رواية شظايا قلوب محترقه
الفصل الثامن8
بقلم سيلا وليد
ليه قولتي أنُّه بيحبِّني..قالتها بتقطُّع.
ابتسامة جميلة زيَّنت ملامحَ غادة لتقتربَ منها وتحدجها بمقلتيها:
علشان متأكدة إنِّك كمان بتحبيه، حتى لو أنا ماعرفتِش أترجم مشاعره كويس، إلياس من النوع اللي عنده كنترول كويس، بس حاسة إن جواه مشاعر، بدل ماكل شويَّة تسمِّميه بالكلام وإنتِ عارفة أنُّه مابيحبِش اللي يقرَّب من رجولته، كل شوية أنا مش موافقة ..كانت تقفُ على بابِ الغرفة تستمعُ إلى حديثهما، اقتربت منهما وأكملت حديثَ غادة:
الراجل لو بيموت في ست وحاولت تقلِّل منُّه، صدَّقيني بيدوس عليها ويمشي، وأنا لو عندي شك في إلياس ماكنتِش وافقت، اسمعي مني حبيبتي ، اختاري الراجل اللي يحميكي من أذى الدنيا والغدر، مش بتاع كلام حنيِّن وأشعار، وضعت فريدة يدها على صدرِ ميرال تنظرُ لعينيها:
اسمعي دا، وأنا متأكدة إن دا عندُه غير العند اللي بتحاولي ترسميه قدَّامه.
اعتدلت فريدة تسحبُ كفَّ غادة قائلة:
دودي تعالي معايا نعمل كيك حلو ونحضَّرُه علشان الساعة اتناعشر عندنا ظابط كاريزما وحلو عيد ميلادُه بكرة، إيه رأيك نحتفل بيه أنا وانتِ؟..
رفعت غادة كفَّها تضربها بكفِّ فريدة
وعرفت كمان أنه خرج راح مطعمه المفضل، ياله يمكن بنت حلوة من صاحبه تقابله صدفة تتعشى، ولا البت صاحبة اسلام اللي ماشية تحب على نفسها …قالتها وخرجوا الاثنتين وهما يضحكون.
نهضت من مكانها سريعًا وتوجَّهت إلى
خزانتها وقامت بتبديل ثيابها متجهة إلى ذاك المطعم، دلفت للداخل تبحث عنه وجدته يجلس بمقابلة اسلام ينظر للنيل بشرود فاق من شروده على صوتها
-قولت غيري الفستان، مش هستناكي في المطعم، توقف اسلام يحمل هاتفه
-أنا همشي بقى، عندي مذاكرة كتير، انحنى يهمس إليها
-معرفش ايه اللي حصل بس شكلك متقلة العيار شوية
-إنت مش قولت ماشي…قالها إلياس هو يشير إليه بالتحرك..لوح لميرال
-باي ياميرو اشوفك في البيت يامرات اخويا
دقائق من الصمت بينهما حتى حمحمت معتذرة
-آسفة..لم يكترث لحديثها وظلت نظراته للخارج
-بكلمك على فكرة، من الاحترام تدي أهمية للست اللي قاعدة قدامك
-ست ..قالها مستنكرًا، فين الست دي مش شايف غير واحدة كل حياتها شتيمة وبس
-إنت اللي بتوصلني لكدا، هو ليه دايما الراجل مابيطلعش نفسه غلطان، ودائما الست هي الكائن الضعيف اللي بيغلط، رغم أنه مايقدرش يعيش من غيرها لأنها مهمة جدًا في حياته ..التفت اليها سريعًا:
مين قالِّك إن للستِّ أهميَّة في حياةِ الراجل…احتضنت كوبها بين راحتيها، وحدجتهُ بنظرةٍ جوفاءٍ متمتمة:
الصح اللي يتقال إنِّ الراجل مالوش أهمية من غير الست..
ارتفعت ضحكاتهِ بصخب، ثمَّ سلَّطَ عينيهِ عليها وأردفَ بنبرةٍ مصبوغةٍ بالتكبُّر:
وإيه الأهمية ياستِّ الفيلسوفة؟..
شملتهُ بنظرةٍ ساخرة، ثمَّ رفعت كوبها ترتشفُ منهُ وتابعت حديثها:
لولا الست ماكُنتش موجود دلوقتي، ونافخ ريشَك زي الطاووس المغرور..
