختلطت أنفاسهما، يضعُ جبينهِ فوق جبينها،فلمست شفتاهُ ثغرها متمتمًا بنبرةٍ عاشقة:
-لا..مين قالِّك كدا؟!..ملَّسَ على وجنتيها براحتيه، ثمَّ جذبَ كفَّيها فوق نبضه، وتعمَّقَ بعينيها:
-إنتِ شايفة إيه؟!
انبثقت دموعها كزخاتِ المطر، وهي تحرِّكُ أناملها على صدرهِ وكأنَّها ترسمُ شيئا وهميًا:
-مابقتشِ بشوف ولا أحس، قرَّبَ رأسها إلى صدرهِ يضمُّها بقوَّة، وآآه أخرجها من ثنايا روحهِ مستشعرًا بنبضِ قلبهِ الذي ثارَ بدقاته هامسًا:
-كذابة ياميرو، حاسة وسامعة، رفعَ ذقنها بأنامله، واحتضنها بعينيه، ثمَّ دنا يهمسُ بأذنها :
– مش مسموح لك تشوفي حدِّ غيري، ولا تسمعي غير لنبضِ قلبي وبس..
قشعريرةٌ لذيذةٌ سارت بعمودها الفقري، من تصريحهِ المثيرِ لأوَّلِ مرَّة، داعبَ عنقها بأنفهِ وأكملَ بصوتٍ مثيرٍ وأنفاسٍ ملتهبة:
-ميرال أنا بحبِّك أوي، حبِّي قدَّام نظرة عيونك تعجز الكلمات عن وصفه، لدرجة مش قادر أشرح لك شعوري وإنتِ جوا حضني، خلِّيكي دايمًا واثقة مفيش حد هيخاف عليكي ولا يحبِّك قدي..
قرَّبها مرَّةً أخرى لتلتصقَ به أكثر، يرفعُ يديها تحاوطُ عنقه، ومازال يداعبها بأنفه، ليرتعشَ جسدها وتتلاشى ساقيها حتى كادت أن تسقطَ لولا ذراعيهِ الذي رفعها بهما، وابتسامةٍ عاشقةٍ تخصُّها وحدها، بعينانٍ تتألقانِ بحبٍّ وحنانٍ يتحرَّكُ بها على النغمات ، ليصدحَ صوتُ أمِّ كلثوم بالمكان، بأغنيتها المحبَّبة”إنتَ عمري”
رفعت كفَّيها على وجههِ تلامسه، وبنظراتٍ ملتمعةٍ بالعشق، تطالعهُ بها:
-ليه جاي تقولِّي الكلام دا دلوقتي ، صعبانة عليك؟.
أمالَ برأسهِ يستنشقُ أكبرَ قدرٍ من رائحتها، وعيونًا راغبة، يجاهدُ الكثيرَ والكثير يمنعُ نفسهِ من الانزلاقِ خلف مشاعرهِ الجيَّاشةِ خوفًا عليها وهي بتلك الحالة..
-شايفة أنا ممكن أخدع مشاعري؟.،
-ليه دلوقتي ياإلياس، ياما اتحيلت عليك أسمع حتى كلمة بحبِّك،،
أفلتَ تنهيدةً حارةً أحرقت ضلوعهِ من نيرانِ العشق، فلقد ألقى كلَّ غرورهِ وكبريائهِ ودلفَ إلى حضنِ عشقها تائهًا بمحرابها وأقسمَ لنفسهِ أنَّهُ يتلذَّذُ به ولا يريدُ الخروجَ منه:
“كلِّ سنة وأنتِ في حضني ياحبيبي النهاردة عيد جوازنا”
جحظت عيناها تؤنبُ نفسها، ثمَّ دفنت رأسها بصدرهِ مبتعدةً عن نظراته.. استمعت إلى حديثهِ وهو يخبرها:
-عارف اتأخرت، سامحيني، مكنتش عارف أعبَّر إزاي، أو يمكن أكون خايف لتكون مشاعرك مؤقتة، متنسيش علاقتنا الأوِّل كانت إزاي..
-بس أنا كنت بحبَّك، وبحبَّك من زمان وإنتَ عارف ومتأكد من دا..
-تؤ..رفعت حاجبها متهكِّمة:
-إيه هوَّ اللي تؤ ..رفعها يدورُ بها مع اللحنِ الموسيقي، ثمَّ أنزلها بهدوءٍ وتابع حديثهِ بنبرتهِ الرجولية:
-معرفشِ غير إنِّي كنت مغرور ومتكبر، وكمان كان اسمي يأس ومعرفشِ أقول كلمة حب، مش دا كلامك..
قالها وهو يرفعُ ذراعها يدورُ بها..
ضحكةً بصوتٍ مسموعٍ إثرَ حديثه، فأخذت تحاورهُ بعينيها قائلة:
-وإنتَ كنت غير كدا، وبعدين ليه جاي تقول الكلام دا دلوقتي بردو، يوم عيد جوازنا؟..
انحنت للخلفِ مرَّةً أخرى على اللحنِ وهو يميلُ بجسدهِ عليها، وذراعهِ يحاوطُ خصرها قائلًا:
-مش يمكن اطَّمنت، رفعَ جسدهِ وهو يجذبها، ليستأنفَ الرقصة:
-كنت قلقان منِّي ياإلياس، خايف أكون بضحك عليك، ولَّا خايف أكون زي الستِّ اللي مفكَّرها خطفت باباك، والسبب في موت والدتك؟..
قرَّبَ رأسها وهمسَ بأنفاسهِ الحارة:
-لا ياحبيبي، خايف لأكون بحبِّ سراب، كنت عايز أطَّمن من قلبك،
-تطمِّن من قلبي وإنتَ متأكِّد أنا مستنية منَّك بس نظرة..
تنهَّدَ بصوتٍ عالٍ حتى شعرت بهبوطِ وارتفاع صدره، حرَّكت كفَّها على صدره:
-ياااه للدرجة دي كنت تعباك أوي كدا..
-أوي..نطقَ بها سريعًا، ثمَّ طالعها بعتابٍ ليخبرها:
-عملتي إيه يدل إنِّك بتحبِّيني؟..
-وإنتَ عملت إيه يدل على حبَّك ليَّا؟..
-شايف سؤال بسؤال، أنا عايز إجابة ياميرال..
-وأنا كمان عايزة إجابة ياإلياس، مش إنتَ بتقول كنت بطمِّن قلبك، طيب أنا من حقِّي قلبي يطَّمن..
-بحبِّك اكتر من أي حاجة ومتجوزتش بسببك، كنت منتظر قدرنا، بس عايزك تثقي حروفي اضرَّجت باللهيبِ حينما
أُسمّيتُك “حبيبي”فما ذنبي إن كانت النفس أمارة بالشوق إليها
كدا الإجابة واضحة..
ارتجفت شفتيها بعدما فقدت النطقَ من نظراتهِ وهمسهِ المثير، لتتجرَّأ وترفعُ نفسها تطبعُ قبلةً على خاصَّته، أذابت جوارحَ كلٍّ منهما، رفعها يضمُّها بقوةٍ لتذوبًَ بحضنهِ مع همساتهِ بالعشقِ الدفينِ لأوَّلِ مرَّة..
انحنى عليها بثورةٍ من قبلاتهِ العاشقةِ
ليشعرها وكأنَّهُ لأوَّلِ مرَّةٍ يقبِّلها، بل لأوَّلِ مرَّةٍ يكونُ قربهِ مهلكًا بتلك الطريقة، ليثبتَ لها أنَّ عشقها نوعًا خاصًّا نادرَ الوجود، به تتدفَّقُ معاني الحبِّ بكلِّ أنواعِ اللغات، لتفوقَ قوَّتهِ قوةَ الجاذبية أضعافًا مضاعفة، وهي تشعرُ بأنَّها كالفراشةٍ التي تتنقَّلُ بين الأزهار،
ذابت كلَّ آلامها وتناست مامرَّت به بيومها من مجرَّدِ عاشقٍ يترنَّمُ بعشقها
كآلةِ البيانو، لتتحوَّلَ حياتها ورديةً بأجملِ باقاتِ الورود، ويتجمَّلُ نسيمها بنسيمِ البحرِ ورائحةِ العطور..
توقَّفَ ليحملها بين ذراعيه، وقلبهِ كالمضخةِ يريدُ أن تكونَ تلك الليلة ماهي سوى ليلةِ حياتهِ الأولى معها، عوضًا عمَّا مرَّا به، خطا وهي بحنانِ حضنه، متَّجهًا إلى فراشهما، وكأنَّهُ يحملُ سعادته..وضعها بهدوءٍ ومازالت متعلِّقةً برقبته، ونظراتها التي توحي له الكثيرَ والكثير، لا يريدُ ترجمةً سوى عشقها له فقط، لا يريدُ سوى أنَّها تراهُ الرجلَ الأعظم والأوحد بالكون، همست من بين شفتيها المطليةِ بحروفِ عشقه، وكأنَّها فهمت ما يشعرُ به:
-مش عايزة غيرك وبس، أقسم لك حبيبي إنِّي أذوبُ بك عشقًا حتى الممات..هنا توقَّفَ الكونُ بعقاربِ الساعةِ وهو لا يريدُ سوى عينيها، حرَّكَ أناملهِ على نبضها المجنونِ الذي ظهرَ بوضوحٍ من صعودِ وهبوطِ صدرها، ليحرِّكهُ بعشوائيةٍ وكأنَّهُ يكتبُ لها بحبِّك فوق ماتتخيَّلي..همست تردِّدُ حروفَ اسمه كعصفورٍ كناري، ليميلَ عليها بملحمةِ العشقِ بدقاتها المثيرةِ بكلِّ ترحابٍ وجنون..
عند آدم
استمع الى طرقات على باب مكتبه، دلفت إليه ايلين تضع أمامه بعض الأوراق
-امضي ياآدم لو سمحت..رفع عيناه إليها بعدما علم ماتحتويه الاوراق
-مش ينفع ياايلين، بعد ماتخلصي كلية وتشتغلي
جلست بمقابلته
-ماتصعبهاش عليا يابن خالي لو سمحت
سحب نفسًا وزفره ثم نهض إلى أن جلس على المقعد الذي يقابلها
-طلباتك ايه ياإيلين
-ماليش طلبات يابن خالي غير الحرية
دنى بجسده وتعمق برماديتها
-وحياة آدم ياايلين تديي لحياتنا فرصة
توقفت وحاورته بعيناها
-مفيش فرص يابن خالي، خلينا نطلق
-دا اخر كلام ياايلين …
ومفيش غيره …دفعت حنين الباب توزع نظراتها بينهما ثم اردفت:
-أنا مش موافقة على الطلاق، يعني ايه تطلقني بعد اللي عملته علشانك، وعلشان ايه، علشان دي ..اقتربت من إيلين
-أنا يطلقني وبلا رجعة علشانك، وعد مني لأندمه، التفتت إليه ورمقته باحتقار
-هعرفك ازاي تطلق حنين الشهاوي علشان الجربوعة بتاعتك دي ..قالتها وخرجت كالكرة النارية
بمنزلِ أرسلان قبلَ ساعات:
خرجَ إلى الحديقةِ بعد اتصالِ إلياس به:
-شوف العربية اللي واقفة قدَّام بيتك، خلِّي الأمنِ يفحصوها كويس..
انكمشت ملامحهِ متسائلًا:
فيه حاجة ولَّا إيه؟..
-لا بس تأكيد اطمئنان، فيه واحد منهم كان مراقبني لمَّا دخلت بيتك، وبعدين ينزلوا ويسيبوها، دا تخوُّف أكتر..
ركضَ أحدهم إليه:
-فيها قنبلة ياباشا، أشارَ إليهِ بالتحرُّكِ مع رفعِ هاتفهِ والاتصالِ بأحدهم..
بعد عدَّةِ ساعاتٍ كان يجلسُ بمنزلهِ يعملُ على جهازهِ بصمت، دلفت إليه:
-جهَّزت الغدا، عمُّو إسحاق مشي ولَّا إيه؟..
رفعَ نظرهِ إليها، ثمَّ أغلقَ الجهازَ ونصب عودهِ متوِّقفًا، وهو يتحاملُ على آلامِ رأسه، دنت منه تسحبهُ من ذراعهِ إلى أن وصلت إلى الأريكة:
-ارتاح شوية وبطَّل شغل، إنتَ لسة تعبان..
مرَّرَ أناملهِ على ملامحها الجميلة، بأعينٍ مشوَّشة، وصداعٍ يفتكُ برأسه، تراجعَ بجسدهِ يستندُ برأسهِ للخلفِ على المقعد ..جلست بجواره، تمسِّدُ على خصلاتهِ ونطقت بنبرةٍ متألِّمة:
-أرسلان تعبان؟….أغمضَ عينيهِ محاولًا أن ينتشي نبضَ قلبهِ من لحنِ صوتها..
لا تشعر سوى أنَّها أصبحت بلا حماية، كأنَّ قلعتها أصبحت على رمالٍ شاطئية، لتبعثرها الرياحُ دون رحمة، انسالت دموعها تدفنُ رأسها بكتفه، ونطقت بنبرةٍ متألمةٍ بمزيجٍ من الحزنِ القابعِ بصدرها:
-قولِّي مخبِّي عليَّا إيه، وليه عايز تكسرني بالشكل دا؟،.اعتدلَ يلفُّ ذراعيهِ حول جسدها، وطالعها بأعينٍ هالكةٍ من فرطِ الألم، مرَّرَ أناملهِ يزيحُ دموعها التي سقطت على قلبهِ كهزّّةٍ أرضيةٍ تشقُّها، ثمَّ قرَّبها إليه يطبعُ قبلةً بجوارِ ثغرها الكرزي، رفعت عينيها الباكيةِ تتوسَّلُ صمتَ عينيه، رفعت كفِّهِ تقبِّله، ابتسمَ يضمُّ وجهها بين راحتيه، وأمالَ يحتضنُ ثغرها ينثرُ عليهِ عشقه، لحظاتٍ ربما دقائق وهو يعزفُ لحنهِ الأثيرِ من القبلاتِ على كرزيتها، ابتعدَ بعدما شعرَ بانسحابِ أنفاسها..تمدَّدَ يجذبها لأحضانهِ يخلِّلُ أناملهِ بخصلاتها البنية اللامعة، رفعت رأسها تنظرُ لعينيهِ القريبةِ وتساءلت.
-مش عايز تقولِّي مالك؟.،ومتحاولشِ تقولِّي الحادثة، لأنِّي عارفة فيه موضوع أكبر من الحادثة..استندت على مرفقها ورفعت كفَّيها على وجنتيهِ تهمسُ بنبرةٍ عاشقة:
-مهما كان اللي عايز تقولو، بس تأكَّد أنا هفضل جنبك لأخر يوم من عمري، مستحيل أتخلَّى عنَّك، دنت وتابعت همسها المثير أمام شفتيه:
-مستحيل أتنازل عنَّك ياأرسلان، أوَّل حب وآخر حب ومفيش بعدك ولا قبلك بديل..
لفَّ ذراعيهِ حول عنقها ينظرُ لعينيها التي سحرتهُ من أوَّلِ مرة، شعرَ وكأنَّها سلبت فؤاده، ليهيمَ النبضُ باسمها وحدها، ولما لا وهي التي تربَّعت على عرشه، عجز عن صياغةِ حروفٍ تصفُ عشقها، عندما لم يجد مايعبِّرُ بما يشعرُ به من قربها،
شعرت به لتنحني تطبعُ قبلةً مطوَّلةً ممزوجةً بالحنانِ بجوارِ شفتيه، ثمَّ رفعت عينيها لتقابلَ عينيهِ التي ترسلُ آلافَ الأعذارِ تتمتم:
-“بحبَّك ياحظِّي الحلو”
تعثَّرَ نبضهِ من قوَّةِ ماشعر به، ماذا فعل ليجازيهِ الله بتلك الملاك، رفعَ خصلاتها العشوائيةِ التي حجبت عيناها، يضعها خلفَ أذنها، ثمَّ أفلتَ ابتسامةً خلابةً تضجُّ بالكثيرِ من المشاعر، قائلًا:
-أعتبر دا اعتراف رسمي إنِّي أحسن حظ؟..داعبت وجههِ بأناملها تهزُّ رأسها بالإيجابِ مبتسمة، ثمَّ اعتدلت تسحبُ نفسًا متسائلة:
-إيه اللي حصل خلاك تطلب منِّي الموت ياأرسلان؟..أومأت عندما لمحت نظرةَ تساؤل، ثم ردَّدت تخبره:
-سمعت بعض الكلمات، بس أكيد عايزة أسمع منَّك كلِّ حاجة، بس قبل أيِّ حاجة تأكَّد ياأرسلان إنِّ ربنا مسيَّر الكون بحكمة محدش يعلمها، يعني وجودك في حياة عمُّو فاروق حكمة، افتكر كدا لو ماوصلتش لعمُّو، كنت مش هتدخل مخابرات ومكناش اتقابلنا، ولا كنا اتجوِّزنا، شوفت تدابير ربِّنا..
احتوى كفَّيها معتدلًا ثمَّ أردف:
-أنا معرفشِ أهلي الحقيقين ياغرام..
رفعت ذقنها وتعمَّقت بعينيه:
-بس انا أعرف أرسلان الجارحي، أي إن كان اسمك اللي مش مهم، بس المهم إنتَ إيه، أخلاقك ودينك إيه، رجولتك إيه، افرض عرفت اسمك وكنت بشع، الاسم هيعملَّك إيه؟..ولا حاجة..اقتربت منه وملَّست على وجنتيهِ وتابعت حديثها:
-حبيبي مش مهم إنتَ تبع مين، المهم إنَّك عملت إيه ليكونوا تبعك، وأنا متأكدة إنِّ جوزي أحسن راجل في الدنيا، أنا مش عايزة غير أرسلان وبس..
تنهَّدَ بألمٍ يحتوي رأسها بين راحتيه، ثمَّ رفعَ رأسهِ وهو يمسحُ على وجهها:
-هتقولي كدا حتى لو لقيط؟..
-بس إنتَ مش لقيط ياأرسلان..
سلَّطَ بصرهِ يهزُّ رأسهِ قائلًا:
-ليه متأكدة كدا؟.،
-أنا مؤمنة، إنِّ شخصية بالطريقة دي متطلعشِ إلَّا من ناس عارفين خلق ودين، وإنتَ أكيد عارف كلمة لقيط يعني إيه..
اعتدلَ واقفًا ثم نزلَ بنظرهِ إليها:
-هعرف ياغرام، وأتمنى أسمع الكلمتين اللي قولتيهم من شوية..
ناظرتهُ بأعينٍ مشتتة جاهلةً حديثه، لترفعَ كتفها بجهلِ حديثه..
جاهدَ بإخفاء اعتصارِ قلبه، واستدارَ قائلًا:
-قصدي هتفضلي متمسكة بيا حتى لو كنت لقيط؟.،
-ومش هبعد عنَّك ياأرسلان، حتى لو قولتلي إنِّ أهلك قتلوا أهلِ قارون، أنا متجوزة أرسلان مش متجوزة أهله..
توقَّفَ مستديرًا يشيرُ إليها؛
-تعالي في حضنِ حبيبك بقى بعد شوية التلج بالكلامِ الحلو دا..
مرَّت عدَّةِ ساعات، حاولَ الوصولَ فيهم إلى إلياس ولكن هاتفهِ مغلق، مسحَ على وجههِ بألم، ثمَّ نظرَ بساعةِ يده:
-أنا هخرج علشان أطَّمن على بابا، الدكتور أجِّل العملية أسبوع، وعمُّو بيقولِّي بابا رافض أيِّ علاج غير لمَّا يشوفني..
-تمام ياحبيبي، هجهز وآجي معاك..
بعد فترةٍ دلفَ إلى غرفة فاروق، وهو يحملُ باقةً من الزهور، كانت تجاورهُ صفية وإسحاق، نهضت من مكانها مبتسمة:
-حبيب قلبي، ليه جيت وإنتَ تعبان يابني
فتحَ فاروق عينيهِ يردِّدُ اسمه، اقتربَ منه وانحنى يطبعُ قبلةً فوق جبينه:
-حبيبي عامل إيه؟..
اغروقت عيناهُ بالدموعِ قائلًا بنبرةٍ متقطعة:
-كدا ياأرسو نسيت أبوك ومش عايز تشوفني؟..
قاطعهم إسحاق الذي توقَّفَ يرمقُ أرسلان بابتسامةٍ ساخرة، قائلًا بنظرةٍ متهكِّمة:
-لا وشوف الباشا جايب لك إيه، ورد، اقتربَ يسحبُ إحدى الورود يستنشقها، ثمَّ رفع عينيهِ إلى أرسلان:
-طيب استنضف يا متخلف، ايه رأيك في زيارة ابنِ الجارحي يافاروق..
لمعت أعينُ فاروق بالسعادةِ من نطقِ إسحاق بتلك الكلمة فاستطرد:
-ابنِ الجارحي يجيب اللي يعجبه ياإسحاق، ملكشِ دعوة بيه، بسطَ كفِّه إليه:
-تعالَ ياحبيبي أقعد جنبي عايز أتكلِّم معاك في موضوع مهم..أومأ أرسلان بهدوء، تطلَّعَ إسحاق إلى صفية:
-تعالي ياصفية نشوف دينا، لحدِّ ماأرسو يعرَّفنا أخلاق عيلة الجارحي وقيمها..قالها بمغذى وتحركَّ للخارج..
جلسَ يحتضنُ كفَّ فاروق ثمَّ انحنى يطبعُ قبلةً على راحته:
-ألف سلامة عليك ياحبيبي..ابتسمَ بعيونٍ دامعة:
-من قلبك ياارسلان..توسَّعت عيناه مذهولًا، لينطقَ معترضًا:
-إيه اللي بتقوله دا حبيبي، أفديك بعمري لو احتجتني..
داعبَ وجههِ ونطق:
-كنت متأكد ياحبيبي واللهِ كنت متأكد إنَّك مش هضيع تربيتي وأخلاقي اللي زرعتها فيك..
قابلَ كلماتهِ بالصمتِ لثواني حتى أردفَ فاروق:
-أنا ربِّيتك وعمري في يوم ماحسِّيتك إنَّك مش ابني، حتى بعد ماربِّنا رزقني بملك.. واللهِ يابني أنا كنت مكتفي بيك بس جدِّتك الله يسامحها بقى خيَّرتني بينك وبين والدة ملك، واضَّطريت أوافق بس معملتش كدا برضو غير بعدِ إصرار والدتك على الجوازة دي، كنَّا عايزين نعيش بهدوء، المهم اسمعني كويس، ملك أختك أوعى في يوم من الأيام تتخلَّى عنها، هي مالهاش ذنب، انا كتبت وصية لو حصلِّي حاجة هتوصلك، وتأكَّد إنَّك أجمل هدية ربنا رزقني بيها..
-وحضرتك كمان يابابا، أجمل أب عمري ماشكِّيت في يوم من الأيام مكنشِ ابنك، لكن سامحني، انا مابقتشِ أنتمي لعيلةِ الجارحي مش حقِّي.،
ضغطَ فاروق على كفِّ أرسلان وتابعَ حديثهِ بإرهاق:
-متقولشِ كدا ياحبيبي، إنتَ ابني وهتفصل ابني لحدِّ ماتقابل وجهِ كريم، وأنا اتَّفقت مع أخوك وعمَّك إسحاق على كدا.
-أخويا !!..أنا ليا أخ، يعني ليَّا عيلة ونسب، حضرتك بتقول إيه؟!..
ابتسمَ يشيرُ إليه، ليهبطَ برأسهِ إلى مستواه:
-ليك اخ وعيلة تتشرَّف بيها، وهو هيوصلَّك قريب، لولا وعدي له كنت قولت لك، بس اللي أقدر أقوله لك، هو قريب منَّك أوي، وبتحبُّه كمان..قالها بهذيانِ ثنايا العقلِ والتشوُّشِ لديه حينما قلَّ نبضه، وتنفُّسه، ليتوقَّفَ أرسلان:
-بابا اهدى، خلاص ماتتكلمش، دلفَ الطبيبُ سريعًا على صوتِ الأجهزة، قبضَ على كفِّ أرسلان يهمسُ بتقطُّع:
“ملك وصيِّتك يابنِ فاروق..وصلَ إليهما إسحاق يزمجرُ بالطبيب:
-إيه اللي بيحصل هنا؟..ولكنه تشبث بكف ارسلان وحاول الحديث
-اخوك…أبعده الطبيب يفحصه، ثم رفع عيناه إلى اسحاق
-لازم يدخل عمليات فورا
بمنزل إلياس
استيقظ من نومه، وجد مكانها فارغًا، نهض متجهًا إلى الحمام يبحث عنها ولكنها غير موجودة، فتح الكاميرات يبحث عن مكانها..توقف لبعض اللحظات حتى شعر بانسحاب الدماء من عروقه، مع ارتفاع رنين هاتفه، رفعه ومازالت نظراته على الشاشة
-إلياس ..اسف بس لازم تيجي حالًا، مدام ميرال…بتر حديثه
-جاي وممنوع حد يقرب منها …قالها وأغلق هاتفه ….

عندما ينكسرُ القلب، لا يتفتَّتُ إلى أشلاءٍ صامتة، بل إلى شظايا مشتعلةٍ تتراقصُ بين الحنينِ والوجع..
كلُّ شظيَّةٍ تحملُ جزءًا من الذكريات، تنبضُ بالحبِّ الذي كان، وتصرخُ بالألمِ الذي بقى..
أحيانًا أجدني أقفُ أمامَ تلك الشظايا، أمدُّ يديَّ لأجمعها، لكنِّني أحترقُ في كلِّ مرَّة.
وكأنَّها ترفضُ أن تُعاد، تفضِّلُ أن تبقى مشتعلة، حارقة، شاهدةً على الخسارة.
أحببتكَ بحجمِ الكون، حتى أنَّني اعتقدت أنَّ الحبَّ سيطفئُ نيرانَ الفراق.
لكنَّ النارَ كانت أعمقُ من ظنوني، وأشرسُ من وعودنا..
أين أهربُ من شظاياك؟!
وأين أجدني بعيدًا عن نيرانك؟..
أنتَ الغيابُ الذي يملأُ حضوري، والشظيةُ التي اخترقت روحي دونَ رحمة..
إنَّها شظايا القلوبِ التي تحترق..
لا تنطفئ، ولا تُنسى..
بألمانيا وخاصةً بالمشفى التي بها رحيل، جالسًا بجوارها محتضنًا كفَّها، رفرفت أهدابها تهمس:
-بابا..توقَّفَ منحنيًا يهمسُ إليها:
-رحيل عاملة إيه؟..فتحت عينيها ببطء، وقعت عيناها عليه، دارت بالغرفةِ بنظرها متذكِّرةً ماصار فاعتدلت سريعًا تبكي بصوتٍ مرتفع:
-بابا، أنا عايزة أشوف بابا..
حاول تهدئتها، ولكنَّها صاحت تبعده:
-ابعد عنِّي..قالتها بصرخاتٍ وركضت للخارجِ وهو خلفها، قابلتها رانيا التي وصلت من القاهرة للتو
-حبيبتي رايحة فين؟..لم ترُّد عليها وتحرَّكت إلى غرفةِ والدها، بحثت بعينيها عنهُ كالمجنونة، حاوطها بين ذراعيه:
-حبيبتي اهدي..أشارت إلى سريره:
-بابا فين يايزن، أبويا فين؟..ضمَّها بقوَّةٍ محاولًا السيطرةَ على حركاتها، هرولَ إليه الطبيبُ لحقنها، ولكنَّهُ منعه:
-أعتذر، كفى ماأخذته، لا أريدُ أيَّ مهدِّئ آخر..قالها باللكنة الانجيلزية، حاوطَ جسدها وتراجعَ على المقعد، ومازال يحبسها بين قلاعِ حصونهِ الدافئة، رفعت رأسها تطالعهُ بانهيارِ عينيها:
-بابا مات يايزن، مبقتشِ أشوفه تاني، خلاص كدا الحكاية مع أبويا خلصت، طيب ليه يمشي من غير مايودَّعني..
احتوى رأسها وأزالَ عبراتها:
– راحيل ينفع نعترض على حكمِ ربِّنا، ينفع ياراحيل، إنتِ كدا بتقولي لربِّنا ليه عملت كدا..
هزَّت رأسها ببكائها وشهقاتها التي تشقُّ الصدور:
-أنا عايزة أحضنه بس، عايز أشمّ ريحة بابا لآخر مرَّة في حياتي يايزن..
