رواية شظايا قلوب محترقه الفصل الثاني والثلاثون32 بقلم سيلا وليد

رواية شظايا قلوب محترقه 
الفصل الثاني والثلاثون32
بقلم سيلا وليد

كيفَ لقلبٍ ظننتهُ يومًا موطني، أن يتحوَّلَ إلى منفى لروحي؟..
كيف لمن أحببتهُ حبَّاً يفوقُ الوصف، أن يزرعَ في داخلي هذا الكمِّ من الألم؟
كنت أراكَ نورًا يضيءُ عتمتي، فإذا بكَ تصبحُ ظلًّا يلتهمُ ضيائي..
كنت أظنُّك سكينةً وسلامًا، فإذا بكَ تحملُ لي عاصفةً لا تهدأ..
آهٍ من خيبةٍ جاءت ممَّن كان القلبُ يظنُّهُ الأمان..
خيبةٌ لا تُداوى، لأنَّ الجرحَ جاءَ ممَّن اعتقدتُ أنَّهُ الملاذ..
كنتَ كلَّ أحلامي، فإذا بكَ تصبحُ كلَّ أوجاعي..
كنتَ كلَّ حياتي، فإذا بك تسرقُ منِّي حتى شغفَ البقاء..
ما أقسى أن تكونَ سبب ضعفي هو ذاتك،
وما أصعبَ أن أبحثَ عن الشفاءِ من جرحٍ لا أريدُ نسيانهِ لأنَّهُ منَّك.
أحببتكَ بكلِّ ما فيَّ، ولكن يبدو أن الحبَّ وحدهُ لا يكفي..
ربَّما أنا المخطئ، وربما أنتِ، لكن ما أعرفه أنَّ هذا الألمُ سيبقى شاهداً على حبٍ لم يُكتب له أن يكتمل.
بمنزل ميرال
قاطعهُ صوتُ إلياس كالرعد، ونطقَ بنبرةٍ قاسيةٍ تحملُ من الغضبِ ما يجعلها ترتعش..نبرة قاسيةٌ في التحكُّمِ بكلِّ شيءٍ حوله:
“إن شاء الله هتسمِّيها…جثَّة”
اخترقت الكلمةُ دفاعاتها كطعنةٍ وشعرت بألمٍ يجتاحُ قلبها، حيث كانت تظنُّ أنَّهُ لن يفعلَ شيئًا بوجودِ أخيها، رفعت عينيها إليهِ وهو يقتربُ منها بخطواتٍ ثقيلةٍ باردةٍ كالليلِ الموحش، شعرت بثقلها يطبقُ على صدرها كصخرةٍ لا تُحتمل..كلَّ خطوةٍ يقتربُ منها تشعرُ بأنَّ الهواءَ يهربُ من رئتيها، دبَّ الرعبُ في أوصالها، وارتجفَ جسدها كطيرٍ صغيرٍ عالقٍ بين أنيابِ مفترس..تطلعت إلى نظرات عينيهِ التي يحرقها بها..فالتفتت إلى يزن وظنَّت أنَّ وجودَه سيكونُ حصنها بأوقاتها العصيبة، لكن نظراتهِ حطَّمت ماتبقَّى من أمانها..حدَّقَ بها كوحشٍ يتلذَّذُ بفريسته، وبصوتٍ جافٍّ كالسياطِ همسَ وهو يحاوطُ خصرها:
– مافيش حفلة رقص النهاردة…لمَّا نعمل حفلة، هبقى أجيبك تحيي الليلة.”
كلماتٌ ماهي سوى كلمات ولكنَّها تحملُ في طياتها إهانة، بل سهامًا مسمومة، اخترقت أعماقها وأحالتها رمادًا..شعرت بالدموعِ تخنقها، لكن كبرياءها أصرَّ على ألا تسقط أمامه..تعلقت الأعين بتحدي ولكن ضغط على خصرها بقوة آلامتها ومازالت أنفاسه الحارقة تقتلها
-هحاسبك بعدين …
اقتربَ يزن وابتسامةٌ لعوب وهو يرى غيرةُ إلياس الجنونية، وخاصَّةً حينما لفَّ ذراعيهِ يقرِّبها إليهِ، وهمساته و كأنَّهُ يحاولُ أن يبعدها عن عيونه، وصلَ إلى وقوفهما ثمَّ رفعَ يديهِ يمسِّدُ على خصلاتها، رمقهُ إلياس بعينينِ مشتعلتينِ بالغضب، وقاطعهُ بصوتٍ كالزئير:
“لو لمستها، هقطعلك إيدك.”
صُعقَ من تهديدهِ الذي شعرَ به كالقنبلةِ انفجرت في المكان..فتوقَّفَ مذهولًا، غير قادرًا على تصديقِ ما يسمعه..لكنَّ إلياس لم يعطهِ فرصةً للاعتراضِ وأمسكَ بذراعيها بقسوةٍ جعلت الألمُ يندفعُ كتيَّارٍ كهربائيٍّ يصعقُ جسدها، حتى غُرزت أناملهِ في لحمها، أطبقت على جفنيها لتكبحَ آلامها، كانت تعلمُ ثورانهِ ولكن لم تكن تعلم أنَّهُ سيصلُ لتلك الدرجة،
رسمَ ابتسامةً باردةً على ملامحه وأردف:
-ميرال مكنتشِ تعرف إنَّك هنا، معلش يايزن هتطلع تلبس حاجة، ماهو انت لسة مهما كان غريب عليها
قالها وهو يرمقها بالصعودِ للأعلى، لكنها تحدته قائلة:
-بس يزن أخويا..قاطعها قائلًا:
-على فووووق..نطقها بنبرةٍ جافَّةٍ، وعيناهُ تقدحانِ شررًا يريدُ أن يخرجهُ ليحرقَ كلَّ ما يقابله.
صعدت بخطواتٍ سريعة، قلبها ينبضُ بعنفٍ في صدرها، وكلُّ نبضةٍ تهدِّدُ بأن تنفجرَ من رهبةِ حديثه..أغلقت البابَ خلفها بكفَّينِ يرتجفان، وعيناها تكادُ تدمعان..
يا لهوي عليك يا إلياس..معقول دي غيرة ولَّا جبروت؟
انتقلت بخطواتٍ ثقيلةٍ نحو المقعد، حاولت أن تلتقطَ أنفاسها، لكن كلَّ زفيرٍ كان يشعلُ نارًا داخل صدرها..فكَّرت في كلِّ ما فعلته، أرادت أن تراهُ يغار، أن يشعرَ بما تشعرُ به، أن يراها كما تراه…لكن يبدو أنَّ الأمرَ خرجَ عن نطاقِ السيطرة.
وفي تلك اللحظة، دُفعَ البابُ بعنف، وانفجرَ إلياس في الغرفةِ كإعصار..رمقها بعينينِ تتوهجُ بالغضب، وبدونِ أن يمنحها فرصةً للحديثِ اقتربَ منها بسرعة، وقبضَ على شعرها بشدَّةٍ ورفعها بعنف، فشعرت بكلِّ عضلةٍ في جسدهِ مشدودة، كجزءٍ من عاصفةِ ثائرة..جزَّ على أسنانهِ يهدرُ بعنف، وهي ترى ارتفاعَ وهبوطَ صدره:
– بتعاندي مين؟ مش قولتلك قبل ما أنزل لمِّي المحروق دا..
لم تستطع الرد..كأنَّ الكلماتَ لم تجد الطريقَ إلى شفتيها، ولم تكن قادرةً على تبريرِ ما فعلته، حتى وإن كان ما فعلتهُ لم يكن سوى محاولةٍ مستميتةٍ للاقترابِ منه.
لم يتوقَّف عند حديثهِ اللاذع ، بل مدَّ يديهِ لينزعَ عنها الرداءَ بعنف، حتى وقعت يداهُ على جسدها، حينها شعرت وكأنَّ قبضتهِ كالسلاسلِ التي تكبِّلُ روحها، صرخَ في وجهها كالصاعقةِ التي تضربُ قلبها:
– عايزة تخلِّيني مجرم ؟ قولي لي كام مرَّة اتخانقنا علشان الموضوع دا؟
نظراتهِ إليها بالاشمئزازِ كانت كطعنةٍ في صدرها، حينها شعرت وكأنَّها تتناثرُ كالزجاجِ المنكسرِ تحت قدميه، لتشعرَ بالعجزِ عن النطق…فاقت من مأساةِ مافعلت على دفعها على الفراش، فاستسلمت وكأنَّها فقدت قوَّتها بالكامل..والغضبُ يلتهمُ ملامحَ وجههِ كما لو أنَّهُ لا يستطيعُ التخلُّصَ من النيرانِ التي تشتعلُ في قلبه من نيرانِ الغيرة.
نهضت ببطء، اقتربت منه، واحتضنتهُ من الخلفِ تهمسُ له بنبرةٍ خافتة، وهي تشعر بأنَّ الحروفَ تتناثرُ من فمها بصعوبة:
– ممكن تهدى…من فضلك، علشان خاطري؟ أرجوك اهدى..أنا آسفة واللهِ كلِّ اللي فكَّرت فيه إنِّي أغيظك، أعمل إيه وأنا شايفة كلِّ كلماتك أوامر، عارف لو بس وقفت وقولت لي بغير عليكي، مش عايز حدِّ يشوفك كنت هبقى أسعد واحدة..
رغم قولها لتلك الكلماتِ البريئة، لكنَّها لم تكن كافيةً لتطفئَ لهيبَ الغضبِ في قلبه..
استدارَ إليها بسرعة، وتطايرت نظراتهِ كالسكاكينِ التي تشتعلُ بالغيرةِ وقبض على ذراعيها بشدَّة:
-أوامر!! شايفة خوفي أوامر، شايفة لمَّا أخاف على أهلِ بيتي ومابقاش راجل ديُّوث يبقى أوامر، فيه حاجات ياهانم ماينفعشِ فيها الرأي، لازم تتنفِّذ من غير مناقشة.
-بس دا أخويا، مش غريب والفستان مكنشِ مصيبة لدرجة إنَّك تعمل كدا، ماغادة بتقعد قدَّامك بجيب شورت، ولا مرَّة اعترضت.
-غادة مش مراتي، وأنا مش من النوعية اللي أبص لأختي..إنتي مجنونة دي مش زي دي.
-بس دا اخويا..عادي لو قعدت قدَّامه كدا حتى لو من غير هدوم، إنتَ جوزي وهوَّ أخويا، يعني مش غرب.
لحظةُ صمتٍ قاتلة، ليرمقها بعينينِ تشتعلُ كالنار، وقعت عيناهُ إلى صدرِ فستانها المكشوف، وكانت نظراتهِ تلتهمُ كلَّ جزءٍ فيها..
عادي لمَّا تقعدي جنبِ أخوكي اللي لسة عرفاه من أسبوعين كده؟ كأنِّك مش شايفاني؟
هزَّت رأسها محاولةً إقناعه، لاتعلم أنَّ كلماتها أشعلت نيرانَ أوردته، لم يرد عليها، بل دفعها بقوَّةٍ على الفراشِ مرَّةً أخرى ثمَّ قال بصوتٍ خافت:
-لو لسة باقية عليَّا ابعدي عن غضبي ياميرال، علشان لو غضبت عليكي بجد هخلِّيكي تكرهيني، وأنا مش عايزك تكرهيني، فيه بينا طفل، احترمي علاقتنا إنِّك مامته وأنا باباه.
توقَّفت مقتربةً منهُ تنظرُ إليه بألمِ قلبها الذي يتفتَّتُ من الوجع:
-بس أنا مش عايزة علاقتنا علشان ابننا ياإلياس، أنا عايزاك إنت.
-استدارَ يواليها ظهرهِ وأردفَ قائلًا حتى لا يقعَ تحت وطأةِ عشقه المؤلم:
-اجهزي ياميرال، أخواتك تحت…قالها وخطى بخطواتٍ سريعة، هرولت خلفهِ تمسكُ ذراعيه:
-إلياس لو سمحت بلاش القسوة دي..
نظرَ إلى كفِّها المتشبثِ بذراعهِ ثمَّ رفعَ عينيهِ إلى عينيها:
-مجروح وموجوع منِّك، مينفعش..
صمتًا ثقيلًا بأنفاسها المتقطِّعة، ودموعها التي خانتها دون توقُّف، ابتعدَ بخطواتٍ يشيحُ بنظرهِ عنها، يخشى أن يضعفَ أمامَ عينيها، حاول الهروبَ منها.
– “إلياس…بالله عليك بُصِّلي، ما تخلِّينيش أحسِّ إنِّي واقفة قدَّام واحد غريب.”
قالتها بصوتٍ متحشرج، وكلَّ حرفٍ يخرجُ منها كطعنةٍ بصدرها.
رفعَ رأسهِ ببطء، ونظرَ إليها نظرةً واحدةً كانت كافيةً لتفقدها توازنها الداخلي.
“ميرال…أنا تعبت منِّك، تعبت من وجعي على إيدك، إنتي هدمتي كلِّ حاجة بإيدك.”
قالها بصوتٍ خافت، ورغم خفوتهِ إلَّا أنَّ داخلهِ كألفِ عاصفةٍ تدمِّرُ كلَّ ما يقابله.
خطت نحوهِ بخطواتٍ متعثِّرة، يدها ترتجفُ وهي ترفعها لتلمسَ وجهه، لكنَّهُ أمسكَ بمعصمها وأبعدَ يدها عنهُ بحزم.
“إلياس، ممكن شايفني إنِّي غلطت، بس أنا خوفت عليك، ودلوقتي مش متحمِّلة فكرة بعدك، قلبي بيموت وأنا شايفاك بتبعد.”
انهارت أمامه ، وهي تمسكُ قميصهِ بيديها المرتجفتين، تحاولُ أن تجمعَ شتاتَ نفسها:
-لو كنت مكاني هتعمل كدا.
أبعدَ يديها ببطء، وكأنَّ لمسها كان يحرقه، تراجعَ خطوةً للخلف:
“ميرال، أنا اكتشفت الحبِّ لوحده مش كفاية، كلِّ مرَّة بحاول أسامحك… وللأسف أفشل، المرة دي جرحك كان عميق، لدرجة إنُّه ما بيلمِّش.”
نظرت إليه برجاءٍ تحاولُ أن تحيي في قلبهِ حبَّها..
-خلاص يعني كتبت نهاية حكايتنا، كتبتها علشان اللي عملته ولَّا علشان أنا طلعت بنتِ عدوِّك..طيب هتقدر تعيش من غيري، فين حبَّك ليَّا؟..مش اللي بيحبِّ حد بيسامحه؟..
صمتَ للحظة، وكأنَّ كلماتها ضربت وتراً داخله..أغمضَ عينيهِ وحاولَ أن يتنفسَ بعمقٍ ليقاومَ الانفجارِ الذي يشعرُ به..
استدارَ إليها وتعمَّقَ بعينيها الغارقةِ بدموعها، حاولَ النطق، ولكنَّهُ شعرَ وكأنَّهُ لا يعلمُ شيئًا من الأبجدية..
توقَّفَ للحظات، جامدًا صلبًا، يسبحُ في بركةِ صراعهِ بين عقله وقلبه، أجابها ببعضِ الحروفِ الممزوجةِ بالألم، لينطقَ قائلا:
“منكرش أنا بعيش كلِّ يوم في صراع بين قلبي اللي لسه بيحبِّك وعقلي اللي بيصرخ إنُّه ما ينفعشِ أكمِّل، أبحرَ بعينيها وتابع… ميرال، حاسس إنِّك بتخنقيني، مش قادر أواجه نفسي بعد اللي عملتيه، ماضي راجح ميهمنيش، علشان اتربِّيتي على إيدي، يعني مهما يقول ويعمل مستحيل أصدَّق كلمة قالها عليكي، لأنِّي واثق في ميرال اللي مصطفى السيوفي وفريدة ربُّوها، منكرش إنِّك انضغطي، ومنكرش إنِّك عانيتي، بس إنتي نسيتي وسط دا كلُّه إنِّك ملك راجل مستعدِّ يحرق الكون علشانك، للأسف اللي عملتيه كسر جوايا حاجات مش عارف أجمعها تاني، اللي انكسر مابيتصلحش، وإنتي للأسف كسرتي قلبي لمَّا روحتي لراكان تستنجدي بيه وجوزك عايش، وبيحبِّك ويموت لو حصلِّك حاجة ”
بكت بألمٍ وأردفت بصوتٍ مليءٍ بالحسرة:
“يعني خلاص كدا، مفيش أمل تسامحني؟”
استدارَ، حينما أصبحت كلماتها تزيدُ من ألمه.. خطا نحو الباب بخطواتٍ بطيئة، وكلَّ خطوةٍ تشقُّ روحهِ نصفين، توقَّفَ عند الباب ولم يلتفت ولكنَّهُ أردفَ قائلًا:
“ميرال… يمكن في يوم تسامحي نفسك، بس أنا مش قادر أسامحك، كان ممكن أطلَّقك، بس حقيقي مقدرتش، ضعفت، منكرشِ إنِّك ساعات بتضعفيني، بس برضو مش معنى إنِّي مطلقتكيش علشان سمحتك، لأ، مطلقتكيش علشان مش مسموح لحبيبة إلياس السيوفي تكون حرَّة، قولتها لك زمان، حبِّي ليكي نار بتكوي، لو بتحبِّيني بجد، سيبيني لحدِّ ماأروق، ومش مسموح لك الغلط، حتى مع أرسلان، أتمنَّى تعاملك مع يزن يكون في حدودِ الإخوة المتعارف عليها مش علشان تغيظيني زي ماكنتي بتخطَّطي.” التفتَ برأسهِ وتعلَّقت الأعينُ مستأنفًا:
-أسامح في أيِّ حاجة غير إنِّك تيجي على رجولتي وقلبي، أشارَ إلى قلبهِ وقال:
-طول ما قلبي لسة بينبض باسمك مالكيش إنِّك تغلطي، يمكن لمَّا نبعد وأحسِّ حياتنا بقت مستحيلة أنساكي..قالها وفتحَ البابَ وخرج، لتجلس على المقعد كالتائهة تضغطُ بيديها على قلبها الذي بدا وكأنَّهُ ينكسرُ إلى أشلاءٍ لا يمكن جمعها…
بعد فترةٍ هبطت ميرال للأسفل، بخطواتٍ بطيئة..مازال قلبها يعتصرُ من الألمِ لكلماته، وقعت عيناها على يزن وإلياس، وهما يتحدثانِ بصوتٍ منخفض، وكأنَّهم لا يريدون أن يستمعَ أحدًا لهما. رفعَ إلياس رأسهِ إليها ثمَّ اتَّجهت عيناهُ إلى رؤى، هنا شعرت بثقلِ الهواءِ حولها.. التفتت برأسها لرؤى، التي كانت تجلسُ في ركنٍ مثل طفلةٍ معاقبة، تحملُ بين عينيها ألفَ سؤالٍ وألفَ خوف.
رفعت ميرال عينيها قليلاً لتقابلَ نظراتُ إلياس التي اخترقت دفاعاتها بسهولة، وشعرت باضطرابٍ في أنفاسها، حتى شعرت بأن المكان اصبح ضيِّقًا جدًا على احتمالها..حاولت الهروب، خطت بعيدًا عن مرمى عينيه، وألقت سؤالاً لتكسرَ صمتها الذي أصبح أكثرُ قسوة:
– تشربوا إيه؟
قالتها متَّجهةً إلى المطبخ، ولكن أوقفها إلياس قائلًا:
– استني يا ميرال.
أشار برأسهِ إلى رؤى، التي كانت تبدو وكأنَّها تنتظرُ حُكمًا بالبراءةِ أو الإدانة، ثمَّ التفتَ إلى يزن الذي بدا متردِّدًا قبل أن ينطق:
– كنت بتقول إنِّ طارق له أخت، بس ما عرفتش إذا كانت عايشة ولَّا ميتة.
أومأ يزن ببطء، عيناهُ تحملُ شيئًا من الحزنِ والدهشةِ وهو يتابعُ رؤى بعينينِ زائغتين:
– دي رؤى اللي طنط فريدة قالت عليها؟
قالها يزن لتشعرَ ميرال بأنَّ كلماتهِ كرصاصةٍ أصابت قلبها دون سابقِ إنذار، ومازالت تعاني بلعنةِ الماضي التي مازالت تخنقُ راحتها، ثورانٌ بقلبها عن مشاركتها لزوجها، هل يعاقبها الحاضرُ والماضي معًا لتُسحبَ إلى دوامةِ الغرقِ أكثر وأكثر، نظرت إلى رؤى التي كانت تحدِّقُ بهما بجهل، وهي لا تفهمُ حديثهما..
تقدَّمَ إلياس بخطواتٍ واثقةٍ نحوها، ساحبًا كفَّها بخفَّة، لكنها شعرت بالضعفِ يزحفُ إليها، وكأنَّ تلك اللمسة خلفها عاصفة، من دقائقَ كان يعاملها كشيطانة، والآن يحاوطها بحنانِ ذراعيه، رفعت رأسها تنظرُ إلى وجههِ القريبِ ولمعت دموعها حينما تسلَّلَ الشكُّ لعقلها لتقول:
-إلياس إيه اللي بيحصل؟..
توقَّفت ميرال تراقبُ المشهدَ من بعيد، وقعت عيناها على ذراعيهِ التي يحاوطُ بهما رؤى كأنَّهُ درعُ حمايةٍ لها لتشعرَ بنغزةٍ تحرقُ صدرها..لم تستطع احتمالَ ما ترى فهربت إلى المطبخ، خطواتها كانت أسرعُ من دموعها التي تكافحُ للهروب.
حاولت أن تبدو متماسكة، لكن صوتها جاءَ منكسرًا وهي تقول:
– هعمل حاجة تشربوها.