الستِّ اللي حضرتَك مستهون بيها دي هيَّ اللي عملتلَك قيمة في المجتمع، ولو الرجَّالة كلَّها زيَّك ياريت الستات تتمنع عن الجواز..أنهت حديثها متوقِّفةً تجمعُ أشياءها:
حاسب على المشاريب ياسيادة الراجل المنفوخ أنا غلطانة اصلًا اني جيت وراك
ألجمتهُ بحديثها، حتى أحسَّ بإرتفاعِ ضغطِ دمهِ ليهبَّ متوقفًا
يقبضُ على ذراعها بقوَّة:
قوليلي اعمل فيكي ايه، بحاول امسك نفسي بالعافية علشان مضربكيش
-تضربني انت اتجننت..استمع الى صوت الموسيقى، فسحبها بقوة حتى كادت أن تسقط، وخرج من المطعم
فتح باب سيارته وألقاها فيها بغضًبًا جم مستديرًا إلى القيادة، جلس يسحب نفسًا يهز رأسه ودقات قلبه تخترق صدره
-نكمل في بيتنا أهو يلمنا، عجبك الفضايح دي، على اخر الزمن الناس تبصلي كدا لا ويفتحوا ميوزك علشان الناس متسمعش زعيق الهانم
وصل بعد قليل يشير إليها بالنزول
-انزلي..اتجهت بجسدها إليه وحاولت الحديث، أشار بسبباته
-انزلي مش عايز ولا كلمة ..
-بارد وتقيل ..قالتها وترجلت تدفع الباب تسبه ..ظل جالسا للحظات يهز رأسه مرددا
-وبعدهالك يابنت فريدة، هتعملي فيا اكتر من كدا ايه
دلفت للداخل ومازالت ملامحها تنم بالغضب الساحق،
كنتي فين ياميرال
اجاب أخته من الخلف مقتربا منهما
-كنت عازمها على عشا رومانسي مش كدا ياروحي..قالها وهو يحاوط خصرها بذراعيه، حاولت التملص من بين قبضته تطالعه بنظرات نارية، ولكنه اقترب يهمس بجوار أذنها
-هطلع اغير هدومي علشان نكمل العشا في اوضتي..قالها متراجع ينادي على الخادمة
-اعمليلي عشا مع …توقف وعيناه تحاورها بمكره
-مراتي البايرة..قالها وتحرك وهو يطلق صفيرا..أشارت غادة عليه مصدومة
-مين دا؛ دا اخويا، عملتي فيه ايه؟!
توقفت عن الحديث، على صوت فريدة
– إلياس طالب عشا اومال كنتوا بتعملوا ايه ..ضربت أقدامها بأرض متحركة
-لازم اشرب س. …م فيران علشان اخلص من البارد دا، صرخت بوالدتها
-أنا قولت دا مش بتاع جواز، دا آخره يوقفوه على منصة الاعد. ام…توقف على الدرج يرمقها بصمت ، أخرج هاتفه الذي صدح بالمكان ثم أجاب وتحرك للخارج قائلا
-عشر دقايق وأكون عندك
هزت فريدة رأسها باستياء من أفعالها، ثم تركتها وتحركت ..توقفت غادة أمامها
-معرفش الصراحة ليه الكلام دا ياميرال، يعني خرجتي ،وهزرت قدامه علشان ميعرفش، وبرضو مصرة تخسريه، على العموم مااظنش إن إلياس هيسكت بعد كدا ..قالتها وتحركت
دلفت إلى غرفتها تتجول بنظراتها بكل مكان ترسم لنفسها احلامًا وردية تريد أن يخرج من ركنا بها، وصلت لذاك الصندوق جلست وسحبته لتفتحُه، جلست تُخرجُ مافيه من بعضِ ذكرياتهما، نعم لم يكن لهما ذكرياتٍ مع بعضهما البعض منذُ أكثر من عشرِ سنوات ولكن هناك الكثير من الصور التي تجمعهم بأعيادِ ميلادهما، أخرجت تلكَ الساعة التي جلبها لها بإحدى أعيادِ ميلادها، ملَّست عليها وابتسمت على ذكرياتها كانت بعيدِ ميلادها السبعة عشر عامًا، أرسلها مع غادة مع تلكَ البطاقة التي يدَّونُ داخلها ” كلِّ سنة وإنتِ طيبة”
رغمَ أنَّها خالية من المشاعر ولكنَّها تحوي الكثير من دقَّاتِ قلبها، أخرجت صورهما تنظرُ إليهم بعيونٍ سعيدة، تُحدِّثُ نفسها
من هذا الرجل، أيُعقَل يكنُّ لها مشاعر، تلكَ الملامح الجافَّة ذاتَ الخشونةِ الرجوليةِ تحملُ مشاعرَ حب!..