احتضنها يخبِّئها بين أحضانهِ يردِّدُ لها كلماتٍ حانيةٍ تهدِّئ من حزنها، ولكن كيف يهدأ قلبها الحزين، الذي أصبح كالطائر الذي ذُبحَ عنقه، وكيف لا أخبركم عن فقدانِ الأب، فالأبُ هو سندُ الحياة، هو الحبُّ الأوَّلُ والأخير، هو ضحكةُ الدنيا ودعوةٌ من القلب، النجمُ الذي يضيئُ ظلمةَ الحياة، والقلعةُ التي تحتويك من غدرها، فهو التي تهتزُّ الأرضُ بحضوره، وتمتلئُ السماءُ بحنانه، سفيرُ أحلامي، ودفءُ شتائي، هو الحاضرُ الغائبُ بدعائه،..فالأبُ سقفُ الحياة، تصوَّر بعدهُ حجمَ الضياعِ حين ترفعُ رأسك ولا تجد شيئاً يحميك..هذا الأب ياسادة
رحمَ الله والدي..اللهمَّ اغفر لموتانا وموتى المسلمين وارحمهم بواسعِ رحمتك، اللهمَّ آنس وحشتهم ونوِّر قبورهم واغفر ذنوبهم وارحمهم؛ اللهمَّ اجمعني بأبي في الفردوسِ الأعلى من الجنان، اللهمَّ افسح له في قبرهِ مدَّ بصره وافرش قبره من فراشِ الجنة؛ اللهمَّ أعذ أبي من عذابِ القبر وجفافِ الأرضِ من جنبيه…اللهم آمين
دعوة من القلب يارفاق للغائين عن العين الحاضرين بالقلب”
بعد عدَّةِ ساعاتٍ هبطت الطائرةُ بمطارِ القاهرة، تنقلُ جثمان مالك العمري، ماذا بك ياإنسان خرجت من هنا إنسان ورجعتَ بجثمان، اللهمَّ ارزقنا حسنَ الخاتمة ياأرحمَ الراحمين..
وصلَ الجثمانُ إلى مثواهِ الأخير حيثُ كان الجميعُ ينتظرونَ توديعه، وهاهنا انتهت حياتك ياإنسان مهما كنت تحملُ من عزِّ وجاه..
توقَّفت بجسدٍ واهنٍ وروحٍ غائبةٍ وهي ترى والدها يُدفنُ تحت التراب، انهارت قواها وسقطت فاقدةً للوعي وهي تردِّدُ اسمَ والدها..
بعد فترةٍ بفيلا العمري كانت تغطُّ بنومٍ عميقٍ بسببِ المهدِّئات؛ ولم يختلف الأمرُ عن والدتها التي فقدت الحركة وحُجزت بالمشفى..أيامًا عصيبةً حزينةً قضتها بين دموعِ الأسى والفقدان، لم يتركْها يزن، بل كان مثل ظلَّها..
بالأسفل:
بفيلا العمري كانت تجلسُ تأمرُ بالخدم وتتلقَّى العزاءَ وكأنَّها صاحبةُ المكان..استمعت إلى رنينِ هاتفها لترفعه:
-أيوة ياراجح..ولكنَّها هبَّت من مكانها بعدما استمعت إلى صوتِ الممرِّضة:
-حضرتك أنا ممرضة في مستشفى (. )..الأستاذ محجوز عندنا في قسم العظام.
أغلقت الهاتف تسبُّه، ثمَّ أمسكت هاتفها:
-عطوة إيه اللي حصل؟..
-زي ماتوقَّعتي بعد سفرك المانيا راح لميرال وحاول يقتلها لكن إلياس ضربه..
-تمام ياراجح، عايز تقتل البنت زي ماأمروك..تحرَّكت إلى المشفى، دلفت للداخلِ تبحثُ عنه، وجدتهُ بأحدِ الأسرَّةِ الموجودةِ بإحدى المشافي الحكومية..تلفَّتت حولها تنظرُ للمكانِ بإشمئزاز، ثمَّ تقدَّمت منه:
-إيه اللي حصل وعمل فيك كدا؟..
-بطَّلي كلام وكلِّمي حد من معارفنا ينقلني من المستشفى الزبالة دي، الحيوان ابنِ فريدة رماني هنا، وعملِّي قضية شروع في قتل، اتصرَّفي..آااه قالها وهو يضعُ كفَّيهِ على ظهره متألمًا ثمَّ تابع:
-ضهري ورجلي ومحدش معبَّرني لولا الممرِّضة وعدتها بمبلغ علشان كدا اتَّصلت بيكي، المهم دفنتوا مالك، وعملتي إيه مع بنته وأختك؟..
رفعت هاتفها تشيرُ بيدها إليهِ بالصَّمت، دقائقَ وأجابها أحدهم لتخبرهُ بما تريد.
بمنزلِ إلياس قبل ساعات:
كانت تقبعُ بأحضانه، محاوطًا لها بذراعه، ينظرونَ إلى صفاءِ السماء بنجومها، تراجعت بظهرها تلتصقُ بصدرهِ تشيرُ إلى أحدِ النجومِ التي أنارت واختفت فجأةً، قائلةً بابتسامة:
-ادعي دعوة بسرعة..قالتها وهي تلتفتُ بنصفِ جسدها عليه..
رفعَ حاجبهِ ولوى شفتيهِ ساخرًا، ثمَّ تراجعَ بجسدهِ قائلًا بتهكُّم:
-بس يابتِّ ياهبلة، دي خرافات..
تغضَّنَ وجهها بعبوسٍ طفوليٍّ تنظرُ للأمامِ بصمت، دنا منها يضعُ رأسهِ على كتفها:
-ربِّنا يحفظك ليَّا، وضع كفَّيهِ على أحشائها وتابعَ حديثه:
-ويرزقنا الذرية الصالحة..كدا كويس ياعصفورتي؟..
استدارت إليهِ بكاملِ جسدها:
-إلياس كان نفسي أقولَّك أنا أسعد مخلوق على الكون الليلة دي، بس جوايا نار ومش عارفة أطفيها، قولِّي وريَّح بالي أنا مين؟..
أخذَ نفسًا عميقًا وزفرهُ على مهل:
-هتفرق ياميرال، مش اتكلِّمت وقولت إنِّك بنتِ قلبي مش مكفِّيكي قلبي؟..
رفعت عينايها الحزينة إليهِ بتيه، وحالةٍ غريبةٍ متناقضة، لا تعلم إذا كانت تشعرُ بالسعادةِ أمِ الشقاء، لا تعلم أنُّهُ يحبُّها أم أنَّهُ يشفق عليها، حقًّا تغرقُ بخضَّمِ مشاعرٍ أرهقتها مما جعلها تفقدُ الشعورَ بنبضِ قلبها الذي يخفقُ لأجله، ماذا عليها أن تفعل..أن تراودهُ وتسحقُ أحاسيسها، أم تغرقُ معه بلجَّةِ عشقهِ الضاري مثلما يقنعها، لقد أثقلَ كاهلها بالتفكيرِ فتراجعت ببصرها عن مرمى عينيه، شعرَ بها ليحتضنَ وجهها بين راحتيه:
-أنا مش عايز غير إنِّك تكوني بنتِ قلبي، حتى لو كنت بنتِ أعظم راجل في الدنيا، حبِّي ليكي يستاهل إنِّي أكون كلِّ حاجة، انسي كلِّ اللي مرِّينا بيه، أنا كمان معاكي أهو، يعني لا أب ولا أم، حياة اتبنت على الضياع، تخيَّلي أنا مش قادر أتكلِّم وأقول في شغلي مش أنا الشخص دا، انا طلعت واحد تاني، حياة وشخصية بنتها من سنين وفجأة تطلع سراب، لا الاسم اسمي ولا الحياة حياتي..
وضعت أناملها على كفَّيهِ تسبحُ بعينيه:
-أنا مكنتش طالبة غير حبَّك ياإلياس، من وقت مااتأكدت إنِّي حبِّيتك مطلبتش غير حبَّك وأكون مراتك، رغم الوجع اللي كنت بتسبِّبه لي، بس مكنتش قادرة أكرهك، كلِّ كلامي معاك كان مجرد عقاب لقلبي اللي بيحبَّك ومش شايف غيرك، بس هعمل إيه، إنتَ كنت بعيد عنِّي أوي، وكلِّ لقاءاتنا تجريح وبس، ويوم ماعمُّو مصطفى قرَّر يجوِّزنا صدَّقني أنا كنت رافضة فعلًا الجواز دا، مش علشان إنتَ وحش، ياريت إنَّما كنت رفضاه علشان خايفة أكرهك، من معاملتك معايا اتأكِّدت جوازك منِّي انتقام، وللأسف حاولت تدفني وأنا حيَّة بدل المرَّة اتنين، أه اعترفت بحبَّك، بس اعتراف بارد، كنت بسمعه بوداني مش بقلبي، النهاردة أوَّل مرَّة أسمع نبض قلبك بجد، يمكن أكون سمعته قبل كدا بس كنت بكذِّبه، بس المرة دي غير، وخايفة ليكون شفقة..
وضعَ أناملهِ على شفتيها يطالعها بصمتٍ مريب، نعم لم يستطع الردَّ عليها، فلقد أخرجت كلَّ ما يؤلمُ روحها، ورغمَ ذلك شعرَ بقبضةٍ تعتصرُ فؤاده، هل تعتقد أنَّهُ مرواغًا بمشاعره..
رفعَ ذقنها وغرزَ عينيهِ بمقلتيها ونطقَ مخبرًا إيَّاها:
-اسمعيني كويس يابنتِ فريدة، مش أنا الشخص الِّلي يتلاعب بالمشاعر، مش مشكلتي أفكارك الغبية، أنا أوَّل ليلة في جوازنا اعترفت لك أنا عايز أكوِّن حياة معاكي ولو كنت كارهك زي ما بتقولي، كنت مستحيل أوافق على الجواز، مش أنا اللي أنتقم من ستِّ في بنتها، منكرشِ أفكاري كانت مأساوية، بس عمري ما فكَّرت أخدك بذنبِ حاجة إنتِ مالكيش حقِّ فيها، اتجوِّزتك وقولت هطلَّقك بعد فترة منكرشِ دا، بس دا من خوفي من عدم قبولك لحياتنا، وكنت مفكَّر إن مدام فريدة هتحاول تبعدك عنِّي، أيوة كنت غبي وببني مبرِّرات منكرش، بس أنا كنت بحبِّك وقولتها لك قبلِ كدا، لو مش بحبِّك مكنتش اتجوِّزتك، افهمي بقى، مش كلِّ شوية هغنِّيها، أنا مبحبش الكلام الكتير، والفرصة لمَّا جت قولتها، الحبّ مش كلمات نفرح بيها ياميرال..
دفنت رأسها بعنقهِ وآاااه عميقة أخرجتها من جوفِ حسرتها قائلة:
-أنا تعبانة أوي ياإلياس، حاسَّة إني ضايعة وبغرق..
أخرجها ينظرُ لعمقِ عينيها:
-إنتي اللي مسلِّمة نفسك للموج، مفيش حدِّ بيوقف ضدِّ التيار وعايز يعدِّي، ارمي حمولك على ربِّنا وقولي يارب،
وإن شاءالله هنخرج من الكبوة، عارف إنِّك شايلة فوق طاقتك، بس كمان متأكد إنك قدَّها، دنا يلمسُ ثغرها وهمسَ بنبرةٍ مثيرة:
-إنتِ حبيبة إلياس ومراته، وإلياس مش هيتجوِّز واحدة ضعيفة ياميرال..
-إلياس لو سمحت..نطقتها بصورةٍ قاتلةٍ تخترقُ كلَّ الحواجز، ليجذبها يضمُّها إلى قلبه:
-مش عايز أسمح بحاجة غير إنِّك تفوقي وتتأكِّدي إنِّك أقوى من أيِّ حاجة..انبثقت دموعها لتحكي مقدارَ ألمِ ماتشعرُ به، حتى أخرجت شهقةَ بكاء، أخرجها يحتوي وجهها:
-الدموع دي دموع الفرح صح؟..مش عايز غير إنِّك فرحانة علشان تتأكدي إنِّي بعشق ميرال، زي ماأنا متأكد إنِّك بتعشقيني..صح حبيبي؟..
هزَّت رأسها مع ابتسامةٍ من بين دموعها، ليفلتَ ضحكةً غامزًا:
-طيب إيه الليلة هتعدِّي كدا، مفيش حتى كلبش يتحطّ في الكعبِ الحلو دا..قالها وهو يرفعُ قدمها:
لكمتهُ بقوَّةٍ ليرتفعَ صوت ضحكاتهِ وهو يضمُّها:
-ماليش فيه، عايز أعيش لحظات الراجل الشرقي، وخاصةً المصري الأصيل، هتقومي تتطلعي على التربيزة علشان أقيِّم المواهب والمناطق..
لكمتهُ تضحكُ بصوتٍ مرتفعٍ عكس ماكانت تشعرُ به، ليضمُّها بشوق:
-بحبِّك واللهِ ياميرو، وحبُّي بيكبر لدرجة خايف عليكي منِّي..
تمسَّحت بصدرهِ هامسة:
-إئذيني بالحبِّ دا مالكشِ دعوة، المهم إنَّك تحبِّني وتخاف على ميرال علشان حبيبتك مش علشان بنتِ الستِّ اللي ربِّتها..
-بتغلطي حبيبي..لمست وجنتيهِ وتعلَّقت العيون:
-بحبِّ كلمة حبيبي أوي منَّك، بحسَّها نقية من قلبك..داعبَ أنفها بأنفهِ يهمسُ بنبرةٍ جعلت خفقانهِ كطبولِ حرب:
-لازم تحبِّي أيِّ حاجة أقولها أصلًا..مرَّرت أناملها على وجههِ وطبعت قبلةً بجوارِ خاصَّته، ونظرت لعينيهِ القريبة:
-عايزاك على طول كدا ياإلياس..
ابتعدَ عنها ثمَّ نهضَ من مكانه، واتَّجهَ إلى خزانتهِ الخاصة، فتحها ليجذبَ دفترًا يزيِّنهُ قلمًا لامعًا، ثمَّ تحرَّكَ إليها..
راقبت أفعالهِ بصمت، جلسَ وأشارَ إليها بالاقتراب، تراجعت لتصبحَ بأحضانه، قامَ بفكِّ الرباطِ الذي يزيِّنُ الدفترَ ثمَّ أخرجَ القلم، رفعت عينيها التي تزيَّنت بطبقةٍ كرستاليةٍ إلى عينيه، وارتجفت شفتيها
“معقول!!”
انحنى يخطفُ قبلةً سريعةً ثمَّ حاوطها بذراعيهِ لتصبحَ باحضانهِ بالكامل، وبدأ يقلِّبُ بصفحاتِ الدفتر…
“”أنا العاشقُ الذي تُصبح كلَّ الكلماتِ مجرَّدِ عبء، والصمتُ صلاة.”
ثمَّ قلَّبَ بصفحةٍ أخرى..
وأنا إن أحببت، أحبُّ كأنِّي سأموتُ..
فاكرة الخاطرة دي ..بدأ يقرأها وهي تحتضنه بعيناها، تريد الكثير والكثير، وضعت كفيها على كفيه وقرأت بعد السطور
قل لي بربَّك:
أين يُباعُ الكره؟..
لأكرهكَ بحجمِ حبِّي لك..
قل لي بربَّك..
أين يُباعُ النسيان؟..
لأستطيعَ نسيانك..
بقدرِ إشتياقي..
قل بربَّك كيف أكونُ أنا بلا أنت.
رفعت ذراعيها تعانقه، ولم تجد كلماتٍ تعبِّرُ عن مدى عشقها، فلقد تخطَّى ذلك الرجلُ عشقَ الكون، رفعَ رأسها وتقابلت الأعينُ بنبضِ القلوب، قرَّبها من صدره، وآااهٍ بنبضِ مايشعرُ به..فعشقها عشقًا جارفًا، تخلَّلَ الشريان ليكتملَ بها ولها،
تعثَّرت الكلماتُ بينهما ولكن هناك نبضٌ جنوني، وكأنَّهما لم يقتربا منذُ سنوات، وليس من دقائق، مرَّرت أناملها على نبضِ قلبهِ تهمسُ بنبرةٍ أثارت جنونُ العشق:
“عندي أموت ولا أبعد عن حضنك، لو عايز تموِّتني بالحيا ابعدني عن حضنك ياإلياس..دي هديتي صح ..
همسَ بأذنها بعض الكلماتِ التي ترجمتها بالوقاحة، فتحت فاهها للردِّ عليه، ولكنَّهُ سبقها عندما جذبها فوق ركبتيهِ ليحرِّكَ يدهِ فوق جسدها بعبث..
تجمَّدَ جسدها وفقدت الحركة من حصاره ِبكاملِ أسلحته، هزَّةٌ عنيفةٌ أصابتها وهو يتابعُ فنونَ عشقه، أغمضت عينيها ورفعت رايةَ الانهزامِ في جبروتِ العشق، داعبها بأنفاسهِ الحارَّةِ وأستأنف:
بُعدي عنِّك موت ياميرال..أومأت رأسها بالإيجاب:
“أوي أوي، أكيد عندك نفس الإحساس..
ابتلعَ باقي كلماتها، لينهلَ من عسلها المذابَ فوق كرزيتها، غرقَ ببحورِ عشقها وذابَ الثلجُ وهو يلعنُ داخلهِ من حرمانِ قلبهِ من جنَّةِ نعيمها، ظلَّ يقطفُ من جنَّتها إلى أن أُنهكَ جسديهما ليغفو بسلام، وكأنَّهُ لم ينم لسنواتٍ طوال..
بعد عدَّةِ ساعات، شعرت بألمٍ لتنهضَ من فوق الفراشِ تسحبُ قميصهِ وترتديهِ متحرِّكةً إلى الحمَّام، لتُخرجَ مافي جوفها، شعرت بالألمِ يزداد، دلفت إلى حوضِ الاستحمامِ لتنعمَ بحمَّامٍ يزيلُ إرهاقها، ثمَّ خرجت بهدوءٍ حتى لا توقظَ زوجها، سحبت هاتفها ودلفت لداخلِ غرفةِ الملابس، وقعت عيناها على بعضِ الأوراقِ التى يدوَّنُ عليها اسمها، تناولتها تقرأُ مابداخلها:
“انهيار عصبي” أغمضت عينيها وجلست حينما شعرت بالآلامِ تزداد، بحثت عن رقمِ طبيبتها:
-أيوة يادكتورة، معاكي ميرال السيوفي، قصَّت لها ماتشعرُ به، فأجابتها:
– لو فاضية عدِّي عليَّا نطَّمن، نظرت بساعةِ يدها تتنهَّد، فالوقتُ مازال مبكَّرًا، ومازال زوجها نائمًا، نهضت وقامت بتبديلِ ثيابها، استمعت إلى صوتِ هاتفها، انحنت ترى من المتَّصل، قطبت جبينها ثمَّ رفعت هاتفها:
-أيوة مين؟..
-حضرتك فيه واحد عايز يكلِّمك، صمتت منتظرةً من يريدُ التحدُّثَ معها..
-ازيك يابنتِ رانيا، أوعي تفكَّري إنتي والحيوان جوزك هتعدُّوا من اللي عملتوه، شكلكم متعرفوش مين هوَّ راجح، اسألي فريدة عنِّي وهي تقولِّك، وحياة إهانتي اللي جوزك هنِّي بيها لكون دافنه قبلِ ما يشوف ابنه، وعد من راجح الشافعي لأدفنك يابنِ جمال، سمعتيني يابت، جهِّزي الأسود علشان هلبسهولك العمرِ كلُّه، وحياة أمِّك الخاينة لأدفنه قدَّام عيونك..قالها وارتفعت ضحكاتهِ المشمئزة، لتغلقَ الهاتفَ وتهوى على المقعدِ تضمُّ أحشاءها، تسلَّلت الآلامُ لجسدها بالكاملِ حتى شعرت بانسحابِ أنفاسها، هرولت للخارجِ توقَّفت أمام فراشه، كان مستغرقًا بنومه، نزلت بركبتيها أمام نومهِ وملَّست على وجهه مع دموعها التي زحفت بكثرةٍ على وجنتيها، اقتربت تدفنُ نفسها بعنقهِ تستنشقُ رائحته، شعرت بالانهيارِ من مجرَّدِ عدمِ وجوده بحياتها، قبلةً ناعمةً على وجنتيهِ ثمَّ نهضت بعدما قرَّرت العزمَ على التخلُّصِ من جميعِ آلامها، اتَّجهت إلى خزانتهِ وسحبت سلاحهِ وركضت للخارج، توقَّفت بالحديقةِ لبعضِ الدقائق..ثمَّ خطت إلى سيارتهِ وصعدتها لتخرجَ من البوابة دون إعاقةٍ من الأمن.
وصلت بعد دقائقَ معدودةً للمشفى الموجودِ بها راجح، بعدَ الاتصالِ بالرقمِ الذي هاتفها، لتعلمَ مكانه، صعدت إلى الغرفةِ التي علمت رقمها من الممرِّضة، دفعت البابَ ودلفت، وجدت رانيا تقفُ أمام النافذةِ وكأنَّها تتحدَّثُ مع أحدهما، وصلت إلى فراشه:
-عايز منِّي إيه؟..مش إنتَ بتقول أنا مش بنتك، وأنا مش عايزة أكون بنتك سمعتني، أنا بكرهك ومش عايزة أكون بنتك..قالتها بصراخ، لتقتربَ رانيا تطالعها بذهول:
-مروة حبيبتي، كنت عارفة إنِّك هتيجي، متزعليش من بابا يابنتي هو..
-اخرسي..قالتها بصوتٍ مرتفع، كزَّت على أسنانها وهتفت بنبرةٍ حادَّةٍ مشمئزة:
-أنا عندي أكون بنتِ شوارع ولا أكون بنتك، ولا بنتِ الراجل دا، أنا مش عايزة أكون بنتكم، والراجل دا قالها أنا بنتِ حرام، ابعدوا عنِّي بقى..
أفلت ضحكةً صاخبة، ثمَّ رمقها بنظرةٍ ناريةٍ وهتفَ بفحيح:
-مش قبل ماأدفن الحيوان جوزك، ووعد منِّي يابنتِ رانيا لأدفنه قدَّامك..
أخرجت السلاح ووجَّهتهُ عليه، وهتفت بنبرةٍ مميتة:
-ووعد منِّي لأصفِّي دمَّك القذر دا، قالتها وضغطت فوق الزنادِ بكلِّ برودٍ وأطلقت رصاصةً لتستقرَّ بكتفهِ مع ابتسامةٍ باردةٍ وهي تقتربُ منه:
-أيوة عايزاك تصرخ أوي، متفكرشِ مش عارفة أنشِّن على القلب، لا مش عيب ياراجل، دا أنا مرات إلياس السيوفي ، بس مش عايزاك تموت بسرعة، شايف جسمك دا، هوزَّع رصاصات المسدس كلَّها فيك، وأنا كلِّي انبساط، ومفيش ولا دمعة هتنزل عليك ولا عليها..قالتها وهي تلقي رانيا بنظرةٍ ساخرة..خطت رانيا تشيرُ إليها:
-عايزة تموِّتي أبوكي يامروة؟!..قالتها باندفاعِ الأمنِ للغرفة، ومحاوطةِ ميرال التي مازالت ترفعُ سلاحها بوجهِ راجح..
لوت شفتيها بألمٍ وهتفت ساخرة:
-مدام رانيا بتقولِّي عايزة تموِّتي أبوكي، دا أنا كرهت الكلمة بسببكم، عمرك سمعتي عن حدِّ يتمنَّى أنُّه يكون ابنِ حرام، أنتوا وصَّلتوني لكدا، اقتربَ أحدُ أفرادِ أمنِ المشفى مع بعضِ الأطباء:
-لو سمحتي دي مستشفى مينفعشِ اللي بتعمليه، أشارت له غاضبة:
-اللي هيقرَّب هموِّته، وصلت مرَّةً أخرى إلى راجح الذي أمسكَ كتفهِ يتألَّمُ ثمَّ وضعت فوهةَ السلاحِ موضعَ الألم:
-اتوجع كمان، شايف الوجع دا، دا مش حاجة من اللي أنا بحسِّه كلِّ ماأفتكر إنِّ شخص قذر زيك أبويا، أنا بحمل الدَّم الفاسد بتاعك وبتاع الستِّ دي..
ضغطت مرَّةً أخرى لتنطلقَ رصاصةً بنفسِ الموضع؛ وهي تطالعهُ بنظرةٍ خلت من الحياةِ مع اقتحامِ إلياس الغرفة:
-ميرال..صاحَ بها بصوتٍ غاضب، لتستديرَ إليهِ مفزوعةً من صوتهِ المرعب، اقتربَ ينظرُ لسلاحهِ الذي بين يديها، ثمَّ أشارَ للجميعِ بالخروج:
-كلُّه برَّة، توقَّفَ أفرادُ أمنِ المشفى ، ليستديرَ إليهم:
-بررررة..قالها بعيونٍ كادت أن تخرجَ من محجريها حتى نفرت عروقه، ثمَّ اقتربَ يجذبُ منها السلاحَ بعدما ارتجفَ جسدها من حالته.
وزَّعَ نظراتهِ بين رانيا وراجح، ثمَّ أشارَ بسبَّابته:
-لو بلاغ خرج ضدِّ مراتي، هرجع أولَّع في الأوضة وأنتوا فيها..قالها وسحبَ ميرال التي فقدت الشعورَ بما يدورُ حولها، لتهوى ساقطةً على الأرضية، هرولَ لينحني وقامَ بحملها متَّجهًا بها إلى سيارته، وضعها بهدوء..رغمَ رسمِ الهدوءِ على وجههِ إلَّا أنَّ داخلهٍ نيرانًا تحرقُ الأخضرَ واليابس..
فتحت عينيها تأنُّ وهي تحاوطُ بطنها، رمقها بنظرةٍ غاضبة، ذاهبًا إلى طبيبتها..
اتَّجهَ إليها يساعدها على النزول، بكت بعدما شعرت بأنَّ جنينها أصبح بخطر، انحنى وحملها متَّجهًا إلى الأعلى.
-الدكتورة مش موجودة، بس فيه دكتورة تانية، لو مستعجلين
أشار إليها إلياس بعدما فقد صبره، وهو يرى ملامحها المتألمة
-تمام خليها تيجي تشوفها، لحد ما الدكتورة ترجع
بعد فترةٍ انكمشت ملامحُ الطبيبةِ بانزعاج:
– الجنين للأسف حالته مش تمام..
شعرت بنغزةٍ بصدرها، وعينيها على إلياس الذي لايظهرُ على وجههِ سوى الجمود، فحصتها، تهزُّ رأسها بأسف:
-للأسف ممكن نفقد الجنين، هنا شعرَ بدورانِ الأرضِ من تحتِ قدميه، ابتعدَ عنها حتى لا يفقدَ أعصابه عليها.
توقَّفت الطبيبةُ مشيرةً بيدها إلى إلياس:
-لو توافق حضرتك فيه استشاري كويس، يشوفها برضو، أنا بحاول منفقدشِ الأمل..
زوى مابين حاجبيهِ متسائلًا:
-استشاري!!..مين دا؟..
-دكتور يونس البنداري، ممتاز جدًا، ودا يُعتبر من أشهر أطباءِ النسا والتوليد، هوَّ موجود النهاردة بالمستشفى، ودا من حظُّكم..
أجابها بتلقائيةٍ مغموسةٍ بالأمل:
-مش قدَّامنا حل تاني للأسف..بعد فترةٍ كان يجلسُ أمام جهازِ الكشفِ الذي يُعرفُ بالسونار، وبدأ يفحصها بدقَّة، خلعَ نظَّارتهِ الطبية، واتَّجهَ بنظرهِ الى إلياس:
-هوَّ الجنين في الحوض للأسف، مع وجود انقباض في الرحم، على العموم
هنحاول نوقف النزيف، الجنين لسة نبضه شغال، هتتحجز النهاردة مع المتابعة المستمرِّة، أشارَ إلى الطبيبةِ ببعضِ الأدويةِ مع بعض النصائح التي يجب مراعاتها، ثمَّ نهضَ قائلًا:
-هنجرَّب العلاج لحدِّ بكرة، طول مالجنين نبضه شغَّال يبقى فيه أمل، الراحة وعدم التوتر، مع العلاج إن شاءالله نحافظ عليه، أهم حاجة تتابعي معها بالعلاج دا، أربعة وعشرين ساعة تحت المراقبة، وكل اربع ساعات نبدل بين الأدوية.اتجه إلى ميرال
-الراحة النفسية نص العلاج يامدام، إن شاءالله يكون الوضع افضل..قالها يونس وتحرَّكَ بعد شكرِ إلياس..
خرج من المشفى متجهًا إلى سيارته
-فينك حبيبي خلصتي شغل اعدي عليكي، ولا هترجعي مع ليلى
خرجت سيلين من المصعد وردت مجيبة
-لا يادوك عندي اجتماع، هرجع مع ليلى..توقفت متسائلة
-راكان رجع من المانيا ولا لسة
-لسة..قالها وهو يصعد سيارته ويرتدي نظارته، قائلًا
-سيلين لازم ترجعي بدري، مينفعش كل ترجعوا نص الليل، الأمر مبقاش مقبول، بنتك في سن خطر يامدام البنداري..قالها وأغلق الهاتف متأففًا، ثم تحرك بالسيارة متجها إلى قصر البنداري
بالاعلى عند ميرال
نُقلت ميرال إلى غرفةٍ للمتابعة، غفت بعد تناولها الأدويةِ التي خصَّصها يونس، ظلَّ جالسًا بجوارها لبعضِ الوقت، ينظرُ إليها بنظراتٍ صامتة، لا يظهرُ على وجههِ أيَّ شيئٍ سوى الجمود.