لكن صوتَ إلياس أوقفها مشحونًا بالثقلِ والغموض:
– مش لمَّا تسلِّمي على أختك الأوَّل؟
توقَّفت في مكانها بجسدٍ متجمِّدٍ وكأنَّها تحوَّلت إلى تمثالٍ عاجزٍ عن الحركة. التفتت ببطءٍ لتقابلَ عيني رؤى التي كانت تحملُ كلَّ معاني الذهول..لتهتفَ رؤى بصوتٍ مرتجفٍ بالكادِ استطاعت النطق:
– أختي؟
اقتربَ إلياس من ميرال وحاوطها من خصرها بخفَّة، لتقفَ أمام رؤى مباشرةً وتحدَّثَ بصوتٍ متَّزن، لكن كلَّ كلمةٍ منه كانت كطعنةٍ لكلتيهما:
– ميرال بتكون أختك الكبيرة يارؤى.
طالعتهُ رؤى بذهول، علَّها تستوعبَ الكلماتِ التي وقعت على أذنيها كصدى رعدٍ أصابَ أذنها بالصَّمم..التفتَ إلياس إلى يزن الذي كان يقفُ متصلِّبًا في مكانه، يحاولُ جمع شتاتِ نفسه..أشارَ إليه وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
– وده أخوكم أنتو الاتنين..وكمان عندكم أخ تاني أكبر من ميرال، بس مش موجود دلوقتي.
هنا شعرت أنَّ قدميها لاتستطيع أن تحملها، وأنَّ جسدها أوشكَ على الانهيارِ رغم معرفتها سابقًا، تلألأت عيناها بالدموعِ تبتعدُ عن نظراتِ الجميعِ لتنزل بنظرها، اقتربَ إلياس منها ولفَّ ذراعيهِ حولها بتملُّكٍ ينظرُ إلى يزن منتظرًا ردَّةَ فعلهِ مع رؤى، خطا إليها يزن بخطواتٍ بطيئةٍ إلى أن توقَّفَ أمامها، ليشعرَ كلاهما بثقلِ الحقيقةِ التي تفصلُ بينهما. ثمَّ قالَ بنبرةٍ حزينةٍ تحملُ مرارةَ السنين:
– زي ما سمعتي، إنتي أختي أنا وميرال، كنت فاكر إنِّك ميتة، أو إنِّ راجح وصلِّك، بس ما توقعتش إنِّك تكوني قريبة من أختك وما تعرفوش بعض.
قاطعهُ صوتُ إلياس يحملُ مزيجًا من السخرية والمرارة:
– يعني جت على دي؟ أنا عشت مع أمِّي تلاتين سنة وما كنتش أعرف إنَّها أمِّي.
التفتَ بنظرهِ إلى وجهِ ميرال، التي كانت تبدو كالحاضرةِ الغائبة..غارقةً في صمتها القاسي وأكملَ بمرارة:
– وعايش مع بنتِ عمِّي وما كنتش أعرف، فطبيعي رؤى تكون عايشة وما نعرفهاش.
ضحكَ بخفَّةٍ لكنَّها كانت ضحكةً خاليةً من أيِّ فرح، يحاولُ كسرَ الجليدِ الذي يشعرون به:
– من الآخر كده، راجح عمل شبكة عنكبوتية لذيذة..بس الصراحة أجمل شبكة، مش كده يا ميرال؟
قطعَ حديثهِ بكاءَ الطفل، لتبتعدَ ميرال عن ذراعهِ منتفضةً و تحرَّكت بسرعةٍ باتِّجاهِ الطفل، ونطقت بكلماتٍ تعني الكثير والكثير :
– بدل إنتَ قلت كده ياإلياس، يبقى لازم يكون كده.
لكن أوقفها صوتُ رؤى وهي تقولُ بنبرةٍ تحملُ انكسارًا وذهولاً:
– يعني ياإلياس، إنتَ بتكون ابنِ عمِّي؟! أنا بكون بنتِ عمَّك اللي عرفته من فترة؟
أغمضت ميرال عينيها بقوَّة، شعرت وكأنَّ كلماتَ رؤى تمزِّقُ روحها إلى أشلاء، لكن ما زادَ الألمَ كان صوتُ إلياس الذي أكملَ بنبرةٍ ثقيلةٍ لكنَّها حاسمة:
– وجوز أختك كمان، تخيَّلي يعني مش بس ابنِ عمِّك، لا ده جوز أختك.
تسارعت خطواتُ ميرال، وصعدت الدرجَ وهي تحاولُ أن تهربَ من كلِّ شيء، دموعها انهمرت بلا توقُّف، وأصبحت تشعرُ أنَّها تسيرُ في ممرٍّ مظلمٍ لا نهايةَ له، كلَّ كلمةٍ سمعتها كانت خنجرًا يغرزُ في صدرها، وكلَّ حقيقةٍ انكشفت كانت تلتهمُ جزءًا من روحها…يكفي لعنات الماضي، أقسمت أنَّها سوف ترمِّمُ نفسها حتى لو وقفت بين جيوشِ العالمِ الظالمة، وصلت إلى ابنها وأخذتهُ من المربية تشيرُ إليها بالخروج:
-سبيه معايا أنا ههتمِّ بيه..إلَّا أنَّ المربية قطعت حديثها:
-مدام، الباشا قالِّي أهتمِّ بيه وبلاش إرهاق لحضرتك، اختنقَ صوتها تشيرُ إليها بالخروج:
-مفيش إرهاق روحي شوفيهم في المطبخ خلِّيهم يقدِّموا حاجة للضيوف، ويعملولي عصير فريش..هزَّت رأسها بالموافقةِ وتحرَّكت دون حديث..
أطبقت على جفنيها بعد خروجها، ولكن قاطعها بكاءَ طفلها لترفعهُ وتحتضنهُ بقوَّةِ إلى صدرها:
-مالك حبيب مامي، جعان ولَّا إيه..وضعتهُ على فراشهِ لتهيِّئ نفسها لإطعامه، ولكن ارتفعت أنفاسها من بكائهِ المستمر وهي تفتحُ زرَّ كنزتها بأناملها المرتعشة؛ ليرتجفَ جسدها بالكاملِ لعدمِ قدرتها على السيطرة على أنفاسها مع بكاءِ طفلها..جلست بجوارهِ تنظرُ إلى بكائهِ بصمت..وكأنَّها فقدت روحُ المحاربةِ للتعايش، بالأسفلِ استمعَ الى صوتِ بكائهِ المتواصل، ليهبَّ مفزوعًا ينادي على مربيته:
-الولد بيعيَّط ليه كدا؟..
أجابتهُ بصوتٍ جعلته متَّزنًا:
-المدام أخدته وقالت هتهتمِّ به، التفتَ إلى يزن ورؤى قائلًا:
هطلع أشوف يوسف، البيت بيتك يايزن..قالها ولم ينتظر حديثهِ ليأكلَ درجاتِ السلَّمِ بخطواتهِ السريعة، وصوتُ ابنهِ يخترقُ أذنه، دفعَ بابَ غرفتهِ لتقعَ عيناهُ على جلوسها بجوارهِ تطالعهِ بجسدٍ هربت منه الدماء، بل هربت منهُ الحياة، انحنى يحملُ الطفلَ بهدوءٍ وعيناهُ تحتضنُ جلوسها الذي أدمى قلبه، حاولَ تهدئةَ ابنهِ ولكن ارتفاعَ بكائهِ زلزلَ جدرانَ الغرفة..جلسَ بجوارها متمتمًا بهدوء:
-ميرال الولد مش بيسكت، ليه أخدتيه من النانا؟..
طالعتهُ بعيونٍ صامتةٍ ولكنَّها تحملُ الكثيرَ من المعاناة، رفعَ كفَّيهِ يمسِّدُ على خصلاتها:
-خدي ابنك في حضنك وسكِّتيه يالَّه،
إن شاءالله كلِّ حاجة هتكون كويسة، هزَّ رأسهِ وأشارَ إليها أن تلتقطَ ابنها..
أغمضت عينيها حتى لا تسمحَ لدموعها بالانهمار..انحنى يطبعُ قبلةً حنونةً على وجنتيها هامسًا لها:
-متأكِّد فترة صعبة علينا كلِّنا بس هتعدِّي إحنا قدَّها، يالة حبيبتي سكِّتي ابنك..قالها وهو يضعُ الطفلَ بين يديها
وضعَ الطفلَ بين يديها فشعرَ بارتجافةِ جسدها، هنا شعرَ أنَّ روحه تخترقُ
للحظة، تجمَّدت عيناهُ عليها، تبحثُ في ملامحها وداخلهِ ضجيجٍ من المشاعر المتناقضة..
ألمٌ يكادُ يخنقه، عفوٌ لا يعرف كيف يمنحه، اشتياقٌ يتآكله، واضطرابٌ يعصفُ بكلِّ شيءٍ داخله..لم يكن يعلم ما عليه فعله، لكنَّهُ كان متأكِّدًا من أمرٍ واحد: مازال قلبه ينزف منها، نعم هو مجروح..منها.
أغمضَ عينيه باستسلام، علَّهُ يستكينُ من تلك المشاعرِ العاصفة، محاولًا التمسُّكَ بصبره، كبحَ غضبهِ داخلهِ بصعوبة، ثمَّ رفعَ ذراعيهِ وجذبها إليه، يضمُّها بقوَّةٍ يشعرها بأنَّهُ حبلها الوحيد الذي يمكنهُ انتشالها من الغرق، استسلمت لذراعيه، وشيئًا بداخلها انكسرَ أكثر..وضعت رأسها على كتفهِ وهي تهتفُ بخفوت، صوتها بالكادِ يصلُ إليه، لكنَّهُ كان محمَّلًا بكلِّ ما بها من ألم:
هنفضل نعاني لحدِّ إمتى ياإلياس؟ لحدِّ إمتى الماضي هيفضل يحرق أرواحنا؟ أنا…أنا مش قادرة أقبل رؤى كأخت، حاولت من يوم ما قلت لي، حاولت والله، بس مقدرتش..كلِّ ما أتذكَّر إنَّها السبب في وجعي منَّك…بكرهها، مش قادرة أخدها في حضني، عارفة إنَّك ممكن تقول عنِّي جاحدة..بس واللهِ غصب عنِّي..
شعرَ بكلماتها كسكِّينٍ تقطعهُ ببطء..حدَّقَ في عينيها بعمق، يحاولُ أن يُغرقَ أحزانها في بحرٍ من السكينةِ التي لم يعد يملكُ منها الكثير..رفعَ خصلاتَ شعرها التي انسدلت على وجهها بحنان، وأدارَ وجهها الذي أبعدته نحوهِ ليحجزَ نظراتها المكسورةِ بعينيه، وتحدَّثَ بصوتٍ دافئٍ رغم مرارةِ مايشعرُ به، فنطقَ بنبرةٍ متَّزنةٍ بعضَ الشئ:
– ميرال، إنتي مش وحشة..مفيش حدِّ يقدر يقول عنِّك جاحدة، لأنِّك مش كده..
إنتي طيبة جدًا، بس الظروف أحيانًا بتجبرنا نعمل حاجات غصبِ عنِّنا.. دلوقتي، لازم تتقبِّليها، مش لأنَّها مجرَّد أختك..لكن لأنَّها إنسانة محتاجاكي، رؤى مش وحشة، هي بس محتاجة أمان، محتاجة تحسِّ إنَّها مش لوحدها، إنَّها وسط عيلة.
قاطعتهُ فجأة، بصوتٍ مليءٍ بالمرارةِ وكسرٍ لم تستطع إخفاءه، عيناها تفيضُ غضبًا وغيرة:
– رؤى عايزة حاجة واحدة، إلياس..عايزاك إنتَ، هيَّ قالتهالي، بكلِّ برود وثقة قالت بدل هنطلَّق، هيَّ أحقِّ بيك..تخيَّل؟ مين اللي أعطاها كلِّ الثقة دي؟ مين خلَّاها تقف قدَّامي وتقول الكلام ده؟
ضحكَ ضحكةً صاخبة، لكنَّها لم تكن من قلبه، كانت ضحكةً مشحونةً أقربُ إلى الانفجار..لكنَّها أشعلت نيرانَ الغيرةِ في عينيها أكثر..
تراجعت للخلفِ وهي تضمُّ طفلها إلى صدرها بقوَّة، كأنَّها تخافُ أن يُسلبَ منها كما سُلبَ كلَّ شيءٍ من حياتها، أشارت إليهِ بحدَّة:
– لازق فيَّا ليه؟ مش المفروض إنَّك بتعاقبني؟ روح بقى، روح للطيبة الحنونة اللي إنتَ خايف على مشاعرها ومبرَّرلها كلِّ حاجة..وأنا؟ أنا أيِّ حاجة منِّي بتعلَّق لي عليها مشنقة..
صمتَ للحظة، كلماتها شقَّت قلبهِ نصفين، زفرَ بقوَّة ثمَّ أشارَ إلى طفلهما الذي بين ذراعيها، وكأنَّهُ لم يستمع إلى حديثها:
خلِّي بالك من يوسف يا ميرال… ربِّنا يهديكي.
قالها بصوتٍ خافت.. محمَّلًا بكلِ خذلانِ العالم، ثمَّ استدارَ وغادر..ومع كلِّ خطوةٍ يبتعدها، كان يتركُ خلفهِ عالمًا من الألم، ممزوجًا بحبٍّ ممزَّق، وأحلامٍ انطفأت تحت ثقلِ الماضي.
بالجامعة وخاصة كلية الطب
توقفت بجوار صديقتها تقص لها ماصار منذ الاسبوعين المنصرمين ..عانقتها خديجة بمحبة
-ألف مبروووك، والله فرحت لك ياروحي، المهم ادم عمل ايه في القضية
زفرة حارقة اخرجتها من جوفها وكأنها اشواك تؤلمها ثم اردفت:
-الحقيرة لسة مصرة، لأ وجايبة شهود أنه هددها، وبيساومها على حاجات، ومش بس كدا رفعت قضية عليه أنه أجبرها تسقط الجنين، الحيوانة كانت حامل وسقطت وتهمت ادم
-يالهوي ياإيلين، دي شكلها قادرة
هزت رأسها قائلة:
-للأسف، وآدم هيتجنن، بس بيقولي دا جزاته وعقاب ربنا له، بس مش عارفة حاسة أنه مخبي عليا حاجة كبيرة تفتكري ايه
لكزتها تشير إلى استاذ المادة
-الدكتور دخل، مش عايزين كلمة منه، شوفتي مكنش عجبك دكتور الجثث الحليوة جالك فعلا دكتور جثث ميتين
ضغطت على أسنانها تشير إليه بعينها
-غليظ جدا، وبقيت اكره السكشن بتاعه، والله دومي كان عسل، انا معرفش دا ايه، لا واسمه شمس، دا يسموه ضلمة يخربيته..قطع حديثهما
قائلًا:
-الدكاترة اللي مش مبطلين رغي، ركزو معايا، انتوا دكاترة مش اطفال ..ذهب ببصره إلى إيلين واردف
-دكتورة إيلين ممكن لو سمحتي تيجي هنا وتشرحي لزمايلك ازاي نسحب عينة من الجثة علشان نعرف سبب الوفاة
-لما تموت يادكتور وقتها هعرف
توقف يطالعها ممتعضًا:
-لما اموت..ارتفعت ضحكات الجميع، لتطلع إليه مردفة:
-مش قصدي كدا، قصدي لما اشوف جثة هشرح لحضرتك
في صباحِ اليومِ التالي في منزلِ يزن، اجتمعَ الجميعُ على طاولةِ الطعامِ بأجواءٍ مفعمةٍ بالدفء، بعدما استعادت إيمان بسمتها بعد أسابيعٍ من الألم و الحزن..كان الضحكُ يملأُ المكان، وكأنَّ الغيومَ التي خيَّمت على البيتِ قد انقشعت أخيرًا. قطعَ كريم الأجواءَ المرحةِ بنبرةٍ واثقة:
بما إنِّنا هنعمل الخطوبة قريب، إيه رأيكم نعمل حفلة جوازكم معانا بالمرة؟ وأهو بدل ماإنتَ وراحيل تعبانين كده.”
نظرت راحيل إلى كريم، ثمَّ إلى يزن، قبل أن تخفضَ عينيها سريعًا، وقد احمرَّت وجنتاها بخجل..قاطعهُ يزن بنبرةٍ هادئةٍ لكنَّها حازمة:
“لأ مش دلوقتي، خلِّينا نفرح بيكم الأوَّل، وبعد كده نبقى نقرَّر هنعمل إيه.”
نهضت راحيل بعدما استمعت إلى ثقلِ كلماتهِ وهي تردِّد:
“هشوف إيمان بتعمل إيه.”قالتها وخطت إلى الداخلِ بخطواتٍ متعثِّرة، تاركةً وراءها أنفاسًا مشحونةً وكلماتٍ غير منطوقة.
ظلَّ يزن يتابعُ تحرَّكاتها حتى غابت عن ناظريه، ثمَّ أطلقَ زفيرًا طويلاً وكأنَّهُ يحاولُ إفراغَ قلبهِ من ثقلٍ لا يُحتمل..لحظاتٍ من الصمتِ مرَّت كأنَّها دهرًا، حتى نطقَ كريم بنبرةٍ متفاجئة:
“مالك يا يزن؟ شكلك مش مرتاح؟”
أدارَ يزن وجههِ بعيدًا، وبدأ يشعلُ سيجارتهِ بنظراتٍ تحملُ مزيجًا من الألمِ والغضب، ثم قالَ بصوتٍ كاد يخنقه:
“أنا مش ناوي أكمِّل مع راحيل يا كريم.”
اتسعت عينا كريم بذهول:
“إنت بتقول إيه؟! أومال ليه رجعت كتبت عليها تاني بعد ما طلَّقتها؟”
نفثَ يزن دخانَ سيجارتهِ ببطء، يشعرُ بأنَّ زفيرهِ يحملُ جزءًا من ألمهِ المكبوت، ثمَّ قال ببرودٍ مصطنعٍ يخفي جرحًا غائرًا:
“علشان راجح رجَّعتها، علشان أقف له.. هوَّ هيخرج من السجنِ قريب، وعايزه يعرف إنِّ كلِّ حاجة بقت تحت سيطرتي، أملاك راحيل بقت باسمي، ودي أوَّل ضربة.”
تجمَّدَ كريم في مكانه، ونظرَ إلى يزن بحدَّة وقال بنبرةٍ تتأرجحُ بين الغضبِ والاستنكار:
“يعني إيه؟ رجَّعتها مش علشان بتحبَّها؟”
قهقهَ يزن بسخريةٍ مريرة، ثمَّ نظرَ إليه بعينينِ غارقتينِ بظلالِ خيبةِ أملٍ عميقة:
“أحبِّ مين يا كريم؟ أظن إنتَ فاهمني أكتر من كده..أنا أسلِّم قلبي لحدِّ تاني؟ مستحيل، الحبِّ ده لعبة أنا خسرتها زمان، أنا اتبهدلت، اتذلِّيت، وانكسر قلبي قدَّام ناس متستهلش، وراحيل…مش أكتر من جزء من خطِّتي.”
وقفَ كريم فجأة، وهدرَ بنبرةٍ أشبه بعاصفةٍ تضربُ هدوءَ يزن الزائف:
“بس راحيل مالهاش ذنب في اللي حصل لك! إنتَ ليه بتظلمها معاك؟”
نظر إليه يزن بعيونٍ غارقةٍ في بحرٍ من المرارة، وقال بصوتٍ كأنَّهُ اعترافٌ مؤلم:
“وأنا مش هأذيها يا كريم..هيَّ عمرها ما كانت جزء من انتقامي، كلِّ اللي عايزه إنِّي آخد حقِّي من راجح؛ عايز أشوفه وهوَّ مذلول قدَّامي زي ما أمِّي كانت مذلولة بين إيديه وهيَّ حامل فيَّا، بتتوسَّل له علشان يودِّيها للدكتور وهوَّ رافض..
ظلمها، طردها في نصِّ الليل، وإصراره إنَّها تسقَّطني، علشان راجح باشا مش من مستواه يخلِّف من ستِّ فقيرة، وبعد ماعرف رانيا مابتخلفش قرَّر ياخدني منها..ولولا طنط فريدة كان زماني بقيت زي طارق ياأمَّا في السجن، ياأمَّا ميت زي ابنه اللي الحقير دخَّله في شغله وهوَّ مالوش في حاجة، أنا بس عايز أشوفه مكسور…زي ما كسرنا كلِّنا، بنتِ زيِّ رؤى ذنبها إيه تعيش يتيمة وأبوها عايش، دي كانت في ملجأ ياكريم..أمَّها ماتت ومالقتشِ اللي يدفنها وعارف الصدمة الأكبر إيه؟. إنِّ البنتِ جت بطريقة غير شرعية ولولا وقوف فريدة ضدُّه وتهديدها له مكنشِ البنتِ اتثبِّتت..
سحبَ نفسًا من سيجارتهِ وزفره يحرقُ رئتيهِ كإحساسٍ بالغدرِ والخسَّةِ واستطرد:
-لو شوفت حياة ميرال إزاي، كنت اقتنعت إنِّ موت راجح لا محالة منُّه، واحدة كانت من أنجح المحرِّرين..الكلِّ بيحلف بذكاءها وأسلوبها، تعالَ شوفها دلوقتي بيتهموها بالاستهتار، ومبقتشِ تنفع حتى مراسلة، ليه دا كلُّه؟..علشان حياتها اللي اتهدِّت في لحظات، غير علاقتها بجوزها اللي على صفيح ساخن، وكلِّ كلامها أنا بنتِ عدوُّه؛ إزاي هقدر أنام في حضنه وأنا شايفة في عيونه وجع من راجل يُعتبر أبويا.
اسكت ياكريم الراجل دا مسبشِ حدِّ إلَّا لمَّا أذاه، وفي الآخر لفَّق لي تهمة علشان اتجوِّزت راحيل ولمَّا معرفشِ يمسك حاجة عليَّا خطف أختي، وإنتَ شوفت رجعت إزاي، انسى مرارةِ الساعات اللي عشتها وأختي بين مجرمين..كان مفكَّر نفسه ذكي علشان يتنازل لراحيل على كلِّ حاجة، قال خايف بعد قضيةِ إلياس يسألوه من أينَ لك هذا، أهو هيطلع من المولد بلا حمص..