ظلت بفترة تفتش بأشيائها عن شيئا يبرد نار قلبها
استمعت إلى صوتِ سيارتهِ بالأسفل، فنهضت تنظرُ من خلفِ الستارة عليه،، حانت منهُ التفاتة إلى الأعلى ليجدَ ظلَّها خلفَ الستارة،
تحرَّكَ للداخلِ غاضبًا، وبداخلهِ نيران قلبهِ الذي يتجاهلها، صعدَ إلى غرفتها وطرقَ البابَ عليها، استمعَ إلى صوتها الباكي ليكوِّرَ قبضتهِ بعنفٍ حتى ابيضت، دلفَ للداخلِ وجدها كما هي بفستانها، اقتربَ منها وتعمَّقَ بالنظرِ لحالتها الحزينة، تنهيدةٍ عميقةٍ مع زفرةٍ مختنقةٍ قبلَ أن يتحدَّث، جلسَ على المقعدِ بمقابلتها قائلًا بصوتٍ جاف:
الصبح إجهزي هاخدِك معايا قبلِ الشغل ، نعدِّي على المأذون، حبِّيت أطمِّنك علشان تعرفي تنامي كويس، أشارَ على فستانها:
قومي غيَّري هدومِك، ولو عايزة تلبسي هدوم عريانة أكتر من كدا براحتِك، مش هادَّخل تاني، وزي ماقولتي تحت حياتك وإنتِ حرة فيها، انا شخص بارد مالوش في جواز الكيوتة اللي زيك
قالها ونهضَ من مكانهِ متَّجهًا إلى الباب ، ليتوقَّفَ على صوتها الغاضب:
في الآخر أنا اللي غلطانة، في الآخر أنا الوحشة وإنتَ الملاك، أنا اللي بغلَط ومش عايزاك وإنتَ اللي بتعشقني وبتموت فيَّا.
كان يستمعُ إلى صوتها الباكي ليشعرَ بتراخي أقدامِه
استدارَ يرمُقها بوجهٍ خالٍ من المشاعر، متسائلًا:
بتعيَّطي ليه؟..مش هم غاصبينك على جوازة البارد، أقبلَ عليها بخطواتهِ الثابتة وعينيهِ تحاورها بعتابٍ خرجَ من قلبهِ قبلَ لسانهِ مردِّدًا وهو ينحني بجسدهِ لمستوى جلوسها وغرز عيناهُ بمقلتيها:
تأكدي ياميرال لو روحي فيكي ودستي على رجولتي، أعدِّي عليكي مايهمنيش أي حاجة ..قالها واعتدلَ متراجعًا للخلفِ وتابعَ بأسى ظهرَ بحديثهِ رغمَ محاولتهِ الثبات:
من وقتِ ماطلبتِك للجواز وبتغاضى عن هزارِك البارد، استدارَ بجسدهِ وأشارَ إليها بسبباتهِ هادرًا بها بعنف:
إنتِ مش لسة طفلة هاقعد أدلَّع فيكي، اقتربَ مرَّةً أخرى وأردفَ من بينِ أسنانهِ بهسيس:
أنا لو شاكك واحد في المية بس إنِّك فعلًا رافضة الجوازة دي ماكنتش اتجوزتِك، بس ليه بتحاولي تستفزِّيني ماعرفش، ليه كلام العيال بتاعِك دا ماعرفش، أنا مش لسة بتعرَّف عليكي، ولا لسة صغير وماعرفشِ اللي قدَّامي كويس، اتنيِّلت وقولتلك عايز أتجوِّز علشان أكوِّن أسرة، فكَّرت بعقلي بسنِّي دا ليه ماتجوزشِ وأعمِل أسرة؟..، توقَّفَ عن الحديثِ عندما خرجت عن صمتها وتوقَّفت تتمتمُ بخفوتٍ متسائلة:
ليه أنا، مش أنا اللي كنت بحاول ألفت نظرك، مش أنا البنت اللي أمَّها بتخطَّط إزاي تسيطر عليك زي ماسيطرِت على أبوك..
شحبت روحهِ وتعرَّى أمامها عندما عجزَ عن الرد..دنت منهُ وتابعت حديثها وهي تحاورُ عينيهِ بكثيرٍ من الألم:
مش أنا البنت اللي كنت بتعطف عليَّا بعيد ميلادي لمَّا تبعتلي هديِّتي مع أختك، مش أنا البنت اللي مستحيل تربط نفسك بيها، مش أنا البنت اللي أخدت منَّك انتباه الكُل، ظلَّت تخرجُ قيحَ مافي صدرها حتى لا تعلمَ كيف وصلت إلى أن أصبحت أمامهِ ولم يفصل بينهما سوى أنفاسهما التي تعالت بكثيرٍ من الغصَّاتِ التي تخترقُ روحيهما، تعمَّقت بعينيهِ القريبة:
ليه ياإلياس، ليه أنا اللي فجأة قررت تتجوزها وتكوِّن أسرة مع إن أمها ست مش ولا بد.