استمعَ إلى طرقاتٍ على بابِ الغرفة، نهضَ بدخولِ فريدة تركضُ إليها بلهفة:
-إيه اللي حصل، وإزاي متعرفنيش، يعني لولا اتحجزت مكنتش أعرف؟..
زفرةٌ قويةٌ أخرجها والنارُ تلتهمُ المتبقِّي من ثباته، لا يفعلُ شيئًا سوى أنَّهُ يضغطُ على نفسهِ حتى لا يثورَ أمام الجميع، استمعَ إلى رنينِ هاتفه:
-أيوة..
-فيه بلاغ متقدِّم ضدِّ مدام ميرال، شروع في قتل ياإلياس وشهود كمان، وإنَّك المحرِّض، ومدام رانيا، بتقول بتعمل كدا علشان عرفت إنَّها بنتها وإنتَ منعتها من أمَّها وطلبت منها تقتل راجح علشان هوَّ العقبة، كلام كتير وصلني، شكل رانيا دي وراها راس تقيلة، لا وإيه طلبت فحصِ المسدس، أنُّه بتاعك وبعتَّها وخيَّرتها عايزة أمِّك تقتلي راجح..
-تمام ..قالها وأغلقَ الهاتف، رفرفت بأهدابها، تهمسُ اسمهِ ولكنَّهُ ظلَّ بمكانهِ وكأنَّها لا تعنيه، رغم نيرانٍ بداخلهِ، تجلى الغضب ببحر عيناه حتى كاد أن يملأ الدنيا بصرخات ممزوجة بالغضب الجحيمي
انسابت دموعها بعدما وجدت فريدة تحتضنُ كفَّيها، اقتربت تطبعُ قبلةً فوق جبينها:
-بطَّلي عياط ياقلبي، رفعت عينيها إليهِ ولكنَّهُ استدارَ مبتعدًا إلى النافذة، دلفَ مصطفى:
-فيه إيه يابني مش قولت بقيتوا كويسين، وروحتوا إمبارح، إيه اللي حصل تاني؟..
اقتربَ من والدهِ يشيرُ عليها بقهر:
-المدام خلِّتني نايم وراحت تقتل راجح في المستشفى، ومش بس كدا ضربته بالمسدس بتاعي، والحيوان رفع قضية شروع في القتل، وبيتهمِّني باستخدام المدام للانتقام..يعني عايزة تقدِّمني للحيوان على طبق من دهب، وهوَّ استغلَّها، قولِّي أجيب عقل منين، بقى أنا اللي بحاول أخطَّط لدفنه، والغبية متهورة، وياريت جت على كدا بس، لا الجنين بقى في خطر.
شهقة اخرجتها فريدة تطالعها بعتاب
كوَّرَ قبضتهِ وهو يهتفُ بغلٍّ وشيطانهِ يتراقصُ بحدقتيه:
-صدَّقيني الولد دا لو حصل له حاجة هيكون آخر مابيني وبينك، ادعي من ربِّنا أنُّه يفضل، ياأمَّا هرميكي للأبد من حياتي
صفعها بقسوةِ كلماته، حتى شعرت بألمٍ جسديٍّ يفتكَ بها، كأنَّهُ أقوى الآلامِ التي تعرَّضت إليها، لتغمضَ عينيها تتمتم:
-ياربِّ ينزل ياإلياس، ياربِّ ينزل علشان ترميني من حياتك ومايبقاش فيه اللي يجبرك إنَّك ترتبط بواحدة زيي، عارفة إنَّك عايز تخلص..
توسَّعت حدقته، وكمٍّ من الآهاتِ أحرقت نبضه، ولكن كتمها بقهرٍ وهو يقتربُ منها، وكادَ ذاك الانفجارِ أن يصدحَ ليحرقَ الكونَ ومابه، ماذا تقولُ تلك المعتوهة، تقابلت الأعينُ في عتابٍ يحرقُ كلًّا منهما، وانسابت دموعها تحرقُ وجنتيها، مع ارتجافِ شفتيها، لتسحبَ بصرها بعيدًا عنه، ثمَّ تمدَّدت على الفراشِ تهمسُ بخفوت:
-ماما غطِّيني حاسة إنِّي بردانة، بردانة أوي ياماما، دفيني لو سمحتي..
هزَّةٌ عنيفةٌ كسقوطِ نيركٍ على سطحِ الأرض، ليشعرَ بانسحابِ أنفاسهِ بالكاملِ وخمولِ جسده:
-دا اللي فهمتيه؟..هكذا أردفَ بها..
استدارت تواليهِ ظهرها ولم ترد، انحنى بجسدهِ ولم يرحم ضعفها:
-لمَّا أكلِّمك ماتدنيش ضهرك، حتى لو بتموتي سمعتي..
-اتجنِّنت ياإلياس مش شايف حالتها؟..
قالتها فريدة
-إااايه صرخَ بها بعدما فقدَ صبره، نهضَ مصطفى من مكانهِ محاولًا السيطرةِ على نيرانهِ الغاضبة:
-طيب ممكن تهدى ياحبيبي وتسبها دلوقتي البنتِ تعبانة، وإنتَ بتقول ممكن تفقد الجنين..
مسحَ على وجههِ بعنف، محاولًا ألَّا ينساقَ خلفَ شيطانه، ربتت فريدة على ظهرها بعد ارتفاع بكاؤها:
-حبيبتي اهدي متنسيش إنِّك حامل، ووضعك صعب..ولكن ازدادَ بكاؤها حتى ارتجفَ جسدها..مما جعلهُ يفقدُ السيطرةَ على أعصابه، وهربَ للخارج، دقائقَ ووصلَ إلى المشفى ومنها إلى غرفةِ رانيا وراجح، دفعَ الباب، ووصلَ إليها بخطوةٍ واحدةٍ يطبقُ على عنقها:
-عارفة ياجاثويل لو فكَّرتي تقرَّبي من مراتي هعمل فيكي إيه؟..هفصل أعضاء جسمك، أقسم بربِّ العزة اللي إنتِ متعرفهوش أعملها ومن غير بنج كمان، ودور النحنحة دا مش معايا، البلاغ لو متسحبشِ قبلِ عشر دقايق محدش يقولِّي بتعمل كدا ليه، وصلَ الطبيبُ محاولًا إبعادهِ عنها بعد صراخِ راجح وضغطهِ على الزر..دفعها بقوَّةٍ حتى سقطت على الأرضيةِ يبصقُ عليها وصاحَ بنبرةٍ مشمئزة:
-حثالة وحيَّة، بس متعرفيش إنتِ وقعتي مع مين..اقتربَ من راجح الذي يشيرُ للطبيبِ بإبعاده:
-وإنتَ ياسكار العصابة المرَّة الجاية هجرَّك بحبل وأربطك برجلِ حمار أعمى، اوعى تفكر انا ساكت عليك ضعف مني، لا انا مش فاضي لك، بس كدا انت بتكتب النهاية.. حيوانات..قالها وغادرَ المكانَ مثلما دخل.
بشقةِ رؤى قامت بتشغيلِ أغانٍ شعبيةٍ وبدأت تتراقصُ مع الموسيقى، بجلوسِ إيلين التي تتآكلُ غضبًا وتريدُ أن تفتكَ بها، قاطعهما صوتُ الباب، نهضت إيلين لفتحِ الباب، بينما ظلَّت رؤى تتراقصُ بتلك الثيابِ التي يقالُ عليها ماهي سوى ثيابٍ للرقص..
-آدم !!
-ايه يادكتورة هتفضلي في بيوتِ الناس كتير؟..خالك رجع، وخالو مالك اتوفى، مش الأولى تكوني مع بنتِ خالتك بدل الغريب؟..
-عمُّو مالك مات، ياحبيبتي يارحيل، الله يكون في عونها، باباها كان كلِّ دنيتها..
أشارَ إليها:
-ادخلي حضَّري نفسك يادكتورة، لازم نروح لراحيل بدل ماتكون لوحدها، ومريم نزلت هي وأحمد وكرم.
أومأت بالموافقةِ قائلة:
-طيب روح إنتَ وأنا هجهز وآجي.
اقتربَ منها خطوةً حتى أصبحَ بداخلِ المنزل، وقبضَ على ذراعها:
-اسمعيني يابت علشان جبتِ أخرك معايا، عشر دقايق وألاقيكي في العربية، صمتَ على صوتِ الموسيقى، ضيَّقَ عينيهِ متسائلًا:
-أنتوا بترقصوا؟..قالها بخروجِ رؤى بتلك الهيئة..
-إيلين اتأخرتي ليه؟!
صرخت إيلين متوقِّفةً أمام آدم حتى تجحبَ رؤيتهِ لرؤى:
-ادخلي أنا جاية، قطبت جبينها واقتربت خطوة:
-فيه إيه مالك؟..استدارت تدفعُ آدم للخارج، مع إغلاقها للباب:
-روح على العربية وأنا جاية..
رفعَ حاجبهِ ساخرًا، ثمَّ أشارَ بسبَّباتهِ للداخل:
-كنت عايز أتفرج، إنَّما الغزالة الحلوة دي صاحبتك؟..طيب ماتناديها نتعرَّف، دنا من أذنها وهمس:
-قوليلها ابنِ خالي حليوة وعايز يكمِّل نصِّ دينه قبلِ مايدخل الأربعين، أصله اتجوِّز ومراته مطلَّعة عينه، لحدِّ مازهق ، حلوة البنت اوي، وشكلها بتعرف تبسط الراجل اوي..قالها بمغذى
رمقتهُ بنظرةٍ ناريةٍ تشيرُ إليه:
-استناني في العربية يامحترم، قال دكتور، أخرك يشغَّلوك في شارعِ الهرم..
-موافق، بدل هشوف حلويات كدا موافق..قالها غامزًا..
تحرَّكت للداخلِ تسبُّهُ بداخلها، ثمَّ دلفت إلى رؤى:
-عايزة أعرف إنتِ اتجننتي؟!..يعني الباب خبَّط، أكيد حدِّ جاي، مفيش غير اتنين ياجوزي، ياالياس، إزاي تُخرجي بالطريقة دي؟..
تأفَّفت وهي تُنهي ارتداءَ ثيابها، ثمَّ استدارت:
-هتصدَّقيني فكَّرته إلياس، واللهِ ماأعرف أنُّه جوزك.
توسَّعت عيناها بذهول:
-إنتِ مجنونة، حتى لو إلياس إزاي تخرجي بالشكلِ دا، اقتربت تقبضُ على ذراعها وشيَّعتها بنظرةٍ مشمئزة:
-رؤى بلاش تعضِّي الإيد اللي اتمدِّت لك، إلياس كان واضح معاكي، وهو بيحبِّ مراته، ولو بيعاملك كويس، فدا شفقة مش أكتر، فوقي علشان أنا أعرف الشخصية اللي زيه، لمَّا بيقلب بيحرق اللي يقرَّب منُّه، وأنا شوفت نظرةِ الحبِّ لمراته، ممكن مااعترفشِ قدامك، بس صدَّقيني يوم الحفلة كنت شايفة إزاي بيبص لها، بلاش أقولِّك نظرة عاشق، ممكن يختلفوا، بس ميبعدوش ولا يكرهوا بعض..
جلست مع تنهيداتهاا، تشيرُ بيديها:
-أنا تعبت من الوحدة ياإيلين، رفعت عينيها إلى إيلين واستطردت:
-إيلين ارجعي لجوزك، صدَّقيني هوَّ بحبِّك، أه غلط، بس زي ماشرح لك، ساعات بنكون مضطرِّين نعمل حاجات ضدِّ رغبتنا.
-لا واللهِ والِّلي ضدِّ رغبتك، تخطَّطي تخطفي راجل من مراته، تحرَّكت واستأنفت بغيرِ رضا:
-اسمعيني يارؤى، هتخسري، ومتأكدة إنِّ إلياس لو عرف هيرميكي دون رجعة، أنا ماشية، عمُّو جوز خالتو اتوفى، ولازم أكون مع بنته..
اقتربت منها متسائلة:
-قصدك رحيل؟!
-أيوة..
استدارت متسائلة:
-معاكي صور لطنط فريدة؟..
قطبت جبينها متسائلة:
-ليه؟!.هزَّت كتفيها وأجابت:
-بشبَّه عليها، أصلها شبه خالو، وخالو كان عنده بنتِ عم بيدوَّر عليها من زمان، كانت متجوِّزة أخو عمُّو راجح، بس عمُّو راجح قال هربت منعرفشِ راحت فين، تذكَّرت شيئًا تحدِّثُ نفسها:
-إيه دا إزاي نسيت حاجة زي دي، عيونها عيون ماما بالظبط، معقول تكون هي؟..
هزَّت رأسها بجهلٍ وهي تلملمُ أشياءها، تهمسُ لنفسها:
-لازم خالو يعرف، أنا حاسة إنَّها هتكون خالتو، توقَّفت عمَّا تفعله:
-إلياس بيكون ابنها؟..اعتدلت تسألُ رؤى:
-إنتِ قولتي لي، إنِّ إلياس طلع ابنها المخطوف من سنين..
-مالك يابتّ اتجنِّنتي!..دا كلُّه علشان آدم شافني ببدلةِ الرقص، ياختي روحي ارقصي له بدل جنانك دا..
-أوووف أنا في إيه وانتِ في إيه..لازم أمشي بدل مااتجنِّن منِّك..
تهكَّمت رؤى تنظرُ بأظافرها:
-قولي إنِّ الدوك وحشك ياحنيِّنة، بس مكسوفة..
أغلقت البابَ بوجهها:
-برة يابتّ عايزة أغيَّر هدومي..
بالمشفى عند فاروق:
كان الجميعُ ينتظرُ بالخارج، للإنتهاءِ من العمليةِ التي يخضعُ لها فاروق، جلسَ إسحاق بعيدًا عن الجميع يدعو الله بسريرته، اقتربَ منهُ أرسلان:
-عمُّو..رفعَ عينيهِ المتحجِّرةِ بالدموع:
-نعم ياعمُّو…جلسَ بجوارهِ يربتُ على كتفه:
-إن شاء الله هيقوم بالسلامة، عندي يقين بربِّنا كبير.
مسحَ على وجههِ يهزُّ رأسه:
-إن شاء الله حبيبي، بنقول يارب، فاروق مش مجرَّد أخ، فاروق أبويا وأخويا وكلِّ حاجة..
-وأنا إيه ياإسحاقو؟..أنا كدا غيران على فكرة، مش هوَّ أبويا أهو، بس بغير عليك..
جاءت كلماتهِ البسيطةِ حانيةٍ باردةٍ كبرودِ الثلجِ على قلبهِ الذي ينصهرُ من الخوف على اخيه
جذبهُ يضمُّهُ لأحضانه، لتتدفقَ العبراتِ بغزارةٍ من مقلتيه..
-بابا هيخرج بالسلامة ياعمُّو مش كدا، ماهو أنا مقدرشِ أعيش من غيره، أنا طفل أوي ياعمُّو..
نزعهُ من أحضانهِ يزيلُ عبراتهِ ثمَّ أردفَ بنبرةٍ حادة:
-ابنِ الجارحي مش عيِّل يالا، إنتَ راجل، إياك أسمع كلامك دا تاني، حتى لو فقدت أبوك، لازم تكون قوي، متعودتش أشوف دموع أرسلان الجارحي..
تعاظمَ الخوفُ بداخله، ليهزَّ رأسهِ مع انسيابِ دموعه:
-لا متقولشِ كدا لو سمحت..نبرةٌ حزينةٌ مع نظرةٍ توسليةٍ من عينيه:
-لا بابا هيفوق، ويجوِّز ملك ويفرح بيها مش كدا؟..
هبَّ من مكانهِ مع خروجِ الطبيب:
-إحنا عملنا اللي علينا، والباقي عند ربِّنا، سلامته إن شاءالله..قالها الطبيبُ بعمليةٍ وتحرَّكَ للخارج.
هاجت دقَّاتُ قلبِ إسحاق، رغم أنَّهُ يقوِّي أرسلان، ولكنَّ داخلهِ يحترق..
التقمت عيناهُ أعينِ أرسلان الشاردةِ على غرفةِ العمليات، تنحَّى عن آلامهِ واقتربَ منه، يربتُ على ظهره:
-طبيعي في العملياتِ اللي زي دي ياحبيبي..قاطعَ حديثهِ رنينُ هاتفه:
-أيوة..
-مدام أحلام مش مبطلة صراخ، وعايزة تيجي للباشا..
-هاتها وخلِّي بالك منها..
بغرفةِ دينا، جلبت الممرِّضة ابنها:
-اتفضلي يامدام رضَّعي البيبي، الباشا مانع اللبن الصناعي.
رفعت يديها إليهِ لتحتضنه:
-حبيب ماما..ضمَّتهُ إلى صدرها تستنشقُ رائحتهِ بوله، رفعت عينيها للممرِّضة:
-إسحاق مرجعش؟..جلست الممرِّضة بجوارها وأجابتها:
-لا، همَّا في الدور اللي تحت، فاروق باشا عنده عملية كبيرة النهاردة.
أومأت بتفهُّمٍ قائلة:
-هوَّ خرج ولَّا لسة؟..
-معنديش معلومات والله، كلِّ اللي أعرفه، عنده عملية، علشان فيه دكتور من ألمانيا جه مخصوص إمبارح، مع مدير المستشفى..
ظلَّت تطعمُ ابنها، ثمَّ ناولتهُ إلى الممرِّضة، وأشارت إلى روبها:
-هاتيلي الروب، هنزل وأطَّمن بنفسي..
-بس ممنوع الحركة يامدام، متنسيش إنِّك لسة تعبانة.
نهضت تستندُ على الجدار، وأخبرتها:
-هنزل بالأسانسير، لازم أطَّمن على فاروق..قالتها وتحرَّكت بهدوءٍ للطابقِ الأسفل..وصلت بعد معاناةٍ إلى جلوسِ الجميع..نهضَ من مكانهِ بعدما استمعَ إلى حديثِ أرسلان:
-مراتك جت..وصلَ إليها بخطوة، وجذبها بهدوءٍ إلى الغرفةِ المقابلة:
-دينا إيه اللي جابك وإنتِ لسة تعبانة؟..
ألقت نفسها بأحضانه:
-كنت عايزة أطَّمن عليك، من إمبارح مطلعتش لعندي..
مسَّدَ على خصلاتها بحنانٍ ثم أخرجها من أحضانهِ ينظرُ إليها باعتذار:
-آسف معرفتش أسيب فاروق لوحده، وملك قالت هتبات معاكي..
جذبت كفَّيهِ وتحرَّكت به إلى المقعد:
-شكلك مرهق أوي ياإسحاق، إزاي سايب نفسك كدا؟..
طبعَ قبلةً مطوَّلةً على جبينها:
-أنا كويس، طول ما أنتوا كويسين، اطلعي ارتاحي، وخلِّي بالك من حمزة..
طوَّقت ذراعيهِ وتراجعت بجسدها للخلف:
-سبني شوية هنا، حمزة رضَّعته والممرِّضة أخدته الحضَّانة تاني، اعتدلت وتساءلت:
-قولِّي هوَّ هيفضل كتير بالحضَّانة؟..
-الدكتور بيقول أسبوع بالكتير، بقى أحسن من الأوَّل..
طافت بعينيها على ملامحهِ المرهقة، ثمَّ طبعت قبلةً على وجنته:
-مش قادرة أقولَّك نام شوية، بس هقولَّك خاف على نفسك، أنا وابنك محتاجينك..
-جمعَ خصلاتها على جنب، ثمَّ انحنى يدفنُ رأسهِ بعنقها يهمسُ بقلبٍ متلهِّف:
-وأنا كمان محتاجكم جدًا جدًا يادينا، بلاش أقولِّك الدنيا كلَّها وقعت فوق دماغي مرَّة واحدة، حاسس إنِّي بنهار.
لمست أناملها وجنتيهِ وتعاظمَ الوجعُ حتى طُمسَ بريقَ عينيها من حالته:
-حبيبي أنا جنبك، حاول تقوى وإن شاءالله كلُّه هيكون تمام.
قبَّلَ كفَّيها ونهضَ من مكانه:
-يالَّه تعالي أوصَّلك علشان ترتاحي، مينفعشِ أبعد عن صفية والولاد.
نهضت من مكانها وخلَّلت أناملها كفَّيه:
-أنا هطلع لوحدي، خلِّيك معاهم، هطلع أنام، متشغلشِ بالك، كلِّمت ماما تروح شقتنا علشان الخدم يجهِّزوها، وإن شاءالله بعد مانطمِّن على فاروق نعمل سبوع لحمزة.
حاوطَ أكتافها وخطا للخارجِ متمتمًا:
-إن شاء الله حبيبتي، المهم اطلعي إنتِ.
تحرَّكت متَّجهةً إلى المصعد، لتصعدَ إلى غرفتها، توقَّفت بانتفاضةٍ بجسدها، بعدما وجدت أحلام أمامها، اقتربت أحلام منها بعيونٍ تكادُ تحرقها، ثمَّ أمسكتها من ذراعها بعنف:
-بنتِ بيَّاعة الخضار بمستشفى سبع نجوم، خدم وحشم تحتِ رجليها، شوفتي الحظ، أوعي تفكَّري هسيبك متهنيَّة يابت، اقتربت تهمسُ لها بفحيح:
-عارفة أنا قتلت أبو إسحاق، ورغم كدا سايبني قدَّامك أهو، مش بس كدا، نزِّلت ابني في الشهرِ الخامس علشان أتجوِّز واحد بعد طلاقي، اسمعي بقى الحلو كلُّه علشان متفكريش إنِّك محمية من إسحاق، تابعت همسها الذي جعلَ جسدَ دينا يختلُّ توازنه، ودقَّاتها التي نبضت بعنفٍ وهي تهمس:
-قتلت حبيبته يوم خطوبته، بعد الخطوبة بساعات علشان بس كنت رفضاها، تفتكري هعمل فيكي إيه؟..لفِّيتي كلِّ الأماكن وجبتك، وكنتي تحتِ رجلي، ماهو مش كلِّ مرَّة هينقذك ومستحيل يجي على أمُّه، بدليل معرفته بكلِّ اللي عملته، ورغم كدا أنا قدَّامك أهو..
قالتها بملامحٍ قاسية، ونبرةٍ جافة، انتزعت نفسها بعيدًا عنها:
-إنتِ إنسانة بشعة، مستحيل تكوني بني آدمة
نظرت بساعةِ يدها وتابعت حديثها وكأنَّها لم تستمع إلى حديثِ دينا:
-الليل لو جه وإنتِ لسة على ذمِّة ابني، خلي أمِّك تجهِّز قبرك، إنتِ وابنك اللي متأكدة منُّه أنُّه مش ابنِ اسحاق، وممكن أطلَّع مليون شهادة تثبت دا، شوفي بقى هيعمل فيكي إيه..
اقتربت خطوةً وغرزت مقلتيها الناريةِ بأعينِ دينا المنتفضة:
-مش حفيد الجارحي يكون من جربوعة زيك يابت، دا أدفنه حي..قالتها واستدارت متحرِّكةً وكأنَّها لم تقل شيئًا..توقَّفت بعد عدَّةِ خطوات، واستدارت برأسها:
-المحامي في شارع (. ) ورقم التليفون هبعتهولك، قدَّامك ساعتين مش أكتر، ياأمَّا مش هتشوفي ابنك، وهاخده من حضنك متخافيش..
ابتلعت كلماتها بشهقة، وانتفضَ جسدها بخوفٍ من كلماتها المسمومة، لتتحرَّكَ إلى غرفتها وهي تجرُّ قدميها بضعف، وعينيها التي تحرقها سحبِ دموعها ..هوت على الفراشِ وجسدها يرتجف، ماذا عليها أن تفعل، هل تتنازل عن إسحاق أم تتنازلُ عن فلذةِ كبدها..
بالأسفلِ عند أرسلان:
جلسَ بحديقةِ المشفى وحديثُ فاروق يخترقُ أذنيه:
-أخوك قريب منَّك جدًا..بدأ يردِّدها بينهِ وبينَ نفسه:
-مين أخويا ياترى اللي بيقول عليه، معقول يكون إسحاق، يعني إيه، إسحاق مش أخو فاروق!..
احتضنَ رأسهِ بين راحتيهِ وكاد عقلهِ أن يذهبَ منه، ذهبَ شاردًا بإلياس وحديثِ إسحاق يراوده، ونظرات فريدة..صورًا سريعةً متحرِّكةً أمامَ ناظريهِ حتى شعر بألمٍ يفتكُ برأسه، شعرَ بمن يربتُ على كتفه:
-أرسلان..رفعَ عينيهِ إليها بشرود، تائهًا ضائعًا لا يعلمُ بماذا يشعر..جلست بجوارهِ ترفعُ رأسها بسؤال:
-مالك حبيبي، قاعد كدا ليه؟..
هزَّ رأسهِ نافيًا وردَّ بنبرةٍ هادئة، رغم اضطرابهِ الداخلي:
-مفيش حبيبتي، خلِّيكي مع ماما وملك، مش عايزك تسبيهم، أنا عندي مشوار مهم لازم أروحه..
قالها متوقِّفًا، أمسكت ذراعه:
-أرسلان رايح فين؟..إنتَ لسة تعبان..
سحبَ نظرهِ بعيدًا عن مرمى عينيها، وتحوَّلت ملامحهِ الهادئةِ إلى ثائرةٍ وأردف:
-مشوار هيوضَّح حاجات كتير، المهم لازم تكوني مع ماما.
كادت أن تفتحَ فاهها للاعتراضِ ولكنَّهُ تحرَّكَ دون أن يعطيها فرصةً للرفض.
ابتلعت غصتها ودلفت للداخلِ دون حديث
..
بالمشفى عند ميرال:
استيقظت على صوتِ فريدة وغادة، فتحت عينيها تأنُّ من الألمِ الذي يفتكُ بجسدها، تهمسُ بخفوت:
-ماما..نهضت فريدة من مكانها واقتربت منها:
-حبيبتي حاسة بإيه؟..
-ماما فين إلياس..تساءلت بها بعدما لم تجدْهُ بالغرفة:
انحنت غادة تقبِّلها على وجنتيها:
-عنده شغل، قال شوية ويرجع، إنتِ حاسة بإيه نجبلك الدكتور؟..
هزَّت رأسها بالإيجاب:
-تعبانة ياماما، وجع في بطني شديد، قالتها وهي تضعُ كفَّيها على أحشائها.
استدعت فريدة الطبيبة، لفحصها، دقائقَ معدودةً والطبيبة تفحصها، ثمَّ توقَّفت أمامها:
-الوضع كويس إلى حدٍّ ما، التعب دا عادي، شوية وهيروح..قالتها وتحرَّكت لتوقفها ميرال:
-ابني هيعيش يادكتورة؟..
-إن شاء الله قولي يارب..قالتها الطبيبة وغادرت
بالمكتبِ عند إلياس:
أظلمت عينيهِ بأسى، سحبَ نفسًا طويلًا وزفره:
-اسمعني كويس، هتدخل وتلمِّ الدنيا دي..نقر شريف على المكتب ورد:
-اعتبره حصل، بس لو مفيهاش رخامة وتدخُّل في مالايعنيني، إيه حكايتك مع الراجل دا، يعني تدخلك بشكلِ غير مباشر في حياته؟..
أشارَ إليه بالتوقُّفِ عن الحديثِ ثمَّ نهضَ من مكانه:
-بتسأل السؤال وترد على نفسك، قولت تدخلك فيما لا يعنيك..صمت يطالعه ثم أردف:
-بعدين ياشريف، أنا دلوقتي دماغي وجعاني، عايز تخنَّق على الراجل دا من كلِّ الزوايا، وفي نفسِ الوقت مش عايزه يتسجن، شوف هتعملها إزاي لو سمحت..
-تمام اعتبره حصل، مش هتروح؟..
-شوية كدا…قالها وسحبَ سيجارةً متَّجهًا إلى الشرفة، توقَّفَ ينظرُ بشرودٍ للخارج، ثمَّ رفعَ عينيهِ إلى السماء ينظرُ للنجومِ التي زيّّنت السماء، تذكَّرَ حديثها أمس، يومًا واحدًا وانقلبت حياتهِ رأسًا على عقب، أغمضَ عينيهِ وهمسها يردد داخل اذنيه، لكن حكم وقضي الامر، لقد ألقت حكمها بنفسها حينما أخبرته بعده ممات، نعم لابد عليه أن يعلمها درس قاسيًا، ولكن بداخلهِ نيرانًا تلتهمُ كلَّ شيئ، لا يريدُ أن تصلها، حتى لا تحرقها..دفعَ البابَ ودلفَ أرسلان للداخلِ وجدهُ متوقفًا بالشرفة، لا يشعرُ بما يدورُ حولهِ كالحاضرِ الغائب، اقتربَ منه يردِّدُ اسمه:
-إلياس..ولكن كان إلياس غارقًا بدواماته، استمعَ إلى صوتهِ وكأنَّهُ حلمٌ بعيدَ المنال، لم يلتفت ظنًّا أنَّهُ يحلمُ به، ولكن تكرارَ أرسلان لاسمهِ مرَّةً أخرى، جعله يلتفتُ إليهِ يطالعهُ بصمت، اقتربَ أرسلان وسلَّطَ عيناهُ عليه، مع نظراتٍ استفاهمية، دنا حتى لم يفصل بينهما سوى خطوةٍ واحدة، ظلَّت النظراتُ سيدةُ الموقف، ابتلعَ ريقهِ بصعوبةٍ وأردفَ بتساؤل:
-إنتَ مين بالظبط، وليه قرَّبت منِّي؟..جيت إمبارح قولت كلمتين واختفيت، وأعرف إنَّك السبب في إنقاذي، ودمَّك بيجري في دمِّي، ليه اتبرَّعت لي بالدَّم؟..هتقولِّي صداقة، هقولَّك مش مقتنع بدا كلُّه..دنا خطوةً حتى لم يعد بينهما مسافةً يتعمَّقُ بالنظرِ إليه:
-إنتَ مين ياإلياس، وليه بتعمل معايا كدا، وليه والدتك جات لي تزورني؟..