-أنا عارف يايزن إنَّك مجروح وموجوع، بس اللي أقصده إنَّك تكمِّل مع راحيل هيَّ متستهلش..
مينفعشِ ياكريم إحنا الاتنين مختلفين، شوف حياتها إزاي وشوف حياتي إزاي، الفترة اللي قرَّبت منها عرفت عمرنا مانتِّفق..
سادَ صمتٌ ثقيل..وكلماتُ يزن غرزت جرحًا عميقًا في روحِ كريم، الذي بات يرى أمامهِ رجلاً ليس فقط مدفوعًا برغبةِ الانتقام، بل غارقًا في جروحِ الماضي التي تأبى أن تلتئم.
هوت الصينيةُ من يديها بعدما استمعت إلى حديثهِ الذي سحبَ أنفاسها؛ لتترقرقَ عيناها بالدموعِ تهمسُ بنبرةٍ ممزوجةٍ بحروفِ الألم:
-ليه..ليه تعمل كدا؟..
تجمَّد للحظات..صمتًا قاتلًا بينهما، وكأنَّ العالمَ توقَّفَ ليشهدَ صراعَ أرواحهم، جرت ساقيها بثقلٍ إلى أن توقَّفت أمامهِ محطَّمة، وهو يحاولُ أن يخفي انكساراتهِ تحت قناعٍ بارد، كان صوتُ أنفاسها المتقطِّعةِ وضرباتِ قلبها المتسارعةِ ك جرسُ إنذارٍ يشقُّ أذنيه.
اقتربت منهُ أكثر، ودموعها تنسابُ بلا توقُّف، وصوتها يتهدَّجُ بين البكاءِ والغضب:
– كنت حاسة إنِّ في حاجة غلط، لكن ماقدرتش أصدَّق إنَّك ممكن تكون بالشكلِ ده..ليه يا يزن؟ ليه؟
نظرَ إليها بعينينِ زائغتين، وكأنَّهُ يبحثُ عن مخرجٍ من مواجهتها. .رفعَ يديهِ وكاد يلمسُ كتفها لكنَّهُ تراجع، يشعرُ بأنَّ لمسهِ لها أصبح محرَّماً عليه..ثمَّ نطقَ بصوتٍ خافت، يحملُ في طياتهِ شيئاً من الألم:
“أنا آسف…”
صرخت فيه مجددًا، بصوتٍ يملؤهُ الألم أكثر من الغضب:
– آسف؟! آسف على إيه؟ على قلبي اللي كسرته؟ ولَّا على روحي اللي دمَّرتها؟ ولَّا على الكذبة اللي عشتها وأنا فاكرة إنِّي مع حدِّ بيحبِّني؟
تراجعَ خطوتين، وأخفضَ رأسهِ بخذلان من نفسه، وأحس بأنَّ كلماتهِ خانته، لكنَّهُ نطقَ بحروفٍ ممزوجةٍ بالألم:
– أنا ماكنش عندي اختيار…كان لازم أعمل كده، مكنشِ قدَّامي طريقة تانية…
ضحكت ضحكةً مريرة، وهي تهزُّ رأسها غير مصدِّقة:
– كان لازم؟ وإيه عنِّي أنا؟ أنا مالي؟ أنا مجرَّد وسيلة؟
هزَّ رأسهِ بخفَّة، ثمَّ همس:
– مش هقدر أبرَّر لنفسي، اللي عملته غلط… وعارف إنِّك مش هتسامحيني، بس حقيقي مكنشِ قصدي أخدك لعبة.
-لعبة..يعني كنت بتلعب بمشاعري؟!..
أشارت إلى أذنها ثمَّ إلى الجهةِ الثانية حينما همسَ له بحبِّها؛ وأردفت بنبرةٍ متقطِّعةٍ تشعرُ بأنَّ الحروفَ تعاندها للخروج:
-يعني هنا لمَّا قولتي لي بحبِّك كنت بتلعب بمشاعري، تلعب بيَّا أنا!..
أشارت إلى نفسها تدورُ حولهِ بنظراتٍ مشتَّتة ضائعة:
-وأنا الهبلة اللي صدَّقتك، وعملت تنازل بكلِّ حاجة..
-آسف يارحيل بس حقِّي لازم أخده بإيدي..ومكنشِ قصدي آذيكي قالها
ثمَّ استدارَ مبتعدًا، تاركًا خلفهِ قلبها المهشَّم، وكلماتها الأخيرة تلحقُ به
بعد عدة أيام، وهو اليوم المقرَّر لخروجِ راجح من السجن، بعدما توصل إلياس إلى ماسعى إليه توقَّفت سيارةٌ سوداء فارهة أمام المحكمة، كان بداخلها إلياس وسائقهِ الخاص، فتحَ البابَ ببطء، نزعَ نظارتهِ الشمسية، ثمَّ ترجَّلَ بخطواتٍ ثابتةٍ وواثقة.
قبل أن يتمكَّنَ من التقدُّمِ أكثر، ظهرَ راجح فجأة، يتقدَّمُ نحوهِ بخطواتٍ مليئةٍ بالتحدي، ونطقَ بسخرية واضحة:
“أوعى تقولِّي إنَّك جاي تبارك لي يا ابنِ جمال.”
ضغط إلياس على شفتيهِ بابتسامةٍ باردةٍ مفعمةٍ بالسخرية، وردَّ بصوتٍ هادئٍ لكنَّهُ لاذع:
“طبعًا يا راجح باشا، عربيتك الفاخرة واقفة وراك، ومراتك في البيت محضَّرة لك حمَّام سخن، يبقى استحمَّى علشان ريحتك مقرفة..وبالمرة، عندك بدلة شيك؟ روَّق بيها رانيا بدل ما هيَّ ماشية تلفِّ البلد وتلمِّ الرجالة.” قالها
ثمَّ بصقَ على الأرضِ بازدراء، وأردفَ بنبرةٍ قاطعة:
“مقرفين!”

أنهى حديثهِ، وقعت عيناه على أحد السيارات المرصوفة بالجهة الاخرى، ابتسم ساخرًا يتمتم لنفسه
-ابن حلال وتستاهل، اهو دلوقتي اتكشفت انك عمي ياراجح، ياله بالشفا، قالها وارتدى نظارته متجهًا نحو سيارتهِ دون أن ينتظرَ ردًّا، تاركًا راجح يغلي من الغضب، ووجههِ قد احمرَّ كالجمرِ المشتعل.
داخلَ سيارته، أمسكَ إلياس هاتفهِ بعصبية، وبدأ يتحدَّثُ بصوتٍ حاد:
“عملت إيه يا ظابط نصِّ كم؟”
عند أرسلان وصلَ إلى المكانِ المنشود، ثمَّ صعدَ فوق السيارةِ يراقبُ فيلا راجح عن بُعد، انحنى يجذبُ بعض الفواكهَ وبدأ يلوكها بهدوءٍ وعيناهُ الصقريةِ تخترقُ الأنحاء، أمسكَ هاتفهِ وهاتفَ إسحاق:
-إسحاقو حمدالله على السلامة ياحبيبي.
على الجانبِ الآخرِ أجابهُ وهو يرتدى ثيابه:
– نازل رايح لفاروق إنتَ فين..
-أنا بسلِّم على راجح..توقَّفَ إسحاق عمَّا يفعلهُ وتساءل:
-بتخطَّط لإيه؟..
استطعم فاكته وأجابَ بنبرةٍ باردة:
-يقتل رانيا، أو هيَّ تقتله، المهمِّ نخلص من واحد فيهم.
-غلط يابنِ فاروق، لسة بدري على الخطوة دي، لازم تاخدوا حقُّكم الأوَّل بالعقل مش بالتهوُّر.
-عمُّو اتأخرت على ميعادك سلام ياإسحاقو.
-سبَّهُ الآخر وتوقَّفَ يتنهَّد، ثمَّ رفعَ هاتفهِ وتحدَّثَ مع أحدهم:
-شوف راجح الشافعي راح فين بعد خروجه من المديرية؟..وسلَّكه بعيد عن بيته..
بعد دقائقَ استمعَ إلى رنينِ هاتفه:
-عملت إيه؟..
– أشعلَ سيجارةً ونفثَ تبغها وأجابهُ بتهكُّم:
“العروسة مستحميِّة ولابسة بدلة الرقص وشغالة الله ينوَّر..تعجبني دماغك يا جوز ميرال.”
توقَّفَ إلياس للحظة عند سماعِ اسمِ “ميرال”، وكأنَّ النارَ اشتعلت داخله، ردَّ بغضبٍ مكتوم:
“وحياة لسانك الطويل، لو قرَّبت من بيتي تاني، ما أنا راحمك..
هقطع إيدك، يا بارد!”
ضحكَ أرسلان ضحكةً مستفزة، وأردفَ بخبث:
“لو ابن ابوك اعملها، ماشي يا جوز ميرال.”
اشتعلَ غضبُ إلياس أكثر، وقال بحدَّة:
“ما بحبش الهزار في حياتي الشخصية، دلوقتي ركِّز معايا..الزفتِ الِّلي اسمه راجح دا عايزك ظلُّه، صوَّر كلِّ حاجة، وياربِّ تفلح المرَّة دي”
أنهى المكالمةَ بحنقٍ واضح، وألقى هاتفهِ على المقعدِ بجانبه. أخذَ نفسًا عميقًا محاولًا تهدئةَ نفسه، ثمَّ تمتم:
“تعالَ ورِّيني شطارتك يا مسكَّر.”
بينما كانت سيارتهِ تنطلق، ظلَّ يحدِّثُ نفسهِ بغضبٍ مكبوت:
“ماشي يا ميرال..فاتحة البيت شاطئ البحر الأحمر؟ بتعانديني؟”
ضغطَ بقوَّةٍ على عجلةِ القيادة، وكأنَّها تنفيسًا عن الغضبِ الذي يلتهمه.
عند فيلا راجح:
كانت رانيا تتمايلُ بخفَّةٍ بجسدها فوق طاولةٍ صغيرة، ترتدي فستانًا قصيرًا يبرزُ مفاتنها بشكلٍ صارخ، وكأنها فتاه في العشرينات، في المقابلِ كان هناكَ رجلًا جالسًا على الفراش، يتناولُ الفاكهة، وعيناهُ تلتهمانها بنظراتٍ شهوانية.
رفعَ الرجلُ صوتَ الموسيقى، ونهضَ بخفَّةٍ ليتمايلَ بجوارها، ضحكاتهِ ترتفعُ مع كلِّ حركة، ويداهُ تتجولُ بلا استئذان.
تلاعبت رانيا برباطِ روبه، وكأنَّها تغريهِ أكثر، فجأةً اندفعَ نحوها ودفعها بقوَّةٍ على الفراش، متملِّكًا اللحظةَ وكأنَّ العالمَ لا يتَّسعُ لغيرهما…
عند راجح في طريقهِ إلى الفيلا:
قبل وصولهِ إلى فيلته، رنَ هاتفه..تناولهُ من يدِ سائقهِ وأجابَ بلهجةٍ واثقة:
“ألو؟ مين معايا؟”
جاءهُ صوتًا هادئًا من أرسلان، يحملُ نبرةَ تهديد:
“أهلاً يا راجح، وحشتني يا راجل..أكيد ما تعرفنيش، أنا عمِّ الولد.”
ارتبكَ راجح للحظة، وردَّ بحذر:
“عايز إيه؟”
أجابهُ بصوتٍ مصحوبًٍ بتنفيثِ دخانِ سيجارته:
“حبيت أبلَّغك إنِّ عربيتك فيها قنبلة.. وهتنفجر بعد دقيقة بالظبط.”
تجمَّدَ الدمُ في عروقِ راجح، وارتفعَ صوتهِ صارخًا في سائقه:
“وقَّف العربية! بسرعة!”
حاولَ السائقُ التوقُّفَ بجنون، لكنَّهُ صاحَ بذعر:
“العربية ما بتوقفش، يا باشا!”..
مرَّت قرابةَ الساعةِ ولم يظهر راجح، اشتعلَ غضبُ أرسلان، وهو ينظرُ إلى ساعتهِ بينما راقبَ الشخصَ الذي خرجَ من فيلا رانيا، زفرَ بحدَّة كمن يحاولُ كبحَ طوفانِ الغضبِ داخله، ثمَّ قال بلهجةٍ حادة:
– راح فين الغبي دا؟ هوَّ صدَّق إنِّ العربية فيها قنبلة ولَّا إيه؟
قطعَ تفكيرهِ صوتُ رنينِ هاتفه، نظرَ إلى الشاشةِ بانزعاجٍ وهو يضغطُ أسنانهِ بغيظ:
أهو الزنان، هيبدأ ينقِّ عليَّا..
رفعَ الهاتفَ وأجابَ ببرود:
“نعم.”
على الجهةِ الأخرى، تحدَّثَ إلياس وهو يقودُ سيارتهِ باتجاهِ فيلا السيوفي:
– عملت إيه؟ وراجح عمل إيه؟
ردَّ أرسلان بضيق، يشغِّلُ محرِّكَ سيارتهِ بعنف:
– مجاش، شكله مات في الطريق من الخضة..أنا مش فاضي دلوقتي، بعدين ندوَّر على حاجة تانية.
أغلقَ الهاتفَ دون أن ينتظرَ ردًّا..حدَّقَ إلياس في الهاتفِ بغضبٍ مكتوم، ثمَّ تمتمَ بسخرية:
“واللهِ كنت عارف إنَّك فاشل.”
وصلَ إلى فيلا العائلة، دلفَ إلى الداخلِ ليجدَ والدتهِ تقفُ أمام إحدى العاملات، تشيرُ بيدها لإكمالِ تعليقِ زينةِ رمضان.. لاحظَ انشغالها فاقتربَ مبتسمًا:
-ماما، بتعملي إيه؟
التفتت إليهِ مبتسمة، وعلى وجهها علاماتُ الإرهاقِ الممتزجةِ بالفرحة:
أهلًا ياحبيبي، بنعلَّق زينة رمضان.
هزَّ رأسهِ بتفهُّمٍ ثمَّ سألَ سريعًا:
-بابا فين؟
أشارت إلى غرفةِ المكتب دون أن تتوقَّفَ عن توجيهِ التعليمات، وقبلَ أن يخطو نحوها، أوقفتهُ قائلةً بنبرةٍ هادئة:
– عدِّيت على مراتك؟ قولت لها تيجي تفطر معانا؟
تجاهلَ سؤالها واستمرَّ في طريقه، غير راغبٍ في فتحِ أيِّ نقاش..نظرت إليه بحزنٍ خنقَ روحها، وكأنَّها تراقبُ انهيارهما تدريجيًا:
وصلت غادة ، وتساءلت بخفوتٍ وهي تلاحظُ ملامحَ والدتها الشاردة:
– ماما، مالك؟
تنهَّدت والدتها وأجابت بتثاقل:
– عملتي إيه مع مرات أخوكي؟ هتيجي؟
هزَّت غادة رأسها بقلق:
– معرفشِ يا ماما، إن شاءالله تيجي هي وعدتني، بس عرفت إنَّها زعلانة جدًا من إلياس، تخيَّلي بقاله أكتر من أسبوعين ما شافشِ ابنه.
ربتت الأم على كتفِ غادة بحنانٍ وهي تحاولُ طمأنتها:
– طيب روحي شوفي إسلام صحي ولَّا لسه ياحبيبتي.
أومأت غادة وتحرَّكت نحو الطابقِ العلوي، بينما ظلَّت الأمُّ تحدِّقُ في زينةِ رمضان بحزنٍ يلفُّهُ الشجن، تهمسُ لنفسها:
– وبعدهالك يابنِ فريدة، وبعدهالك.
ساعاتٌ قليلةٌ مرَّت، والأجواءُ بدأت تهدأ مع اقترابِ لحظةِ إطلاقِ مدفعِ الإفطار، لكن الغليانَ في القلوبِ ظلَّ يتصاعدُ دون توقُّف.
دقَّت الساعةُ واقتربت لحظةُ الإفطار، لتجتمعَ العائلةَ حول المائدةِ التي زينت بأشهى الأطباق،
اتَّجهت فريدة إلى طاولةِ الطعام، تُلقي نظرةً أخيرةً عليها، تطالعها برضا وسعادة مشوبةً بشيءٍ خفيٍّ وهي تراقبُ الباب.. أخذت نفسًا عميقًا واستدارت على صوتِ إسلام:
“يااه، أخيرًا شوفت ضحكة ستِّ الكل!”
رسمت على وجهها ابتسامةً خفيفة، وجذبتهُ من أذنهِ بلطفٍ قائلة:
“وأنا كنت كشرية ياابنِ مصطفى؟”
قهقهَ بصوتٍ عالٍ محاولًا الإفلاتَ من يدها:
“أبدًا أبدًا…”
ركضت غادة نحوهما، تملأُ المكانَ بحركاتها الطفوليةِ وصوتها المرح:
“بتهزَّروا من غيري؟ أنا زعلانة”
تراجعت فريدة مبتسمةً على طفولتها الصافية، ثمَّ رمقت ساعةَ يدها بأنفاسٍ متلاحقةٍ كمن ينتظرُ شيئًا على أحرِّ من الجمر:
“ميرال اتأخرت..تفتكروا هتيجي ولَّا هترجع في كلامها زي كلِّ مرَّة؟”
جلست غادة على المقعدِ متنهدةً بحماسٍ ممتزجٍ بالأمل:
“هتيجي، أنا متأكدة..المرَّة دي لازم تيجي، ماهي بقالها كتير اوي مجتش هنا.” ثمَّ أضافت بصوتٍ حالم: “هيّّ وعدتني…”
قطعَ حديثهما وصولُ رؤى التي ألقت تحيةَ المساءِ بصوتٍ هادئ:
– “مساء الخير.”
ردَّت فريدة بلطفٍ ممزوجٍ بهدوءِ الأم التي تحتضنُ الجميع:
“مساء الخير يا حبيبتي، اقعدي شوية، عمِّك هينزل دلوقتي.”
ثمَّ وجَّهت بصرها نحو إسلام، الذي جلسَ يتابعُ هاتفه:
“إلياس صحي ولَّا لسه ياإسلام؟”
ردَّ دون أن يرفعَ عينيه:
“بيصلِّي العصر، راحت عليه نومة.”
لحظات ودوى صوتُ مدفعِ الإفطار، تزامنَ مع نزولِ مصطفى وإلياس، اقتربَ مصطفى من فريدة بخطواتٍ واثقة وحنانٍ يظهرُ في قسماتِ وجهه، ليطبعَ قبلةً على جبينها:
“رمضان كريم يا ستِّ الكل.”
ردَّت بابتسامةٍ باهتةٍ وهي تنظرُ إلى بابِ الفيلا:
“كلِّ سنة وإنتَ منوَّرنا يامصطفى.”
جلسَ مصطفى على المقعد بجوارها، يربتُ على كتفها بحنان:
“اقعدي يا فريدة، المغرب أذن..ولَّا ناوية تفضلي صايمة للصبح؟”
رفعَ إسلام عينيه نحوها بحزن، ثمَّ تحرَّكَ بهدوءٍ إلى غادة، التي أخفضت رأسها وكأنَّها تحاولُ إخفاءَ شعورها، تناولَ كوبًا من العصيرِ ووضعهُ أمام والدتهِ بحنو:
“اشربي يا حبيبتي.”
رفعت فريدة عينيها التي لمعت بالدموع، وأغمضتهما للحظةٍ تتمنَّى خلالها أن تراها تدخلُ عليهم بابتسامتها المعتادة…وصل إلياس ملقيًا التحية على الجميع، وجلس على مقعده المخصص، وقعت عيناه على مقعد ميرال بجواره، حينما استمع الى صوت فريدة
-اقعدي جنب رؤى حبيبتي، دا كرسي مرات اخوكي، ضغطت غادة على شفتيها لتمنع عبراتها تتمنى من الله ألا تخذلهم ميرال هذه المرة، لحظات، ودلفت ميرال من البابِ بصوتها الرقيقِ وابتسامتها التي تحملُ ألفَ شعور، وهي تحملُ طفلها.
هبَّت غادة نحوها مهرولةً كطفلةٍ وجدت لعبتها المفضلة:
“مش قولتلك يا ماما؟ ميرو مستحيل تخلف وعدها معايا، صح ياميرو؟”
ضحكت ميرال تضمُّها بمحبَّة:
“أقدر أزعَّلك ياروح ميرو؟”
سحبتها غادة نحو طاولةِ الطعام، لكن مصطفى توقَّفَ فاتحًا ذراعيهِ بحماسٍ إلى حفيده:
“حبيبة عمُّو، وحشتيني، إنتي وحبيب جدُّو”
احتضنتهُ ميرال بمحبَّة، ثمَّ اتَّجهت إلى فريدة التي جذبتها بعنفوانٍ عاطفي، تحتضنها وكأنَّها غائبةٌ عنها سنوات.. شهقت فريدة بصوتٍ مرتعش، بينما الدموعُ انهمرت من عينيها:
“زعلانة منِّك أوي أوي ياميرال.. ثمَّ…”
وضعت يديها على وجنتيها، وتابعت:
-بس مش مهم، المهمِّ إنِّ حبيبة قلبي نوَّرت بيتها تاني..
ربتت على كتفها بحنانٍ قائلة:
“مقدرشِ على زعلك ياحبيبة قلبي، بس مضغوطة في الشغل والله..وقلت لعمُّو كده، لسة نازلة بقالي كام يوم .”
قاطعهم صوتُ إسلام بمزاحٍ حاولَ كسره:
“مش ناوية تسلِّمي عليَّا؟ أنا جعان وعايز آكل.”
استدارت إليهِ، وابتسمت رغم دمعاتها:
“وحشتني يا سلومة، عامل إيه؟”
ردَّ بمزاحٍ ثقيل:
“أحسن منِّك يا روح سلومة، عارفة لو مش في رمضان كنت بوستك، بس يلَّا، الله يسامح رمضان.”
اتَّجهت بنظراتها إلى إلياس ورسمت ابتسامة، رفعَ عينيهِ إليها، لم يستطع أن يخفي ألم اشتياقه الدفين، مر أكثر من أسبوعين لم يراها .
نظرت إليهِ للحظات، وقلبها يثقلُ بالمشاعر:
“كلِّ سنة وإنتَ طيب ياإلياس.”
أجابها بهدوءٍ مخيف و ملامح ثابتة، لكن عينيهِ كانت عاصفةً بالاشتياق، ثمَّ قالَ بصوتٍ خافت:
“وإنتي طيبة.”
قالها ونهضَ من مكانهِ بغتة بعدما تجرع العصير، وكأنَّ المكانَ أصبح ضيِّقًا عليهما، أوقفتهُ فريدة:
-حبيبي ماأكلتش ليه؟..توقَّفَ ولم يستدرَ إليها قائلا:
“شربت عصير وشبعت، عندي شغل لازم أخلَّصه، انحنى جهة والده يحمل طفله
-هاخده لما تخلص أكل ياحبيبي.”..ثم
اتَّجهَ بنظرهِ إلى غادة وأضاف:
“خلِّيهم يعملولي قهوة.”
قالها وتحرَّكَ بخطواتٍ ثقيلةٍ نحو الداخل، لكنَّ صوتَ فريدة أوقفه:
“إلياس استنى”..خطت إليهِ
وتشبَّثت بذراعهِ بقوَّة، أردفت بنبرةٍ تحملُه رجاءً خفيًا:
“علشان خاطري، اقعد معانا..أنا ما صدَّقت نتجمَّع.”
توقَّفت خطواتهِ لكنَّهُ لم يلتفت، قال ببرودٍ كالصقيع:
“ولازم التجمُّع يكون على الأكل؟ حضرتك عارفة أنا ماليش في الأكل.”
قالها وتحرَّكَ سريعًا، مغلقًا البابَ خلفه، وقلبهِ الذي يأنُّ بعنفٍ داخله، حاولَ أن يبتعد، حاول أن ينسى، ولكنَّ قلبهُ يقبضُ عليهِ بعنف..
توقَّفت فريدة تنظرُ إلى البابِ المغلقِ بعيونٍ زائغة، بينما قالت ميرال بصوتٍ متهدِّج وهي تربتُ على كتفها:
“اقعدي، ياحبيبتي، هوَّ كده دايمًا دا إلياس يعني…المفروض تكوني حفظتيه.”
-يعني إنتي مش زعلانة؟..هزَّت رأسها بالنفي ورسمت ابتسامةً على وجهها:
-هزعل ليه..قالتها وهي تنظر إلى مكانه وطعامه الذي لم يمسه، فتوقفت تجمع بعض من طعامه واردفت بهدوء
-هدخله الطبق دا، يمكن ياكل حاجة..ربتت فريدة على ظهرها
-هياكل منك صدقيني، اومأت وتحركت إلى الغرفة التي يمكث بها، كان جالسًا على الأريكة يداعب طفله وهو يضحك بصوت مرتفع، استمع الى خطواتها خلفه، رفع نظره إليها وقعت عيناه على ماتحمله، فرجع إلى إبنه
-أنا مش جعان، وانت عارفة اكلي بيكون كدا، بشرب عصير وبعد فترة باكل اي حاجة ..اقتربت تضع سرفيس من الطعام بجواره
-احنا في رمضان ودا اول افطار، لو مضايق من وجودي، ممكن امشي
-ايه اللي بتقوليه دا، لا طبعا، انا مش جعان..جلست بجوار طفلها تتطلع إليه بإشتياق
-معنى اللي عملته كدا، حتى ماهانش عليك تقولي كل سنة وانت طيبة، استنيت تليفونك طول اليوم
-وهتستنيه على طول ياميرال، مش عايز اتكلم ونوجع بعض، انا بعيد، ورغم طلبت منك ماتشتغليش غير لما الولد يكبر كالعادة روحتي لبابا واستنجدتي بيه، اللي فهمته من عمايلك أنا هامش، ويمكن كمان ماتكونيش حبتيتي، مجرد تعود قدامك، أو حبيت شخصية إلياس مش اكتر ..توقفت تتطلع إليه بصمت دون حديث، ثم تحركت للخارج، وصلت إلى جلوس الجميع، جذبُت المقعدَ لتجلس عليه، وقعت عيناها على رؤى:
-إزيك يارؤى..ابتعدت عنها قائلة:
-أهلًا ياميرال ..مطَّت ميرال شفتيها بعدمِ رضا إلى أن قاطعها مصطفى:
-عاملة إيه حبيبتي وأخبار شغلك إيه؟..
أجابتهُ مبتسمة وهي تضعُ المحرمة على ساقيها:
-الحمد لله ياعمُّو، وشكرًا لحضرتك إنَّك أقنعت إلياس أنزل الشغل.
قاطعتها رؤى تطالعهم ببغض:
-معرفشِ ليه رافض شغلك، وهوَّ مصر على الطلاق…حمحمَ إسلام قبل التهابِ الأجواء قائلًا:
-بتِّ ياميرو شوفتيني وأنا على التلفاز، إيه رأيك حلو صح؟.
التمعت عيناها بابتسامةٍ، محاولة نسيان كلمات إلياس، فأردفت قائلة:
-الله أكبر عليك ياحبيبي بجدِّ سعيدة بيك ياإسلام، ويارب أشوفك أحسن لاعب باسكت في العالم كلُّه.
رفعَ ياقةَ ملابسهِ بغرورٍ غامزًا لها :
-إن شاء الله..تطلَّعت فريدة إليها متسائلة:
-يزن راح لك، كان عايزك إنتي ورؤى تروحو تفطروا عنده النهاردة، بس أنا رفضت وقولت له أنُّكم هتفطروا معايا.
تناولت الطعامَ متذكِّرةً حديثُ إلياس ورفضهِ الخروجَ خارجَ نطاقه، فأجابتها:
-مش هعرف ياماما، وقتي ضيَّق بجي من شغلي تعبانة وابني طول الوقت مع النانا، مش موافقة، أنا هعزمه لعندي عايزة أتعرَّف على أخته وخطيبها.
أومأت فريدة متفهِّمة، كانت نظراتُ رؤى مصوَّبةً عليها حتى نطقت:
-إيه رأيك نزور بابا ونشوفه عمل فينا كدا ليه؟..
رمقتها بحدَّة وهدرت بنبرةٍ مستاءة:
-أبوكي إنتي، الراجل دا مستحيل تربطني بيه علاقة، إيه عاجبك فضايحه اللي مالية الجرايد..
استندت رؤى على الطاولةِ وحدقتها بنظرةٍ غاضبة:
-حضرتك اللي عاملة حفلة عليه، دا مهما كان أبونا، هتستفادي إيه وإنتي عمالة تسلخي فيه بالطريقة القذرة دي، ولا علشان خايفة تخسري جوزك اللي هو في الأساس مش معبرك وكل تفكيره أنه يطلقك، احسن لك فكري ازاي تحسني صورة ابوكي اللي احنا لحد دلوقتي معرفناش الحقيقة، مجرد كلام سمعناه، تقدري تقوليلي ياسيادة الصحفية فين الدليل أنه بالبشاعة دي
-رؤى..صرخَ بها إلياس يشيرُ إليها بحدَّة:
-البيت دا محترم وللناس المحترمة، عايزة تقعدي فيه يكون بأدبك وبس.
نهضت رؤى وألقت المحرمة:
-تمام ياحضرةِ الظابط، عرفت إنَّك بتطردني، بس ياترى دا شو علشان المدام ولَّا علشان بتخطَّط لحاجة تانية؟..
-اخرسي يابت..قالها واقتربَ منها كالشيطان..توقَّفت فريدة أمامه:
-خلاص ياحبيبي هيَّ ماتقصدش..أبعدَ والدته عنها، ثمَّ جذبها من ذراعيها بقوَّة، ليدفعها بعيدًا عن طاولةِ الطعام..
أوقفهُ مصطفى يصيحُ بعنف:
-دا احترامك لأبوك يامحترم..توقَّفَ عاجزًا وكأنَّ جسدهِ شُلَّ بالكامل، فلم يعد لديه القدرة على الصمت، ورغم ذلك اتَّجهَ إلى غرفةِ مكتبهِ مرَّةً أخرى دون أي ردَّةِ فعل.
تنهَّدَ الجميعُ بعد مغادرته، توقَّفت رؤى وانهارت دموعها باستياءٍ ثمَّ وزَّعت نظراتها على الجميع قائلة:
-أنا آسفة بس مهما كان دا أبويا، مش عارفة أكرهه أو بمعنى أصح مش عارفة أعمل إيه، يمكن علشان معنديش حد ولقيته إنقاذ، أو يمكن علشان طول عمري عايشة من غير أب، نفسي أعرف إحساس البنت اللي عندها اأب بيكون إيه احساسها…اقتربت من فريدة واحتضنت كفَّيها:
-أنا عارفة إنِّك مقصرتيش معايا، حضرتك وعمُّو مصطفى بس نفسي أشعر بطعمِ كلمة بابا، أنا بشوفها بس، عمري مانطقتها، يمكن قولت ماما لحضرتك، بس بابا دي معناها إيه؟. توجَّهت بنظراتها إلى ميرال:
-احمدي ربِّنا على حياتك، أنا لو مكانك هقول ربِّنا بيحبِّني أوي أوي، اتربيت مع ستِّ عظيمة، وراجل أيِّ بنت بتتمنَّى يكون أبوها، حتى لو إنِّك عارفة أنُّه مش باباكي بس كفاية منتمية لسيادةِ اللواء مصطفى السيوفي، ويوم ماتتجوِّزي تتجوِّزي راجل أيِّ بنت في الدنيا تتمناه، معاكي حاجات غيرك نفسه بربعها …قالتها وصعدت سريعًا للأعلى.
-صمتٌ ثقيلٌ بالمكان بعد صعودها، إلى أن قطعَ الصمتَ صوتُ غادة التي تلألأت عيناها بالدموع:
-رؤى صعبانة عليَّا أوي، اليتم وحش أوي، يعني إحنا ربِّنا عوضنا بماما، بس هي لا ماما ولا بابا.
قاطعهم مصطفى يشيرُ إلى الطعام:
-افطروا وأنا هطلع لها وأراضيها..قالها وتحرَّكَ وهو يحملُ يوسف الذي وضعه إلياس على ساقه عند خروجه
توقَّفت ميرال لتأخذَ طفلها إلَّا أنَّهُ أوقفها:
-خلِّيه معايا حبيبتي، وبعدين هعدِّيه على باباه، هوَّ كان جاي ياخدله حاجة بس أنا كلَّمته بعنف، ربتَ على كتفها يشيرُ إلى الطعام:
-روحي افطري، وياعبيطة متبعديش عن جوزك حتى لو هوَّ رافض، دا مجرَّد كلام ..
بعد عدَّةِ ساعاتٍ ارتفعَ صوتُ ضحكاتهم بالحديقة، قفزَ إسلام يجلسُ بجوارِ ميرال وهو يحملُ يوسف ويداعبه؛ ثمَّ حاوطَ أكتافها مقتربًا منها يهمسُ بجوارِ أذنها ليرتفعَ صوتُ ضحكاتها وهي تلكزه، وهناك أعينٌ من النيرانِ نشبت بهما مخالبَ الغيرةِ التي نهشت بصدره، ليخرجَ عن صمتهِ يدفعُ المقعدَ ويتحرَّكُ للخارج، وصلَ إلى الجمعِ ينظرُ إلى إسلام الذي يحملُ ابنه، وقعت عيناه على ذراعيه الذي يضعه على المقعد خلف ميرال وكأنه يحاوطه به..نيران أشعلت بأوردته فاقترب منه ولم يشعر بنفسه سوى وهو يتلقف ابنه ويمسك اسلام من ياقته يدفعه بعنف حتى سقط على الأرض الصلبة يصرخ متألمًا ليهب الجميع على ذلك المشهد، لم يكتفي بذلك بل جذبه وهو يوقفه، ويلكمه بقوة، يضغط بعنف على ذراعه يهمس بهسيس نيران الغيرة
-علشان تبقى تعاندي وتمشي ورا تخطيط ارسلان ..قالها ليسمع صوت ذراعه مع صرخات اسلام ..هرولت ميرال تبعده عن إسلام الذي احتضن ذراعه
-حيوان مفترس الله يخربيت خططك ياارسلان ضيع مستقبلي ..انحنت ميرال أمامه
-اسلام..صرخ بوجهها
-انسيه، ااااه ياماما، المفترس كسر دراعي، جثت بركبتيها أمامه مع وصول فريدة
-ايه اللي حصل..بحث بنظره على إلياس الذي استقل سيارته وغادر المكان بسرعة جنونية

حين يغيب صوتك، يصمت العالم من حولي، وتصبح اللحظات باهتة بلا لون، بلا طعم، بلا حياة. أشتاق إليك بكل ما فيّ، أشتاق لدفء حديثك، لنبرة صوتك التي تروي عطشي للحب، لنظراتك التي كانت تغمرني بالأمان.
العشق ليس مجرد شعور، بل هو نداء القلب حين يفتقد نبضه الآخر، هو لهفة العين لرؤية من تحب، هو ذلك الحنين الذي يسكن الروح ويجعل من الأيام دونك مجرد عبور بلا معنى. فكل لحظة تمر دونك، يزداد شوقي، ويتعاظم حنيني، وكأن المسافة بيننا تزيد من احتراقي وتوقي إليك.
يا من ملكت قلبي، أحتاجك كما تحتاج الأرض للمطر، وكما تحتاج الوردة للندى، فعد سريعًا، قبل أن يأخذني الاشتياق إلى عالم لا أجد فيه سوى ظلك وهمسك في أحلامي.
#إلياس_السيوفي
بعد دفعه لإسلام، اتجه إلى سيارته وظلَّ يدور في شوارعِ القاهرة كالتائهِ في غياهبِ الجبِّ، توقَّف أمام النيل يحدِّقُ في مياههِ الصامتةِ التي تعكسُ هدوءًا لا يملكه؛ تراجع بجسدهِ متردِّدًا وهو يستعرضُ شريطَ حياتهِ منذ أن كان طفلًا وحتى هذا اليوم..مرَّت الذكريات أمام عينيه بسرعةٍ مربكة، يحاولُ أن يحافظ على توازنهِ الداخلي كي لا يُظهرَ صراعهِ الخفي..مع من انهزم القلبَ أمامها..
توقَّفَ عند ذكرى مع متيِّمةِ قلبه، تلك الذكرى التي لم يجنِ منها سوى ألمٍ متراكم، كالنَّارِ التي تأبى أن تخمد..فمنذ أن دقَّ قلبه، وعشقهِ مليئًا بالألم، عشقًا يشبهُ الغرقَ في بحرٍ بلا شاطئ.
رنَّ هاتفه، نظر إلى شاشته فرأى اسمَ صديقهِ شريف، رفع الهاتفَ مجيبًا:
إلياس، كتب كتابي بكرة بعد صلاة التراويح متنساش، وياريت تيجي ومعاك أستاذة ميرال.
آسف يا شريف نسيت، رمضان وأوَّل يوم، دماغي مفصولة.
ولا يهمَّك يا حبيبي، المهم متنساش.
“حاضر…”
أغلقَ الهاتف، وعيناه لا تزال معلَّقةً على مياهِ النيلِ التي تعكسُ سكونًا غريبًا، يناقضُ العاصفة داخله..بقي لدقائق صامتًا، إلى أن رفع هاتفه مجدَّدًا واتَّصل.
بفيلا السيوفي، كانت ميرال تجثو بجانب إسلام، الذي كان يحتضنُ ذراعه بألمٍ ظاهر..رفع عينيهِ إليها وهدرَ غاضبًا:
-عايزة إيه أكتر من كده؟! الحمدُلله إنُّه مخرجشِ سلاحه وضربني.
ربتت ميرال على كتفهِ بحنان، محاولةً تهدئتهِ وساعدتهُ على النهوض:
أنا معرفش بتتكلِّم عن إيه..اتفاجأت زيك..طالعها بنظراتٍ مبهمةٍ ثمَّ أردف بخفوت:
-عملت كدا قولت يمكن لمَّا يغير ياخدك في حضنه، أخدني أنا في حضنه بس حضنِ المخبرين، أنا كان مالي إن شاءالله تولعو..
ضيَّقت عينيها بجهلِ كلماته، وتساءلت:
-إنتَ سخن؟..أنا مش فاهمة حاجة..
رمقها ساخرًا ليقول:
-أومال كنت بهمس لك على غادة ليه، علشان تضحكي وهوَّ يضايق لمَّا يشوفك في حضني.
-حضنك!!..حضن إيه يا مجنون؟!.
تراجع بعيدًا يطالعها متهكِّمًا..
دقائق ووصلَ مصطفى على صوتِ صراخِ إسلام:
-إيه اللي حصل؟!
تحرَّك إسلام متجاهلًا مصطفى، ينادي على غادة بصوتٍ مختنق:
تعالي سوقي العربية، شكل إيدي اتكسرت بجد.
أوقفه مصطفى متسائلًا بقلق:
– مش سامعني؟ إيه اللي حصل؟
ردَّ إسلام بتوتر وهو يحاولُ التظاهرَ بالهدوء:
– مفيش يا بابا، حادثة بسيطة… وقعت على الأرض.
في تلك اللحظة، وصلت فريدة تنظرُ مندهشةً بين ميرال وغادة، وسألت بحدَّة:
– إيه اللي حصل؟
لم تجب ميرال، بل حملت طفلها من المربيةِ بعد أن ارتفعَ صوتهِ بالبكاء. قالت بهدوءٍ وهي تحاول تهدئةَ الصغير:
– سيبيه، أنا هسكِّته.
أما غادة، فقالت بصوتٍ خافت:
معرفش، إلياس اتخانق معاه، بس ليه؟ اللهُ أعلم..
توسَّعت عينا فريدة بدهشة، تنظرُ إلى غادة غير مصدِّقة:
إلياس؟ اتخانق مع إسلام؟! ليه؟!
ليه؟!..تساءلت بها فريدة.
هزَّت كتفها بجهلٍ وعيناها على ميرال التي ارتجفت شفتيها مبتعدةً عن تجمُّعهم، بعد حديث إسلام الذي صفعها بقوة.
استمعت إلى رنينِ هاتفها، أخرجته ببطء، تنظر إلى الشاشةِ لوهلة، وكأنَّها تحاولُ أن تستجمعَ نفسها قبل أن تضغطَ على زرِّ الرد..جاءَ صوتها خافتًا ومثقلًا بالتردُّد:
-أيوة؟
لم يتأخَّر ردُّه، جاء كعادتهِ حازمًا وقاطعًا:
– متمشيش، قدَّامي ساعة وهاجي أوصَّلك.
أطلقت تنهيدةً طويلة، وكأنَّها تحملُ كلَّ ما عجزت عن قوله:
– مفيش داعي يا إلياس…زي ما جيت، هرجع.
لكنَّهُ أجابها صارمًا، لا يحتملُ اعتراضًا:
-مش باخد رأيك…قالها وأغلقَ الهاتف، تاركًا بها صمتًا ثقيلًا يحيطُ بقلبها المثقل بالألم.
تحرَّكت ببطءٍ إلى الداخل، تسحبُ قدميها بثقلِ أفكارها، صعدت إلى غرفتهِ وهي تحملُ طفلها بحذر، وكأنَّها تلجُ إلى مكانٍ مقدَّسٍ مليءٍ بالذكريات..ماإن فتحت الباب حتى استقبلتها رائحتهِ التي اخترقت صدرها بلا استئذان، فأثارت مشاعرها كأمواجٍ عاتيةٍ تغمرُ قلبها.
وقفت للحظةٍ لدى الباب تنظرُ إلى السرير، حيث ما زالت آثار نومهِ تعبثُ بالأغطية، شعرت وكأنَّ كلَّ شيءٍ هنا يصرخُ بوجوده، حتى في غيابه..اقتربت بخطواتٍ بطيئة، تخشى أن توقظَ الأشباح التي يغمرها المكان برائحته.
وضعت طفلها برفقٍ على السرير؛ ثمَّ جلست بجانبهِ تتلَّمسُ الأغطيةَ بأطرافِ أصابعها وكأنَّها تتلَّمسُ ملامحهِ الغائبة بالمكان الحاضرة بقلبها… شعرت بحرارةِ دموعها تتكوَّمُ في عينيها، لكنَّها قاومتها..ومدَّت يدها بخفَّةٍ فوق الوسادةِ تتحسَّسُ أثره.
انحنت ببطء، ودفنت وجهها في الوسادة، تسحبُ منها أنفاسهِ التي تركها ..أغمضت عينيها، وارتجفت شفتيها وهي تبتسمُ ابتسامةً شاحبة، حملت مزيجًا من اشتياقها
تمدَّدت على السرير، واحتضنت الوسادةَ كأنَّها تحتضن أثاره بين يديها..رفعت عينيها نحو طفلها الذي غفا بهدوءٍ بجانبها، لتطمئنهُ رائحةَ حضنِ والده..
مدَّت يدها تلامسُ ملامحهِ الصغيرةِ بحنانِ أمٍّ مزَّقها شوقها لأبيه..أغلقت عينيها أخيرًا، مستسلمةً لنومٍ متقطِّع، بين أحلامٍ تحاولُ أن تكتمل، وأوجاعٍ تنغِّصها.
لكن هذا السلام المؤقت لم يدم..بعد ساعةٍ أفزعها رنينَ الهاتفِ مرَّةً أخرى. فتحت عينيها بارتباك، مدَّت يدها إلى الهاتف، لتجيبَ بصوتٍ متردِّد:
-أيوة..أجابها على الطرفِ الآخر:
أنا تحت، انزلي.