قالها مع ارتفاعِ رنينِ هاتفه، رفعهُ وعينيهِ مازالت تحاصرُ أعين إلياس الصامت..
-أيوة ياعمُّو؟..
-في دقيقة تكون في المستشفى سمعتني، أبوك عايزك، ضروري تسيب اللي في إيدك، مهما كانت قيمته..
لاحَ الألمُ بمقلتيه، ليتراجعَ إلى بابِ الغرفةِ مترنِّحًا:
-بابا ماله ياإسحاق..قالها واستدارَ للخارج، ركضَ إلياس خلفهِ يصيحُ باسمه، لم يستمعْ إلى صياحه، وصعدَ إلى سيارتهِ وخلفهِ إلياس الذي جُنَّ جنونهِ من حالته، ماذا حدثَ له حتى يسألهُ بتلك الطريقة، دقائقَ ودلفَ للمشفى، دفعَ بابَ العناية، وجدَ ملك تحتضنُ كفَّ والدها تبكي بشهقات:
-بابا حبيبي سامعني، رفعت نظرها على دلوفِ أرسلان، شبحَ ابتسامةٍ ظهرَ على ملامحها، لتهمسَ لوالدها:
-بابا أرسو جه، بابا افتح عيونك، أرسو وصل..فتحَ عينيهِ ينظرُ إليهِ بوهن، ثمَّ مدَّ يدهِ يهمسُ اسمهِ بخفوت، اقتربَ منه مع توقُّفِ ملك ليجلسَ بجوارِ والدهِ يحتضنُ كفَّيه:
-حبيبي أنا هنا، طبعَ قبلةً فوق جبينه:
-إيه يافاروق باشا، فوق كدا، إحنا هنهزَّر ولَّا إيه؟..
-اسمعني حبيبي، أنا مش عايزك تزعل من عمَّك إسحاق..مفيش حدِّ بيحبَّك قدُّه يابنِ فاروق، إنتَ ابنِ حلال علشان وقَّعك في إيدي، إلياس..إلياس، كرَّرَ اسمهِ مع انقطاعِ أنفاسه..
-بابا ممكن ماتتكلمش..ضغطَ على كفِّهِ واستطردَ حديثهِ المتقطِّع:
-صفية وملك أمانتك إنتَ وإسحاق، ملك مالهاش غيرك من بعدي، كان نفسي أقولَّك خلِّي بالك من أختك ياحبيبي..
-بابا لو سمحت كفاية كلام، ملك في عيوني وقلبي ممكن ماترهقشِ نفسك..
توجَّهَ فاروق بنظرهِ إلى صفية التي تجلسُ بصمتٍ مع عبراتها التي تجري على وجنتيها، كمجرى نهرٍ متدفِّقٍ بمائه،
-صفية أمَّك متنسهاش، حتى بعد ماتوصل لمامتك حبيبي..
سحبَ إسحاق أرسلان من جواره:
-فاروق ليه الكلام دا، إنتَ هتفوق وتبقى أحسن، سمعتني، يالَّه الكلِّ برَّة..قالها اسحاق يشير للجميع بالخروج
تشبَّثَ بكفِّ أرسلان:
-أرسلان لو مُت ياارسلان اتجوِّز ملك، كويس انك عرفت الحقيقة مفيش حدِّ هيحافظ عليها قدَّك.
صدمةٌ عنيفةٌ سقطت فوق رؤوسِ الجميعِ من كلماتِ فاروق، ليطالعهُ بذهولٍ مع تجمِّدِ جسده، ثمَّ رفعَ عينيهِ لوالده:
-إيه اللي حضرتك بتقوله دا يابابا؟!..
استدارَ يواليهِ ظهره:
-رجاء من أبوك، علشان أطَّمن عليها ومفيش حدِّ هقدر أمِّنه عليها غيرك..
تلاشى تنفُّسهِ ينظرُ إليها وهي تختبأُ بأحضانِ والدتها، شعرَ وكأنَّ جدرانَ الغرفةِ تطبقُ على صدره، ماهذا الذي يحدث، هل هو يعيشُ كابوسًا!..
-مردتش على أبوك، موافق تتجوِّز بنتي ولَّا لأ؟..لحظاتٍ مميتةٍ حتى شعرَ بارتجافِ جسدهِ بالكامل، مما جعلهُ يتراجعُ خطوةً للخلفِ من شدَّةِ ذهوله، بعدما أيقنَ أنَّهُ ليس بكابوسٍ بل واقعًا مريرًا..
أشارَ إسحاق للطبيبِ بعدما وجدَ هبوطًا بضغطه:
-شوف في إيه؟..
هرولَ الطبيبُ لفحصه، ولكن عينيهِ كانت على أرسلان..
استدارَ برأسهِ مع تحرُّكِ أرسلان بعيدًا عنه، وبعيونٍ راجيةٍ تذرفُ الدموع:
-موافق مش كدا..أطبقَ على جفنيهِ
والحزنُ ينخرُ بقلبهِ ليتسرَّبَ منهُ كما تتسرَّبُ الموسيقى الحزينة من آلةِ الناي
لتعزفَ على أوتارِ القلوب..
حاولَ الطبيبُ وضعَ جهازَ التنفُّسِ إلَّا أنَّهُ أبعدهُ يهمس:
-أرسلان..أحسَّ بالدوارِ يلفُّ رأسه، وكأنَّ أحدهم ألقاهُ بعصاةٍ غليظةٍ ليهوى ساقطًا من تلك الضربة، طالعَ والدهِ بنظرةٍ تحملُ صرخاتٍ مكبوتةٍ بآلافِ الآهات:
-موافق..
هزَّ رأسهِ بالموافقة، ولم يشعر بتلك الدمعةِ التي انزلقت من عينيه، ورغم أنَّها دمعةٌ إلَّا أنَّها أحرقت وجنتيه، وهو ينظرُ لتلك الواقفةِ على بابِ الغرفةِ تهزُّ رأسها بخذلان..ركضت غرام للخارج، حاوطَ إسحاق ملك يجذبها للخارج..
خرجَ أرسلان بساقينِ هلاميتينِ وجلسَ بضعفٍ يضمُّ رأسهِ بين راحتيه، وكأنَّهُ يحملُ فوق عاتقهِ آلامٍ كثقلِ الجبال.
جلسَ إلياس الذي وصلَ الآن وحاوطَ جسده:
-هيكون كويس، صدَّقني، ادعي له،
رفع عيناه المتلألئةِ بالدموع:
-أنا مطلعتش ابنِ فاروق..
رسمَ إلياس على وجهه ابتسامة، ثمَّ ربتَ على كتفهِ قائلًا بغمزة:
-وأنا مطلعتش ابنِ السيوفي، بصرة مش كدا؟..
قطبَ جبينهِ متسائلًا:
-يعني زي مااتوقَّعت..
ابتسمَ إلياس يهزُّ رأسه:
-نفسي أضحك بس الموقف مش مساعدني، تيجي نضحك وبعد كدا نروح مستشفى الأمراض العقلية نجنِّن الدكاترة..
صمتَ للحظاتٍ بعد حديثِ إلياس إلى أن توقَّفَ أرسلان وأطلقَ ضحكاتٍ تصدحُ بالمكان، جعلَ الجميعُ يلتفتون إليه..نهضَ إلياس من مكانهِ يسحبهُ من ذراعه:
-اسكت ياحمار فضحتنا، ظلَّ يضحكُ ويدورُ حولَ نفسه، ثمَّ رفعَ رأسهِ إلى إسحاق:
-علشان كدا بعدتني عنُّه، كنت عارف، إنتَ كنت عارف أنُّه اخ..توقَّفَ مقتربًا من إلياس:
-لا مقولتش ليه من زمان، إنك طلعت أخويا يمكن كنا احتفلنا، ولا اقولك تعالى نحتفل برة، لازم احتفل
ههه..ضحكاتٍ فقط منه، بذهولِ الجميع، مع هزِّهِ لرأسه، اقتربَ متسائلًا:
-أوعى تقولِّي إنِّ ستِّ الكل طلعت ستِّ الكل..ظلَّ إلياس ينظرُ إليهِ بصمت، من يراه يظن انه فقدَ عقله، اقتربَ محاولًا تهدئته:
-أرسلان الناس بتبصِّ عليك إيه اللي بتعمله دا؟..
دفعهُ بعيدًا عنه:
-أنا ابنِ مين ياحضرةِ الظابط؟..
قبضَ إسحاق على عنقهِ إلى أن فقدَ توازنه، يشيرُ إلى الممرِّضة بحقنه:
-فوق إنتَ مش بنت علشان تعمل كدا..
حاوطَ أكتافهِ إلياس:
-سيبه لو سمحت، أنا ههدِّيه، دنا يهمسُ لإلياس:
-الصحافة في كلِّ مكان، والحيوان مش عارف بيخبَّط بإيه، خده من وشِّي بدل ماأموِّته بجد..
-أرسلان ممكن تهدى إحنا لازم نتكلِّم..
-ابعد عني ياله، لو قرَّبتِ منِّي هموِّتك.
قالها وغادرَ المشفى بالكامل..
زفرَ إلياس، ثم أشارَ بيدهِ إلى إسحاق:
-سيبه هوَّ هيهدى، الموضوع صعب..
باليومِ التالي خرجت ميرال من المشفى، بعد استقرارِ وضعِ جنينها، ساعدتها فريدة بالنوم، ثمَّ قبَّلت جبينها:
-حاولي متفكريش بحاجة حبيبتي، إلياس أكيد عنده شغل مهم، شوية وهتلاقيه جاي، ميقدرشِ يبعد عنِّك وعن ابنه..
-هنام ياماما، مبقاش فارق معايا يجي ولَّا لأ، مبقاش فيَّا حيل ياماما، تعبت خلِّيه براحته..كان واقفًا على بابِ الغرفة، تراجعَ بعدما استمعَ إلى حديثها، واتَّجهَ إلى مكتبه، خرجت فريدة تبحثُ عنه، فهي تعلمُ بعودتهِ قبلَ وصولهم، دلفت إلى مكتبه:
-إزاي تسيب مراتك بحالتها دي؟!..إنتَ إيه يابني، اقتربت منه تمسكهُ من ذراعه:
-إلياس ميرال عايزة اللي يحسِّسها بالأمان ياحبيبي مش اللي يضغط عليها..قاطعهم دلوفُ الخادمة:
أرسلان بيه برَّة ياباشا..قالتها بدخولِ أرسلان إليهما..وقفَ على بابِ الغرفةِ يوزِّعُ نظراتهِ بين إلياس وفريدة ثمَّ خطا إلى فريدة التي تتابعُ تحرُّكهِ بنبضها العنيف، تجمَّعت سحبُ عيناها حينما توقَّفَ أمامها مباشرة:
-إنتِ أمِّي صح؟…





















(٢٦)شظايا قلوب محترقه 
الحلقة السادسة والعشرون
“اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك ”
أبحثُ عن تلك اليد التي تلامس روحي قبل أن تلامس يدي،
تلك اليد التي تلوّن حياتي بألوان السعادة،
وترسم على صفحات عمري ابتسامةً لا تغيب.
أحتاجُ إلى دفءٍ يُذيب بردَ الأيام القارس،
وإلى حبٍّ يُعيد لقلبِي نبضه الحقيقي،
حبٍّ يضيء دروبي في كل وقتٍ وحين.
أين هي تلك اليد التي ستحمل معي أثقال الحياة؟
تلك اليد التي ستزرع في طريقي ورود الأمل،
وتمنحني من قلبها طمأنينة، تريح الروح وتغنيها.
أحتاج إلى من يُلهمني أن الحياة تستحق العيش،
وأن الفرح ليس بعيدا، بل بين يدي من يشاركنا الفرح والهم.
أين من يُعيد إلى نفسي يقينها،
ويزرع في قلبِي الأمل من جديد؟
#ميرال_إلياس_السيوفي
ظلَّ يدورُ بسيارتهِ لساعات، غارقًا في أفكاره، عاجزًا عن مواجهةِ ما يحدث..لكن في النهاية عادَ إلى المستشفى كأنَّ شيئًا ما كان يجذبهُ للعودةِ هناك، وجدَ إسحاق جالسًا على المقعد، عينيهِ معلقتينِ على بابِ غرفةِ العمليات، وكأنَّ الزمنَ توقَّفَ عنده.
اقتربَ منهُ ببطء، محاولًا أن يخفي ارتباكه:
– لسه مخرجشِ من العملية؟
رفعَ إسحاق رأسهِ ببطء، نظرَ إليه بعينينٍ مليئتينِ بالحزن واليأس. بدا وكأن الكلمات ثقيلة على لسانه، لكنه تحدث بصوت متحشرج:
– عارف إنك مصدوم… بس ده أبوك يا أخي! ينفع تسيب أبوك في العمليات وتمشي؟ هو ده اللي رباك عليه؟
صمت المكان من حولهما، ولم يبقَ سوى صوتِ الأجهزة البعيدةِ في المستشفى، شعر بثقلِ الكلماتِ تضغطُ على صدره، وكأنَّهُ يتنفسُ بصعوبةٍ لم يكن يعرف ماذا يقول، لكنهُ أدركَ أنَّ إسحاق كان محقًا…
سحبَ نفسًا عميقًا وزفرَهُ ببطء، وكأنَّما يحاولُ أن يتماسكَ بصعوبة، قبل أن يهمسَ بصوتٍ مبحوح:
آسف يا عَمّو… سامحني، أنا فعلًا تعبان بجد.
رَبَتَ إسحاقُ على ركبتِهِ بحنوٍّ، وكأنَّهُ يحاولُ بثَّ الطمأنينة في قلبِه، لكنَّهُ فجأةً انتفضَ مع انفتاحِ بابِ غرفةِ العمليات. وقفَ إسحاقُ متوترًا، خطواتُهُ مترددةٌ نحوَ الطبيبِ الذي خرجَ. تطلّعَ الطبيبُ إليهِ بنظرةٍ جامدةٍ، قبلَ أن يتحدَّثَ ببرودٍ يقطرُ ألمًا:
عملنا اللي قدرنا عليه…الساعات الجاية حرجة…ادعوله.
قالَ كلماتهُ وغادر، تاركًا إسحاقَ مشدوهًا، عيناهُ معلقتانِ بالبابِ المغلق. وقفَ مكانهُ عاجزًا، يُحدّقُ في البابِ وكأنَّهُ يريدُ أن يقتحمَهُ ليصلَ إلى أخيهِ، ليخفِّفَ عنهُ ولو قليلًا من آلامِه.
التفتَ ببطءٍ وكأنَّ الزمنَ قد ثقُلَ على كتفيهِ، ليجدَ أرسلانَ واقفًا أمامَ النافذةِ الزجاجية، عيناهُ شاخصتانِ نحوَ والدهِ المُمدَّدِ تحتَ الأجهزة. اقتربَ إسحاقُ بخطواتٍ مثقلةٍ، وعيناهُ معلقتانِ بجسدِ فاروقَ المُنهَك.
وقفَ بجانبه، تنفَّسَ بعمقٍ وكأنَّهُ ينتزعُ من صدرِه حملًا ثقيلًا، قبلَ أن يقولَ بصوتٍ مرتجف:
فاروق مش مجرَّد أخ، يا أرسلان…فاروق كان أبويا.
توقّّفَ للحظة، وكأنَّ الكلامَ يتعثَّرُ في حلقهِ، ثم أكملَ بصوتٍ مبحوحٍ مليءٍ بالوجع:
جَدّك كان موجود، بس فاروق هو اللي شالني، هو اللي كان مهتمَّ بيا.. عُمره ما حسِّسني باليُتم، حتى لما أمَّي، أحلام هانم، سابتنا وراحت تتجوز، وقف وقال لي: “وإنتَ محتاجها في إيه؟ هو أنا قصَّرت معاك؟”.
ارتعشتْ يدُه وهو يمسحُ وجهَه، ثم استدارَ نحوَ أرسلانَ بجسدهِ بالكامل، عيناهُ تفيضُ بوجعِ السنين:
فاروق شال الدنيا على كتافه، عشان يبني لنفسه اسم بعيد عن العيلة. فاكر لما لقاك؟ كنت طفل صغير ملفوف في بطانية، في عزِّ البرد والجوع. فاروق شالك من غير تردُّد، وقال: “الولد ده مكتوب له يعيش معايا”. ومن وقتها، بقيت ابنه…لحدِّ ما الدنيا انقلبت عليه تاني.
صمتَ إسحاقُ فجأةً، وكأنَّ الكلماتَ تخونهُ، بينما أرسلانُ كان يُنصتُ، وجهُه جامدٌ، لكنَّ عيناهُ تكشفانِ عن عاصفةٍ داخليةٍ، رفعَ أرسلانُ رأسه، ملامحُه مشدودةٌ بالغضبِ والخذلان، وصوته خرجَ متحشرجًا:
-ليه ماقولتش، ليه سكتوا الوقت دا كله
حاولَ إسحاقُ الردَّ، لكنَّ أرسلانَ قاطعهُ بعنفٍ، عيناهُ تلمعانِ بغضبٍ أشبهَ باللهب:
-كنت عارف إن إلياس اخويا، علشان كدا حاولت تبعدني عنه، اقترب خطوة وعيناه تنطق بكم الخذلان الذي شعر بهما
-كنت عارف إنِّ فريدة السيوفي أمي، مش كده؟!
حاولَ إسحاقُ التحدُّثَ، لكنَّ أرسلانَ لم يتركْ له مجالًا..واندفعَ نحوهُ وأمسكَ بجاكيتِه بقوة، عيناهُ تغليانِ بالغضبِ والدموعِ التي تأبى أن تسقط:
كنت عارف… كنت عارف إن أمِّي اتظلمت، وإنِّها اتحرمت منِّي ومن إلياس..عارف إنها دفعت تمن غلطات غيرها، و سكت..كنت عارف، ومع ذلك منعتني عنها؟
ارتجفتْ يداهُ وهو يضغطُ على إسحاق بعنفٍ، ثم تركهُ فجأةً، عيناهُ تلمعانِ بالدموعِ والغضبِ الذي يفيضُ كبركانٍ ثائر:
أبويا مات مقتول، أمي اتحرمت مني، وأخويا ما عرفتش عنُّه إلا بالصدفة، صمت للحظات وكأنه تذكر شيئًا
-دلوقتي فهمت كلام مدام احلام، ليه كانت بتقول ابن شوارع، ورغم كدا كنت ساكت!
تراجعَ أرسلانُ خطوةً، نظراتُه تشتعلُ بنارِ الغضب، قبلَ أن يقولَ بصوتٍ يشبهُ الوعد:
مش هسامح…هفتح كلِّ الملفات، وهطلَّع كل الحقايق، وأولَّع في كل اللي كانوا السبب.
تركَ إسحاقَ واقفًا مكانه، وانطلقَ مبتعدًا بخطواتٍ ثقيلة، وكأنَّ الغضبَ الذي بداخله يكادُ يفتكُ به.
ظلَّ يجوب بسيارته الشوارع بلا هدفٍ، كأنَّ الطرق لا نهاية لها، وكأنَّ جسدهِ يتبع تيهَ روحه، توقَّفت السيارة أخيرًا أمام مياه النيلِ الهادئة، ذلك الشاهدُ الصامتُ الذي لطالما احتضنَ أسرارَ الموجوعين. أسندَ أرسلان رأسه للخلف، وانفجرت دموعه كأنَّها بركانٌ مكبوتٌ ظلَّ مختبئًا لسنوات، شهقَ بعنفٍ، يحاولُ إخراج ما يعصفُ بصدره، وهمس بصوتٍ متهدِّج:
“إزَّاي حياتي تتقلَّب كده؟ ليه يا رب؟!”
ارتعشت أناملهِ وهي تمسحُ دموعه بلا جدوى، والألمُ كان يعتصره كقبضةٍ حديديةٍ لا ترحم. ذكرياتُ لقائه بإلياس بدأت تلوحُ أمام عينيه، كأنَّها شريطٌ سينمائي يعيد نفسه بلا نهاية، تردَّدَ صوتُ فريدة في رأسه، كلماتها في المستشفى تتكرَّر كأنَّها طعنةُ خنجرٍ بطيئة:
“أخوك…هي قالت: أخوك!”
رفع رأسه فجأةً، وشعر بأن هناك صاعقةٌ تضربه بقوة..عيناه احمرَّتا من كثرةِ البكاء، قبضَ على المقود بقوةٍ حتى ارتعشت أصابعه، ثمَّ ضربهُ بقبضته بعنفٍ، يصرخُ بصوتٍ مرتعشٍ ومبحوح:
“أخ… عندي أخ؟!”
رنَّ هاتفه مرارًا، لكنَّ صوت الرنين كان بالنسبة له كصدى بعيدٍ لا يعنيهِ فجأة، عندما تصاعدَ الرنينُ للمرةِ العاشرة، ألقى نظرةً على الشاشة..
. إلياس. التقط الهاتف بيدٍ مرتجفةٍ، وكأنَّ ثقلهِ أصبح فجأةً لا يُحتمل، أجاب بصوتٍ متحشرجٍ ومتهدِّج:
“أيوة…”
جاءه صوتُ إلياس، مشحونًا بالقلق والغضب المكبوت، كأنَّه يحاولُ السيطرة على انفعالاته:
“أرسلان! إنتَ فين؟ من ساعة ما خرجت من المستشفى وأنا مش عارف أوصلك رد عليَّ، بالله عليك!”
شهق أرسلان شهقةً عميقةً كأنَّها تسحبُ الهواء من رئتيه، ثم انفجر بصوتٍ متحشرجٍ مليئٍ بالألم:
“فاكر لمَّا أنقذتني في إيطاليا؟ فاكر لما مراتك قالت إنِّنا شبه بعض؟ وقتها ضحكت عليها، فاكرها بتهزّّر، لكن…لكن دلوقتي بس فهمت، سحب نفسًا أو عميق واستطرد بصوت ممزوج بالألم
-كنت بتمنَّى يكون ليا أخ، يا إلياس…طول عمري كنت بحلم بده، رغم إنِّ إسحاق كان كلِّ حاجة بالنسبالي، لكن فكرة يكون ليا أخ حقيقي…حاجة تانية.”
حاول أن يبتلعَ وجعه، ويصمت عن البكاء، و لكنه فشل، تابعَ بصوتٍ ينكسرُ مع كلِّ كلمة:
“تفتكر فيه إحساس أحلى من إحساس الأخوة؟ أنا كنت حاسس بده معاك، حتى من غير ما أعرف، كنت بحبَّك زي ما الأخ بيحب أخوه، وكنت دايمًا وراك…في كل خطوة، زي ظلك..عمري ما سألت نفسي ليه…بس دلوقتي عرفت.”
رانَ صمتٌ ثقيلٌ على الطرفين، كأنَّما الكلمات خذلتهم أمام وطأة المشاعر..ثم استأنف أرسلان حديثه، بنبرةٍ مشحونةٍ بالغضب والوجع المكتوم:
“إلياس… الستِّ اللي كنت بعتني أتحرَّى عنها… طلعت أمِّنا..فريدة هي أمنا، يا إلياس.”طيب ازاي، ومراتك دي مش بنتها، هي دي البنت اللي اتهموا بقتلها، يعني هي ماموتتهاش زي ماقالوا، شوف حتى دي طلعت فيها بريئة..رغم اني مكنتش اعرف انها هتكون أمي، بس مصدقتش انها تكون قاتلة روح، انا كنت عارف انها بريئة
ساد صمتٌ طويلٌ آخر. شعر أرسلان بثقل أنفاسه وهو ينتظر إجابة، حتى جاء صوتُ إلياس، أهدأ لكنَّه أكثر حدَّة، كأنَّه يقطعُ سكينَ الألم على مهل:
“وأنا كنت عارف”
شهقَ أرسلان بدهشةٍ وصدمة، صوتهِ خرج مختنقًا:
“عارف؟!”
“أيوة. مدام فريدة بريئة…وميرال مش بنتها، عرفت من فترة، مكنتش اعرف من الاول لأنها غيرت اسمها لميرال جمال الدين، مكنش قدامي دليل واضح، لحد ماعرفت اني مش ابن السيوفي، بس مكنتش اعرف انك اخويا، حتى لما طلبت منك التحري مكنش اعرف، كنت عايز اثبت برائتها لنفسي وبس، المهم اسمعني دلوقتي، علشان لازم نكون هادين
أنا إلياس السيوفي، وإنت أرسلان الجارحي. بس ياأرسلان، وهجيب حقنا وحق مدام فريدة
قاطعهُ أرسلان بصرخةٍ محتقنةٍ بالألمِ والغضب، كأنَّما تنفجرُ من أعماقِ صدره:
“ومين هي مدام فريدة دي بالنسبة لنا؟ ايه ياحضرة الظابط نسيت ابوك
حق ابوك فين؟!
ردَّ إلياس بصوتٍ مشحونٍ لكنَّه متزن، يحاول أن يحتوي غضب أرسلان:
“حقُّهم هييجي يا أرسلان…بس مش بالطريقةِ اللي راجح عايزنا ناخدها..إحنا اتربينا نكون مختلفين زي ما إسحاق قال: من حقِّ أبوك عليك يفضل اسمه عايش. فاروق ومصطفى مالهمش ذنب، ما ننجرِّش ورا الغضب ونضيع كل حاجة.”
لم يستطع السيطرة على نفسه، صرخةٌ أخرى انطلقت من جوفه، كأنَّها احتجاجٌ على القدر ذاته، ثم مسح دموعه فجأةً، وكأنَّه يحاول أن يستعيد قوته. أجاب بصوتٍ خافتٍ لكن مشحونٍ بالمرارة:
“تمام… أنا هروح المستشفى.”
**أغلقَ الهاتف قبل أن يسمع ردَّ إلياس، أدارَ محرك السيارة..
عاد إلى منزله اولًا، وجد غرام تنهي صلاتها، جلس بجوارها إلى أن انتهت، ثم تمدد يتوسد ساقيها يهمس بأرهاق
-شوفتي القدر، إلياس السيوفي يطلع اخويا
خللت أناملها بخصلاته تجيبه
-واختك تطلع مش اختك، وباباك يطلب منك وصية تحرق قلبي ..قالتها بصوت مكتوم بالدموع
اعتدل مستندًا على مرفقيه، وجذبها من عنقها يحتضن ثغرها للحظات، ثم تركها يمرر انامله على شفتيها
-ملك هتفضل اختي ياغرام، كوني مطمنة من الناحية دي، انا اضطريت اوافق علشان عملية بابا، بس انا واسحاق مستحيل نقبل بحاجة زي كدا، حتى لو بابا ..صمت يتنهد بألم ثم اعتدل وجذبها يضمها لأحضانه
-وعد مني مفيش ست تقرب مني، انت حياتي وغرامي، كوني واثقة في كلامي، لو خيروني بين الموت وبين وجعك، هختار الموت ولا اتحمل دمعة واحدة من عيونك
ابتسمت من بين آلامها، لتقترب تطبع قبلة فوق وجنتيه تهمس بحبه بخفوت
“ربنا مايحرمني منك يارب”
نهض من مكانه يسحب كفيها
-اجهزي علشان نروح المستشفى، مش عايزك تبعدي عن ماما الايام دي
-طيب مش ناوي تروح تشوف مدام فريدة، تعرف الست دي انا حبتها اوي
حاوط أكتافها وتحرك للداخل قائلا
-هوصلك حبيبي، وبعد كدا لازم اروح لها، كفاية وجع لحد كدا
مرَّت اللحظات كأنها أزْمان خَالدةٌ، كأنَّ الأرض توقَّفتْ عن الدَّورَان وَتركَتْهُ عالقًا بينَ الخَوْف والشَوْق، بينَ الأَمَلِ والرَّهبة. كانَت خُطُواتهُ إلى فيلَّا السِّيوفي ثَقيلةً كأنَّها تُجَرُّ بأَغْلَالٍ، وكلُّ نَبْضَةٍ فِي صَدْرِهِ تَصْرخ : “كيف تكون هذه أُمّك!”. لمْ يَكُن الطَّريق مُجَرَّد دَقائق؛ بل كان رحلةً عَبْرَ جُرُوحِ السِّنِين، عبْر الغياب الَّذي مَزَّق قَلبهُ وترك فِيه فجوةً لَا يَمْلؤها إِلَّا هذَا اللِّقَاء.
وصلَ إلى البوَّابة، ووقف للحظةٍ يُحَاوِلُ أَنْ يَلْتقط أَنْفَاسهُ الْمُبعْثرة إِلْيَاس سَمح لَهُ بِالدُّخُول، ولَكنَّ قَدميه كانَتا تَرْتعشان كأَنَّهما تَحْملَانه إِلَى قَدَرٍ مجهولٍ. وعندما خطى إلى الداخل، تسلَّلت إلى أُذُنَيْهِ نَغْمَة صوتها. ذَاك الصَّوْت الذي جعل قلبه يرتجف
تَوقَّف الزَّمن وهو يستمع إليها تتحدَّث مع إلياس، قلبه كاد ينفجر:
“هل هذه أمِّي؟ هل هذا الصوت الذي يروادُ أحلامي؟”.
استدارَ بِبُطْءٍ، ورآها ونظر لها نظرةً وكأنه يراها لأول مرة، هنا شعر وكأن حياته أصبحت سنوات ضائعة، ك
تعلقت الأعين بوقوفها، لكنَّهُ لم يكن يرى سوى الحنين يطلُّ من عينيها..التقت نظراتُهما بحديثٍ طويل ملغم بالألم والحنين، اقترب خطوة اخرى، ولكنها مرتعشة، لتهمس بتقطع
-“ارسلان” رغم أنها خافتة إلا أنها اخترقت اذنه، في تلك اللحظة انهارت كل الجدران. شعرَ فيها الأم التي حملتهُ يومًا بين ذراعيها، رأى فيها حضنًا اشتاقَ إليه، رأى فيها كل ما فقدهُ في عمره.
اقتربَ بخطواتٍ اخرى مرتجفة، جسدهِ كلَّهُ كان ينتفضُ كأنه طفلًا صغيرًا يتعلمُ المشي لأوَّلِ مرة..لكنه هذه المرة لم يكن يمشي نحو الحياة؛ كان يمشي نحوها، نحو روحه التي فقدها..حاولَ أن ينطق، حاول أن يُخرِج الكلماتَ من فمه، لكن الحروف خانته، خذلتهُ كما خذلهُ الزمن، الذي دمر حياته فجأة، من بعد ماكانت حياة الأمير المنعمة بالورود أصبحت حياة الفتى الطاغي بالشوك والوعود، خطى وخطى ولكنه لم يستطع سوى أن يحتضنها بعينيه، يلتهمُ ملامحها بنظراتهِ وكأنَّها صورةٌ تفرُّ من بين أصابعه..ليسرقها الزمن كما سرقه الشيطان من نبع حنانها..همس بتقطع وعيناه مازالت تحاصر وقوفها
-اتأخرت عارف ..سكون للحظات من ناحية فريدة علها تستوعب ماتلفظه، هل عقلها الباطني هيئ لها ..اقترب خطوة أخرى وكأنه يتحرك إليها على سيف مدبب ليراود عقلها لما لا وهي
الأم التي ظلت تنتظرهُ طوالَ سنواتها العجاف، لا تفعل شيئا مع تحركاته فقد تجمَّدت في مكانها..كيف لامرأةٍ أن تختصرَ كلَّ سنواتِ الغياب في لحظةٍ واحدة؟ كيف لقلبها أن يحتملَ هذا الانفجارِ العاطفي؟ ظلت تنظرُ إليه بذهول، تتفحَّصُ وجهه، تسألُ نفسها:
“هل هذا حلم؟ هل هذا حقًا علم من هو؟”…استمعت إلى همسه الذي اعتبرته بعيدًا بعد المدى وهو يتمتم:
-أنا جيت، وعايز أتأكِّد بس ضايع، هي مين؟! وأنتِ مين؟! وهو مين؟!.،
ثم بصوتٍ مختنقٍ بالشوقِ والوجع:
-أنا ضايع، ليه بيحصل معايا كدا، طيب
أمي صفية، إزاي هي، وإزاي إنتِ
حاسس إنِّي بغرق، لأ أنا بردان..قالها برجفةٍ تسرَّبت لكاملِ جسده..جيت لك يمكن الاقي الدفى عندك، هلاقي الدفى دا ولا لسة هغرق تاني
هنا توقفت عقارب الساعة، بل توقف دوران الأرض لتجذب جسدهِ المرتعشَ إلى حضنها، احتضنتهُ كأنَّها تعيدُ وصلَ ما انقطع، كأنها تحميه من لسعة برد القلوب التي شعر بها، كأنها وكأنها، تريد وتريد، ولكن الأهم تستعيدُ جزءًا من روحها المفقودة، بكاءها كان كصرخةٍ تخرجُ من أعماقِ قلب أمٍّ قُتل صبرها، وصار انتظارها عذابًا..لتمتم بصوتٍ مخنوق:
– ادفيك بروحي يانور عيوني
ظلَّ أرسلان بين ذراعيها، عاجزًا عن الكلام لكنهُ حين التقطَ أنفاسهِ أخيرًا، خرجت منه كلماتٍ كالهمس، لكنها كانت تحملُ ثقلَ الكونِ كلِّه ليردد بنبرة تحمل اوجاع كل ماشعر به:
– إنتِ أمي؟!
كانت كلمته كطعنة في قلبها، لكنها لم تؤلمها، بل أخرجت كل مشاعرها دفعة واحدة. شهقت كأنها تُلقي بحمل سنوات الغياب، وانهارت على الأرض وهي تضمه إليها أكثر:
– آااه صرخةٌ شقَّت عنانَ السماء، ليشعرَ إلياس بالفزعِ على ذاك المشهدِ المريب، حتى انزلقت عبرةً تحرقُ وجنتيه، وهو يراها لأولِ مرَّةٍ بتلك الحالة، اقتحمَ مصطفى الغرفةَ بعدما استمعَ الى صرخاتِ فريدة، ليقفَ بجسدٍ متصنِّمٍ وهو يراها تحتوي جسدَ ارسلان بين ذراعيها.
رفعَ ارسلان عينيهِ نحو إلياس، وقد أثقلَ الحزن كلماته، حتى بدت كأنها تحملُ جبالًا من الألم.
-ليه ماقولتش من زمان ستِّ الكل تبقى أمِّي!!
“الستِّ اللي حياتها اتحطمت..هيَّ أمي، أمِّي اللي بعتني أدوَّر عنها، أمِّي!!
– آاااه..صرخت بها فريدة وهي تجذبهُ لأحضانها مرة اخرى، كأنّّ صدى الصرخة يحملُ كمّّ الألم، الشوق، والفراق..كان عناقها محاولةً يائسةً لاحتواءِ كل ما تحملهُ في قلبها، وكأنها تريدُ أن تصهرهُ بحضنها الحنون، حضنًا تمنَّتهُ بسنواتٍ عجاف، تريدُ أن تجمعَ به كل مايمسُّ الأمومة التي فقدتها وهو بعيدًا عن أحضانها..
-أمي !! أطبقت على جفنيها تتذوَّقُ حلاوةَ الكلمةِ التي تردّّدَ صداها بأذنيها..
وفي تلك اللحظة، انكسرت كلَّ الحواجز بينهما، وكأنَّ العالمَ انشقَّ ليكشف عن سرٍّ دفين، توقَّفَ الزمن مرة اخرى، وتلاشت الضوضاء..وكأن لم يكن هناك شيئًا في الكون سوى أرسلان وأمه، كانت عيناها تحملانِ تاريخاً من الألم، كلَّ دمعةٍ سكبتها في ليالٍ حالكةٍ وكلَّ دعاءٍ رفعت به يديها للسماء بحثًا عنه..وكان هو بين يديها ، كأنَّما قُذفَ من أعماقِ القدر ليعيد إليها الحياة التي سُلبت منها..
احتضنتهُ كما لو أنَّها تحاولُ أن تلحمَ كلِّ الشروخ التي أحدثها الفقدُ في روحها، بكلِّ أمومةٍ لم تذق طعمها، بكل حبٍّ ظلت تحرسهُ في أعماقها ككنزٍ مفقود. وكأنَّ نبض قلبها، الذي كاد أن يخفتَ في غيابه، قد استعادَ إيقاعهِ لأوَّلِ مرَّةٍ منذ سنين.
كان اللقاء كأنَّهُ انشقاقَ الفجرِ في ظلمةٍ دامسة، أو كأنَّ روحينِ تاهتا في متاهاتِ القدر وأخيراً وجدت طريقهما، اختلطت أنفاسهما بحشرجةِ الدموع، كأنَّ الحياةَ نفسها تراقبُ هذه اللحظة، متوقِّفةً عن دورانها، فقط لتشهدَ كيف يمكنُ للأمومة أن تدفن، ياالله ماهذا الشعور، وولدها الغائبَ لسنواتٍ طوال بين أحضانها، هل شعر أحدكم بهذه الفرحة فلقد ذاقتها فريدة واعتبرتها أعظمَ انتصار على الزمن، والألم، والغياب.
بدأت تقبِّلُ وجههِ بجنونٍ أقربُ إلى الهوس، تمسحُ دموعهِ بيديها المرتعشتين، وكأنَّها تحاولُ أن تمحو آثارَ سنواتِ الفقدانِ من على ملامحه، كأنها تحاولُ أن تزرعَ مكانَ كلَّ لحظةِ ألمٍ عاشتها حبَّا لا ينتهي..ضحكاتها المكسورة اختلطت ببكائها الحارق، وكلماتها المتقطِّعةِ بأوجاعِ السنين، حتى بدت وكأنَّها تحاربُ الجنونَ الذي طاردها طوال غيابه..
– “اهتزّت وهي تهزّ رأسها، ودموعها تنهمرُ بلا توقُّف، صوتها صارَ خليطًا بين الرجاءِ والخذلان:
– “أوعى تصدَّق كلامهم…أوعى تبقى زي إلياس..واللهِ يا بني خطفوك من حضني، حرّموني منك إنتَ وأخوك، حرموني من روحي. مين يصدَّق إنِّ أم ممكن تعيش بعد دا كله؟”
رفع يديهِ ليحتوي يديها المرتجفتين، واردف بصوتهِ الهادئ ولكنَّهُ يحملُ وجعًا يعكس وجعها:
– “ششش… اهدِي يا أمي، أنا عارف كلِّ حاجة..كلِّ حاجة، محدش محتاج يقولي.
لكنَّها لم تستطع التوقُّف، جذبت رأسهِ إلى صدرها بقوَّةٍِ تكادُ تؤلمه، وكأنَّها تخشى أن تختطفهُ الحياةَ منها مرَّةً أخرى..شهقاتها العالية باتت كأنَّها طعناتٌ تخترقُ الصمتَ من حولها
قبلةً مطوَّلةً على جبينها يزيلُ دموعها:
-خلاص حبيبتي، اتجمَّعنا تاني، بلاش دموع ياستِّ الكل..قالها ثمَّ رفعَ كفَّيها وقبَّلهما..هنا اختفى جميعُ ماشعرت به
وكأنَّ حياةَ الألمِ التي عاشتها لسنوات، استعادتها الحياة بلحظة…ولكن بكاؤها لم ينقطع بل يزداد ويزداد لتضمه مرة أخرى وكأنه سيهرب من أحضانها، وتصيح ببكاء
– شوفت يامصطفى مش قولت لك هيرجع، كنت عارفة أنه هيرجع
أحضانًا فقط، ولكن ليس كحضنٍ عابر، دفنَ رأسهِ بأحنِّ مكانٍ يشعرهُ بالأمان، بعدما استمع الى رجفة صوتها الحزين
كان احتضانهما أشبهُ بلقاءِ روحين بعد رحلةٍ من الضياعِ الطويل، دموعها تغرقُ شعره، ودموعهِ تسيلُ على صدرها، وكأنَّهما يغسلانِ كلَّ الذكرياتِ المؤلمةِ معًا..
لم يكن هناك عالم، لم تكن هناك جدران أو مكان، فقط أمٍّ تعيدُ جمعَ شتاتَ عمرها بين ذراعيها، وابنٍ يحتضنُ الأمان الذي كان يظنُّهُ حلمًا مستحيلًا..
اقترب إلياس وانحنى يرفعها من فوق الأرض
-كفاية عياط، علشان متتعبيش، رفعت عيناها إليه ثم أشارت إلى ارسلان
-شوفت اهو جه لوحده، رغم محاولتي بس اخوك جه، رفعت عيناها إلى مصطفى
-ولادي رجعوا لحضني يامصطفى، شوفت رحمة ربنا، مش قولت لك ولادي عايشين وهيرجعوا، واحد ربيته وانا معرفوش، والتاني القدر رماه في طريق اخوه، هو فيه فرحة ورحمة اكتر من كدا
-ماما قومي كفاية كدا…قالها إلياس بصوت مختنق، وابتسمت عيناها بدموع الفرح تشير إلى إلياس وهي تنظر إلى ارسلان
-اول مرة يقولي ياماما، اكيد عارفه، بس مش مهم، المهم يكون جنبي وبس
تأفف إلياس وتراجع إلى مكتبه
-طيب قومي يامدام فريدة، خدي ابنك الحيلة عندي شغل
افلتت ضحكة وهي تملس على رأس ارسلان
-لو معملش كدا ميكنش إلياس، مش هزعل منه مهما يعمل المهم انكوا قدام عيوني وفي حضني
استند بوجنتيه على كفيه وتحدث بتهكم:
-في حضنك، طيب خدي ابنك في حضنك وبرة مكتبي، دا في اسرار دولة، وابنك مش ضامنه، يمكن يخوني
رمقه ارسلان بنظرة ساخرة
-معرفش تقل دمك دا جايبه منين، طيب انا دمي خفيف، ثم استدار إلى فريدة ولمعت عيناه بالحبور قائلًا
-وست الكل عسل وزي القمر، إنما انت دمك يلطش وزفت على دماغك
قاطعهم دخول اسلام الذي توقف على باب الغرفة قائلًا
-وأنا كمان دمي خفيف واتحب
رفعت فريدة ذراعيها إليه، ليقترب منها ملقيًا نفسه كالطفل بأحضانها، مما جعل إلياس يضرب بكفيه على المكتب
-ناقص اجيب الببرونة
بفيلا العامري:
كانت تغطُّ في نومٍ عميق، عندما فتحت إيمان الباب بهدوء ودلفت إلى الغرفةِ تحملُ صينية الطعام، وضعتها بعنايةٍ على الطاولةِ الصغيرة، ثمَّ اقتربت من السرير الذي صار ملاذًا دائمًا لرحيل في أيامها الأخيرة..
ملَّست على خصلاتِ شعرها برفق، وهمست بحنان:
– رحيل حبيبتي، قومي علشان تاكلي حاجة.
رفَّرفت أهدابها المثقلة بالألم، وقالت بصوتٍ خافت:
– مش عايزة آكل.
ثمَّ جذبت الغطاءَ فوقها مجدَّدًا، تمتمت بصوتٍ يغمرهُ الحزن العميق:
– إزاي هيجيلي نفس آكل؟..
قطعَ صمتهما صوتُ الباب الذي فُتحَ لتدخلَ إيلين، توزِّعُ نظراتها بين الاثنتينِ وهي تسأل:
– لسَّه مش عايزة تاكل؟
أومأت إيمان برأسها بحزن، ثمَّ أردفت:
– أسيبك معاها، يمكن تقدري تقنعيها.
اقتربت ايمان من رحيل وطبعت قبلةً دافئةً على جبينها وهمست بصوتٍ يملؤهُ الشفقة:
– والدتك سألت عنِّك علشان خاطرها، لازم تقوي.
ثمَّ غادرت الغرفة بخطواتٍ صامتة..
جلست إيلين على حافةِ السرير، وأمسكت طبقَ الطعامِ وهي تقول بلطف:
– قومي يا حبيبتي لازم تاكلي، والدتك محتاجاكي كفاية اللي حصل لوالدك.
انسابت دموعُها بصمتٍ ثقيل. لحظات مرّت وهي تئنُ بمرارةِ الفقد، قبل أن تهمسَ بصوتٍ متهدِّج:
– الفراق صعب، بيوجع أوي يا إيلين، مش قادرة أصدَّق إنِّي مش هشوف بابا تاني.
ربتت إيلين على كتفها بحنو، وقالت بصوتٍ مكسورٍ يحمل أصداءَ ألمها الخاص:
– عارفة، ومجرباه بس متخافيش، هتتعايشي معاه وهيبقى جزء من حياتك..عندك اللي يواسيك…والدتك وجوزك أمَّا أنا ما عنديش غير الوجع. بقينا أصحاب، وتأقلمنا عليه.
تنهَّدت ثمَّ أردفت بحزمٍ يتخلَّله الإصرار:
– فوقي، يا رحيل. حياتك مش هتقف هنا، الناس مش هيشفقوا عليك، بالعكس، هيستنُّوا وقوعك قومي علشان تصلبي نفسك.
لكن رحيل دفعت الطبقَ بعيدًا بيدينِ مرتعشتين، ونهضت من السريرِ بجسدٍ منهك، خطت خطواتٍ ثقيلةٍ نحو الباب، تستندُ إلى الأثاثِ لتجنُّبِ السقوط.
فتحت بابَ غرفةِ والدتها ودخلت، عيناها المشحونتينِ بالدموع باحثةً عن صورةِ والدها على الحائط توقَّفت أمامها، شهقت شهقةً مكتومةً قبل أن تغمرها موجةً من البكاءِ المكبوت.
وضعت كفَّيها على فمها تحاولُ كتم صوتِ بكائها، لكنَّها تقدمت نحو والدتها التي فتحت ذراعيها بحنوٍ صامت..ألقت رحيل بنفسها في حضنِ والدتها، وانهمرت دموعها بعجزٍ مطلق، غير قادرةٍ على مقاومةِ حزنها العميق.
في الأسفل:
جلست إيمان في حديقةِ الفيلا تنتظرُ عودةَ أخيها حتى تتمكنَ من المغادرة، فجأة..اخترقَ صوتًا ساخرًا الهدوء خلفها:
– شايفة رجلك أخدت على المكان؟ أوعي تفكري إنِّك صاحبة البيت يا بنت..
استدارت إيمان بصدمة، ثم أجابت بهدوءٍ متماسك:
– مش فاهمة الكلام ده ليَّ ولَّا لحضرتك؟.. أنا هنا في بيت مرات أخويا.
اقتربت رانيا منها، وعيناها تقدحانِ نار الغضب والاحتقار:
– اسمعي يا بنتِ الحواري، جوز مين؟ فوقي كده..أخوكي ضحك عليها عايز يتجوِّز من أسياده؟ دي هتتجوِّز طارق غصب عنُّكم بلاش ترسمي أحلام على حسابنا..
سقطت كلماتُ رانيا على إيمان كسهامٍ حارقة، لكنَّها تماسكت رغم الإهانةِ التي شعرت بها. كيف يمكن لبعضِ الناس أن يتَّسموا بهذه القسوة؟
رفعت رأسها بثبات، وأجابت بنبرةٍ قاطعة:
– أحلامنا ملكنا، ومحدش له دخل فيها.
استمعتْ إلى صوتِ دراجةِ أخيها، فاتجهتْ نحوهِ سريعًا، تخفي دموعها تحتَ أهدابِها التي أثقلها الحزن..كلماتُ القهرِ التي تلقتَّها من تلكَ الحرباءِ ما زالتْ تحرقُ قلبها ترجَّلَ من دراجتِهِ واقتربَ منها، نظراتاستمعتْ إلى صوتِ دراجةِ أخيها، فاتجهتْ نحوهِ سريعًا، تخفي دموعها تحتَ أهدابِها التي أثقلها الحزن..كلماتُ القهرِ التي تلقتَّها من تلكَ الحرباءِ ما زالتْ تحرقُ قلبها ترجَّلَ من دراجتِهِ واقتربَ منها، نظراتهِ تحملُ قلقًا عميقًا:
حبيبتي، مالِك؟ رحيل كويسة؟
هزّتْ رأسها عاجزةً عن الحديث، وكأنَّ غصّةً خانقةً احتجزتْ كلماتِها، اقتربَ منها واحتوى ذراعيها بحنان، ثم التفتَ إلى أخيهِ الأصغرِ قائلًا:
– معاذ، انزل هنشوفُ رحيل وهنرجعُ على طول..
تحرَّكَ للداخل، لكنَّ إيمانَ وقفت في طريقه، تحاولُ قمعَ حزنِها وكلماتِ رانيا القاسيةِ التي ما زالتْ تتردَّدُ في ذهنِها، همستْ بصوتٍ ضعيف، محاولةً منعَ دموعِها من الانهمار:
– حبيبي، هيَّ نايمة…تعالَ بكرة شوفها.
هزَّ رأسهِ بالرفض، ماضيًا بخطواتِه الواثقةِ نحوَ الداخل، هرولت إيمان لتوقفه، وذراعاها تطوِّقانهُ بحذر، لكن نظراته التقت بعيونِ رانيا التي وقفت أمامَ البابِ الرئيسي، تنتظر كأنَّها تتهيَّأُ لمعركة..
تقدَّمت رانيا بخطواتِها المتأنِّيةِ، وكلماتها مشبعةٌ بالسخرية:
-رايح فين يا حضرةِ الميكانيكي؟
توقَّفَ يزن، ومسحَ ذقنهِ وابتسمَ بسخريةٍ مريرة، ثم قالَ بصوتٍ هادئٍ يحملُ تهديدًا مبطَّنًا:
“بصي، اسمِك إيه ما اعرفش، أنا مش شايفِك أصلاً..امشي من قدامي علشان مش حابب أعملَ حاجة أندم عليها.
دفعها بلطفٍ جانبي لتتراجع، وكادت أن تختلَّ خطواتُها وتسقط، رسمَ ابتسامةً ساخرةً على شفتيهِ وهو يتمتم:
ما وقعتِكيش علشان أبويا علِّمني أحترم الكبار لكن لو ممشيتيش، هعلِّمِك إزاي السيراميك يلمع..
ارتفعَ صوتُ رانيا بغضبٍ:
إنتَ بتقول إيه يا متخلِّف؟!
استدارَ نحوها بخطوةٍ واثقةٍ، مما جعلها تتراجعُ بخوفٍ، ترفعُ يديها في محاولةٍ لتداركِ الموقف:
هخلِّي الأمن يرميك برا..
رفعَ إصبعَهِ مشيرًا إلى الصمت:
– صوتك..سكوتي مش ضعف بس احترام لسنِّك، مش لشخصِك..
وصلَ صوتُ العراكِ إلى أذنِ رحيل، التي غادرت غرفتها رغمَ ضعفِها..وقفت عندَ أعلى الدرج، ورأتْ إيلين تسألُ بقلق:
– إيه الصوت ده؟
تحرَّكت رحيل للأسفل، وإيلين تتبعُها…توقَّفت رحيل أمامَ الجميعِ، صوتها واهنًا لكنَّهُ يحملُ هيبةً واضحةً:
-إيه اللي بيحصل هنا؟..
التفتَ يزن نحوها فورًا، وعيناهُ تلمعانِ بشوقٍ جارف..دنا منها وكأنَّهُ يحاولُ أن يرسمَ وجهَها في ذاكرتهِ بلهفةٍ لم يستطع كبتها..كم اشتاقَ إلى صوتها الحنونِ، دنا منها بخطوات أخرى حتى توقف أمامها يرسمُ تفاصيلها بعينيه، وبلهيبِ الاشتياقِ الذي يضطرمُ في صدره، وجذبها إلى أحضانهِ بلهفة:
-عاملة إيه؟ وحشتيني، اخيرًا؟!
خرجت من بين ذراعيهِ ببطء، تطالعهُ بعينيها الحزينتينِ قبل أن تردَّ بصوتٍ هادئ:
-أنا كويسة… إنتَ كنت فين؟
أمسكَ كفَّيها برفق، وحاوطَ جسدها بيدهِ الأخرى، ثمَّ تحرَّكَ بها نحو الأريكة، متجاهلًا تمامًا صوتُ رانيا التي حاولت التدخُّلَ بنبرةٍ حانية..
جلسَ قبالتها على ركبتيه، يحتضنُ وجهها بين يديهِ وكأنَّهُ يخشى أن تفلتَ منه مرَّةً أخرى:
الحمدُ لله إنِّك قومتي وفوقتي، حبيبتي… محتاجة حاجة؟ أكلتي؟ أخلِّي إيمان تعملك حاجة؟..
هزَّت رأسها بنفي، وعيناها تلمعانِ بابتسامةٍ خفيفةٍ عندما رأت لهفتهِ الصادقة عليها:
– أنا كويسة، واللهِ مش جعانة لو جعان، أخلِّيهم يجهِّزوا لك أكل..
ابتسمَ ابتسامةً دافئة، يهزُّ رأسهِ نافيًا بلطف:
لو هتاكلي معايا، موافق بس على فكرة، أنا جعان جدًا..من إمبارح ما أكلتش..
قاطعتهم رانيا وهي تقتربُ منهما، قائلةً بحدِّة:
-روح كُل في بيتكم…ثم اقترب ورسمت القلق وهي تجلسُ بجانبِ راحيل:
خفت عليكِ جدًا والله، حتى سبت عمِّك في المستشفى، ورحت الشركة، حضرت الاجتماع، وجيت أطمِّن عليك..
مطَّ يزن شفتيهِ بسخرية، وقال بنبرةٍ تحملُ شيئًا من التحدِّي:
“معلش، هنضيف لك أجرك آخرِ الشهر.”
هبَّت رانيا من مكانها، صائحةً بغضب:
“عجبك الكلام ده يا راحيل؟٠٠شوفتي جوزك الوقح بيقول إيه؟
نهضَ من مكانهِ وأشارَ بيدهِ إلى بابِ المنزلِ قائلاً ببرود:
“اتفضلي، ابعدي عن الوقح، وارجعي بيتك..
أنا لو كنت وقح، كنت ردِّيت عليكي..
توقَّفت رحيل بعدما اشتدَّ العراكَ بينهما، وكان كل ما حولها يتلاشى في ضبابِ الألم:
-خَلاص يا خالتو، أنا آسفَة.
التفتَ يزن إليها بنظرةٍ غاضبة، وتمتمَ بعتابٍ حزين:
– تعتذري ليه؟! أنا مَغلطش، أنا معرفشِ قالت إيه لإيمان، مُتأكِّد إنَّها قالت كلام يزعَّلها، بس إحنا ولاد أصول مالناش في الحربقة..
مسحَ على وجههِ ببطء، وكان يبدو وكأنَّهُ يحاولُ قهر غضبه، لكن كلَّ كلمةٍ تنطق بها شفتيهِ تحملُ ألمهِ العميق، ليقول بهدوءٍ مختنق:
-على العموم، أنا جاي أطمّن عليكِ، لو احتجتيني كلميني.
التمعت عينيها بالدموع، وهمست برقَّةٍ وحنين:
-أنت هتروح؟

شعرَ بما تشعرُ به، فاقتربَ منها بحنان، يحيطها بذراعيهِ الدافئتينِ وكأنَّهما حصنها الوحيد من كلِّ الأذى الذي يحيطُ بها، همسَ لها بلطافةٍ عميقة:
– إيمان امتحانها بعد يومين، تخلَّص امتحاناتها وأفوق لك إن شاء الله، المهمِّ إنتي لازم تفوقي بسرعة علشان تشوفي حياتك اللي وقفت، طول عمري شايفك قوية، عايز رحيل القوية عارف الفراق صعب، بس برضو الحياة ما بتوقفشِ، فهماني حبيبتي؟
رفرفت أهدابها بخجل، وكلماتُ يزن تُشعلُ في قلبها نيراناً من المشاعر المختلطةِ بين الحبِّ والضعف، هل هذا هو فعلاً؟ أم مجرَّد وسيلة لإبقائها قوية؟
قبلةً حانيةً على جبينها وهمسَ بخفوتٍ وعاطفةٍ عميقة:
مرات يزن السوهاجي لازم تكون قوية، علشان لسه عندنا لعبة حلوة هتعجبك.
دفنت رأسها بصدره، وكأنَّ كلَّ جزءٍ منها يحتاجُ إليه أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، همست بنبرةٍ مليئةٍ بالحاجة:
أنا محتاجاك أوي..
حاوطَ جسدها بكلِّ قوَّته، وكأنَّه يريدُ أن يحميها من كلِّ شيء حتى أنفسهم، وهمسَ بما في قلبه:
وأنا مش هبعد، إنتِ جوا القلب..قالها بعيونٍ تحملُ كلَّ المشاعر ِالمدفونةِ داخله.
حمحمت إيلين :
-راحيل، أنا هرجع بيتنا بقى بدل بقيتي كويسة.
تراجعت رحيل من تحت حنانِ ذراعيه، تهربُ من نظرات ِالجميع، بينما تحرَّكت رانيا للأعلى وهي تلعنُهم … صمتَت للحظةِ وكأنَّها ستفقدُ السيطرةَ على كلِّ شيء.
تمتمت بإجابةِ لإيلين بصوتٍ خافتٍ لكنَّهُ يحملُ ثقلاً من المشاعر:
براحتك حبيبتي، كنت هكون مبسوطة لو فضلتي معايا كمان كام يوم، بس طبعاًا آدم هيرفض.
بسيارةِ آدم:
-أيوة يابابا، أنا رايح عند خالو، هعدِّي أجيب إيلين..
-متتأخروش ياآدم.