ردَّت سريعًا وهي تحاولُ أن تستعيدَ توازنها:
“حاضر..”
نهضت بخطواتٍ متسارعة، ترتِّبُ ملابسها بعجلة، وتحاولُ تهدئةَ طفلها الذي استيقظَ على صوتها..حملتهُ واتَّجهت للخارج، لكن خطاها توقَّفت عند صوتِ والدتها فريدة، وهي تخرجُ بابتسامةٍ متردِّدة:
– دخلت لقيتك نايمة، مردتش أصحِّيك..إيه رأيك نشرب قهوة قبلِ ما تمشي؟
ابتسمت ميرال بخفة، محاولةً كبح شعورٍ بالذنبِ يتسلَّلُ إليها:
آسفة يا ماما، لازم أرجع علشان ألحق أرتاح شوية قبل السحور..عندي شغل بكرة.
لكن فريدة لم تخفِ ضيقها، تمتمت بنبرةٍ متذمِّرة:
مش اتفقنا إنِّ رمضان كلُّه نقضِّيه مع بعض؟
اقتربت ميرال منها، وقبَّلت يدها بحنانٍ ثم قالت بابتسامةٍ مائلة:
بكرة معزومة عند يزن، وبعده عند أرسلان، يا ستِّ ماما..شكلك نسيتي، يلا باي، إلياس مستنينا تحت.
لكن فريدة أمسكت بذراعها فجأة، ورمقتها بنظرات تحملُ مزيجًا من الحنانِ والعتاب:
– هو اللي هيوصَّلك؟
أومأت ميرال بالإيجاب دون أن تنبس بكلمة..ثمَّ نادت على المربية:
– انزلي بيه تحت للباشا.
نفَّذت المربية أمرها بطاعة، فيما استدارت ميرال إلى والدتها، التي بدت منزعجة من حياتهما..اقتربت منهابخطواتٍ ثابتة؛ وأمسكت وجه ابنتها بين يديها..وتمتمت:
ميرال، ليه مصرَّة تضيَّعي جوزك وحياتك؟ إنتي عايزة توصلي لإيه؟
صمتت ميرال، وبدت تحاولُ أن تخفي وجعًا يفضحهُ صمتها، ولكن أكملت فريدة بصوتٍ مليءٍ بالرجاء:
– حبيبتي، الحبِّ مش كفاية لوحده، لازم تصبري وتضحِّي، لمَّا إلياس يغير عليكي للدرجة دي، ويبقى مستعدِّ يعمل أي حاجة علشانك، إزاي مش شايفة ده؟ فكَّري كويس، مش عايزاكي تخسريه علشان موقف، الحياة بين الراجل والستِّ عمرها ما بتبقى كاملة، لكن إحنا بنحاول نبنيها على قدِّ ما نقدر.
شعرت ميرال وكأنَّ كلماتِ والدتها ضربت وترًا حسَّاسًا بداخلها..نظرت إليها بصمتٍ وكأنَّها تحاولُ أن تستوعب كلَّ كلمة..كانت كلماتها كمرآةٍ تعكسُ كلَّ ما تحاولُ أن تتجاهله، ولكن كيف تخبرها برفضِ إلياس ومسامحته اليها، صمتت للحظات…ثمَّ أردفت بخفوت:
-إن شاء الله حبيبتي.. قالتها وهبطت إليه
بعد قليل، كانت تجلسُ بجوارهِ في السيارة، تحاولُ أن تبدو ثابتةً لكنَّ ملامحَ وجهها تفضحُ حزنها منه، تطلَّعت عبر المرآةِ الأماميةِ للمربيةِ التي كانت تحتضنُ الطفلَ برفق، ثمَّ قالت بصوتٍ حاولت أن تخفي فيه ارتجافًا:
– لو نام، غطِّيه علشان مايبردش.
ردَّت المربية بنبرةٍ طبيعية:
– حاضر، بس الجوِّ حر يا مدام.
استدارت بجسدها للخلف فجأة، وعيناها تتفحصانِ الطفل الذي بدا هادئًا، وأشارت إلى ملابسهِ الخفيفةِ والمكيِّف، قائلة بنبرةٍ حازمةٍ تخفي خلفها قلقًا أموميًا:
-لا، هوَّ لسه صغير، والمكيف شغال..لمَّا ننزل هياخد برد، المفروض تبقي عارفة الحاجات دي كويس.
ارتبكت المربية قليلًا، وتعلَّقت عيناها بإلياس المستمعَ بصمت، فأومأت برأسها بخضوع:
“حاضر يا مدام.”
التفتت لتعودَ لوضعها الطبيعي في المقعد، لكنَّ حركتها السريعةِ جعلت كتفها يلامسُ كتفه..ورغم أنَّهُ تلامسًا بسيطًا لكن جعل قلبها ينبضُ بقوَّة، بينما شعرَ هو برعشةٍ خفيَّةٍ تجتاحهُ للحظة، التفتَ سريعًا ناحيةَ النافذة، يهربُ من نظراتها التي تضعفه، بينما هي ألقت نظرةً عابرةً بصمت.
ظلَّ ينظرُ عبر النافذة، مراقبًا الطريقَ بصمتٍ ثقيل، لم يتفوَّه ببنتِ شفة، وصلوا إلى المنزل بعد دقائقَ تشعر بأنها بدت طويلة..نزلت المربية بسرعة، تحملُ الطفلَ بين ذراعيها بحرص، واتَّجهت نحو الباب..أمَّا هي، فبقيت جالسة، تراقبها إلى أن ابتعدت فاستدارت نحوهِ ببطء.
نظرت إليه لبعضِ اللحظات، ترسمُ ملامحهِ الحجريةِ الصامتة، ثمَّ نطقت بصوتٍ مبحوحٍ يفيض بشحناتٍ دفينةٍ من الألم:
-.أنا لمَّا طلبت من بابا أرجع الشغل، كنت مضطرَّة أعمل كده لأنَّك كنت رافض ترد على مكالماتي..حتى لمَّا بطَّلت تزورنا وبقيت تبعت حدِّ ياخد يوسف، مكنش عندي حل غير كده.
أخذت نفسًا عميقًا، لكن ارتجف صوتها قليلًا مستطردة:
-أنا مش متعودة أقعد كده، وإنتَ عارف ده كويس.
كانت تنتظرُ أي ردِّ فعلٍ منه، لكنَّهُ ظلَّ صامتًا كأنَّه لم يسمع، ممَّا دفعها لإكمالِ الحديث، رغم الدموعِ التي بدأت تلمعُ في عينيها:
– تعرف أنا ندمت على جوازنا …هنا التفتَ إليها سريعًا يحدجها بنظراتٍ مميتة، هزَّت رأسها وهربت من نظراتهِ تنظرُ للخارجِ مستأنفةً حديثها:
-الأوَّل كنت بعرف أوقف قدَّامك، وأقول رأيي براحتي، كنت بستمدِّ قوِّتي من شخصيتي، بس دلوقتي بخاف، بخاف من ردِّة فعلك، حتى على أقلِّ حاجة، إنتَ زعلان علشان لجأت لغيرك، مفكرتش إنَّك اللي وصَّلتني للمرحلة دي، حاولت تسحب منِّي شخصية ميرال، ليه معرفش.. مش ذنبي إنِّي طلعت بنتِ عدوِّكم، رفعت عينيها التي تلألأت بنجومها مردفة:
-طبعًا أخباري عندك وعارف إنِّي تابعت مع دكتور، أنا من فترة تعبانة كنت مفكَّرة من الحمل، بس مبقتش قادرة أضغط على نفسي أكتر من كدا، شهر كامل وإنتَ مقاطعني، لحدِّ ما دخلت في اكتئاب، مش عيب فيك أبدًا، العيب في ضعفي واستسلامي..
سكتت للحظة، ثمَّ أضافت بصوتٍ أعمق، مشحونًا بالغصَّة:
يزن هوَّ اللي أقنعني أروح لدكتور..اتكلِّمت مع أرسلان، مع ماما فريدة، كلُّهم شافوا إنِّي محتاجة ده، بس إنتَ فين من دا..بتحافظ على كرامتك..
ارتفعت أنفاسها، ودموعها لم تعد تحتمل، لكنَّها مسحتها بسرعةٍ وكأنَّها ترفضُ أن يراها منهارة:
– عمري ما خرَّجتك من حياتي ياإلياس، لكنَّك بتجبرني كلِّ مرَّة ألجأ لغيرك.
كان يحدِّقُ بها بصمت، وكأنَّ الكلمات التي لفظتها تكسَّرت داخله كقطعِ زجاجٍ تنغرسُ في قلبه..لم يستطع الرد، أو ربما لم يكن يعرف ماذا يقول..
أدار رأسهِ نحو النافذة، محاولًا الهروب من ثقلِ الحقيقةِ التي ألقتها عليه..داخلهِ كان يتصارعُ بين كبريائهِ وندمٍ بدأ يتسلَّلُ إليه.
-آسفة لو كنت ضايقتك
بدا وكأنَّهُ لم يكن يتوقَّع هذه الجملة..رفع عينيهِ نحوها أخيرًا، لكنَّ نظراته كانت باردة، جامدة، ممَّا جعلها تضيف:
-يبقى ابعت خد يوسف زيِّ كلِّ مرَّة، من غير ماترجعلي، وكأن مش من حقِّي أعرف ابني رايح فين، المربية والأمن بقوا عارفين أكتر منِّي، فتحت الباب ونزلت بساقيها المرتعشة:
-ابنك وحقَّك في أيِّ وقت، مش هلومك، بس عايزة أوضح لك حاجة رغم عارفة إنَّك مش هتصدَّقها، بس من حقِّي عليك أبرَّأ نفسي، أنا ماليش إيد باللي حصل من إسلام، هوَّ كان بيقولِّي هيعمل في غادة مقلب وبيحكيلي، وبصفته أنُّه أخويا الصغير ضحكت على اللي هيعمله، مش علشان أخلِّيك تغير، لأنِّي لغيت حياتي معاك من وقت مادوَّرت على كرامتك ودوست على قلبي وحوَّلتني لمسخ..
أتمنى لك ليلة سعيدة ياحضرة الظابط، قالتها وتحرَّكت تخطو بسيقانٍ مرتعشةٍ ودموعٍ تفرشُ طريقها حتى اختفت الرؤية بوضوحٍ أمامها وكادت أن تسقط.
ظلَّت نظراتهِ تراقبها إلى أن اختفت خلف بابِ المنزل، شعرَ بشيءٍ ينكسرُ داخله..بل شعورًا ثقيلًا بالخسارة…كيف يقوَ على خسارتها وهي التي تعتبرُ ملاذهِ في الحياة…دقائقَ لم يشعر بها وعيناهُ على غرفتها التي أُنيرت..
أغلقَ عينيهِ وشعرَ بثقلِ تنفُّسهِ وهو يتساءل:
كيف وصلَ الأمر بينهما إلى هذا الحد؟
هل حقًا السبب فيما توصلت إليه..صراع عنيف بين قلبه وعقله، ليصفع العقل القلب كعادته واتجه مغادرا المكان
…
بفيلا العمري:
قبلَ ساعات..
جلست بجوارِ والدتها ورانيا لتناولِ إفطارهم..طالعتها رانيا متسائلة:
-راحيل إمتى هتعملي اجتماع الإدارة؟..وأه عايزة منِّك بكرة تنزلي تنقلي أملاك راجح اللي كتبها لك باسمي، بما أنُّه خرج من السجن والحمدُلله القضية طلعت هبلة فخلاص بقى انقليهم باسمي..هنا شعرت بقبضةٍ قويةٍ تعتصرُ فؤادها، وضعت كفَّيها على صدرها حينما شعرت بثقلِ تنفُّسها؛ وهي تتذكَّرُ أنَّها تنازلت عن كلِّ شيئٍ ليزن بعد الوثوقِ به..قاطع شرودها صوت رانيا:
-أنا هرجع فيلِّتي، راجح راجع بكرة..
رفعت راحيل نظراتها متسائلة:
-هوَّ عمُّو راجح كان مسافر فين؟..من يوم القضية ماشفتوش.
رمقتها رانيا بنظراتٍ جاهلةٍ ثمَّ أردفت:
-معرفش والله يارحيل، حتى المحامي مابلَّغنيش بخروجه، المهم أنُّهم عرفوا أنُّه بريئ وقرايبه دول عايزين ينتقمو منُّه.
قطبت جبينها وتصنَّعت عدم المعرفة:
-مش فاهمة ياخالتو، مين قرايبه عمرك ماكلِّمتينا عنهم؟.
جذبت رانيا إحدى الحلوياتِ وحاولت إلهاءها بالحديثِ قائلة:
-أنا فاكرة بقى معرفهمش، المهم أنا هرجع الليلة، وشكرًا إنِّك وافقتي أقعد معاكو الفترة دي.
هزَّت رأسها دون حديث، بينما أعينِ والدةِ رحيل على رانيا، نهضت رحيل من مكانها بعدما استمعت إلى رنينِ هاتفها، بينما تساءلت رباب والدة رحيل:
-مين قريب راجح يارانيا؟..إحنا عارفين راجح مكنش له غير جمال الله يرحمه، حتى ولاده منعرفش عنهم حاجة…ممكن تقوليلي مين قرايبه؟..
نهضت رانيا من مكانها وابتعدت عنها وتصنَّعت الجهلَ قائلة:
-معرفش يارباب، كلِّ اللي أعرفه قرايبه، هروح أجهَّز نفسي علشان أوصل قبل وصول راجح..
دقائقَ واستمعوا إلى صوتِ ضجَّةٍ بالخارج، خرجت رانيا لتجدَ يزن يقفُ أمام رحيل ويزأرُ كالأسدِ الهائج:
-إنتِ إزاي تكسري كلامي وتنزلي الشغل؟..
-وإنتَ مالك ومالي إن شاءالله، ليك عين تيجي توقف وتتبجَّح قدَّامي؟!..
جزَّ على أسنانهِ واقتربَ منها يضغطُ على ذراعيها:
-راحيل متخلنيش أفقد أعصابي، وأورِّيكي اللي عمرك ماشفتهوش..
طعنتها كلماتهِ بخنجر، لتشيرَ إليه بعينانِ تشتعلانِ بنيرانِ الغضب مايكفي لحرقِ مدينة، ثمَّ هدرت بحدَّةٍ بالغة:
-اسمعني يااسمك إيه، إنتَ مالكش حكم عليَّا، ومتفكرش علشان سرقتني هطاطي لأشكالك ياحرامي.
تحوَّل غضبهِ إلى شيطانٍ مارد، وتناسى كلَّ شيئٍ سوى إهانتها لشخصه، ليدفعها بقوَّةٍ سقطت من خلالها على المقعد، وأحاطها بين ذراعيهِ يهتفُ من بين أسنانه:
-أنا حرامي يارحيل؟..
-وأكبر حرامي، إنتَ ياريتك حرامي بس إنتَ شيطان، ربِّنا ينتقم منَّك يايزن، واحد حقير انتهازي.
ارتجفَ جسدهِ لتفلتَ شهقةً رغمًا عنه من بين شفتيه، حينما فقدَ الإحساس ليشعرَ بما طعنته، اعتدلَ بقلبٍ مقبوض، وغمغمَ مزمجرًا بخفوت:
-تمام إنتي اللي جبتيه لنفسك..قاطعهم وصول أحد الحرسِ الخاصِّ بها:
-راحيل هانم حضرتك محتاجة حاجة؟..
توقَّفت تحدجُ يزن بنظراتٍ مشمئزِّة، وأشارت عليه:
-خدوا الأستاذ دا ارموه برَّة وممنوع يدخل بيتي تاني.
اقتربَ منه الرجلَ يقبضُ على كتفهِ بقوَّة، وهدرَ به:
-ياله برَّة يالا، مسمعتش الهانم قالت إيه؟..
لكمَ الرجلَ بقوَّةٍ حتى سقط ثمَّ بسطَ كفَّيهِ يجذبها من خصلاتها بقوَّةٍ حتى أصبحت بأحضانه:
-بصِّي يابت، مش يزن السوهاجي اللي بنت تقلِّ منُّه، ودلوقتي هعرَّفك إزاي تخلِّي رجالة تطرد جوزك..
دلفت رانيا تصرخُ بوجهه:
-الواد دا إيه اللي دخَّله هنا؟..
دفعَ راحيل بعيدًا عنهُ ثمَّ وصلَ إليها بخطوةٍ ليطبقَ على عنقها قائلًا بهسيس:
-الواد دا سيدك، وهيرميكي في الشارع دلوقتي..قالها ثمَّ دفعها بقوَّةٍ حتى سقطت على الأرضيةِ تطالعهُ بخوف، ليصرخَ بأحدِ الرجال:
-ارمو الستِّ دي برَّة، والكلبِ جوزها لو حاول يدخل البيت اكسرو رجله.
ثمَّ اقتربَ من رحيل التي تنظرُ إليه بذهول:
-جهِّزي نفسك لجوزك ياآنسة راجع لك بعد ساعتين…قالها وهو ينظرُ للرجلِ الذي يسحبُ رانيا وهي تصرخُ باسمِ راحيل..
استدارَ على صوتِ راحيل المتقطِّع:
-إنتَ مستحيل تكون جوزي، وأنا رفعت قضية طلاق عليك يالص ياحرامي..
رفعَ كفِّهِ ليلطمها على وجهها، بعدما فقدَ اتزانهِ وشعورهِ بالقهرِ من حديثها الذي طعنَ كرامته، ولكنَّهُ كوَّرَ قبضتهِ بالهواء، وتراجعَ خطوة، ثم انحنى ينظرُ إلى عينايها المتحجِّرة بالدموع:
-رغم إنِّي قولت لك هرجع لك كلِّ حاجة، بس لازم آخد حقِّي من راجح ، وعرَّفتك أسراري، لكن إنتي خذلتيني..بس معلش ملحوقة..قالها واستدارَ يشيرُ إلى الحراسة:
-المدام حبس اجباري داخل الفيلا، إياك تخرج..قالها وتحرَّك..بينما راحيل التي ظلَّت كالجسدِ الذي خرجت روحه.
عند أرسلان بفيلا الجارحي قبيلَ ساعات..انتهى الجميع من وجبة إفطارهم التي تناولوها في جوٍّ من المحبَّةِ والألفة، ثمَّ انتقلوا إلى مكانهم المعتاد لتناولِ مشروبهم المفضَّل..توقَّفت ملك وتساءلت:
-أرسو هنروح السنة دي الحسين زي السنة اللي فاتت؟،،
حاوطَ أكتافِ غرام يطالعها قائلًا:
-إحنا كلِّ سنة بنروح الحسين يوم 15 رمضان بناخد سحورنا هناك وبنلفِّ شوية، إيه رأيك تروحي معانا؟..
ابتسمت قائلة:
-أكيد..نهضت ملك واتَّجهت تجلسُ جوارها:
-أحلى غرام دي ولّا إيه، صدَّقيني هتكون خروجة تحفة..
أومأت لها قائلة:
-أكيد حبيبتي بدل هتكوني معانا، رفعت نظرها إلى أرسلان:
-إيه رأيك تكلِّم إلياس ونتقابل كلِّنا هناك؟…صفَّقت ملك كالأطفال وأردفت بسعادة:
-لا، كدا خلوها إفطار وسحور، واللهِ اليوم هيكون جنان..
تهكم ارسلان يطالعها
-روحي يابتِّ العبي بعيد..قال إفطار وسحور..توقَّف أرسلان على رنينِ هاتفه:
-أيوة ياالياس..قالها وابتعدَ عن الجمع..
توقَّف إلياس بالسيارةِ متسائلًا:
-كلِّ سنة وإنتَ طيب ياحضرةِ الظابط.
-وإنتَ طيب ياحبيبي، عامل إيه؟..
-كويس..قالها ثمَّ تنهَّدَ وتساءل:
-فيه أخبار عن راجح معرفتش مكانه؟..ذهبَ بصرهِ لإسحاق الجالسِ بالحديقة ينفثُ تبغهِ وينظر للامامِ بشرودٍ، ثمَّ أجابه:
-بدوَّر والله ياإلياس، أنا عملت زي ماقولت لي، يوميها اتَّصلت وقولت له اللي طلبته، إنِّ العربية فيها قنبلة علشان يدخل فيلته من غير العربية بس معرفش، رجع بالعربية ومن وقتها اختفى.
-تمام هيظهر هيروح فين، المهم أنا طلبت من شريف ياخد باله من ميرال من غير الحراسة، وإنتَ كمان خلِّي بالك من نفسك معرفش بيخطَّط لإيه، أكيد هيتجنِّن بعد مايعرف اللي يزن عمله…قاطعهُ متسائلًا:
-طيب يزن هيقولُّه إمتى أنُّه ابنه؟..
أخرجَ زفرةً حارًّةً ممزوجةً بتبغه، وأردف:
-لسة شوية، لمَّا نرجَّع حقِّنا، حق والدتك وكرامتها في البلد، لازم ينزل البلد الحيوان دا، ويقول الِّلي عمله فيها هوَّ ورانيا الزفت دي..الفيديو بتاع رانيا حافظ عليه علشان يخرج وقت اللزوم، علشان يعرف مين اللي بيخونه..
قهقهَ أرسلان قائلًا:
-أنا اتصدمت لمَّا عرفت البوص يكون دا ..شردَ إلياس قائلًا:
-متتهونش فيه، لازم نجيب قراره..قاطعهُ أرسلان:
-بدوَّر وراه، بس السؤال المهم..راجح عارف إنِّ الراجل دا هوَّ اللي بيحرَّكهم ولَّا لأ..
-بعد العيد هننزل السويس ونشوف الإجابة على علاماتِ الاستفهام.
بمنزلِ آدم انتهى من ارتداءِ ملابسه، ثمَّ جمعَ أشيائهِ الخاصةِ وتحرَّك للخارج، قابلتهُ وهي تحملُ كوبًا من العصيرِ وقطعٍ من بعض الحلويات، توقَّف يتطلَّعُ إلى مابيدها:
-حبيبتي رايحة فين؟..نظرت حولها لتضعَ ماتحمله، ثمَّ اتَّجهت إليه:
-إنتَ خارج ولَّا إيه؟..أومأ لها قائلًا:
-رايح مع بابا لطنط فريدة، وأحمد كمان جاي، لازم نتعرَّف عليها..
رفعت أناملها تتلاعبُ بزرِّ ملابسهِ وأردفت بنبرةِ حنونة:
-دومي عايزة آجي معاكم، إيه رأيك؟..
أمسكَ كفَّها وقبَّلها، ثمَّ قرَّبها يضمُّها لأحضانه:
-حبيبتي مينفعش، دا لسة تعارف وبعدين لمَّا ناخد على بعض أكيد زياراتنا هتكتر، وكمان مش عايزين نحرجها قدَّام جوزها، وبابا لسة العلاقة بينه وبينها مش القوية، فاهمة؟.،
أومأت له ثمَّ أشارت إلى كوبِ العصير:
-طيب اشرب العصير، وكنت جايبة لك البسبوسة اللي بتحبَّها..
انحنى يطبعُ قبلةً بجوار شفتيها ثمَّ همسَ بجوارِ أذنها:
-أنا بسبوستي هاكلها كلَّها لمَّا أرجع تمام..قالها وهو يغمزُ لها ثمَّ تحرَّك بعض الخطواتِ ولكنَّه توقَّفَ مستديرًا:
-هنعدِّي على الفندق علشان نقابل الشهاوي وبنته..
خطت مقتربةً منه بعيونٍ متسائلة:
-إيه اللي حصل لدا كلُّه؟..
حاوطَ أكتافها وانحنى قليلًا لمستوى وقوفها:
-لازم نخلص من الموضوع دا، أنا مش هفضل في المحاكم، للأسف لعبتها صح والشهود في صالحها، هنشوف آخرة الموضوع إيه، وإن شاءالله بابا يلاقي حل مع باباها..
ضيَّقت عيناها وتساءلت:
-هوَّ باباها لسة هنا؟ مش الراجل دا مغربي؟..
هزَّ رأسهِ بالنفي وردَّدَ قائلًا:
-لا، حبيبتي هوَّ أصله مصري بس متجوِّز مغربية..بس مش مستقر لا في المغرب ولا مصر، في الولايات المتحدة، راجل واصل بمعنى أصح وتقيل، يعني لمَّا كانت بتهدِّدني كانت واثقة إنِّي هوافق على شروطها، علشان عارفة بمساندة أبوها هتعمل كلِّ حاجة.
-أومال ليه قولت إنَّها مغربية ياآدم؟..
-علشان هيَّ مغربية فعلًا، باباها معاه الجنسية المغربية ومعظم حياته بين المغرب وأمريكا، قليل لمَّا يتكلِّم عن مصر.
جاهدت في إخفاءِ الحزنِ وألمِ الماضي، هزَّت رأسها مبتعدةً بنظرها عنه:
-خلاص حاول متتأخرش..
طبعَ قبلةً حنونةً على جبهتها وغادرَ المكان..ظلَّت متوقِّفةً مكانها تراقبُ تحرُّكهِ إلى أن اختفى عن نظرها، هوت على المقعدِ وخطٍّ من الدموعِ تسلَّلَ عبر وجنتيها، تهمسُ لنفسها:
-يارب ماتخلنيش أندم ياآدم على إنِّي سامحتك وأدتلك فرصة تانية..
قالتها وهي مطبقةٌ على جفنيها ونيرانُ الغيرةِ والألمِ تحرقُ أحشاءها، تنهيداتٌ ثقيلةٌ حتى شعرت بتقطع تنفُّسها، استمعت إلى رنينِ هاتفها، توقَّفت تجذبه، ثمَّ تحرَّكت إلى الشرفة، جذبت المقعدَ وهي تستمعُ إلى المتَّصل:
-أيوة حبيبتي…أنا كويسة.
على الجانبِ الآخرِ تحدَّثت رؤى:
-إيلين عايزة أتكلِّم معاكي لو فاضية؟..
مسحت على جبينها ثمَّ زفرت بهدوء، تحاولُ ألا تغضبها قائلة:
-سمعاكي يارؤى..
-مال صوتك؟..وبعدين دكتور آدم مش موجود؟..أوعي تقولي إنِّك اتخانقتوا تاني..
أجابتها بنبرةٍ مغموسةٍ بالألم:
-لأ، هنتخانق ليه، هو بس عنده شوية شغل، المهم عايزة إيه؟..سمعاكي.
-عايزة أقولِّك على حاجة مهمة بقالي فترة عايزة أتكلِّم معاكي ومتردِّدة، بس كنت بحاول أتقبَّل الفكرة.
-قولي عايزة إيه يارؤى؟..عندي مذاكرة كتيير..
-مش أنا وميرال طلعنا أخوات، وإلياس ابنِ عمِّنا.
-ميرال مين؟..نطقت بها إيلين بتيه..
أفلتت رؤى ضحكةً صاخبةً وهي تتحرَّكُ بغرفتها ثمَّ أجابتها:
-ميرال مرات إلياس، طلعت أختي، ومش بس كدا أنا طلعت بنتِ جوز خالتك، يعني إحنا قرايب.
صدمةٌ عنيفةٌ أصابت عقلها حتى هربت الحروفُ من مخارجها ولم تقدر على التفوُّه، لحظات، ربما دقائق وهي لم تستطع الحركة وكأنَّ حديثَ رؤى صاعقةً أصابت جسدها كاملًا..سحبت نفسًا بهدوءٍ وحاولت النطق:
-يعني إنتي بنت عمُّو راجح؟!!إزاي ومين قالِّك الهبل دا؟..
قصَّت لها رؤى كلَّ ما حدثَ بتلك الفترة، كانت تستمعُ إلى حديثها بذهول، ممَّا جعلَ جسدها ينتفض، وكأنَّ مااستمعت إليه صوتٍ لعويلٍ أصابها بالصمم..
بفيلا السيوفي؛
وصلَ زين بصحبةِ أبنائهِ إلى الفيلا، كان مصطفى وفريدة باستقبالهِ بناءً على مطالبةِ زين بالمقابلة، جلسَ الجميع بغرفةِ المعيشة، بوصولِ إلياس بعد معرفتهِ بصلةِ القرابة..توقَّفَ آدم حينما لمحَ دخوله، يردِّدُ الاسمَ بينه وبين نفسه:
-إلياس السيوفي!.،..استدارت فريدة إلى إلياس الذي دلفَ من البابِ ملقيًا التحية..ابتسمت إليه بحنانٍ أمومي، وتوقَّفت تنظرُ إليه وإلى زين قائلة:
-دا إلياس الكبير..نهضَ زين يدقِّقُ بملامحِ وجهه، ثمَّ ابتسمَ إليه، يشيرُ على نفسه:
-مش هتسلِّم على خالك؟..قالها بعدما توقَّفَ ينظرُ إليهم بجهل..اقتربت فريدة تربتُ على كتفه:
-حبيبي، دا خالو زين يُعتبر في مقام أخويا، هوَّ بيكون ابنِ عمي اللي حكت لك عنُّه.
ذهبَ ببصرهِ إلى مصطفى كي يشرحَ له مايصير، حمحمَ مصطفى بعدما وجدَ تجمُّدَ إلياس، يهمسُ لنفسه بالخطأ، فكان عليه إخبارهِ قبل وجودهم:
-زين الرفاعي بيكون ابنِ عمِّ مامتك حبيبي، دا اللي سافر بعد جوازها من والدك الله يرحمه، كنية ماما اللي غيَّرتها فريدة محمود الرفاعي..
التفتَ إلى والدتهِ سريعًا، لتهربَ بنظرها تنظرُ إلى زين متمتمة:
-إلياس مكنشِ يعرف زي ماقولت لك، لسة عارف من فترة بسيطة، حتى مايعرفشِ كنيتي الحقيقية..قاطعها بعدما استدارَ بكاملِ جسده إليها:
-مين قال كدا؟..أنا عارف كلِّ حاجة، وكمان عرفت بموضوع ابنِ عمِّ حضرتك، ولمَّا سألت عنُّه، عرفت أنُّه رجع مصر من خماستشر سنة، حتى عرفت مكانه، وعرفت الدكتور بيكون ابنه، بس مكنشِ فيه وقت إنِّنا نتقابل أو مكنش الوقت سامح بسببِ الظروف..
اتَّجهَ بنظرهِِ إلى زين ورسمَ ابتسامةً يبسطُ كفِّه:
-أهلًا بحضرتك يازين باشا، نوَّرت فيلا السيوفي، ثمَّ ألقى نظرةً سريعةً على آدم:
-الدنيا صغيرة يادكتور، نوَّرتنا.
ابتسمَ آدم قائلًا:
-آسف بس دا شغلي..أشارَ إليهم بالجلوس، واتَّجهَ يجلسُ بجوارِ مصطفى وهو يجيبه:
-لا بالعكس يادكتور، كبرت في نظري، أنا مكنتش عايزه، كنت عايز أتأكِّد إن التحليل الصح هيوصل زي ماهوَّ ولَّا..
-يعني كنت بتختبرني؟..
أومأ برأسهِ قائلًا:
-بالظبط كدا، أتمنى متزعلش منِّي، دا شغلي..تطلَّعت فريدة إليهِ تحاولُ أن تفهمَ مايقوله، ثمَّ تساءلت:
-أنتوا تعرفوا بعض؟..دلفت الخادمة إليهم بمشروباتهم، صمتَ إلياس إلى أن خرجت ثمَّ استأنفَ حديثه:
-قضية يامدام فريدة، اتقابلنا فيها، شغل يعني…
قطبَ زين جبينهِ متسائلًا:
-مش قولتي إن إلياس ابنك؟..ليه بيقولِّك مدام فريدة؟..
حمحمَ إلياس ورسمَ ابتسامةً ينظرُ إلى فريدة:
_ بدلَّع عليها يازين باشا، مش كدا ياماما؟..قالها بمغزى..ابتسمت تهزُّ رأسها تتطلَّعُ بعيونٍ سعيدةٍ إليه:
_ إلياس متقلِّب يازين، معلش شغله مسيطر عليه..بعد فترةٍ من التعارف، بدأت الأحاديثُ الخاصَّة بما حدث لفريدة إلى أن توقَّفَ إلياس بالسؤال:
– وحضرتك إزاي تصدَّقه كدا؟!..يعني ماما متربية مع حضرتك، تصدَّق كلام زي دا!!
أومأ زين برأسهِ وأجابَ بعد تنهيدة:
-أنا مصدَّقتش الكلام، قولت أكيد اتجوِّزت، بس معنديش معلومات، ودوَّرت في كلِّ السجلات سواء وفيات أو سجون، متزعليش منِّي يافريدة، مكنشِ عندي أمل تكوني متجوِّزة واحد زي مصطفى باشا ومغيَّرة اسمك كمان..
طأطأت رأسها بأسى، حينما تذكَّرت الماضي وبقاياه التي زادت من أنينِ روحها..
ماما..تمتمَ بها إلياس بقوة، وهو يشيرُ بعينيهِ ألَّا تنحني برأسها، رفعت عينيها التي تموَّجت بالألمِ والحزنِ قائلة:
-نصيبي الحلو يازين، رضا ربِّنا عليَّا، أو يمكن نهاية الصبر والوجع من بعدِ موت جمال..تعلَّقت عيناها بأعينِ مصطفى:
-أحلى حاجة ربِّنا كرمني بيها بعد مرار راجح ورانيا، رانيا اللي تحوِّلت لشيطان، والسبب معرفوش، وراجح اللي رسم دور الرجولة قدَّام جمال، لحدِّ ماتنازل عن حقُّه في ملكِ والده، علشان يرضي رانيا، وكان يقولِّي، متزعليش هوَّ برضو موظف ومرتَّبه مش بكفِّيه، وأنا مش محتاجه، ربِّنا كرمني الحمدُلله، كلِّ حاجة جمال اتنازل عنها علشان بس ميحسِّسوش أنُّه قليل، وشوف في الآخر عمل إيه، بدأت تقصُّ له كلَّ ما مرَّ بها منذ ولادتها لأرسلان إلى زواجِ مصطفى بها..
نهضَ إلياس من مكانهِ واتَّجهَ يجلسُ بجوارها، ولأوَّلِ مرَّةٍ يتنازلُ عن غروره، ويسحبها لأحضانهِ بعدما نزفت دموعها التي أحرقت صدرهِ قبل وجنتيها:
-وحياة كلِّ دمعة نزلت من عيونك، ماهرحمه..هزَّت رأسها تحتضنُ وجههِ مردِّدة:
-حبيبي مش عايزة حاجة كفاية وجودكم معايا إنتَ وأخوك، ربِّنا عوَّضني بيكوا، وكمان ميرال، أه منكرشِ إنَّها هوِّنت عليَّا، بس حرقت قلبهم عليها..
-ليه رانيا تعمل كدا يافريدة؟..هتجنِّن، إزاي تكون بالقسوة والجبروت دا؟!..
-السؤال دا تسأله لها، مش لماما..قالها إلياس بعصبية، وتحوَّل لوحشٍ كاسر، يهتفُ بهسيسٍ متناسيًا وجودِ والده:
-الستِّ الواطية دي هخلِّيها عريانة قدام نفسها، صدَّقني لولا ميرال كنت خلِّتها فرجة للي يسوى ومايساوش، دي مريضة حقد وغيرة، هطلَّعه على جتِّتها، الحاجة الوحيدة اللي تشفعلها عندي إنَّها أمِّ مراتي، بس برضو دا مش هيسكِّتني عن عقابها اللي تستاهله…
-إلياس..هتفَ بها مصطفى، ثمَّ أشارَ بعينيهِ أن يهدأ..نهضَ من مكانهِ معتذرًا، وأردف:
-آسف، نوَّرتوا عندي شوية شغل..التفتَ إلى والدته:
-ممكن نتسحر كلِّنا مع بعض على فكرة.،
شكرهُ زين عندما توقَّفَ وتمتم:
-لا ياحبيبي عندنا مشوار مهم، صمتَ للحظاتٍ ثمَّ تساءل:
-طيب فين مراتك نتعرَّف عليها، على الأقلّ أعرف شبه مين رانيا ولَّا راجح..
قاطعهُ سريعًا وكأنَّهُ ألقى عليهِ تعويذةً سحريةً مشمئزَّة:
-لا دا ولا دا، ولا تقرب لحدِّ فيهم، هيَّ مش موجودة دلوقتي..قالها وغادرَ المكانَ سريعًا دون حديثٍ آخر..
مرَّت الأيامُ سريعًا إلى أن انتصف شهرُ رمضان، حاولت فيه أن تخرجَ من حزنها بانشغالها بعملها الذي كرَّست حياتها لهُ ولابنها، بعدما تعوَّدت على غيابه، ولم تعلم عنهُ شيئًا، حتى امتنعَ عن رؤيةِ طفلهما..
على الرغمِ من ثباتها وصلابتها أمام الجميع ولكنَّها كانت تخفي في داخلها انهيارًا، وخاصةً بعد انقطاعهِ الكاملِ عن كلِّ مايربطهما ببعضهما، حتى إفطارهما عند والدته..لتفعل مثله، بعد شعورها من عدم مواجهتها
ذات يوم، قام يزن بمهاتفتها.
– حبيبتي، منتظرك على الفطور النهاردة، ومش هقبل أيِّ أعذار، كلِّمت رؤى كمان لازم نتجمَّع مع بعض ياميرال، مش هنفضل كدا.
قالها بنبرةٍ دافئة، لكنَّها لم تشعر بها سوى أنَّها قيدًا من السلاسلِ الثقيلة، لأنَّها لاتريدُ أحدًا يرى ضعفها وانكسارها.. حاولت الرفض، لكن قاطعها بإصرارٍ لم يترك لها مهربًا منه، أغلقت عينيها للحظة، متمنيَّةً لو تستطيعَ الهروبَ من كلِّ تلك المشاعرِ التي تنهشها بلا رحمة…فهمست له بالموافقة..
قبل موعدِ الإفطار بساعة، انتهت من تجهيزِ نفسها، لكن قلبها ظلَّ في فوضاهِ المعتادة، هل تخبره، أم تفعل مثلما يفعلُ بها…أمسكت الهاتفَ لتخبره، ولكنَّها تراجعت، رمقت الشاشةَ بنظرةٍ مثقلة، قبل أن تلقي الهاتفَ على الطاولةِ وكأنَّها تُلقي عبئًا أثقل من قدرتها على الاحتمال.
تنهَّدت بحزن، ثمَّ التفتت إلى صغيرها، الذي بدأ في البكاءِ وكأنَّهُ يشعرُ بضعفها. كم كرهت ضعفها هذا..فقد كانت صلبة، قوية، لكن ما يعيشهُ قلبها الآن لم يكن سوى أنَّها فوق رمالٍ واهية.
صاحت على المربيةِ بصوتٍ خرجَ واهنًا رغم محاولتها اصطناعهِ ثابتًا:
– خُدي يوسف وانزلي، خلِّي الحرس يجهزوا، هنخرج ليزن.
أومأت المربية، ثمَّ حملت الطفل وغادرت..وقفت في مكانها للحظات، تنظرُ إلى البابِ المغلقِ بشرود، تشعرُ بالأنينِ الذي يحاصرها من كلِّ جهة…من جهةِ والديها، ومن الجهةِ الأخرى زوجها، ومعشوقها.
كيف لامرأة أن تُقسمَ إلى نصفينِ ولا تموت؟ كيف لقلبها أن ينبضَ بهذا الكمِّ من التناقض؟
انتشلها من اضطرابِ مشاعرها المنهكةِ رنينِ هاتفها، الذي قطعَ شرودها العميق، امتدَّت يدها إليه ببطء، كأنَّها تخشى أن يجرحها حتى قبل أن تلمسه، من ثقلِ ماتشعرُ به، نظرت لشاشتهِ التي أُنيرت باسمهِ لتنسابَ دموعها بصمت، تهمسُ اسمه بخفوتٍ وكأنَّهُ أخراج حروفُ اسمهِ شوكًا يجرحَ جوفها
“إلياس…”
أخذت نفسًا عميقًا، تحاول أن تسرقَ بعض القوةِ قبل أن تجيبه.
-أيوة…
صمتهِ في البداية ..أشعرَه بوجعها، كما لو أنَّهُ كان هناك معها، يراها، يلمسها..كيف لمجرَّدِ نبرةِ صوتها أن تجعلهُ يشعرُ وكأنَّها تتوسَّلهُ دون أن تنطق؟
– جاي لك في الطريق، جهِّزي نفسك، هنفطر عند يزن.
سمعت صوتَ رؤى بجانبه، تقولُ بحدَّةٍ لم تستطع إخفاءها:
– لسه هنعدِّي عليها؟ المدفع خلاص!..
رمقها إلياس بنظرةٍ أخرستها، ثمَّ عادَ صوتهِ إليها:
– قدَّامي خمس دقايق وأوصلِّك.
أغمضت عينيها، محاولةً أن تكتمً رجفةَ صوتها، لكنَّها لم تنجح..
-توصلِّي؟ ما أظنش، يا حضرةِ الظابط، إنَّك لسه هتوصلِّي..أنا نازلة، متتعبشِ نفسك، نتقابل هناك.
أنهت المكالمة بسرعة، وكأنَّها تخشى أن يفضحَ صوتها انهيارها..انهارت بشهقاتها حتى سقطَ الهاتفَ من يدها، وارتفعت يدها الأخرى إلى صدرها، كأنَّها تحاولُ أن تُسكِتَ قلبها الذي كان يصرخُ باسمه، وكأنَّها تستعطفُ قلبها..
ليتكَ كنتَ قاسيًا عليه…ليتكَ تكرههُ كما يحاولُ أن يكرهني…ليتكَ وليتكَ ياقلبي المتألِّم..
ولكن كيف لها أن تكرهَ من ينبضُ القلبَ باسمهِ فقط..شعرت بدوران الأرض بها وغمامةسوداء احاطتها لتهوى ساقطة
في سيارةِ إلياس…
قادَ السيارةَ بجنون، ليصلَ إليها قبل خروجها، لم يرَ ولم يسمع سوى تلك الشهقةِ المكتومةِ التي سمعها قبل أن تغلقَ الهاتف، كانت كافيةً لهدمِ كلِّ حصونه..زفرَت رؤى بضيق:
– إلياس، هدِّي السرعة هنموت كدا..
لم يلتفت إليها، ضغطَ على دوَّاسةِ الوقودِ أكثر، وعيناهُ على الطريقِ كأنَّهُ يحسبُ الخطواتِ للوصولِ اليها، دقائقَ معدودةً حتى اقتحمَ بوابةَ المنزل، ليتفاجأ الجميعُ بدخولهِ بتلك الطريقة..
ترجَّلَ من السيارةِ سريعًا، يشيرُ إلى السائق:
-وصَّل أستاذة رؤى منزل يزن السوهاجي، قالها وصعدَ سريعًا إلى غرفتها بعدما وجدَ المربية تقفُ بطفله، لم يلتفت، إليها في بداية الأمر، ولكنها اوقفته قائلة:
-المدام بقالها فترة طويلة فوق، رغم أنها كانت جاهزة، دقائقَ ربما لحظات ودفعَ البابَ بقوَّة، ليجدها ملقاةً على الأرضية كالخرقةِ البالية، تجمَّدَ جسدهِ ليصل إليها بخطوةٍ واحدةٍ منتفضَ الجسد.