-تمام ..قالها آدم وأغلقَ الهاتف، متَّجهًا إلى فيلا العامري..وصلَ بعد قليل، ولجَ لداخلِ الفيلا، قابلتهُ رانيا التي تحملُ حقيبتها.
-عمِّتو، حضرتك رايحة فين؟.. أنا لسة كنت عند عمُّو راجح..
توقَّفت أمامهِ تشيرُ للداخلِ وتهتفُ بتذمُّر:
-ادخل شوف بنتِ خالتك، جايبة لنا ناس دون المستوى غلطوا فيَّا، أنا انطردتِ من واحد ميكانيكي..
أشارَ بيديهِ لتهدئتها:
-تمام اهدي ياخالتو، واعذري راحيل..
دفعتهُ وتحرَّكت للخارج..
-دافع عنها، أنا هعرَّفه مقامه الميكانيكي…ظلَّت نظراتهِ على تحرِّكها إلى أن استقلَّت سيارتها وغادرت المكان، دلفَ للداخلِ قابلتهُ إيلين:
-كويس إنَّك وصلت، كنت لسة هكلِّمك، علشان توصَّلني لبيت رؤى..
لم يرد عليها وتحرَّكَ لجلوسِ راحيل:
-عاملة إيه ياراحيل؟..
أومأت قائلة:
-الحمدُ للهِ أنا كويسة، طافَ بعينيهِ متسائلًا:
-هيَّ خالتو رانيا زعلانة ليه، هوَّ يزن كان هنا ولَّا إيه؟..
توقَّفت رحيل متَّجهةً إلى الدرجِ قائلة:
-آدم يزن جوزي، استدارت برأسها واستأنفت حديثها:
-مش هسمح لحدِّ يهينه، وبلاش حركات خالتو دي، وعرَّف خالو بكرة هيكون فيه اجتماع في الشركة لازم كلِّ واحد يعرف مكانته خلاص..
تنهَّدَ بتثاقلٍ يمسحُ على وجههِ بعنف، ثمَّ رفعَ عينيهِ إلى إيلين:
-ياله علشان عندي شغل.
-هنروح فين؟..
-بيتنا..قالها وارتدى نظارتهِ ثم تحرَّكَ إلى السيارة، وصلَ بعد قليل، كان زين بانتظاره، توقَّفَ بعد دخولهم:
تعالي ياإيلين نتكلِّم..اقتربت متسائلةً بلهفةٍ وعينيها تجولُ بالمكان:
-فين مريم، فيه حاجة حصلت؟..
-كلُّهم كويسين، أنا كنت عايز أسألك عن الكلام اللي قولتيه في بيت خالتك، شوفتي فريدة فين، وإيه اللي خلاكي تقولي إنَّها هي؟..
-طنط فريدة بتكون أم الظابط المسؤول عن رؤى صاحبتي، قالتلي أنُّه كان مخطوف من والدته واتربى مع أبوه على أساس ابنه لحدِّ ما اكتشف من قريب أنُّه مش أبوه.
-يعني إيه أنا مش فاهم حاجة؟..
جلست تقصُّ إلى زين كلَّ ما عرفته.
بغرفةِ ميرال جلست معتدلةً بعد خروجِ فريدة، تحيطُ رأسها بين راحتيها، ودموعها تنهمرُ بغزارةٍ كأنَّها تسبحُ في بحرٍ لا نهايةَ له من الألم..شعرت وكأنَّ الحياةَ تُحكِمُ قبضتها عليها، تقذفها في دوامةٍ لا تستطيعُ الهروبَ منها.
رفعت رأسها مستندةً على الفراش.. أغمضت عينيها والألم يئنُّ بداخلها، هل يمكن أن يزيحَ عنِّي هذا الثقل؟..لكن صدى كلماتِ إلياس اخترقَ سكونها، حديثهِ الذي كالنارِ التي لم تهدأ، تحرقُ قلبها وتزيدُ أوجاعها.
فتحت عينيها المثقلتينِ بالوجع..
تطلَّعت حولها كأنَّها تبحثُ عن شيئٍ يمسكُ بيدها وينتشلها من لجَّةِ الألم..وقعت عيناها على صورتهِ المعلَّقةٍ على الكومودينو، ببطء بسطت كفَّيها المرتجفينِ وسحبت الصورة..تأمَّلت ملامحهِ بألم، ثمَّ مرَّرت أناملها المرتعشةِ على وجهه، وكأنَّها تبحثُ عن إجابةٍ..ما الذي يملكهُ ليجعلني أعشقهُ كلَّ هذا العشق؟!
انسابت دموعها من جديد، تحترقُ وجنتيها، و مشاهدُ لحظاتهم السعيدةِ تمرُّ أمامها كأشباحٍ ترفضُ الرحيل..أحبَّت رجلاً وشمت اسمهِ على قلبها،
طافت عيناها بالمكانِ مرَّةً أخرى وكأنَّها تبحثُ عنه، ولكنَّها لم تشعر سوى بحياتها الباردةِ وكأنها محاصرةً بجبالٍ من الثلج، شهقاتها تعالت وهي تضمُّ صورته، وكأنَّها ملاذها وحصنها الآمن..
استمعت غادة لصوتِ شهقاتها هرعت إلى الغرفة بخوف، وما إن دخلت حتى شهقت لهولِ حالتها جلست بجوارها تحتضنها بحنان:
– ميرال مالك يا قلبي؟ اهدي، أنا هنا..
رفعت ميرال رأسها، والدموعُ لم تهدأ:
-ليه يا غادة؟ ليه بيحصل معايا كده؟ أنا عملت إيه؟!..ليه أتعاقب على ذنب ماليش يد فيه؟..كلِّ اللي طلبته حياة مليانة حب وأمان.
حبِّيت شخص وطلبت منه يحسِّسني إنِّي غالية عليه…مطلبتشِ كتير.
مسحت غادة دموعها، وصوتها يقطرُ حزنًا:
– اهدي يا ميرو، إلياس تحت من بدري، واللهِ تحت، هوَّ بيحبِّك وبيخاف عليكي..
شعرت ميرال بصدمةٍ عنيفةٍ تهزُّ كيانها،
تطلَّعت إلى غادة بعينينٍ تائهتين، وقلبًا ينزف:
تحت؟ يعني مهنشِ عليه يطلع يطَّمن عليَّا؟..طبعًا مش هيطلع…ابنه كويس، وأنا؟ أنا مجرد بنتِ الراجل اللي دمَّره، بنتِ راجح هيحبني؟ لا..يشفق عليَّا وبس، أو يمكن حتى دي كمان تلاقي مامته طلبتها منُّه..
قاطعتها غادة بحزم:
– ميرال ما تقوليش كده إلياس بيحبِّك..
ضحكت ميرال بسخرية، وكأنَّ الألمَ يتحدَّثُ بدلًا عنها:
بيحبِّني؟..صح، لازم يقرَّب منِّي علشان ابنه..يضحك عليَّا بكلمتين وأنا الغبية بجري وراه.
نظرت إلى غادة بعينينٍ يملؤها الانكسار:
أخوكي طول عمره بيدوس عليا، أنا فين من حياته يا غادة؟ أنا فين..
هوَّ قالها زمان، اتجوِّزني علشان ينتقم من فريدة لما فكَّرها عدوِّته، وقالها واحدة بتجري ورايا، ليه ماتمتَّعش.
احتضنتها غادة، تربتُ على كتفيها بحنانٍ وتمتمت بحزنٍ على حالتها:
-اهدي يا ميرو، الزعل وحش عليك،
متنسيش إنِّك حامل..!!
حامل كلمة اخترقت أذنها ليبكي قلبها ألمًا، حتى شعرت بثقل أنفاسها
-حامل..هزت غادة رأسها علها تهدأ من روعها ولكنها صرخت بغضب:
-بس، كلِّ اللي يهمُّكم إنِّي حامل؟..أنا إنسانة حياتي ضاعت جوزي بيخاف على صورته قدَّام الناس وأنا؟ أنا فين؟ هفضل طول عمري بنتِ عدوُّهم..
متأكدة أنُّه عايز يرميني برَّة حياته، أيوة هوَّ عايز يرميني لولا ابنه اللي في بطني..قالتها وهي تعاني ألمًا يعتصرُ صدرها، لتئنَّ وجعًا، حتى شعرت بنيرانٍ تتسرَّبُ لضلوعها..
-ميرو حبيبتي متخليش الشيطان يكرَّهك جوزك..
-جوزي هوَّ فين جوزي ياغادة، اللي مش هاين عليه يطمِّن عليَّا.. توقفت غادة تمد يديها قائلة:
-إيه رأيك تعالي ننزلهم تحت، يمكن لمَّا يشوفك…قاطعتها وهي تدفعها بعيدًا:
-ابعدي عنِّي..
ركضت غادة إلى الطابقِ السفلي، واندفعت إلى غرفةِ مكتبِ إلياس الذي كان واقفًا بالشرفة، بينما فريدة تجلسُ تحتضنُ أرسلان صاحت غادة بغضب:
مراتك منهارة فوق، ازاي تسبها تعبانة وانت ولا على بالك حاجة، المفروض تساندها مش تعاقبها بالطريقة البشعة دي، كل اللي على لسانها انا بنت عدوهم
التفتَ إلياس يطالعها بحدَّة، من كلماتها، ولكنها سحبت نظرها إلى فريدة:
حمدالله على سلامة ابنك التاني يا ماما فريدة، لكن ميرال مالهاش ذنب..هيَّ مفكَّرة إنُّكم كارهينها.
تحرَّكَ إلياس بخطواتٍ سريعةٍ كمن يحملُ العالمَ فوق كتفيه، وصعدَ إلى غرفتها، دفعَ البابَ بقوة، وجدها تجلسُ
بالشرفةِ تحتضنُ ركبتيها، تنظرُ إلى الأفقِ بشرود، ودموعها تنهمر بصمت…شعرت بوجوده، ولكنَّها لم تلتفت إليه، اقتربَ منها وتمتمُ بصوتٍ مبحوحٍ بالغضب:
-حمدَ الله على السلامة يامدام، ماإنتِ كويسة أهو، أومال ليه عاملة دوشة؟.
قابلت كلامهِ بالصمتِ البارد ومازالت تنظرُ بشرود:
انحنى وحاوطَ مقعدها واقتربَ يهمسُ بجوارِ أذنها:
-راجح اتصل بيكي يهدِّدك، قوم إيه، المدام سابت جوزها نايم واستقلِّت بيه وراحت تعمل رئيسة عصابة وواخدة مسدس جوزها الميري، اللي اعتبرته مش راجل ومش قادر يحميها، وراحت تعمل بطلة..
مش دا اللي حصل يامدام، أنا قبلها بساعات طلبت منِّك إيه يابت، مش قولت لك متتحركيش خطوة من غير علمي، أتفاجئ بالحيوان دا بيهدِّدك، هوَّ أنا مش راجل علشان حضرتك تخافي منُّه وتجري زي المجنونة تودِّي نفسك وتودِّيني في داهية..للأسف النهاردة أثبتيلي فعلًا إنِّك بنت..صمتَ عن الحديث، وعينيهِ تضجُّ بكمِّ الاتهامات..
تلوَّت شفاهها بالألمِ فرفعت عينيها الممتلئتينِ بالدموع، وهمست بصوتٍ منكسر:
قولها بوضوح أنا بنتِ راجح علشان تبقى مرتاح، ماداريش، ماهيَّ دي الحقيقة..
حدَّقَ بها مذهولًا، يرسمُ وجهها الذي يُعتبرُ لوحةً من الألمِ والحزن..
-سكِّت ليه ياحضرةِ الظابط، ولَّا مكسوف مني؟..ومش عايز تقولها صريحة، توقَّفت أمامه، ورفعت رأسها بكبرياءٍ رغم الكسرةِ التي تضخَّمت داخلها وتمتمت بقوةٍ عكسَ ماتشعرُ به:
-إنتَ في الأوَّل كنت بتحاول تخفي كرهك ليا، جوازنا جه بالضغطِ علينا، حاولت تقنع نفسك بحبِّي وأنا اقتنعت، كنت بتزقِّ نفسك، وزي ماقولتها بنتِ بترمي نفسها عليَّا وبتحبِّني، يمكن زي ما قولت قبلِ كدا ماحاولتش تاخدني بذنبِ مدام فريدة لمَّا كانت عدوِّتك، بس دلوقتي للأسف هكون فعلًا عدوِّتك، كلِّ ماتشوفني قدَّامك هتفتكر اللي حصل، كلِّ ما تكتب اسمك هتكلِّم نفسك مين السبب في كدا، آسفة ياإلياس بس أنا مقدرشِ أعيش معاك وعيونك كلَّها اتهامات..أنا فكَّرت كويس، ابنك هيكون تحتِ أمرك، ولو عايز تاخده بعد ماأولده أنا موافقة، هتنازل عنُّه، علشان بس مكنشِ قدامك بنتِ الراجل اللي دمَّر حياتكم، هنسحب من حياة الكلّ..
التفتت إلى غادة وفريدة اللتان دلفتا للتو ومخالبُ الألمِ تحرقُ روحها، تشيرُ إليهما:
-حتى أنتوا انسوني، أنا مش عايزة أكون عبء على حد..
قالتها واستدارت متَّجهةً إلى غرفةِ ملابسها، فأوقفتها فريدة بفزع:
-إنتِ بتقولي إيه ياحبيبتي، مش حقيقي اللي بتقوليه دا..
-إيه هوَّ اللي مش حقيقي ياماما، إنِّي بنتِ راجح، ولا إنُّكم بتحاولوا تنسوا إنِّي بنته، في كلتا الحالتين أنا بنتِ راجح، أنا اللي ادمَّرت، وأنا اللي موجوع ..
أغمضَ عينيهِ يحاولُ إسكاتَ ذلك الجنون الذي تخلقهُ الشياطينُ داخله، ليستديرَ إليها بحدَّة:
-إنتِ بتعملي كدا علشان معاقبيش على اللي عملتيه، لا فوقي يابنتِ راجح..
استدارت إليهِ سريعًا، وابتسامةٌ حزينةٌ مؤلمةٌ حتى شعرت وكأنَّها خناجر قائلة:
-بالظبط ياحضرةِ الظابط، دي الحقيقة الوحيدة اللي بتحاول تبعد عنها..خليك دايمًا فاكرها ياالياس، انا بنت راجح اللي دمر حياتكم
ربتت فريدة على ظهرها:
-حبيبتي هو ميقصدش.
نظرت إليهِ ميرال بعيونٍ مكسورةٍ وأعلنت:
-لا يقصد ياماما، مش عارفة حتى كلمة ماما اللي بقولها بحسَّها مش من حقِّي..
قالتها بدموعٍ تنسابُ بقوَّة، لتستديرَ سريعًا للداخل، هروبًا من قدرٍ حكمَ عليها بالألمِ والضياع.
-استني عندك يامحترمة ولمَّا أكلِّمك توقفي..اقتربَ منها حتى توقَّفَ أمامها:
-لو خرجتي من البيت دا اعتبري آخر حياتنا..شهقت فريدة بخفوتٍ مقتربةً منهما:
-إلياس إيه اللي بتقوله دا؟..
-لو سمحتي ياغادة خدي ماما واطلعوا برَّة..تخبَّطت فريدة بقلقٍ تهزُّ رأسها بالرفض:
-حبيبي اهدى، شيطان ودخل بينكم.
-مدام فريدة هو إنتِ مكنتيش فرحانة من شوية برجوع ابنك، ماتنزلي تشوفيه.
-إلياس حبيبي..استدارَ يواليها ظهرهِ وتمتمَ بحدة:
-عايز أتكلِّم مع مراتي على انفراد، ولَّا لازم أقول حاجة تانية..
أمسكت غادة كفَّ فريدة وأردفت:
-تعالي ياماما سبيهم لوحدهم يمكن يتصالحوا..كانت تنظرُ إلى ابنها بصمت، علَّهُ يرأفُ بحالةِ ميرال ولكنَّهُ ابتعدَ بخطواتهِ وهو يجذبُ سجائرهِ متَّجهًا إلى الشرفة، وكأنّّهُ لم يقل شيئًا:
خرجت فريدة وبقيت ميرال التي مازالت متوقِّفةً تتطلَّعُ بنقطةٍ وهمية، استدارَ بعد إغلاقِ الباب، ثمَّ وصلَ إلى وقوفها:
-عايزة تبعدي صح، لا لا مش تبعدي بس، لا عايزة تتنازلي عن الولد..قالها وعينيهِ كفوهةٍ بركانيةٍ تريدُ إحراقها..
سُرقت الحروف من بين شفتيها عندما اقتربَ منها وأطبقَ على ذراعيها بقوةٍ آلمتها:
-وصلت بيكي البجاحة تتنازلي عن ابنك، لا وكمان بتقولي يمكن يموت، وصلت بيكي البجاحة إنِّك تقولي محدش له دعوة بيا..
كادت تصرخُ من الألم، ولكن ليس ألمُ أصابعهِ التي تتخلَّلُ جسدها، ولكن ألمَ روحها الذي جعلَ قلبها متحجرًا بأنينٍ مكتوم، رفعت عينيها الممتلئتينِ بوجعِ العالم كلِّهِ وهمست بتقطُّع:
-مش عايزاه، خده، في سبيل حريِّتي منَّك، عايز أكتر من كدا إيه؟..
تراجعَ بجسدهِ للخلف، بعدما ألقت قسوةَ كلماتها مرَّةً أخرى ليتيقنَ أنَّها لم تبقَ عليه، رفع عينيهِ الممتلئتينِ بالغضبِ منها ومن نفسه:
-مش عايز أشوف وشِّك في البيت دا، قدَّامك نصِّ ساعة بالظبط، هستنى من بنت واحد حقير ايه، قالها وغادرَ الغرفةَ بخطواتٍ مليئةٍ بالغضب، وكأنَّهُ
يتحرَّكُ فوق تلالٍ من البراكينِ التي أوشكَ على الانفجار..بينما هي دلفت للداخل لتقوم بتبديل ثيابها، وامسكت قلم ودونت بداخل ورقة بتنازلها عن جميع مالها من ممتلكات تدون باسمها، رفعت عيناها تتجول بالغرفة، تجمع كم ذكرياتها، ثم حملت أوراقها فقط وغادرت المنزل وهي تحمل الآم ثقيلة كثقل الجبال ..قابلتها فريدة على الدرج
-ميرال متعمليش كدا حبيبتي
قبلة حنونة بمعاني كثيرة على وجنة فريدة
-دا الصح ياماما فريدة صدقيني، حضرتك تستاهلي تعيشي مع ولادك، وانا كمان استاهل ابعد عن الاتهامات
-مين ياحبيبتي اتهمك
-دمي ياماما، دم راجح بيجري في عروقي، مش عايزة حاجة توجع لو سمحتي، كدا احسن، ومتخافيش على إلياس هينسى مع الوقت، وجوزيه رؤى، هي جميلة وتستاهله، وهو كمان يستاهل يعيش حياة كويسة، مش من حقه يعيش مع بنت اكبر عدو له
قالتها وتحركت تحبس دموعها تحت اهدابها، وكأن القدر استكتر حياتها مع حبيب قلبها، جلست فريدة على الدرج تتابع تحركها بقلب ينتفض ألمًا، وصلت إلى الحديقة تنظر إلى سيارتها ولكنها تحركت إلى الخارج دونها، تابعت الأمن بعيناها، رغم إصرارها ولكنها تمنت أن يمنوعها من الخروج كعادته، ولكن خيب ظنها لتخرج خارج الفيلا وتوقف سيارة تنقلها إلى مصير مجهول

حين يُحبُّ الرجلَ بصدق، كأنَّما تُخلقُ له عشرَ عيون، يُصبحُ قلبهِ نهرًا جارفًا من المشاعرِ التي لا تعرفُ حدودًا.،وإذا حاولَ كتمَ هذه المشاعر، يتحوَّلُ جنونها إلى صراعٍ داخلي، كمن يسقي شجرةً ذابلةً في صحراءٍ لا تعرفُ المطرَ يُصارع الفراغ، يبحثُ عن نظرة، همسة، أو حتى شعورًا عابرًا يؤكِّدُ وجودهِ في عالمِ من أحب، لكنَّهُ أحيانًا يعودُ خاسرًا، وقد يكونُ تأخَّرَ كثيرًا.
إنَّ الحبَّ الصادق لايجب أن ينتهي بسببِ لحظةِ ضعفٍ أو سوءَ فهم، والأصعب من ذلك أن يستمرَّ الفراقَ لأنَّ كلَّ طرفٍ يختبئُ خلفَ كبريائه، ينتظرُ الآخرَ ليخطو الخطوةً الأولى، وكأنَّ الحبَّ الذي كان يومًا ملاذًا للأرواحِ أصبح سجنًا تصنعهُ حواجزَ الصمتِ والندم.
فصعبٌ أن تقولَ وداعًا للحب، وأن تجمعَ ما تبقَّى من شظايا قلبك، والأصعبُ أن يختفي الحبُّ فجأة، دون كلمةِ وداع، دون تفسير، وكأنَّكَ استيقظتَ من حلمٍ جميلٍ لتجدَ نفسكَ في ظلامِ الوحدة.. تبقى الذكرياتُ تلاحقك، تتشبَّثُ بك، تتحوَّلُ إلى أشباحٍ تجوبُ لياليكَ بلا رحمة.
هكذا هو الحبُّ أحيانًا؛ نعمة حين يجمعُ الأرواح، ولعنة حين يتركها تائهةً في دروبِ الحنينِ والألم.
وصلَ إلى المشفى وصعدَ إلى غرفتهِ بخطواتٍ تحملُ من الغضبِ ما يكفي لإشعالِ المكان..عند البابِ كانت رانيا تنتظره، وما إن وقعَ نظرها عليه حتى تراجعت منكمشةً كأنَّما رأت شبحًا مخيفًا..
دفعَ البابَ بعنف، ليهتزَّ المكانُ ويستفيقَ راجح مفزوعًا من نومه، صاحَ إلياس بصوتٍ حاد:
“الراجل دا..خلِّيهم ينزِّلوه تحت”
قبلَ أن يُتمَّ المسعفُ ما طُلبَ منه، صاحت رانيا بفزع:
“لاااا”
التفتَ إليها إلياس بعينينٍ تقدحان شررًا كأنَّهما لهبُ جهنم، وصرخَ بصوتٍ كالصاعقة:
“مستعدّ النهاردة أرتكب جريمة، امشي غوري من قدامي بدل ما أنوِّمك مكانه”
قطعَ صوتهِ رنينَ هاتفه، فأخذَ بضعَ خطواتٍ للخلفِ وأجابَ باقتضاب:
“أيوة؟”
“حبيبي، إنتَ فين؟..ميرال مشيت وسابت كلِّ حاجة..حتى عربيتها”
ارتفعَ صوتها وهي تلهثُ كعدَّاءٍ أنهكتهُ الأميال، لكن إلياس تمتمَ ببرودٍ أشبهُ بالجليد:
“براحتها”
صاحت فريدة بغضبٍ مختلطٍ بالدهشة:
“إلياس! إنتَ بتقول إيه؟!عايز مراتك تسيب البيت؟!”
ردَّ بلا مبالاة وهو ينهي المكالمة بحدَّة:
“أنا عندي شغل دلوقتي”
أغلقَ الهاتفَ والتفتَ إلى راجح، الذي حاول عبثًا أن يظهرَ تماسكهِ أمام نظراتهِ الثاقبة، وصلَ المسعفُ ومعه كرسي متحرِّك، فتقدَّمَ لمساعدةِ راجح للجلوس، لكن إلياس دفعَ الكرسي بقدمه وقالَ ببرود:
“خلِّيه يمشي على رجله، لمَّا ينشلّ يبقى نشوفله خشبة نجرُّه بيها”
صرخت رانيا مجدَّدًا، وواجهتهُ بشجاعةٍ متردَّدة:
“إنتَ بتعمل إيه يا ابنِ جمال؟!”
استدارَ إليها بغضبٍ متوحِّش، وكلماتهِ خرجت كخناجر:
“قسَمًا بربِّ العزة، لو شوفتك قدامي بعد دقيقة، لأقَّعدك مكانه..لمِّي الدور وغوري من وشي، وبلاش شغل الرقاصين ده!”
خرجت رانيا تهرولُ كأنَّما تفرُّ من عاصفةٍ هوجاء، بينما عادَ إلياس إلى راجح، وجذبهُ من مكانهِ بعنفٍ ليصرخَ الأخير بألمٍ يمزِّقُ الهدوء:
“آه ظهري”
أشارَ إلياس للمسعف:
“ساعده لحدِّ العربية اللي تحت”
حاولَ راجح أن يظهرَ قوَّتهِ رغمَ ألمه، لكن صوتهِ المرتجفِ خانَ كرامته:
“هندِّمك يا ابنِ جمال، واللهِ لأندِّمك”
لم يلتفت إلياس لحديثه، وإنِّما أخرجَ سيجارةً وأشعلها، ثمَّ نفثَ دخانها بوجههِ ببرودٍ قاتل:
“بحبِّ الندم أوي يا راجح”
اقتربَ منه وهمسَ له بصوتٍ جليدي:
“طلَّقت بنتك ورميتها..أنا مستحيل أرتبط بدمِّ ناس فاسدة زيكم”
ثمَّ أضافَ بابتسامةٍ ساخرة:
“آه، نسيت أقولَّك، إحنا غيَّرنا التحليل للأسف، بنتك طلعت بنتك فعلًا الحاجة الوحيدة الحلوة اللي عملتها في حياتك”
جذبهُ من عنقهِ بقوةٍ وضغطَ على رقبتهِ، حتى تحوَّلَ وجهُ راجح إلى اللونِ الأحمر، ثمَّ تركهُ فجأةً وهو يضيفُ ببرود:
“عشان خاطرِ الليالي اللي عيشتها مع بنتك، هركَّبك العربية دي..بدل ما أركَّبك حاجة تانية”
ظلَّ راجح يلهثُ كأنَّهُ نجا من الموت، بينما أشارَ إلياس إلى العربةِ الكارو المحمَّلةِ بصناديق القمامة:
“ساعده يركب بس من غير هدوم، عايزه بالشورت بس، دا منعًا للاحراج”
كانت أعينُ راجح تكادُ تخرجُ من مكانها من الصدمةِ والمهانة..تمتمَ بصوتٍ مرتعش:
“هندِّمك يا ابنِ السيوفي..واللهِ هندِّمك”..ابتسم بخفة واردف:
-أنا بعمل معاك واجب احمد ربنا هسيبك بالشورت..قالها واتجه إلى سيارته
أشار للرجل أن يتحرك وظل هو متوقفًا بسيارته لبعض الوقت يمسح على وجهه بعنف ..
-اعمل فيكي ايه ياتاعبة قلبي، رفع كفيه يمسدها على خصلاته بقوة كاد أن يقتلعها، ثم رفع هاتفه
-أرسلان !!
-أيوة..ميرال خرجت من الفيلا من غير عربية، حاول تعرف لي راحت فين، بس معاها التليفون
-وإنت ازاي تخليها تمشي !!
-حياتي الشخصية مش للنقاش يابن فريدة، شوف بنت عمك زفت فين؟! .
عند ميرال، لم يكن قرارُ الهروبِ إلى الفندقِ مجرَّدُ نزوة، بل كان استغاثةً صامتة..استقلت سيارة اجرة بعشوائيةٍ وكأنها تحاولُ الهروبَ من شيءٍ يطاردها بلا هوادة، وصلت إلى أحدِ الفنادقِ وحجزت غرفةً عزلتها عن كلِّ ما يؤلمها..كانت الغرفةُ صغيرةً وهادئة، لكنَّها بالنسبةِ لها صارت كعالمٍ جديدٍ خالٍ من الذكريات.
جلست بشرفتها، تتأملُ الأفقَ الرماديَّ كأنَّها تبحثُ عن إجابةٍ أو علامة..رفعت هاتفها واتَّصلت بصديقتها، تحاولُ أن تُسكتَ صوتَ الوحدةِ الذي ينهشُ روحها:
-عاملة ايه حبيبتي
-اجابتها صديقتها بابتسامة:
-كويسة مجتيش ليه!!
زفرت باختتاق تنظر بالخارج قائلة:
-تعبانة شوية، وبفكر انقل من الجرنال دا، كنت عايزة منك تكلميها!!
-ليه بس..! حاضر هحاول اكلمه، بس تنقلي فين!!
“ياريت لو ينفع ينقلني إسكندرية…أنا بحبِّ الجوِّ هناك، بحس إنِّي قادرة أتنفس..”
قاطعتها صديقتها بصوتٍ مفعمٍ بالقلق:
“جوزك هيرفض يا ميرال، بلاش تتهوري..وبعدين متنسيش إنك حامل”
شعرت بوخزةٍ في قلبها عند سماعِ تلك الكلمات، لكنَّها تماسكت..رفعت يدها تفركُ جبينها المثقلِ بالأفكار، ثمَّ همست بصوتٍ شجيٍّ بالكادِ يُسمع:
“لا…معتقدش إنُّه هيرفض…أنا وإلياس انفصلنا”
انفجرت شهقةٌ مذهولةٌ من صديقتها، تبعتها كلماتٍ مرتبكة:
“إنتِ بتقولي إيه؟! إزاي دا حصل؟! وإنتِ فين دلوقتي؟ عند والدتك؟”
ابتلعت ميرال غصَّةً حارقةً وهي تنظرُ إلى السماءِ الملبَّدة، كأنَّها تنتظرُ هطولَ المطر ليغسلَ أوجاعها. أغمضت عينيها وأجابت بصوتٍ مهتز:
“سماح…بعدين مش عايزة أتكلِّم عن دا دلوقتي، المهم هبعتلِك طلب نقل وقدِّميه للأستاذ رشدي وشوفي ردِّ فعله”
“طيب حبيبتي، طمِّنيني عليكي..”
لم تستطع ميرال أن تكمل..دموعها كانت تقفُ خلف حاجزٍ هشٍّ على وشكِ الانهيار..ألقت نظرةً على شاشةِ هاتفها، وقالت بصوتٍ متقطِّع:
“مضطرة أقفل دلوقتي…”
استمعت إلى صوتِ غادة الذي جاءَ مشبعًا بالبكاءِ والعتاب:
“كده يا ميرال..هُنَّا عليكي؟! طيب إحنا ذنبنا إيه؟..مش فكَّرتي في مامتك؟! طيب مش فكَّرتي فيَّا؟! إنتِ زعلانة من إلياس، بس إحنا مالنا؟”
شعرت ميرال أنَّ كلَّ كلمةٍ من غادة كطعنةٍ في قلبها..أغمضت عينيها بقوة، لكنَّها لم تستطع كبحَ دمعةٍ انزلقت على خدِّها، ردَّت بصوتٍ مبحوحٍ يحملُ كلَّ وجعِ العالم:
“غادة… لو بتحبيني، متعمليش كده، أنا وإلياس خلاص مبقاش ينفع نكمِّل..الحياة بينا بقت مستحيلة، علشان خاطري، سبيني براحتي”
صمتت غادة للحظات، ثمَّ سألت بخفوٍت كأنَّها تحاولُ أن تتشبَّثَ بأيِّ خيطِ أمل:
“طيب…إنتِ فين؟”
نظرت ميرال حولَ الغرفة..الجدرانُ الباردة، والوحدةُ القاتلة، جعلتها تشعرُ بأنَّها عالقةً في قفص، لكنَّها أجابت بصوتٍ خافت:
“في فندق…مؤقتاً بس…بلاش تسأليني اسمه، مش هقولك”
توقَّفت لوهلة، ثمَّ أضافت بحزنٍ يشقُّ الصمت:
“لازم أقفل دلوقتي…لازم أنزل أشتري شوية حاجات”
أغلقت الهاتفَ قبل أن تمنحَ نفسها فرصةً للتراجع، احتضنت جسدها كأنَّها تحاولُ حمايةِ نفسها من السقوطِ في هاويةِ الوحدة، شعرت أنَّ الغرفةَ تضيق، وأنَّ الصمتَ يبتلعها…
نهضت من مكانها وفتحت حقيبتها التي جمعت بها بعضَ الأشياءِ المتعلِّقةِ بها، أخرجت جهازها المحمول، ودوَّنت به بعضَ الكلماتِ التي تشعرُ بها، دونَ أن يتطرَّقَ لعقلها فكرةَ وصولِ المنشورِ إليه..
ما أصعبَ الصمتُ حين يختزلُ في داخلهِ بركانًا من المشاعرِ المكبوتة، يتراقصُ على حافَّةِ الانفجار، إنَّهُ ذاك الصمتُ الذي يُثقلُ الروح، ويغمرُ الجسدَ بضغطٍ لا يُحتمل، كأنَّهُ يفتِّتهُ من الداخل..قد يبدو الصمتُ أحيانًا ملاذًا آمنًا من الصخبِ الخارجي، لكنَّهُ قد يتحوَّلُ إلى عبءٍ يُنهكُ النفسَ إذا طال.
فالتعبيرُ عن هذه العواصفِ الداخليةِ ليس ضعفًا، بل هو شجاعةً تهديكَ طريقًا نحوَ التوازن، شارك ما يثقلُ صدرك مع شخصٍ تثقُ به، أو امنح كلماتك مساحتها على الورق، فالكلماتُ أحيانًا تكون البلسمَ الذي ينقذُ الروحَ من الانهيار…أنهت تدوينها ثم ضغط عليها لتشاركها بصفحتها على مواقعها الإلكترونية الخاصة بها
ظلَّت لفترةٍ تعملُ على جهازها على بعضِ المقالات، إلى أن أنهتها، ثمَّ نهضت من مكانها تنظرُ إلى ثيابها وتذكَّرت عدم امتلاكها لأيِّ شيئ، حتى ثيابها تركتها وفرَّت هاربة..
أخرجت بطاقةَ الكريديت كارت وخرجت علَّها تتسوَّقُ بعضَ الأشياء، وصلت لأحدِ المتاجرِ المشهورة، وانتقت بعضَ الثياب، ثمَّ أخرجت بطاقتها للدفع، ولكنَّها توقَّفت تشعرُ ببرودةٍ تتسرَّبُ إلى جسدها حينما أردفت العاملة:
-آسفة ياهانم البطاقة متوقِّفة، أو ممكن مفيهاش فلوس.
هزَّةٌ عنيفةٌ كادت أن تسحبَ أنفاسها، هي لم تجلب معها أيِّ نقود، اعتمدت على راتبها وبطاقتها التي كانت تحتوي بعض النقود.
تراجعت متأسفةً وهي تحملُ غصَّتها، وقلبها الذي ارتجفَ من الألمِ وروحها التي تنكوي بداخلها، لقد أوقفَ وسائلَ حياتها لتخضعَ له، ماهذا الجبروت، لماذا يفعلُ بها هذا، هل هذا هو العشقُ الذي تغنَّى به بأحضانها، تحرَّكت بنزيفِ روحها، وجرحها الغائر، الغائرُ جدًا، لتشعرَ بقسوةِ من أحبَّتهُ ووهبت له قلبها، ظلَّت تتحرَّكُ وفكرها مشوشًا ماذا عليها أن تفعل، وقعت عيناها على إحدى المحلاتِ المشهورةِ بالمجوهرات..
توقَّفت أمامَ المحل، قلبها يئنُّ بثقلٍ لا يحتملهُ صدرها، ويديها ترتجفانِ كأنَّهما تحملانِ أكثر ممَّا تطيقان. ألقت نظرةً على ساعتها، ثمَّ على الأساورِ التي لطالما زيَّنت معصمها بفخر..أغمضت عينيها للحظة، وكأنَّها تحاولُ كتمَ صرخاتِ قلبها التي تتردَّدُ في أعماقها، ثمَّ نزعت الأساورَ بأنفاسٍ متقطِّعةٍ ووضعتها على طاولةِ المحل، همست بصوتٍ بالكادِ يُسمع:
“عايزة أبيع دول…لو سمحت.”
التقطَ الرجلَ الأساورَ بتأنٍّ، يتفحَّصها بعينِ خبير، ثمَّ رفعَ بصرهِ إليها..كانت ملامحها رغمَ بريقها الباهت، تشيرُ بانتمائها إلى عالمٍ آخر…عالمِ الأرستقراطية والترف، لكنَّهُ كان يعلمُ أنَّ الأوقاتَ الصعبةِ تُسقطُ حتى العظماء. همسَ بتردُّد:
“فين فاتورتهم؟”
رفعت عينيها إليهِ بذهول، وكأنَّ السؤالَ كان طعنةً جديدةً في كبريائها التي بالكادِ كانت تتحمَّلُ المزيد:
“يعني إيه؟”
هزَّ رأسهِ بإشارةٍ تحملُ الشفقةَ أكثر ممَّا تحملُ الإجابة، ثمَّ وضعَ الأساورَ على الميزانِ وقال ببرود:
واحد بـ50 ألف، والتاني بـ100 ألف.
شعرت الأرضَ تتزلزلُ تحتَ قدميها، عجزت عن الردِّ للحظة، قبلَ أن تتمتمَ بصوتٍ مرتجف، بالكادِ يحملُ مزيجًا من الغضبِ والانكسار:
“إيه!!؟ “بس دول أغلى من كده بكتير…دول غاليين أوي!”
وضع الرجل الأساور أمامها ببرود، وكأن حديثها لا يعنيه:
“واللهِ ده السعر اللي عندي.”
غرقت عيناها بالدموع، دموعٌ حارقةٌ حاولت جاهدةً ألَّا تسقط، ثمَّ هزَّت رأسها بالموافقةِ وكأنَّها تعلنُ هزيمتها في معركةٍ طويلة، دفعت الأساورَ باتجاههِ وقالت بصوتٍ مختنق:
“خلاص…أنا موافقة.”
لكن فجأة، اخترقَ الموقفَ صوتًا حازمًا، يحملُ قوةً غريبة، صوتًا أثارَ ارتعاشِ قلبها أكثرَ من أيِّ شيءٍ آخر:
“بس أنا مش موافق.”
التفتت ببطء، وكأنَّها تخشى رؤيةَ صاحبِ هذا الصوت، كان يقفُ هناك يحملُ في عينيهِ نظرةً غاضبةً لكنها مفعمةٌ بحزنٍ عميق، مدَّ يدهِ وأمسكَ بالأساورِ بقوَّةٍ يقلِّبها، ثمَّ التفتَ إلى صاحبِ المحلِّ بنظرةِ ازدراءٍ قائلًا:
حاجة معدية 500 ألف…عايز تشتريها برخصِ التراب يا حرامي؟!..
جمدت الكلمات في حلقها، وصاحبَ المحلِّ لم يجرؤ على الرد، نظرت إليهِ بعينينٍ امتلأت بالذهولِ والدموع، وهمست بصعوبة:
“إنتَ؟”
اقتربَ منها، لم يكن في عينيه غضبٍ ، بل شيئًا أعمق…شيئًا أشبه بالشفقةِ الممتزجةِ بالعتاب، أمسكَ بيديها ووضعَ الأساورَ فيها قائلًا بصوتٍ يحملُ نبرةً لن تنساها:
-مشكلتك مش إنِّك محتاجة فلوس… مشكلتك إنِّك بتفرَّطي في اللي باقي من روحك وكرامتك يابنت عمي
صمتَ للحظة، تاركًا كلماتهِ تتردَّدُ في عقلها، ثمَّ أردف:
لو مضطرة، الدنيا فيها حلول تانية…لكن كده لأ..
تساقطت دموعها أخيرًا، وكأنَّها تعلنُ استسلامها أمامه، دموعًا ليست مجرد نزيفًا عاطفيًّا، بل شهادة على نهايةِ مرحلةٍ مليئةٍ بالمرارةِ والحزن.
هزته دموعها فتمتم بنبرة هادئة عكس مايشعر به:
-تعالي ياميرال، عيب لمَّا تكوني مرات إلياس السيوفي، وتيجي تبيعي مجوهراتك.
-عايز منِّي إيه ياحضرةِ الظابط، هوَّ اللي قالك تجي لي مش كدا؟..
ابتسمَ أرسلان على غضبها الظاهرِ بعينيها، ثمَّ اقتربَ لتتراجعَ خوفًا منه:
-لا جاي أفرَّحك بيا يابنتِ عمي، شكلك معرفتيش لسة..مش إحنا طلعنا ولاد عم..قالها وهو يضرب كفَّيهِ ببعضهما..
أفلتَ ضحكةً رجولية، ليبتسمَ قائلًا:
-معرفشِ إيه اللي حصل بينك وبين إلياس، بس اللي متأكِّد منُّه أنُّه بيحبِّك.
-عارفة من فترة إنك ابن عمي، رفعت عيناها إليه ثم فكرت لدقائق بعدما علمت أنها الخاسرة بالمعركة أمامه، وايقنت ذلك بعد وصول ارسلان إليها
-أرسلان..عايزة مساعدتك..
طالعها منتظرًا حديثها فأردفت:
-عايزة أنقل شغلي اسكندرية وأخوك هيرفض، إيه رأيك تساعدني..
-ومين قالِّك أنا موافق، تعالي نتمشى شوية ونشرب قهوة ونتكلِّم إيه رأيك؟..اعتبريني ابنِ عمِّك..
-ماهو يابنِ عمِّي، أبويا السبب في اللي أنتوا وصلتوا له.
توقَّفَ يطالعها لفترة:
-إنتِ كنتي عايشة معاه؟..
هزَّت رأسها بالنفي، ثمَّ أردفت:
-لا أنا كنت مع ماما فريدة.
-بس كدا إنتِ جاوبتي نفسك، بلاش أخدك بنظريةِ الطاووس جوزك..
وصلَ إلى أحدِ المقاهي الهادئة، دلفَ إلى الداخلِ تتبعهُ بخطواتٍ متثاقلة، كأنَّها تحملُ أثقالًا على كاهلها في لحظةِ صمت، دوى رنينُ هاتفهِ ليكسرَ الهدوء، رفعَ الهاتفَ ونطقَ بحروفٍ ثقيلة:
“أيوة…”
عيناهُ لم تفارقا ميرال، يراقبُ كلَّ إيماءةٍ تصدرُ منها، كأنَّهُ يبحثُ عن إجاباتٍ داخلَ ملامحها الشاحبة، لماذا وصلَ بهما الوضعُ لهذهِ الحالة، أيُعقل هو السبب، أم أنَّ إلياس أخذها بعقابِ راجح، هزَّ رأسهِ رافضًا وساوسه..استمعَ الى نبرةِ صوتهِ المتلهفة:
“لقيتها يا أرسلان؟” تساءلَ بها إلياس بقلبٍ ينتفضُ بالخوفِ عليها..
حاوطها أرسلان بنظراتهِ للحظات، ثمَّ قرَّبَ الهاتفَ إليها، يشيرُ لها بالرد..تردَّدت للحظة، قبلَ أن ترفعهُ بارتباكٍ وتجيبُ بنبرةٍ مثقلةٍ بالألم، ظنَّت أنَّ المتصلَ هي فريدة:
“أيوة يا ماما…”
تلك الكلمة التي خرجت من شفتيها بعفوية، أصابت قلبهِ كسهمٍ غادر، خانتهُ أنفاسه، وتضاربت دقَّاتُ قلبهِ بعنف، وكأنَّ العالمَ من حولهِ توقَّف، أغلقَ الهاتفَ سريعًا، وكأنَّ صوتها اختطفَ منه كلَّ قدرةٍ على التماسك…وضعَ الهاتفَ على الطاولة، وغمرهُ شعورًا غامرًا من الاشتياقِ واللوعة، ولكنَّ كبريائهِ حطَّمَ تلك الرجفة، أطبقَ على جفنيهِ بقوة، وكتمَ داخلهِ صرخةً أرادَ أن يطلقها…يقسمُ في أعماقهِ أنَّها لو كانت أمامهِ الآن، لاحتضنها حتى يتلاشى الألمُ من عروقها، وذابت بنيرانِ العشقِ الملتهب..
عند ميرال، رفعت حاجبيها باستفهامٍ خافت، وقالت بصوتٍ منكسر:
“دي مش ماما فريدة..؟”
نظرت إلى الهاتف، وعيناها وقعتا على اسمهِ المنقوشِ على الشاشة، توقَّفت لحظة، وارتسمت على وجهها ملامحَ دهشةٍ مؤلمة…أصابعها مرَّت فوق اسمه، وكأنَّهُ محفورٌ بحروفٍ من ذهب تشتعلُ تحت نيرانِ ذكريات الألم ..لم تستطع منعَ دمعةٍ انزلقت بخيانةٍ تحرقُ وجنتها، لكنَّها سرعانَ ما أبعدت يدها وكأنَّها تخشى الضعفَ والاشتياق..
حمحمَ أرسلان ليكسرَ الصمتَ الحارق، ألقت إليه الهاتفَ بعصبيةٍ مكتومة، وسحبت بصرها مبتعدة، تنظرُ حولها بعشوائيةٍ وكأنها تبحثُ عن شيءٍ يخلِّصها من دوامةِ مشاعرها.
“شوفي… من كام ساعة وبتعملوا في بعضِ كده؟ هوَّ هناك هيتجنِّن عليكي، وإنتِ هنا نفسك تطيري لعنده..طيب ليه الفراق؟”
رفعت وجهها إليه، وعيناها غارقتانِ في الدموع، وملامحها تحملُ خليطًا من الوجعِ والحزن:
“هتنسوا إنِّي بنتِ راجح، يا أرسلان؟ بنتِ الراجل اللي دمَّر حياتكم”
ردَّ عليها بصوتٍ عميقٍ هادئ، لكنَّهُ محمَّلًا بالحنانِ المغلَّفِ بالحزم:
“وإنتِ مالك؟ هو إنتِ كنتِ متفقة معاه؟ ولَّا خايفة عليه؟”
“لا ده ولا ده…بس أنا هفضل في نظرِ الكلّ بنتِ المجرم”
تنهَّدَ أرسلان، وصوتهِ هذه المرة كان يحملُ دفئًا غيرَ متوقع:
“حدِّ اختار أهله يا ميرال؟ وبعدين اللي عرفته إنِّ مدام فريدة هي اللي ربتك، حتى اسمك، مش مرتبط بيه”
وصلَ النادلُ يحملُ المشروبات، فوضعها على الطاولة، وكأنَّ صوتهِ أعطى فرصةً لها أن تستعيدَ تنفسها..
طالعها بعينينٍ ثاقبتين، وتابعَ ملامحها وهي تغرقُ أكثر في أعماقِ دوامةِ آلامها..رفعت عينيها المرتجفة:
“خلينا بعيد عن بعض أحسن” قالتها بنبرةٍ ضعيفة..
هزَّ رأسهِ بإيجاب، لكنهُ غير مقتنع:
“تمام… حقِّك تبعدي وتفكَّري بس بشروطي”
رفعت عينيها إليه مترقبة، وكأنَّها تعرفُ أنَّ كلَّ كلمةٍ ستأتي منه ستكونُ نقطةُ تحول..اقتربَ بجسدهِ من الطاولة، وعيناهُ تلتقيانِ بعينيها مباشرة:
“اعتبريني أخوكي الكبير…وعد منِّي، مش هفرض رأيي عليكي، بس نصيحة، بلاش تبعدي عن جوزك لأنِّك هتقعي..وأنا متأكِّد هتقعي”
قالت بنبرةٍ مريرة، أقربُ للبكاء:
“أنا معرفكش، بس مفيش قدَّامي غير إنِّي أسمع كلامك”
ابتسمَ ابتسامةً خافتة، ثم قال:
“تمام بس هتقعدي في مكان خاص بيَّا”
فتحت فمها لتعترض، لكنَّهُ رفعَ يده، يطالبها بالصمت:
“مكمِّلتش كلامي..هتقعدي تحتِ حمايتي، ومفيش نقلِ شغل انسي، لأن مهما عملنا، إلياس هيرفض وحقه”
نظرَ إلى بطنها التي بدأت ملامحُ الحملِ تظهرُ عليها، ثمَّ أكملَ بهدوءٍ يشوبهُ الحنان:
“عيشي زي ما إنتِ عايزة، بس تحتِ عيني ووعد…محدش هيقرَّب منِّك”
“وإلياس هيوافق؟”
نهضَ من مكانه، يرتدي نظارته، ثمَّ قالَ بنبرةٍ واثقة:
“لمَّا أرسلان الجارحي يوعد..بيوفي”
تراجعت خطوتين، وجسدها يترنَّحُ كأنَّ الألمَ كاد يهزمها..مدَّ يدهِ يمسكُ ذراعها قبل أن تسقط…رفعت عينيها إليه، نظرةٌ واحدةٌ كانت كافيةً لتبوحَ بكلِّ ما كتمتهُ داخلها..هزَّت رأسها بابتعاد، وهمست بصوتٍ خافت:
“شكرًا…”
أشارَ إليها بالتحرُّك، وتحرَّكت بخطواتٍ مثقلةٍ إلى الخارج…فتحَ سيارتهِ وأشار لها:
– هنعدِّي على الفندق، تاخدي حاجاتك وبعد كده هنعدِّي على الشقة.
تردَّدت للحظة، لكنَّهُ حسمَ الأمرَ بنبرةٍ صارمة:
“معنديش وقت على فكرة..”
بعد فترةٍ قصيرة، توقَّفت السيارةُ أمام حيٍّ راقٍ يلفُّهُ الهدوءَ والأناقة..ترجَّلَ أرسلان من السيارةٍ بخطواتٍ واثقة، أشارَ إلى المنزلِ أمامهما قائلاً:
“دا بيتي”
رفعت ميرال عينيها، تحدِّقُ في اللافتةِ التي يتصدَّرها اسمه..كان مكتوبًا بخطٍّ واضحٍ وقوي، وكأنَّهُ يريدُ أن يثبتَ حضورهِ في كلِّ مكانٍ يمرُّ به، لم تتمكَّن من إخفاءِ ارتجافةٍ خفيفةٍ في نظرتها، قبل أن يتابعَ حديثهِ بنبرةٍ هادئة:
“غرام فوق، هتقعدي معاها شوية لحدِّ ما أظبَّط لك الشقة”
تردَّدت لوهلةٍ قبل أن تقولَ بصوتٍ يحملُ مغزىً مخفيًّا:
“الشقة دي بعيدة؟”
ابتسمَ أرسلان، تلك الابتسامةِ التي تحملُ مزيجًا من السخريةِ والحنكة:
“لا، مش بعيدة متخافيش، الشقة بتاعتي، مش بتاعته وعيب تختبري ذكائي، تمام أيتها الصحفية؟”
رغمًا عنها، أفلتت ابتسامةً صغيرةً من شفتيها، ثمَّ تحرَّكت بجواره، تسيرُ بخطواتٍ متردِّدة توقَّفت فجأة، وقالت برجاءٍ خافت:
“أنا بعتِّ طلب نقلي اسكندرية، وطبعًا إنتَ أكَّدت أنُّه هيرفض، فأنا هنقل من الجريدة دي مش عايزة مكان لإلياس له يدِّ فيه”
رفعَ حاجبهِ بدهشةٍ مصطنعة، وردَّ بنبرةٍ مشحونةٍ بالسخرية:
“ياااه، دا إنتِ بتكرهيه بدرجة لا توصف!”
توقَّفت مكانها، وقالت بصوتٍ يخنقهُ الحزن:
“مش كره على قدِّ ما عايزة أعتمد على نفسي…بعيدًا عن سلطته”
استدارَ أرسلان نحوها، ونظراتهِ أصبحت أكثرُ جدية، وكلماتهِ خرجت كأنَّها إنذار:
“وتفتكري مش هيعرف يوصل؟ إنتِ حامل في ابنه..ياريت متنسيش الحتة دي، وقبلِ دا كلُّه، إنتِ بنتِ عمُّه”
ابتلعت ميرال الكلمات التي احتشدت في حلقها، وسارت بخطواتٍ مثقلةٍ نحو الباب..لم يكن جسدها فقط من يحملُ ثقلَ الألم، بل روحها أيضًا..توقَّفت أمام الباب، تهمسُ بصوتٍ بالكادِ يُسمع:
“هكون طليقته وبس، أنا مش بنتِ الراجل دا..مفيش علاقة تربطني بيه ولا عايزة أعترف بيه، أنتو اعترفوا براحتكم ومش هيربطني بيكم غير الولد اللي في بطني”
قالتها وكأنَّها تحاولُ أن تمنعَ ارتعاشةِ جسدها..لكنَّها لم تستطع منع تلك النبرةِ الموجوعةِ من أن تتسرَّبَ إلى مسامعه.
كان خلفها، يراقبُ كلَّ خطوةٍ وكلَّ كلمةٍ لم يرد عليها وسارَ بصمت، لكنَّهُ كان يعلمُ أنَّ خلفَ حديثها المكسور تحملُ داخلها قوةً دفينة، رغم كلِّ الجروح، ليهمس لنفسه
“شكلنا هندفع كتير على الماضي يابنت عمي، وللأسف اكتر حد هيدفعه إنتِ وإلياس، ياترى ايه اللي حصل وصلك لكدا”؟!
في منزلِ يزن، كان الهدوءُ يغلِّفُ المكان، إلَّا من صوتِ أوراقِ الكتبِ التي تقلِّبها إيمان..بينما يحاولُ يزن إنهاءَ درسها، أطفأَ صوتَ قلبهِ الذي يضجُّ بالأشتياق، وهو ينظرُ إليها بعيني أخٍ يكتمُ قلقهِ خلف قناعِ الصبر.
بعد أن انتهى من تدريسها، اتَّجهَ نحو غرفتهِ بخطواتٍ مثقلة…استوقفتهُ إيمان بنبرةٍ مترددِّة:
“يزن، مش هتروح لرحيل؟”
توقَّفَ في مكانه، وكأنَّ كلماتها طعنت شيئًا عميقًا داخله، هزَّ رأسهِ نفيًا، ثمَّ أشارَ بعينيهِ إلى كتبها، محاولًا التظاهرَ بالقوة:
“ذاكري يا حبيبتي متفكريش غير في مستقبلك وبس…يومين كدا وأروح لها.”
رأى التردُّدَ والقلقَ في عينيها وهي تنهضُ من مكانها لتقتربَ منه، صدى مشاعرها وصلَ إليه رغمَ صمتها:
“يزن…هوَّ أنتوا هتسيبوا بعض فعلًا؟”
 
كانت كلماتها مثلَ جرحٍ ينفتحُ من جديد، أمسكَ بسجائرهِ ومفتاحَ دراجته محاولًا أن يشغلَ يديهِ بما قد يصرفُ تفكيره..لم يكن لديهِ إجابة شافية فحاولَ التهرُّب:
“هروح أشوف كريم وإنتِ…ركِّزي في أوَّل درسين في الفيزياء، مفيش وقت للِّعب والهزار ولو رحيل كلِّمتك، قولي لها أنا برة”
اقتربَ منها أكثر، وكأنَّ بحنانهِ كان يحاولُ أن يطمئنها رغم القلقَ الذي ينهشُ قلبه، طبعَ قبلةً على جبينها وربتَ على كتفها:
“اهتمِّي بمذاكرتك، إيمان..كلِّ حاجة هتتحل”
قالها وهو يغادرُ بخطواتٍ ثقيلة، وكأنَّما يهربُ من ثقلِ الحقيقة.
وصلَ بعد قليلٍ إلى عيادةِ صديقهِ كريم.. انتظره بصمت، يراقبُ الساعةَ وكأنَّ الوقتَ يعاندُ افكاره، خرجَ كريم أخيرًا من مكتبه، وارتسمت على وجههِ الدهشة حين رآه:
“ليه مقولتليش يا بني؟!”
نهضَ يزن من مكانه، ابتسامةًً باهتةً ترسمُ وجعه:
“استنيتك لمَّا تخلص..لو فاضي، نقعد شوية قبلِ ما تروح، أنا محتاج أفهم منَّك أكتر في موضوع إلياس السيوفي..كنت عايز اسألك، لكن بعد موتِ مالك، الأمور اتلخبطت”
خلعَ كريم معطفهِ الطبي بتعب، ونادى على الممرضة:
“لمِّي الحاجات واقفلي، أنا ماشي..لو احتجتي حاجة، كلِّمي البواب”
تحرَّكَ كريم معه، وكأنَّ الحزنَ الذي يثقلُ أكتافَ يزن صارَ يشاركهما الطريق.
في المقهى، جلسا بصمتٍ لدقائق، كان صوتُ ارتطامِ الملاعقِ بالأكوابِ هو الوحيدُ المسموع، أخيرًا كسرَ كريم الصمت، وهو يديرُ كوبهِ ببطء:
“رحيل…عاملة إيه؟”
ردَّ يزن بنبرةٍ هادئةٍ تخفي عاصفةً الحب في داخله:
“كويسة، امبارح خرجت من أوضتها، والنهاردة نزلت الشغل”
هزَّ كريم رأسهِ بتفهُّم، لكنَّ عينيهِ كانتا تبحثانِ عن شيءٍ آخر..سأل بتمعُّن:
“وراجح؟”
تنهَّدَ يزن بعمق، وكأنَّ الإجابةَ كانت عالقةً في صدره:
“مالوش ظهور..معرفشِ مختفي فين،
بمكتب إلياس
ارتفعت ضحكاتُ إلياس وهو يراهُ بتلك الحالة، نظرَ شريف إلى الشاشةِ يهزُّ رأسهِ بفرحة:
-ضربتها يامعلم، بس قولِّي إيه الفايدة من كدا، وإيه الِّلي بينك وبين الراجل دا؟..
نفثَ تبغهِ وابتسامةُ انتصارٍ على وجهه، يشيرُ إلى شريف:
-ادخل بالضربة التانية، مش عايزه يقوم منها، ياله عندي شغل..
استندَ شريف على المكتبِ ينظرُ إليه:
-ماتقولِّي يابحر وتفهمِّني، مش يمكن أتعلِّم منَّك..
اعتدلَ مقتربًا منه:
-البحر عميق يابني، عايز سبَّاح ماهر علشان مايغرقش..مش كلِّ الِّلي بيعرف يعوم يوصل الشطّ ياحبيبي، ياله على شغلك..قطعَ حديثهما رنينَ هاتفه، رفعهُ لترتفعَ ضحكاتهِ مرَّةً أخرى:
-كنت عارف إنَّك هتتِّصل.