-ميرال..رفعَ رأسها من فوقِ الأرضية، يحملها بخوفٍ وكأنَّها شئٌ قابلٌ للكسر، وضعها بهدوءٍ على الفراش، وقامَ بفكِّ حجابها محاولًا إفاقتها:
-ميرو افتحي عيونك..قالها وهو يقرِّبُ عطرها من أنفها، رفرفت أهدابها تهمسُ اسمهِ بخفوتٍ وكأنَّها تحلمُ به، ربتَ على وجنتيها مرَّةً يمرِّرُ إبهامه حتى تفيقَ بالكامل..فتحت عينيها بوهن، تشعرُ بألمٍ يضربُ رأسها وجسدها بالكامل لتشعرَ وكأنَّ جسدها مقيَّد الحركة..
-ميرال..ردَّدها مرَّةً أخرى، رفعت عينيها لتقابلَ عينيهِ القلقة، ثمَّ حاولت النهوض، تبعدُ كفَّيها من احتضانِ كفَّيهِ تهمسُ بخفوت:
-أنا كويسة، دوخت وأنا بلبس الشوز ومحستشِ بنفسي، استمعَ إلى مدفعِ الإفطار، فاتَّجهَ إلى الأسفلِ دون حديث..
بينما هي حاولت الاعتدال رغم ضعفها البائنِ عليها، توقَّفت بصعوبة، تنظرُ إلى نفسها بالمرآة، استمعت إلى آذانِ المغرب، مازالت نظراتها على نفسها لتدعي ربَّها بخفوتٍ وهي تضعُ كفَّيها على صدرها:
“يارب أنا عارفة عملت غلط كتير، بس إنتَ الرحيم بعبدك الضعيف، أنا تعبت من الحياة دي، صعبان عليَّا ابني أوي، بس مش قادرة أتحمِّل العذاب والوجع اللي في قلبي حاولت أقوى بس أنا ضعيفة؛ عارفة حكمتك يارب بس مش طالبة غير إنَّك تاخدني عندك من الدنيا دي، يارب خدني وريَّح قلبي من العذاب دا، انسابت دموعها وارتفعَ بكاؤها ومازالت تدعو ربَّها، ياتنزع حبُّه من قلبي ياتاخدني يارب..
ويتبع33= ج 2 =

سقطَ الكوبُ من يديهِ وهو متوقِّفًا على بابِ الغرفةِ..يطالعها بنظرةٍ لم تستطع الوصولَ لما يعنيه، ولكنَّها اتَّجهت إلى هاتفها مع ارتفاعِ رنينهِ بعدما أزالت دموعها:
-أيوة يايزن، معلش اتأخَّرت غصبِ عنِّي، لو عايز تفطر ونأجِّلها يوم تاني معنديش مشكلة لسة قدامي وقت.
قاطعها يزن ينظرُ بساعةِ يده:
-هنستناكي حبيبتي ياله، عرفت إلياس هيجيبك، التفتت بنظرها إليه مازال بمكانهِ وعينيهِ عليها ثمَّ أجابت أخيها:
-عادي معايا السواق لو حضرة الظابط مشغول، أصله دايمًا مشغول، مش عايزة أحمِّله فوق طاقته، وصلَ إليها ونزعَ الهاتفَ منها قائلًا:
-بكرة هنيجي نفطر معاك، أجِّلها لبكرة، أختك تعبانة…قالها وأغلقَ الهاتف، ملتفتًا إليها، ثمَّ أشارَ على ملابسها:
-غيَّري هدومك، هطلب أكل..قالها واستدارَ ولكنَّها أوقفته:
-مفيش داعي، عندي أكل من أسبوع في التلاجة، كلِّ يوم بسخِّنه، اقتربت منهُ وعينيها ترسلُ إليه الكثير من النظراتِ الموجعة، وشفتيها ترتعشُ بضعفٍ لما تشعرُ به، تحاولُ ابعادَ دموعها التي أصبحت كالأشواكِ توخزُ جفنيها قائلة:
-معرفشِ حسيت باليُتم قبلِ كدا ولَّا لأ، بس أنا حسِّيته اليومين اللي فاتوا وعذرت فيهم رؤى أوي، عندها حق، ماهو أنا معشتش اللي هيَّ عاشيته، ياريت يبقى تقولَّها ميرال في أسبوعين عاشت سنين عمرك كلَّها، قالتها وتوجَّهت للأسفل وهي تتمتم:
-الحق فطارك ياحضرة الظابط، أنا متعوِّدة على الأكلِ البايت، ودا مضر على معدتك.
رجفةٌ قويةٌ أصابت جسده، وهو يشعرُ بالخدرِ من صفعها بكلماتها، توقَّفَ عاجزًا لا يشعرُ سوى بالضعفِ من ترميمِ روحها، كان يظنُّ أنَّها هي التي ترفضُ الذهابَ الى فريدة، ولكن يبدو أنَّهُ أزهقَ حياتها دون أن يدري، سحبَ ساقيهِ يجرُّها بصعوبةٍ إلى أن وصلَ إلى غرفةِ الطعام بعدما استمعَ إلى حديثها:
-مكنشِ له لزوم تقومي من على أكلك، أنا هجهِّز السفرة زي كلِّ يوم، روحي افطري..
-مينفعشِ يامدام، أنا عاملة حسابي دقايق والفطار يكون جاهز، اشربي عصيرك، والباشا كمان ودقايق بس واعذريني فكَّرتك هتنزلي..وصلت المربية تنتقلُ بنظرها إليهِ قائلة:
-المدام قالت هنخرج، واتأخَّرت قلقت عليها، بسطَ ذراعيهِ يجذبُ طفلهِ ثمَّ أشارَ إليها على الداخل:
-روحي افطري..قالها وهو يتحرَّكُ بطفله إلى وقوفها في نافذةِ الغرفة، تجرَّأ بخطواتهِ إلى أن توقَّفَ خلفها، ثمَّ حاوطَ أكتافها يجذبها تحتَ حنانِ ذراعيه ونطقَ بنبرةٍ تحملُ من الألمِ مايشعرُ به:
-بتدعي عليَّا في وقتِ المغرب، دي دعوة في الأيام دي؟!..
أغمضت عينيها ولم تقوَ على التفوُّه، فيكفي ماتشعرُ به، جفَّت دموعها ولم يتبقَ سوى نزيفِ روحها…رفع ذقنها بعدما وجدَ صمتها، ثمَّ مرَّر أناملهِ على وجنتيها:
-مابترديش ليه؟؟..فيه حد يدعي على حبيبه كدا؟..
ارتعشت من تأثيرِ قربهِ المهلك، وكلمته التي ارتجف القلب عليها، لتتراجعَ للخلفِ مبتعدةً عنه:
-انا مادعتش عليك أنا دعيت على نفسي، ليه أقعد في الدنيا دي، لو على ابني ربِّنا هيتولَّاه، بس حقيقي حياتي مبقتشِ تهمِّني.
-اشش..قالها وهو يضعُ إبهامهِ على ثغرها، ثمَّ انحنى يهمسُ لها:
-كلِّ حرف قولتيه ووجع قلبي
هردُّو هولك..
-والله، غلطان ياحضرةِ الظابط، أنا مبقاش فيَّا حتة سليمة علشان تردِّ عليَّا وتزيد الألم، حضرتك قايم بالواجب وزيادة..
قاطعتهم الخادمة:
-السفرة جهزت يامدام..ثمَّ نظرت إلى أكوابِ العصير:
-حضرتِك مشربتيش العصير، طيب ليه؟..مش كفاية تعبك إمبارح، أنا آسفة ياباشا، المدام مهملة في أكلها وشربها، قاطعتها تشيرُ إليها بالخروج:
-بلاش تتعبي الباشا بكلام مالوش لازمة، روحي افطري..
اقتربَ منها ثمَّ بسطَ كفَّيهِ إليها:
-تعالي أنا جعان وعايز أفطر معاكي بجد، وقبل ماتعترضي وتحطِّي أوهام الفترة اللي فاتت مكنتش في القاهرة، ولسة راجع النهاردة وعرفت من ماما إنِّك رفضتي تروحي تفطري عندها..
تنهَّدت ثمَّ جذبت المقعد وجلست دون حديث، اتَّجهَ وجلسَ بجوارها ومازال يحملُ ابنه، نظر إليها ثمَّ نظرَ إلى الطعام:
-اممم، طيب ماالأكلِ حلو أهو ليه مش عاجبك؟..
التفتت إليه وتمتمت:
-الاستراحة بتعتك لازم تكون جاهزة ياإلياس باشا، مينفعشِ أسيب حاجة للظروف، الباشا لازم يكون على مايرام مش دا كلامك للخدَّامة؟..
-مقصدتش اللي فهمتيه..
تناولت الشوكة وجذبت صحنها أمامها قائلة:
-ولا تقصد مبقتش تفرق صدَّقني، أنا عايشة لابني وخلاص لحدِّ ماربنا يريَّحني منَّك ومن الحياة اللي انجبرت بيها.
دنا بجسده، يحدِّقُ فيها بعينينِ تحترقان بصراعاتٍ لا تنتهي، كأنَّ قربهِ منها معركةً يخوضها ضدَ نفسهِ قبل أن يخوضها معها…طالعها بأنفاسٍ متقطِّعة، صدرهِ يضيقُ ليشعرَ بسحبِ أنفاسه…وهمسَ بصوتٍ مبحوح، كأنَّهُ اعترافٌ موجع:
“مكنتش عايز أقرَّب منِّك وأنا لسه شايل، يا ميرال…عايز أرجعلك وأنا صفحة بيضا.”
ارتسمت على شفتيها ابتسامةٍ ساخرة، لكنَّها لم تصل إلى عينيها، و أمالت رأسها قليلًا، تحدِّقُ فيه كأنَّها تراهُ للمرَّةِ الأولى، تزنُ كلماته بميزانِ الألم لا المنطق، قبل أن تهزَّ رأسها ببطء:
“أيوة، فعلًا…اه صفحة بيضة، وأنا كمان مش عايزة القرب ده، ابنك عندك، اعمل اللي يريَّحك..أمَّا أنا، كفاية عليَّا استنى انتهاء الباشا من عقابه..ولسه زي ما أنا، يعني طلاقي من جوازي مش فارق…في كلتا الحالتين، أنا ميرال بنتِ راجح الشافعي، اللي هوَّ عدوَّك.”
قالتها بصوتٍ ثابت، لكن كلَّ حرف تنطقه كان يحطِّمُ داخلها، رفعت يدها ببطء، تشيرُ إلى الطعام ببرودٍ زائف:
“افطر… لو لسه عايز تفطر معايا.”
لكن لم تكمل حديثها حينما استمعت إلى صوته الذي دوى في المكانِ كالعاصفة، حادًا، غاضبًا، موجوعًا بطريقةٍ لم تراها من قبل..ينادي على المربية، ممَّا جعلها تشهقُ بفزعٍ من هيئته، وفزع الطفل، هرولت المربية تحملُ الطفل، بعدما أشار إليها،تحرَّكُت به للخارج ..نهضت من مكانها لتهربَ من عاصفتهِ الهوجاء ولكن جذبها بقوة، حتى سقطت جالسةً على قدميه، أسيرةً لذراعيهِ اللتين حاصرتها بكلِّ قوَّةٍ كحصارِ السجانِ للمتَّهم، حاولت التملُّص، وأن تبعده، أو تحافظَ على المسافةِ بينهما، لكنَّهُ كان أقوى…
“أكِّليني يا مدام، بدل الحنية مش نافعة معاكي…”
قالها بصوتٍ أجش، متحشرج، وكأنَّهُ يتوسلُ لها بطريقةٍ غاضبة، بعدما فقد التحكُّمَ في السيطرةِ عليها، نعم لقد أضعفته، وهو لم يبخل عليها بالضعف، سيظلُّ خلفها حتى النهاية إلى أن تنهار مثله، أمال برأسه:
-معاكي للأخر …
تجمَّدت بين يديه، ورغ?

سقطَ الكوبُ من يديهِ وهو متوقِّفًا على بابِ الغرفةِ..يطالعها بنظرةٍ لم تستطع الوصولَ لما يعنيه، ولكنَّها اتَّجهت إلى هاتفها مع ارتفاعِ رنينهِ بعدما أزالت دموعها:
-أيوة يايزن، معلش اتأخَّرت غصبِ عنِّي، لو عايز تفطر ونأجِّلها يوم تاني معنديش مشكلة لسة قدامي وقت.
قاطعها يزن ينظرُ بساعةِ يده:
-هنستناكي حبيبتي ياله، عرفت إلياس هيجيبك، التفتت بنظرها إليه مازال بمكانهِ وعينيهِ عليها ثمَّ أجابت أخيها:
-عادي معايا السواق لو حضرة الظابط مشغول، أصله دايمًا مشغول، مش عايزة أحمِّله فوق طاقته، وصلَ إليها ونزعَ الهاتفَ منها قائلًا:
-بكرة هنيجي نفطر معاك، أجِّلها لبكرة، أختك تعبانة…قالها وأغلقَ الهاتف، ملتفتًا إليها، ثمَّ أشارَ على ملابسها:
-غيَّري هدومك، هطلب أكل..قالها واستدارَ ولكنَّها أوقفته:
-مفيش داعي، عندي أكل من أسبوع في التلاجة، كلِّ يوم بسخِّنه، اقتربت منهُ وعينيها ترسلُ إليه الكثير من النظراتِ الموجعة، وشفتيها ترتعشُ بضعفٍ لما تشعرُ به، تحاولُ ابعادَ دموعها التي أصبحت كالأشواكِ توخزُ جفنيها قائلة:
-معرفشِ حسيت باليُتم قبلِ كدا ولَّا لأ، بس أنا حسِّيته اليومين اللي فاتوا وعذرت فيهم رؤى أوي، عندها حق، ماهو أنا معشتش اللي هيَّ عاشيته، ياريت يبقى تقولَّها ميرال في أسبوعين عاشت سنين عمرك كلَّها، قالتها وتوجَّهت للأسفل وهي تتمتم:
-الحق فطارك ياحضرة الظابط، أنا متعوِّدة على الأكلِ البايت، ودا مضر على معدتك.
رجفةٌ قويةٌ أصابت جسده، وهو يشعرُ بالخدرِ من صفعها بكلماتها، توقَّفَ عاجزًا لا يشعرُ سوى بالضعفِ من ترميمِ روحها، كان يظنُّ أنَّها هي التي ترفضُ الذهابَ الى فريدة، ولكن يبدو أنَّهُ أزهقَ حياتها دون أن يدري، سحبَ ساقيهِ يجرُّها بصعوبةٍ إلى أن وصلَ إلى غرفةِ الطعام بعدما استمعَ إلى حديثها:
-مكنشِ له لزوم تقومي من على أكلك، أنا هجهِّز السفرة زي كلِّ يوم، روحي افطري..
-مينفعشِ يامدام، أنا عاملة حسابي دقايق والفطار يكون جاهز، اشربي عصيرك، والباشا كمان ودقايق بس واعذريني فكَّرتك هتنزلي..وصلت المربية تنتقلُ بنظرها إليهِ قائلة:
-المدام قالت هنخرج، واتأخَّرت قلقت عليها، بسطَ ذراعيهِ يجذبُ طفلهِ ثمَّ أشارَ إليها على الداخل:
-روحي افطري..قالها وهو يتحرَّكُ بطفله إلى وقوفها في نافذةِ الغرفة، تجرَّأ بخطواتهِ إلى أن توقَّفَ خلفها، ثمَّ حاوطَ أكتافها يجذبها تحتَ حنانِ ذراعيه ونطقَ بنبرةٍ تحملُ من الألمِ مايشعرُ به:
-بتدعي عليَّا في وقتِ المغرب، دي دعوة في الأيام دي؟!..
أغمضت عينيها ولم تقوَ على التفوُّه، فيكفي ماتشعرُ به، جفَّت دموعها ولم يتبقَ سوى نزيفِ روحها…رفع ذقنها بعدما وجدَ صمتها، ثمَّ مرَّر أناملهِ على وجنتيها:
-مابترديش ليه؟؟..فيه حد يدعي على حبيبه كدا؟..
ارتعشت من تأثيرِ قربهِ المهلك، وكلمته التي ارتجف القلب عليها، لتتراجعَ للخلفِ مبتعدةً عنه:
-انا مادعتش عليك أنا دعيت على نفسي، ليه أقعد في الدنيا دي، لو على ابني ربِّنا هيتولَّاه، بس حقيقي حياتي مبقتشِ تهمِّني.
-اشش..قالها وهو يضعُ إبهامهِ على ثغرها، ثمَّ انحنى يهمسُ لها:
-كلِّ حرف قولتيه ووجع قلبي
هردُّو هولك..
-والله، غلطان ياحضرةِ الظابط، أنا مبقاش فيَّا حتة سليمة علشان تردِّ عليَّا وتزيد الألم، حضرتك قايم بالواجب وزيادة..
قاطعتهم الخادمة:
-السفرة جهزت يامدام..ثمَّ نظرت إلى أكوابِ العصير:
-حضرتِك مشربتيش العصير، طيب ليه؟..مش كفاية تعبك إمبارح، أنا آسفة ياباشا، المدام مهملة في أكلها وشربها، قاطعتها تشيرُ إليها بالخروج:
-بلاش تتعبي الباشا بكلام مالوش لازمة، روحي افطري..
اقتربَ منها ثمَّ بسطَ كفَّيهِ إليها:
-تعالي أنا جعان وعايز أفطر معاكي بجد، وقبل ماتعترضي وتحطِّي أوهام الفترة اللي فاتت مكنتش في القاهرة، ولسة راجع النهاردة وعرفت من ماما إنِّك رفضتي تروحي تفطري عندها..
تنهَّدت ثمَّ جذبت المقعد وجلست دون حديث، اتَّجهَ وجلسَ بجوارها ومازال يحملُ ابنه، نظر إليها ثمَّ نظرَ إلى الطعام:
-اممم، طيب ماالأكلِ حلو أهو ليه مش عاجبك؟..
التفتت إليه وتمتمت:
-الاستراحة بتعتك لازم تكون جاهزة ياإلياس باشا، مينفعشِ أسيب حاجة للظروف، الباشا لازم يكون على مايرام مش دا كلامك للخدَّامة؟..
-مقصدتش اللي فهمتيه..
تناولت الشوكة وجذبت صحنها أمامها قائلة:
-ولا تقصد مبقتش تفرق صدَّقني، أنا عايشة لابني وخلاص لحدِّ ماربنا يريَّحني منَّك ومن الحياة اللي انجبرت بيها.
دنا بجسده، يحدِّقُ فيها بعينينِ تحترقان بصراعاتٍ لا تنتهي، كأنَّ قربهِ منها معركةً يخوضها ضدَ نفسهِ قبل أن يخوضها معها…طالعها بأنفاسٍ متقطِّعة، صدرهِ يضيقُ ليشعرَ بسحبِ أنفاسه…وهمسَ بصوتٍ مبحوح، كأنَّهُ اعترافٌ موجع:
“مكنتش عايز أقرَّب منِّك وأنا لسه شايل، يا ميرال…عايز أرجعلك وأنا صفحة بيضا.”
ارتسمت على شفتيها ابتسامةٍ ساخرة، لكنَّها لم تصل إلى عينيها، و أمالت رأسها قليلًا، تحدِّقُ فيه كأنَّها تراهُ للمرَّةِ الأولى، تزنُ كلماته بميزانِ الألم لا المنطق، قبل أن تهزَّ رأسها ببطء:
“أيوة، فعلًا…اه صفحة بيضة، وأنا كمان مش عايزة القرب ده، ابنك عندك، اعمل اللي يريَّحك..أمَّا أنا، كفاية عليَّا استنى انتهاء الباشا من عقابه..ولسه زي ما أنا، يعني طلاقي من جوازي مش فارق…في كلتا الحالتين، أنا ميرال بنتِ راجح الشافعي، اللي هوَّ عدوَّك.”
قالتها بصوتٍ ثابت، لكن كلَّ حرف تنطقه كان يحطِّمُ داخلها، رفعت يدها ببطء، تشيرُ إلى الطعام ببرودٍ زائف:
“افطر… لو لسه عايز تفطر معايا.”
لكن لم تكمل حديثها حينما استمعت إلى صوته الذي دوى في المكانِ كالعاصفة، حادًا، غاضبًا، موجوعًا بطريقةٍ لم تراها من قبل..ينادي على المربية، ممَّا جعلها تشهقُ بفزعٍ من هيئته، وفزع الطفل، هرولت المربية تحملُ الطفل، بعدما أشار إليها،تحرَّكُت به للخارج ..نهضت من مكانها لتهربَ من عاصفتهِ الهوجاء ولكن جذبها بقوة، حتى سقطت جالسةً على قدميه، أسيرةً لذراعيهِ اللتين حاصرتها بكلِّ قوَّةٍ كحصارِ السجانِ للمتَّهم، حاولت التملُّص، وأن تبعده، أو تحافظَ على المسافةِ بينهما، لكنَّهُ كان أقوى…
“أكِّليني يا مدام، بدل الحنية مش نافعة معاكي…”
قالها بصوتٍ أجش، متحشرج، وكأنَّهُ يتوسلُ لها بطريقةٍ غاضبة، بعدما فقد التحكُّمَ في السيطرةِ عليها، نعم لقد أضعفته، وهو لم يبخل عليها بالضعف، سيظلُّ خلفها حتى النهاية إلى أن تنهار مثله، أمال برأسه:
-معاكي للأخر …
تجمَّدت بين يديه، ورغم ذلك خانها قلبها، لينبضَ بجنون، مما جعلَ جسدها يرتعشُ رغمًا عنها..أغمضت عينيها بقوة، تلعنُ ضعفها، تلعنُ هذا الشعور الذي يقتلها ولا يموت…لم يرحم ضعفها ، ليرفعَ أناملهِ على عنقها مرورًا بوجنتيها، إلى أن رفعَ خصلاتِ شعرها، يزيحها عن رقبتها بلمسةٍ بطيئةٍ لعنقها المرمري، لترتفعَ حرارةَ أنفاسهِ مقتربًا منهُ يداعبهُ مرَّةً بأناملهِ ومرَّةً بأنفه، ممَّا جعلها تلهثُ بصوتٍ بالكادِ استطاعت كتمانه..لم يكتفِ بذلك بل رفعَ عينيهِ ليحتضنَ عينيها التي لوَّحت بعشقه، وهمسَ بخفوت، لكن صوتهِ كان يضجُّ بالألم، بالهزيمة، بالشوقِ القاتل:
“قلبي لتاني مرَّة يكسرني يا ميرال..لتاني مرَّة تهزميني…ومقدرشِ أبعد أكتر من كده..كلِّ ماأحاول أبعد، أحبِّك أكتر وأكتر…مش عارف إيه اللي بيحصل، بس اللي متأكِّد منُّه إنِّك وجعاني أوي، يا ميرا.”