-إنتَ ورا الِّلي حصل؟..
نصبَ قامتهِ وتوقَّفَ إلى النافذة ينظرُ إلى مرورِ المارَّة، ينفثُ تبغهِ بتمهُّل كالفائزِ بجائزتهِ وأجابه:
-ولسة، دا أوَّل مسمار.
-ليه، تساءلَ بها أرسلان..
-متقدِّم لمجلسِ الشعب، ودا لو نجح وعارف هينجح من الناسِ اللي وراه، مكناش هنقدر عليه، فكان لازم أوقَّعه قبلِ مايفكَّر هيعمل إيه وكمان عايز أبعده عن مجتمعه، بدل مايؤمروا بقتلنا ويصفُّونا لأ يبعدوه عنهم، علشان مانحاربشِ في كذا جهة، لو راجح فضل تبع الناس دي مش هنقدر عليه ياأرسلان، مش علشان إحنا ضعفا، لا، علشان إنتَ مش عارف بتحارب مين، عدوُّك مش واضح، فهمتني، علشان كدا لازم نحسب كلِّ خطوة، إحنا دلوقتي هنقعد ونتفرَّج هيعملوا فيه إيه، من جهة مش هيقدروا يموِّتوه، علشان هوَّ ماسك عليهم أنفاسهم، متنساش دا كان ظابط..
تنهيدةٌ عميقةٌ أخرجها أرسلان قائلًا:
-أنا مش عارف أفكَّر أصلًا، دماغي فيها مليون حاجة..
تذكَّرَ أمرَ والدهِ فسأله: نسيت أسألك لسة باباك في غيبوبة؟..
أجابهُ بنبرةٍ حزينة:
-لسة للأسف، ومرعوب من فكرة فقده دي، أصلك متعرفوش دا أحنِّ راجل في الدنيا، ميغركشِ صورُه ومقالاته اللي بينزلِّها، بس قلبه كبير أوي ياإلياس، أنا بجد لو حصلُّه حاجة مش عارف هعيش إزاي من غيره..
-لا إن شاءالله، هيقوم بالسلامة، هيَّ العملية كانت كبيرة، تعرف احنا ولاد حلال على رأي مدام فريدة
-هو إيه موضوع مدام فريدة دا يابني، يعني حتى بعد ماعرفت أنها والدتك..صمتَ للحظاتٍ ليشتت تفكيره ثمَّ تساءل:
-ميرال عملت معاها إيه؟..
-في بيتي مع غرام.
-ليه بقى أخدتها هناك، مش قولت لك ودِّيها الشقة.
تراجعَ بجسدهِ على المقعدِ وذهبَ ببصرهِ لوقوفِ إسحاق أمامَ النافذةِ وأجابه:
-مراتك ذكية وفهمت كنت هودِّيها شقِّتك، علشان كدا وعدتها.
-نعم ياأخويا، إنتَ بتقول إيه؟..يعني تقعد عندك بصفتها إيه، ليه جوزها مش قادر يعيِّشها..قالها مزمجرًا، ثمَّ تابعَ حديثهِ بنبرةٍ قوية:
-تقعد في الشقة اللي قولت لك عليها، يا في البيت ياأمَّا هقلب لها وشِّ عمرها ماشافته.
-خلَّصتِ كلامك، يعني مثلًا لمَّا تقولَّها كدا، هترضى، يابني دي خرجت على أساس انفصلتوا، يعني مفيش حاجة تربطكم.. وأنا وعدتها هساعدها
-أرسلان فوق واعرف بتتكلِّم مع مين، آخر كلام الِّلي سمعته، غير كدا ترجع البيت ياأمَّا وحياة حبِّي ليها لأكرَّهها نفسها، متنساش إنَّها حامل في ابني..
-لا واللهِ طيب لمَّا إنتَ بتحبَّها وهتموت كدا، إزاي خلِّيتها تخرج من بيتك وهيَّ بالشكلِ دا، أنا الصراحة مش عارف أقولَّك إيه، البنتِ صعبت عليَّا، عايزة اللي يحسِّسها بالأمان مش اللي يدوس..
-خلَّصت كلامك، اسمعني علشان دا آخر حاجة هتسمعها منِّي في الموضوع دا، طول ماهيَّ لسة على اسمي ممنوع تخرج برَّة طوعي، وعلى ماأظن دينها بيقولَّها كدا..
-بتحبَّها؟..تساءلَ بها أرسلان بهدوء.
-مالكشِ دعوة، ومش معنى طلبت إنَّك توصلَّها يبقى أنا عاجز، أنا بس عايز أعرَّفها حدودها..
-تمام ياحضرةِ الظابط، وصلتني الإجابة، عايز مراتك عندي في البيت، قولَّها واعملَّها اللي إنتَ عايزه، بس لو هيَّ طلبت حمايتي، مش هشوفك قدامي، هي برضوا بنتِ عمِّي، حتى لو كان العمِّ دا راجح، بس دي بنت وطلبت الحماية…قالها أرسلان وأغلقَ الهاتف.
دقيقةٌ واحدةٌ محاولًا بها السيطرةَ على أعصابه، فلقد أثارَ حديثهِ جنونه، ليتحوَّلَ غضبهِ إلى عاصفةٍ جنونية، أشعلت فتيلَ الشياطينَ أمامه، ليتحرَّكَ بخطواتٍ ناريةٍ وكأنَّهُ يضغطُ على بنزينٍ يزيدُ اشتعالَ جسدهِ بالكامل..
رفع أرسلان هاتفه
-إلياس رافض تقعدي عندي، لو عايزة اقف له أنا مستعد
-لأ خلاص، أنا هتصرف، وشكرًا لمساعدتك
تنهد بعمق ثم أردف:
-ميرال إلياس بيحبك اوي صدقيني، ممكن يكون غلط، بلاش تمشي ورا شيطانك
-شكرًا ارسلان، هفكر وارد عليك
وصلَ بعد فترةٍ وظلَّ بالسيارةِ لبعضِ الدقائقِ ثمَّ رفعَ هاتفه:
-أنا قدَّام بيت أرسلان، دقيقة وألاقيكي بدل ماأطلع أجيبك.
نهضت من مكانها معتذرةً لغرام:
-شكل أرسلان مقدرشِ عليه فعلًا، هنزلُّه علشان عارفة أنُّه مش هيسكت.
احتوت غرام يديها:
-حبيبتي أهمِّ حاجة متزعليش، وبدل جه صدَّقيني بيحبِّك وباقي عليكي..
ابتسمت بحزن، وعيونٍ لامعةٍ بالدموع:
-عارفة أنُّه بيحبِّني، ياريته يكرهني..قالتها وخطت إلى الخارج، بخطواتٍ هزيلة، وصلت إلى سيارتهِ وصعدت بجوارهِ دون حديث..
-إزاي تخرجي بالطريقةِ دي؟..
رفعت عينيها الجريحتين، وخرجَ صوتها كالخطوطِ المتعرِّجةِ بهمس:
-خوفت النصِّ ساعة يعدُّو، وترميني برَّة..لحظاتٍ مميتةٍ ليستوعبَ مااخترقته أذنهِ من حديثها..
قبضةٌ مميتةٌ قيَّدت جسدهِ حتى جعلتهُ كالمسحور، فارتفعت أنفاسه حتى شعرَ بالأشواكِ تجرحُ رئتيه، منذ متى وهي تظنُّهُ بتلك القسوة، هل هو من قسى أم هي؟..
استدارَ ينظرُ من نافذةِ السيارةِ بعد فتحها بالكامل، حينما شعرَ وكأنَّ العالمَ يطبقُ فوق صدرهِ من كلماتها المميتة، صمتًا مريرًا لدقائقَ بالسيارةِ وهو عاجزًا عن التفوُّه، ثمَّ قالَ بصوتٍ أجش هادئ يحملُ في طياتهِ العقلانية:
-أنا موافق على اللي إنتِ عايزاه، بس برضو متنسيش إنِّك حامل ومينفعشِ تكوني بعيدة، عندك البيت، وكمان فيه شقة ممكن تستقرِّي فيها، ومش هحاول أضايقك، وبعد ماتولدي هعملِّك اللي إنتِ عايزاه.
نكست رأسها للأسفلِ بوجعِ العالم، تحاولُ ألَّا تضعفَ أمامهِ وتخونها دموعها..ظلَّت صامتة..جامدة
بجسدها تمنعُ أشباحَ الانهيارِ أمامه..
-ميرال…أغمضت عينيها بعد رعشةٍ أصابت جسدها من صوتهِ الخافتِ الذي هزَّها بقوة..
رفعَ ذقنها برفقٍ بعدما شعرَ بالقلقِ من حالتها.
رفرفت أهدابها تمنعُ النظرَ إلى عينيهِ حتى لا تهوي مرَّةً أخرى في لجَّةِ عشقه..
كرَّرَ اسمها بنفسِ نبرتهِ الرجولية،
فخرج صوتها شاحبًا، يحملُ انكسارَ روحها الذي جنتهُ يداه:
-حاضر ياإلياس، هعمل اللي إنتَ عايزه، بس عايزة أكمِّل شغلي، عايزة حياتي أبنيها أنا بنفسي، أتمنَّى تحترم خصوصياتي..
-وابنك ضمن خصوصياتك دي، يعني لسة مصرَّة على إنِّك تتنازلي عنُّه؟..
دموعًا حارقةً ممزوجةً بحروفِ الألمِ والانهيارِ الذي تشعر به لتهزَّ رأسها بالنفي:
-لا..ابني ليا، ممكن أكون قولتها وقتِ غضب أو ضيق منَّك، بس مستحيل أتنازل عنُّه، انسى أيِّ كلمة قولتها..قالتها واستدارت تنظرُ من النافذة..
لم يستطع كبحَ مشاعره في تلك اللحظة..
بالمشفى:
كان يجلسُ بجوارِ فراشِ أخيه، يحتضنُ كفَّيهِ يحادثه:
-فاروق هتفضل لحدِّ إمتى، أوعى تسيب إسحاق، أخوك في دوامة، فوق علشان أقولَّك أحلام عملت إيه، وإيه اللي وصَّلني أكون معاها كدا، دمعةٌ تسلَّلت على وجنتيهِ ليزيلها سريعًا، ثمَّ رفعَ كفَّ أخيهِ يقبِّله:
-فاروق أنا من غيرك بضيع، أوعى تفكَّر أخوك قوي، قوِّتي فيك، علشان خاطري لازم تفوق..ابتسامةٌ من بينِ أحزانهِ مردفًا:
-أرسلان مش هيسيبنا وأنا اتكلِّمت معاه، وهوَّ وعدني..ذهبَ بذاكرتهِ لقبلِ يوم ..
جلسَ إسحاق بجوارِ أرسلان متسائلًا:
-رحتِ بيتِ السيوفي؟..
أومأ برأسه، ثمَّ رفعَ عينيهِ على صفية فنهضَ من مكانه:
-هشوف ماما، لازم تروح ترتاح، كدا ممكن توقع من طولها..نصبَ قامتهِ وتوقَّفَ بمقابلته:
-لسة زعلان مني؟!
-إحنا لسة متحاسبناش ياسيادةِ العقيد.
أطبقَ إسحاق على كتفهِ واقتربَ يهمسُ بهسيسٍ مرعب:
-اسمعني علشان مجبشِ أخري منَّك، الدنيا كلَّها فوق دماغي، إنتَ ابنِ الجارحي، غصب عن أيِّ مخلوق، غصبِ عنَّك إنتَ كمان، فياريت تعقل لأنِّي مش هسمح إنَّك تبعد عن حضني، اقتربَ خطوةً أخرى واستأنفَ بنبرتهِ المزعجة كما ظنَّها أرسلان:
-أنا اللي ربيت يابنِ فاروق، وأنا اللي كبَّرت وعلِّمت، يعني من الآخر كدا أنفاسك دي مش ملكك دي ملكي أنا، فياريت متتهورش، ممنوع يابنِ فاروق الصحافة تشمِّ خبر، أو تكلِّم نفسك وتقنعها إنَّك مش ابننا، كفاية أبوك اللي بين الحيا والموت، بصِّ على أمَّك وأختك وخدهم في حضنك..
ابتعدَ أرسلان وابتسمَ بمرارةِ مايشعرُ به:
-أختك، هوَّ حضرتك نسيت فاروق باشا قال إيه؟..
طالعهُ بعينيهِ الصقريةِ وهتفَ يوبِّخه:
-مايقول، ماهو طول عمره بيقول، من إمتى وإحنا بنسمع كلامه، إنتَ هتستعبط على إسحاق يالا، دا إنتَ محدش يقدر يقولَّك تعمل إيه، كلمتين قالهم وهوَّ خايف يموت ويسيب بنته، وأنا عارف قال كدا ليه، بس مش معنى قال كدا هتنفِّذ، كنت نفِّذتِ القديم ياخويا، مش تلعب على إسحاق علشان ممكن أغرَّقك يابنِ فاروق..قاطعَ حديثهم رنينَ هاتفه:
-أرسلان غرام كانت عندنا ووصَّلتها، هيَّ مارضيتشِ تقول مالها، بس ياريت تشوفها علشان صعبانة عليَّا..
-تمام يازياد، سلملي على باباك..قالها واستدارَ قائلًا:
-هروح أشوف مراتي اللي حضراتكم ناويين تكسروها.
-أيوة إجري ياحنيِّن، وحياة أبوك اللي جوا دا ممكن أقولَّها كلمتين أخلِّيها تخلعك من الصبح.
خرجَ من شرودهِ بعدما ربتت صفية على ظهره:
-قاعد كدا ليه ياحبيبي؟..رفعَ عينيهِ إليها ثمَّ نهض:
-هروح أشوف دينا شوية، رجعتِ البيت من يومين ومشفتهاش وبتَّصل مابتردش..
أومأت متفهِّمة، تحرَّكت متَّجهةً إلى أرسلان الذي يجلسُ بجوارِ ملك، توقفت بعدما استمتعت إلى حديثه، وخلفها كانت تقف مثلها غرام
-ملوكة عايز أتكلِّم معاكي في حاجة حبيبتي..نكست رأسها مبتعدةً عن نظراتهِ لتهمسَ بخفوت:
-سمعاك ياأبيه.
رفعَ ذقنها ونظرَ لداخلِ مقلتيها، وابتسمَ بحنانٍ أخوي:
-أيوة دا اللي أنا عايزه، أبيه، أنا دايمًا هكون أرسلان أخو ملاكه، اللي لو طلبت حياته مستحيل يتأخَّر عليها.
انسابت عبراتها تهزُّ رأسها وابتسمت:
-أيوة أنا عايزة كدا، عايزة أبيه أرسلان حبيبي اللي أقدر أنام في حضنه من غير خوف، عايزة أخويا، مش عايزة كلام بابا دا، أنا مستحيل أشوفك غير إنَّك أخويا حبيبي..
ارتجفَ جسدهِ لحديثها، فجذبها لأحضانه:
-وعد هفضل أخوكي اللي يحميكي حتى من نفسه، ملاكي حبيب قلبي إنتي..
حاوطت عنقهِ وارتفعت شهقاتها:
-أنا بحبَّك أوي ياأبيه أرسلان، أوعى تسيبنا، لو فكَّرت تبعد عنِّنا هشكيك لربنا.
كانت تقفُ على بعدِ خطوةٍ لتستمعَ إلى حديثهما، بكت بصمتٍ متراجعةً إلى غرفةِ زوجها، بينما تحرَّكت غرام بهدوءٍ وغادرت المكانَ دونَ حديث.
بسيارةِ إسحاق:
استمعَ إلى رنينِ هاتفه، رفعهُ بعدما وجدَ اسمها يُنقشُ فوق الشاشة:
-كنتي فين؟..اتَّصلت بيكي، إزاي تخرجي من غير ما تقوليلي؟..
استمعَ إلى بكائها وصرخاتها:
-الشقة ولَّعت ياإسحاق وابننا جوا..توقَّفَ فجأةً بالسيارةِ حتى كادت أن تنقلب، فاصطدمَ جسدهِ للأمام، لحظات بل دقائق وهو يستعيدُ وعيه، ارتجفَ جسدهِ بعدما تذكَّرَ حديثها، بحثَ عن الهاتفِ الذي سقطَ من يدهِ ولكنَّهُ لم يراه، فأسرعَ بسيارتهِ كالعاصفةِ الهوجاء، ليصلَ بعد دقائقَ معدودة، ترجَّلَ من السيارةِ بساقينِ مرتعشتينِ وهو يرى اللهيبَ الخارجَ من الشرفة، من يراهُ يقسمُ أنَّ كلَّ ما بداخلها أصبحَ رمادًا، هرولَ للداخل، وتمنَّى أن ينقذَ ابنه، ولكن منعهُ رجالُ الإطفاء، صرخَ يدفعهم وهو يشيرُ إلى منزله، وقعت عيناهُ على زوجتهِ التي تجلسُ بجسدٍ مرتجفٍ بأحدِ الأركان، وصلَ إليها بخطوةٍ واحدة، يجذبها بعنف:
-ابني فين ياحيوانة، دي الأمانة اللي أمِّنتك عليها، بكت بشهقاتٍ مرتفعةٍ تهزُّ رأسها رافضةً حديثه:
-معرفشِ إيه اللي حصل، أنا عايزة ابني ياإسحاق..هوت على الأرضيةِ تبكي وتصرخُ باسمِ ابنها كالمجنونة:
-أنا عايزة ابني، هاتلي ابني..
وصلَ أحدُ رجالِ الإطفاء، وهو يحملُ جثَّةَ طفلٍ متفحمة، يشيرُ للجميعِ بالبعد، ليستقبلهُ أحدُ الأطباء، نظرةٌ سقطت على جسدِ الطفل، ليهزَّ الطبيبُ رأسهِ بأسى:
“البقاء لله”..هنا شعرَ وكأنَّ أحدهم سكبَ عليهِ دلوًا من الماءِ المثلجِ ليرتجفَ جسدهِ بالكاملِ وهو يمدُّ يدهِ يلمسُ جسدَ ابنهِ الذي فقدَ ملامحه، انسابت دموعهِ بقهر، متراجعًا للخلفِ وكأنَّ أنفاسهِ سُحبت بالكامل، بينما دينا التي سقطت فاقدةً الوعي..
وصلَ أرسلان بعد سماعهِ الخبر، ركضَ من سيارتهِ إلى إسحاق، توقَّفَ ينظرُ في وجوهِ الجميعِ الذين تبدو الشفقةَ بأعينهم على إسحاق، اقتربَ منه:
-عمُّو إيه اللي حصل؟..لم يعد يستمع لشيء، سوى صرخاتِ ابنهِ التي تصمُّ أذنيه.
مرَّت الأيامُ سريعًا، بل الأسابيعُ والحالُ كما هو بين أبطالنا..
بأحد الشقق الراقية فتحت عيناها تنظر حولها تهمس باسم عشيقها، ولكن هبت فجأة من مكانها وهي تراه يجلس أمامها بشخصيته القوية، جذبت الغطاء على جسدها، ونظراتها تحوم المكان برعب
-“اهلًا يامدام رانيا ”
ابتلعت ريقها بصعوبة وحاولت الحديث
-إنت ازاي تدخل شقتي وكمان اوضة نومي اتجننت..نصب قامته بتكبر، ثم أشار إلى الكاميرا المعلقة بأحد اركان الغرفة
-أنا ماشي، واستني مني تليفون يازيالة، علشان اقولك عايز ايه
-صرخت باسمه كالمجنونة
-إلياس لو سمحت بلاش تعمل فيا كدا، أنا مهما كان مرات عمك
أنحنى يطبق على شعرها حتى شعرت باقتلاعها بيديه
-مرات عمي مين ياحيوانة، دا لو طايل اغير دمي هغيره، بصق بوجهها ثم اعتدل
-استني مني تليفون، يااما الجمال دا هينور الصحافة، واهي الستات تتعلم من الخبرة ..قالها وتحرك للخارج يشير للرجل
-خدو الحيوان دا علشان عايزه، وبعد خروج الست شمعوا الشقة
عند راجح
حاول الاتصال بها عديد من المرات، ثم رفع هاتفه لأحد الأشخاص
-المرة اللي فاتت غلطي معايا، بس المرة دي لو غلطي هدفنك حية، روحي نفذي المطلوب، عايز بالليل الاقي البنت عندي تطلب السماح، وقتها بس مكافأة مكنتيش تحلمي بيها، غير طبعا مبروووك عليكي عريس الغفلة
بفيلا السيوفي
جلست بجواره ترتشف قهوتها ثم تحدثت
-لازم اجمع رؤى وميرال ويزن يامصطفى، لازم يعرفوا انهم اخوات
اومأ لها ثم أردف
-كلمتي ميرال، هي عاملة ايه دلوقتي
ابتسمت بفخر واجابته
-ماشاء الله عليها، طبعًا متابع اخبارها، ومقالاتها اللي مكسرة الدنيا، والله خايفة عليها حبيبتي، مكنتش اتوقع تنجح في الوقت دا
-بالعكس الواحد لما يحس أنه بيخسر، بيكون عنده عزيمة، متخافيش عليها انا مراقبها كويس
-طيب ماتحاول مع إلياس يروح ويرجعها، مااتوقعتش يسبها الوقت دا كله، داخلين على شهرين وهما بعيد عن بعض
-سبيهم يافريدة، خلي قلوبهم اللي تقربهم مش إحنا، ابنك صعب ومش هيتنازل، وهي قررت تبني حياتها بعيد عن الكل، انا سعيد باللي بتعمله
استمعوا إلى دخول غادة
-رؤى كلمتني وطلبت مني عنوان ميرال، قال عايزة تطمن عليها
ابتسمت فريدة بحنان وتمتمت بحبور:
“شوفت قلبها حن على اختها من غير ما تعرف حتى”
هي مين دي اللي اختها ياماما
ابتسمت قائلة:
-رؤى وميرال اخوات
-نعم ..قالتها بعيونًا متوسعة
بمنزلِ ميرال استيقظت تشعرُ بألمٍ أسفلَ بطنها، فرفعت هاتفها تهاتفُ صديقتها:
-سماح أنا تعبانة مش هجي النهاردة، أجابتها صديقتها على الطرفِ الآخر:
-ولا يهمِّك ياجميل، أنا هحضر بدالك، نسيت أقولِّك حاجة مهمَّة، عارفة رجل الأعمال المشهور اللي اسمه راجح الشافعي اللي كان اتعملُّه مقال من فترة؟..
اهتزَّ جسدها بعنف، وكلماتُ صديقتها تحرقُ روحها، بل احترقَ كلَّ الصبرِ لديها لما تتمنَّاهُ لهذا الرجل، ابتلعت غصَّتها المدببةِ متسائلةً بلسانٍ ثقيل:
-ماله الراجل دا؟..قالتها وهي تحاوطُ بطنها بعدما شعرت بألمٍ يكادُ يفتكُ ببطنها:
– صوتك ماله حبيبتي؟..نسيت أسألك إنتِ في الشهرِ الكام دلوقتي؟..
دموعُ فقط تنسابُ على وجنتيها، حاولت النهوضَ بعدما ازدادت آلامها قائلة:
-أوَّل أسبوع في التامن بس حاسة إنِّي تعبانة أوي، هتَّصل بماما نروح للدكتورة بالليل
قاطعتها صديقتها قائلة:
-حبيبتي متخافيش دا العادي في التامن، كنت أسمع من أختى الطفلِ بيلفّ فبيعمل كدا..استندت على الأشياءِ التي تقابلها، وأردفت بأنفاسٍ ثقيلة:
-ممكن حبيبتي، المهمِّ دلوقتي شيلي إنتِ الشغل، أنا مينفعشِ أشتغل تاني غير لمَّا أولد، ابني دلوقتي أهمِّ حاجة، وعرَّفي رئيسِ التحرير..قالتها وأغلقت الهاتفَ متَّجهةً إلى حمَّامها كي تنعش َنفسها بحمَّامٍ دافئٍ علَّ الآلامَ تهدأُ قليلًا.
بعد عدَّةِ ساعات:
هدأ الألم فجلست بحديقةِ منزلها تستنشقُ بعضًا من الهواءِ النقي، تستمعُ إلى الموسيقى الهادئة، اقتربت منها الخادمة:
-مدام العصير..
أشارت إليها بوضعهِ ثمَّ رفعت عينيها إليها:
-جهِّزي نفسك علشان هنروح للدكتور بعد ساعتين، أنا هنزل أسبح شوية في البيسين..
-حاضر يامدام ..قالتها وتحرَّكت مغادرة.
نهضت وخطت بعضَ الخطوات، لتتوقَّفَ على حديثِ الخادمة:
-مدام فيه واحدة اسمها رؤى عايزة تقابل حضرتك..
قطبت جبينها متراجعةً بجسدها تنظرُ إلى رؤى التي تقدَّمت منها:
-إزيك ياميرال؟..
رسمت ابتسامةً تهزُّ رأسها:
-أهلًا يارؤى اتفضَّلي، ثمَّ أشارت للخادمة:
-تشربي إيه؟.
جلست رؤى وأردفت قائلة:
-لا مش عايزة أشرب، أنا جيت أتكلِّم معاكي علشان عندي شغل بعد ساعتين.
جلست منتظرةً حديثها، حمحمت رؤى قائلة:
-أنا جاية علشان أسألك سؤال واحد بس ياربِّ ماتفهميني غلط..
ظلَّت نظراتٌها متعلقة بها فقط منتظرةً باقي حديثها، ابتلعت رؤى ريقها بصعوبةٍ وتساءلت:
-هترجعي لإلياس؟..
جلست متجمِّدةً تمنعُ تلك الدموعِ الحبيسةِ عن حرَّيتها أمامَ رؤى بعدما تسلَّلَ الشكُّ إلى قلبها، وخاصَّةً بعد فراقهما الذي دامَ أكثرَ من شهرٍ ونصف لم تراهُ فيهما ولم تسمع صوته، كلَّ مايربطهُ بها جنينها عند الطبيبِ فقط، حتى امتنعَ عن زيارتهِ لطبيبتها كعادته.
خرجت من هياجِ مشاعرها الحزينةِ على كلماتِ رؤى مرَّةً أخرى:
-أنا مش عايزاكي تكرهيني لو سمحتي، أنا بعد ما فكَّرت وعرفت إنُّكم انفصلتوا ليه ماوافقشِ على طلبِ إلياس تاني، وأهو أنا أولى بيه من الغريب، وخاصَّةً بعد ماعرفت أنُّه هيتجوِّزني علشان أرَّبي ابنه..
أحيانًا تعجزُ الكلماتُ عن مانشعرُ به، هنا عجزت جميعُ اللغاتِ عماشعرت به ميرال، شعرت وكأنَّ أحدهم شقَّ صدرها بنصلٍ بارد، وانتزعَ قلبها بقوَّة، لتشعرَ بكمِّ الآهاتِ التي أحرقت روحها..
ودَّت لو تصرخ ، ودَّت لو تطلقَ العنانَ للآهاتِ الحارقةِ المتحشرجةِ التي احتجزتها بقسوةٍ بجوفِ حسرتها، لحظاتُ صمتٍ قاتلةٍ لترفعَ كفَّيها الذي ارتجفَ كحالِ جسدها وحاولت أن تُخرجَ حروفًا من بينِ شفتيها ولكنَّها غيرُ قادرة، ارتجفت شفتيها وهزَّت رأسها ونطقت أخيرًا بحروفٍ ثقيلة:
-اطلعي برَّة حياتي كلَّها يارؤى، ولو جوزي عايز يتجوِّز براحته، بس ابني مستحيل تقرَّبوا منه..قالتها وتوقَّفت تتحرَّكُ تجرُّ ساقيها بضعف، وهي تتألَّمُ بانقباضِ صدرها، بل بجسدها بالكامل، توقَّفت للحظاتٍ بعدما شعرت بقلبها يئنُّ وجعًا، بل يصرخُ وجعًا..
آااه أخرجتها بعدما شعرت بسائلٍ متدفقٍ من بين ساقيها، نظرت للمياهِ التي تساقطت، وشعرت بانسحابِ الهواءِ من حولها، صرخت وصرخت إلى أن وصلت الخادمةُ على صراخها، نزلت بركبتيها تحتضنُ بطنها وازدادَ عرقها بكثرة، حتى تلاشى تنفُّسها وشحُبَ وجهها تهمسُ باسمِ زوجها، رفعت الخادمةُ الهاتفَ سريعًا تهاتفه:
كان بمكتبهِ منكبًّا على عمله، اعتدلَ بعد سماعهِ لرنينِ هاتفه:
-أيوة..
-الحقني ياباشا، المدام بينَّها هتولد وحالتها صعبة أوي، صرخت وهي ترى تهاونَ جسدها على الأرض..
-لا دي بتموت، إلحق ياباشا…
شعرَ بالخدرِ بكاملِ جسدهِ وهو يشعرُ بعجزهِ والنيرانُ التي تهزُّ كيانهِ وهو بعيدًا عنها، لحظاتٍ محاولًا السيطرةِ على دقَّات ِقلبهِ العنيفِ التي كادت أن تخترقَ ضلوعه، لينهضَ سريعًا إلى سيارتهِ متناسيًا جهازهِ المفتوح، وأوراقهِ المتناثرةِ على مكتبه
تعليقات



<>