رفعَ كفَّيها، وضعهما على موضعِ نبضه، كأنَّهُ يريدها أن تشعرَ به، أن تحسَّ كيف يخفقُ باسمها، كيف يخذلهُ في كلِّ مرَّةٍ يحاولُ أن يقاومها..عيناها تبرقُ بالدموع، تمتلئُ بالسخط، بالحيرة، همست بصوتٍ مرتعش، صوتٍ حملَ داخلهِ وجعًا أعمقُ مما يستطيعُ احتماله:
“أنا اللي بوجع دايمًا، ياإلياس…وإنت؟”
لم يجب…بل دفنَ وجههِ في عنقها، يلتهمهُ بشفتيهِ وكأنَّها نجاتهِ الأخيرة، وكأنَّهُ يحاولُ أن يدفنَ كلَّ الألم، كلَّ الحروب التي تصارعه، بل كلَّ ما يؤذيه..شدَّها إليه أكثر، يريدُ أن يصبحَ جزءًا منها، أن يذوبَ في هذا العناقِ الذي ينهكهما لكنَّهُ يبقيهما أحياء.
أمَّا هي، فبقيت هناك، مسجونةً بين ذراعيه، بين بُعدها وإجبارها بالبعدِ عنهُ وحبَّها الذي يذبحها، بين قلبها الذي يصرخُ به، وعقلها الذي يلعنه، وبين واقعٍ لا يسمح لهما سوى بمزيدٍ من الجحيم…
تأرجحت عيناهُ بالأسف، ليهمسَ بصوتٍ مبحوح، كأنَّه اعترافٌ مُتعثِّرٌ على شفتيه، ورجاءً يرسلهُ قلبهِ المنهك إليها لأول مرة:
– أنا آسف…
قالها بلسانٍ ثقيل، وصدرٍ منشقٍّ كلَّما تذكَّرَ دعاءها، نظرَ إليها بنظراتٍ معاتبة، ولأوَّلِ مرَّةٍ يراها بنظرةِ رجلٍ خائف، بل عاشق مرتجف، يشعر وكأنَّها قد تختفي من بين يديهِ في أيِّ لحظة..التقت نظراتهما، تحدقهُ بنظراتٍ توحي بألفِ معنى، فشعرَ بطعنةٍ صامتةٍ في صدره، بعدما أحسَّ بأنَّها تُحمِّلهُ ثِقلَ الألمِ الذي تشعرُ به..لم يحتمل صمتها القاتل لروحه، فخرجَ صوتهِ مجدَّدًا، متهدِّجًا بالشوق:
– وحشتيني…
ليتهُ لم ينطق بها، سابقًا كانت تشعرها بأنَّها ملكتهِ المتوَّجة، أمَّا الآن لم تشعر بحروفها..رمقتهُ بنظراتٍ مبلَّلةٍ بالخذلان، تبحثُ عن نفسها التي أضاعها بين كلماته، تبحثُ عن شيءٍ يثبتُ أنَّهُ لا يزال لها وحدها..بعد ثوانٍ من الصمتِ الذي خنقهُ جاءَ صوتها، خافتًا، لكنَّهُ انغرسَ في صدرهِ كخنجرٍ لا يرحم:
– أه وحشتك، صح، أفهم من كلامك إن مدِّة عقابي خلصت يا إلياس؟ وقت ما تحبِّ تعاقبني تبعد عنِّي، ووقتِ ما ترضى عنِّي ترجع لي؟ أنا كده ماليش قيمة خالص، صح؟
هنا أحسَّ أنَّ الأرضَ تزلزلت تحت قدميه، وأنَّ روحهِ تهربُ منه، فلم يمهلها ثانيةً أخرى لنطقِ باقي كلماتها المؤذية، اندفعَ إليها بجنون، يختطفُ أنفاسها بقبلةٍ حملت كلَّ جنونه، كلَّ اشتياقه، كلَّ ندمهِ الذي ينهشُ روحهِ منذ ابتعادَه عنها.
كانت قبلةً مختلفة، قبلةً مرتعشةً كقلبه، غارقةً بالألم، ملطَّخةً بالندم…كأنَّها صرخةُ حبٍّ أخيرة، كأنَّها محاولتهِ الأخيرةِ للتمسكِ بها قبلَ أن تضيعَ منهُ إلى الأبد.
أحاطها بذراعيه، يريدُ أن يذيبها بداخله، يريدُ أن يلغي المسافاتِ بينهما، يريدُ أن يجعلها جزءًا منه، جزءًا لا يُمكن اقتلاعهِ أبدًا…
لحظاتٍ بل دقائق ولم يشعر سوى أنَّهُ بجنَّةٍ بين ثغرها، الذي يعتبرهُ ملاذهِ الأخير، بعد غرقهِ بنارِ بُعدها، وبين عشقه الذي صارعه لشهور كنيران محبذة، تركها أخيرًا، رغمًا عنه، لم يستطع الابتعاد، لم يحتمل فكرة أن تعودَ المسافاتِ لتفصلَ بينهما، أسندَ جبينهِ على جبينها، يتنفَّسُ أنفاسها، يتشبثُ بقربها، وهمسَ بصوتٍ مُنطفئ، مرتعش:
– غلبتيني، يا بنتِ قلبي…جت لك راكع ومسلِّم على آخري، بقولِّك مش قادر أعيش في جنِّة بعدك، وعايز أعيش في نار قربك…مستعد أهدم جبال علشان تسامحيني.
ارتجفَ قلبها، ليرتعشَ بين ضلوعها كما لو أنَّهُ يستمعُ لتلك الكلماتِ للمرَّةِ الأولى..كان صوتهِ صادقًا حدَّ الوجع، نادمًا حدَّ الانهيار، مُتشبثًا بها حدَّ الجنون.
لكنَّها لم تعد تثق به، لم تعد قادرةً على نسيانِ ما سبَّبه لها من ألم، نظرت إليه بعينينِ ذابلتين، ممتلئتينِ بالدموعِ التي تحاولُ أن تقاومَ السقوط، ثمَّ همست بصوتٍ متقطِّع:
– أنا تعبت يا إلياس…موتِّني مرَّة واحدة، مش كلِّ مرَّة تموتي في حتَّة وتمشي.
تجمَّدَ مكانه، كأنَّ كلماتها ضربتهُ في مقتل..هل كان بهذهِ القسوة؟ هل تركها تموتُ ألفَ مرَّةٍ دون أن يدرك؟ شعرَ بأنَّ قلبهِ يتمزَّق، بأنَّ روحهِ تتهاوى أمامها، فلم يجد سوى احتضانها مجدَّدًا، بقوةٍ تكفي لإعادةِ نبضها، كأنَّهُ يريدُ أن يثبتَ لها أنَّهُ يريدُ الموتَ ببعدها، هامسًا بصوتٍ ثقيلٍ كأنَّ لسانهِ ملتفًّا بأشواكٍ جارحة:
– بعد الشرِّ عليكي…
دفنت رأسها في عنقه، استنشقت رائحتهِ بجنون، وكأنَّها تريدُ أن تملأَ رئتيها من رائحتهِ التي حُرمت منها، ثمَّ همست بصوتٍ نازفٍ، متعب:
– بحبَّك أوي..ونفسي أكرهك علشان الوجع اللي سبته جوَّايا، بس مش قادرة.
أغمضَ عينيهِ للحظة، وشعرَ بضعفهِ أمامها، أبعدها قليلًا، أمسكَ وجهها بين يديه، ينظرُ إلى عينيها طويلًا كأنَّهُ يُعيدُ اكتشافها من جديد، ثمَّ همسَ بحروفٍ حملت كلَّ عشقه:
– مش هتقدري تكرهيني، لأنِّك مخلوقة من ضلعي، يا بنتِ قلبي…
لم يتحدَّث أكثر، لم يكن هناك حاجةً للكلمات، فكلِّ شيءٍ كان يُقال بصمتهما، بنظراتهما، بارتجافِ أنفاسهما.
صمتًا قاتلًا لبعضِ لحظات، ثمَّ ارتسمت على شفتيهِ ابتسامةٍ شاحبة، لكنَّها تحملُ حبًّا يعجزُ الكونُ عن استيعابه، قبلَ أن يهمسَ بنبرةٍ آمرة، لكنَّها غارقةٌ في العشق:
– مطلوب منِّك تحبِّيني وبس، عيونك دي متشوفش غير راجل واحد…
رفعت حاجبها بتحدٍّ، رغم الرعشةِ التي اجتاحت قلبها:
– على أساس كنت شايفة غير الراجل ده؟
ضحكَ بخفوت، لكنَّهُ لم يكن ضحكًا عاديًا، بل كان تنفُّسًا بعد غرقٍ طويل… كان كمن عادَ للحياةِ من جديد..
وفجأةً، انحنى وحملها بين ذراعيهِ وسط شهقةٍ صغيرةٍ أفلتت من شفتيها، قبلَ أن يهمسَ بمكر:
– غيَّرت رأيي…وعايز أفطر على حاجة تانية.
دفنت وجهها في صدره، تعرفُ جيدًا مغزى كلماته، لكنَّها لم تعترض، فقط سمحت لقلبها أن ينساقَ خلفه، للمرَّةِ الألف…
وبعدَ وقتٍ لم يُحسب، وهو غارقًا بعشقها، يكتبُ ملحمتهِ بطريقته، بعد جفاءٍ لشهور، نعم شهورٍ ونيرانٍ بالسوطِ تلتهمُ كلَّ داخله، ولكن غرورهِ ورجولتهِ جعلتهُ يتحمَّلها، إلى أن انفجرَ كالبركانِ ولم يعد يطيقُ احتمالَ كلمةِ البعد، لقد محاها كليَّةً من قاموسه، وودَّ لو يمحيها من جميعِ المعاجم، آااه محمَّلةً بكمِّ الاشتياقِ الذي صهرهُ بداخلِ أحضانها، ظلَّ يسبحُ بعينيهِ فوق ملامحها التي يرسمها بقلبه قبل عيناه، وهي تستكينُ في أحضانه، وكأنَّها لم تنم منذ عمرٍ بأكمله…
مرَّرَ أناملهِ بين خصلاتها، يتأملُ وجهها الذي شعرَ بانطفائهِ رغم كلِّ ما حدث، ثمَّ انتفضَ على وقعِ رنينِ هاتفه…
– إلياس، راجح ظهر، ورانيا راحت لعنده، وأنا براقبها…
اعتدلَ في جلسته، وعيناهُ تحاصرها بولهٍ، وكأنَّهُ يخشى أن تضيعَ منهُ في غيابه..أمسكَ بيدها، وأعدلَ نومها بعناية، كالكنزِ يخشى عليه من الضياع، ثمَّ أجابَ بحزم:
– نصِّ ساعة وهكون عندك، خلِّيك وراها.
– تمام…
نهض َمن مكانهِ واتَّجهَ إلى الحمَّامِ لدقائقَ معدودة، وحين خرج، لم يستطع منعَ نفسهِ من الاقترابِ منها مجدَّدًا، طبعَ قبلةً طويلةً فوق جبينها، استنشقَ أنفاسها مرَّةً أخيرة، كأنَّهُ يختزنها بداخلهِ قبلَ أن يغادر.
جمعَ أشيائه، ثمَّ غادرَ المكان، متَّجهًا إلى سيارته، ليُفاجأ بالخادمةِ تقتربُ منه قائلة:
– نعم يا باشا؟
لكنَّهُ لم يجب…فقط رفعَ رأسه نحو غرفتها، وكأنَّما يخوضُ معركةً جديدة، لا يعلم إن كان سينجو منها هذه المرَّة أم لا…كل ما يشعر به أنها جنة ونار، نزل بنظره إلى الخادمة قائلًا:
-المدام نايمة، مش عايز حدِّ يقلقها، وخلي بالكو من يوسف، واطلعي نزِّلي الأكل اللي فوق بهدوء..
-حاضر ياباشا..قالتها وتحرَّكت للداخل، بينما هو ظل واقفًا ينظر إلى نافذة الغرفة التي شهدت منذ قليل ملحمة دموية من العشق القاتل، ولكن بمفهوم قاموسه فقط، لا احد يستطع أن يترجمها سوى نبضهما عندما يتلاحمان، ابتسامة تجلت بعيناه كلما تذكر ماصار ثم استقل سيارته وقادَها متَّجهًا إلى وجهته.
بمنزل راجح
ظل يثور بالمكان كالثور الهائج:
-دا اموتها ازاي تعمل كدا، كل املاكي، الحيوانة هموتها ازاي تثق في الحلوف
-مش عارفة ياراجح هتجنن بجد
اومأ هو ينفث سيجاره
-يعني الشغل اللي جبته، ضيعت فرحته بنت العامري..قاطعته قائلة
-زين كلمني كذا مرة، وعزمنا على الفطار عنده بكرة
لوح بيده معترضًا:
-انا مش فاضي لهبله دا، فطار ايه وزفت ايه، انا اتفقت مع قناص محترف علشان يخلصنا من ابن فريدة، وكمان فيه واحد ورا الواد التاني..توقف للحظة متسائلًا:
-الواد دا محدش يعرف أنه مخابراتي، شكل فريدة لعبت بيا، لانه مش مخابراتي ابدا، دا فاتح نادي رياضي، وكمان بيدير شركات الجارحي
-معقولة ياراجح، شركات الجارحي كلها تكون تحت ايد الواد دا، دا ملهمش غيره وبنت
حك ذقنه يهز رأسه بتفكير، ثم أردف
– تخيلي يعني الواد دا مليلدار،
-فريدة، فريدة، دايما هي اللي ماسكة كل حاجة ..استدار يرمها بسخرية:
-طول عمرك دماغك سم يارانيا، مش قادرة تفكري في حاجة نوصلها، تعرفي وقتها هكون ايه، البوص بتاع الشرق الأوسط
زفرت جالسة ونظرت إليه بتهكم:
-يعني عايز تفهمني اللي تاعبك الفلوس والمركز، ولا فريدة نفسها
-الاتتين يارانيا، اولا لازم احافظ على مكانتي، الناس دي لو شمت خبر بوجود ولاد جمال هيفطروا بيا قبل مايفكروا في الغدا …علشان كدا لازم اخلص منهم، والأهم إلياس علشان خطر على شغلهم، بيجهزوا لعملية كبيرة اوي هينفذوها قريب، خايف إلياس دا يعرف ووقتها الدنيا تتهد فوق دماغي
-علشان كدا عايز تخلص منه ..
-بكرة خبر موته لازم يغرق الجرايد، لأنهم امروني بتصفيته، تعرفي الحيوان كان فين من اسبوع، كان على الحدود بيصفي ناس تبعنا، ودا بيكون تبع العمليات التقيلة الخاصة، ونفذها وخلص على عدد كبير من الجماعة اياها، وهو مختفي بزي عرباوي، وهو واحدة من العمليات الخاصة ..هتجنن يارانيا ازاي عرفوا المعلومات دي، دا احنا محدش يعرفها
-طيب والعمل، من جهة إلياس ومن جهة يزن اللي كوش على كل حاجة
شرد للحظات ثم رفع هاتفه قائلًا:
-هبعتلك العنوان عايز خبر موته، الصورة عندك..قالها واغلق يرسل العنوان ..لتجحظ أعين رانيا
-دا بيت ميرال، انت اتجننت ..حدجها بنظرة مميتة
-دي هتكون طعم له، المكان الوحيد اللي نقدر نصطاده هناك ..اقتربت منه تهز رأسها بالرفض
-ابعد عن البنت ياراجح، مبقاش عندنا غيرها، كفاية طارق اللي اتحكم عليه حكم عسكري، والتاني مات، انت ازاي تكون كدا، قلبك حجر
جذبها من خصلاتها وهدر بهسيس مرعب
-اسمع صوتك هقطع لسانك، انا لازم اكون حاجة، مش هفضل انفذ أوامر وبس، تعرفي لو نجحت في العملية دي هكون ايه…قالها ثم دفعها بقوة لتسقط على الأرضية يشير إليها بسبباته
-فوقي يارانيا احنا من زمان دفنا قلوبنا، من يوم ماخطفتي ولاد اخويا، ومن يوم ماعرفت مين قتل جمال وسكت عليه، ومن يوم ماذليت مرات اخويا وعبيت في شرفها، اهدي وقولي هديت، علشان مش اخليكي تحصلي الكل
قاطعهم دلوف الخادمة قائلة:
-فيه بنت برة اسمها رؤى عايزة تقابل حضرتك ياراجح باشا
استدار إليها متسائلًا:
-مين دي، عايزة ايه
هزت راسها بجهل وأجابته:
-مقالتش بس مصرة أنها تكلمك
أشار إليها قائلاً:
-دخليها مااشوف مين دي كمان
قبل قليل بالقرب من فيلا راجح
توقفت سيارة ارسلان ينتظر إلياس، لمح دخول سيارة أجرة ويبدو بها سيدة، لم يسعفه الوقت لرؤيتها، استمع الى هاتفه
-عمو فيه حاجة..قاطعه اسحاق
-انت فين عندنا شغل مهم
حمحم معتذرًا، ثم أردف:
-آسف ياعمو، بس بنت عمي عندها جلسة عند الطبيب النفسي، وحالتها صعبة، مش هينفع اسيبها قبل ساعتين، ياريت تحاول تأجل ..في تلك الأثناء وصلت سيارة إلياس فتحدث سريعا
-مضطر اقفل دلوقتي علشان داخلين للدكتور..قالها واغلق سريعًا
مط اسحاق شفتيه ينظر بشاشة هاتفه
-طيب ياارسلان، بتكذب على عمك، طيب عايز تلعب معايا، نلعب يابن فاروق، وحشني اللعب اوي …رفع هاتفه واردف
-عايز اتنين ينفعوا لهجوم كتيبة، يروحوا العنوان دا ..نظر إلى عنوان ميرال مبتسمًا
-مش بنت عمك تعبانة، لازم نهاديها علشان تلعب مع عمك حلو ..قالها وهو يتمتم قائلًا:
-غبي نسيت انك مدرب تحت ايدي يامتخلف ..دلف رجله الاول
-اسحاق باشا، ارسلان باشا عند فيلا راجح، وفيه قناص خرج من بيته من ساعتين بعربية تاكسي، اشترى بيت في حي الياسمين
هب فزعًا من مكانه
-تقصد ايه، مش دا حي بيت مرات الظابط …اومأ له بالايجاب
نظر بساعة يديه ثم اتجه سريعا إلى سيارته يتحدث إلى حارسه:
-كلم رجالك يحاوط البيت مش عايز دبانة تدخل هموتكوا، ثم رفع هاتفه إلى أحد القادة
-شكلهم كشفو ابننا ياباشا، وباعتين حد يصفوه..
اجابه على الطرف الآخر:
-اتصرف يااسحاق…استقل سيارته وتحرك سريعًا متجهًا إلى منزل ميرال
وهو يحاول أن يهاتف ارسلان أو إلياس ولكن هاتفهما مغلق
عند ميرال
استيقظت من نومها بتملل وابتسامة عاشقة على وجهها بعدما تذكرت ما حدث منذ ساعات، نظرت بساعتها تضع كفيها على فمها بشهقة
-تلات ساعات ..ياه اول مرة انام كدا..
ضيقت عيناها تبحث عنه في الغرفة بعد. ما تذكرت ماقاله وما عايشها إياه
لأول مرة تشعر بأحاسيس رائعة وهي بأحضانه بتلك الطريقة، احاسيس ذكرتها بأسبوع زواجهما، أغمضت عيناها مبتسمة تضع أنامله على شفتيها، نهضت تجذب روبها واتجهت إلى الحمام تبحث عنه، ولكن لم يكن موجودا بالمكان، اخذت حمامًا تظن أنه بالاسفل بمكتبه، انتهت من حمامها، وتوقفت أمام المرآة تجفف خصلاتها، نظرت إلى اثاره التي مازالت تظهر بوضوح على عنقها وشفتيها، قاطع شرودها طرقات على باب الغرفة
-ادخل..دلفت المربية تحمل يوسف
-يوسف مش عايز يسكت، حاولت معاه بس معرفش ماله
-وديه لباباه، وانا هخلص وانزل
-بس باباه مش هنا، الباشا مشي من ساعتين تقريبا
هنا شعرت وكأن الأرض تزلزت تحت قدميها لتهمس بتقطع:
-مشي، يعني ايه ..شعرت المربية بتسرعها فحاولت تصحيح خطأها
-ممكن يكون راح شغل، انا هحاول مع يوسف تاني…قالتها وتحركت للخارج سريعا بالطفل الذي ارتفع بكاره..أمسكت الهاتف بيد مرتعشة تحاول مهاتفته، ولكنه مغلق
هوت على المقعد بملامح شاحبة تحدث نفسها:
-يعني ايه، دا قالي مش هيبعد تاني، يعني كان جاي علشان ..شهقة اخرجتها تهز رأسها بعنفوان مع انسياب عبراتها
-تاني ياالياس، بتكسرني تاني ..نهضت تدور بالغرفة وبدأت تحطم كل ماتطاله يدها وتصرخ بغضب
-ليه ..بتعمل فيا كدا ليه، اااااه صرخت بها لتهوى على الأرضية تحتضن ركبتيها وتبكي بشهقات مرتفعة…ولكن توقفت فجأة بعدما استمعت إلى صوت صراخ بالأسفل باسمه
  الفصل الثالث والثلاثون من هنا
تعليقات



<>