انهارت كلَّ حصونهِ أمامها وعجزَ عن كلِّ شيئٍ من شعورهِ القاسي الذي شعرَ به من أعيرتها النارية التي توجَّهت إلى صدره، وقفَ كالجندي الذي سُلبَ سلاحهِ أمامَ عدوِّه ..دنت خطوةً أخرى ولم تكترث لذاكَ القربَ الجحيمي وهمست بجوارِ أذنهِ حتى شعرَ بأنفاسها الناعمة تضربُ وجنتيهِ وشفتيها التي لمست أذنه:
أنا مش عايزة أطَّلق ياإلياس، وهفضل على ذمِّتَك، بس عايزة إلياس بتاع طفولتي إلياس اللي قدامي دا مش عايزاه، أما لو عايز تفضل كدا انا برضو موافقة عليك ..توقَّفت وتعلَّقت عيناها بعينيهِ وأردفت بنفسِ خفوتها:
علشان تعرف تكسر قلبي اكتر واكتر
تراجعت للخلفِ بعدما أصابت هدفها وتابعت حديثها:
عايز تاخد حقَّك من بنتِ الست اللي مفكَّرها السبب في موت والدتك، تمام أنا جاهزة، بس بلاش دور مش دورك … ودلوقتي إنزل لعمُّو مصطفى وحدِّد الفرح، لأننا لسة بينا جولات كتيرة يازوجي المستقبلي.
أطلق تنهيدة حارة من لهيب العشق المدفون، يرفع مقلتيه إليها
-دا كل اللي فهمتيه، الانتقام، يعني بقول نبني بيت وعيلة وانتِ بتقولي هتجوزك علشان الانتقام
طالعته لبرهة عاجزة عما يفكر به، وضعت كفيها على ذراعه وتمتمت
-طيب قولي ليه ..ريح قلبي وقولي أنتِ غلط
انحنى يدمغ جبينها بقبلة دافئة ثم ربت على ظهرها
-لا إنتِ غلط ياميرال ، عمري ما فكرت انتقم منك، ومش من شخصيتي انتقم من واحدة ست، رفعت عيناها وتسائلت بخفوت
-طيب ليه أنا، ريح دا ..قالتها وهي تشير على قلبها ، نظر محل قلبها ثم رفع عيناه إليها
-خليه يرتاح ياميرال مفيش غيرك ينفعني ولا فيه غيري ينفعك احنا الاتنين بنكمل بعض
-طيب والحب!!
نظر إليها بقلب مهشم وأعين ماتت بها الحياة مردفًا
-الامان أهم من الحب، الاحتواء والحنان أهم من الحب ..قالها و
تحرَّكَ مغادرًا قبلَ أن يفقدَ سيطرته، فلقد حاولَ استجماعَ ذاتهِ الضائعة التي بعثرتها بكلماتها
دلفت غادة بعد خروجه بفترة
-التورتة خلصت، قومي البسي حاجة حلوة وشيلي وش حضرة العمدة في الزوجة التانية وقربي من خطيبك، قربي منه وبعد كدا احكمي عليه، مش طول دا بارد دا معرفش ايه ..قالتها وتحركت للخارج ..جلست فترة تنظر لتلك الكعكة ثم توقفت وحملتها متجهة إلى جناحه
جالسًا بشرفة غرفتهِ على الشيزلونج، مغمضَ العينين يستمعُ إلى موسيقى أجنبية، وحديثها يتردد بأذنه، دلفت تحملُ كعكةَ عيدَ ميلادهِ.. وضعتها على الطاولة، وبحثت بعينيها عنهُ وجدته غافي بالشرفة، ظنَّت أنَّهُ مستغرقًا بنومه، اقتربت بهدوءٍ حتى لا توقظهُ، شعرَ بوجودها من رائحتها التي تسلَّلت إلى رئتيه، ورغمَ ذلكَ ظلَّ كما هو، اتَّجهت إلى مشغِّل الموسيقى وأغلقته، وجلست بجوارهِ تسبحُ بعينيها على ملامحهِ الوسيمة، ابتلعت ريقها وهي تمدُّ كفَّها على خصلاتهِ للحظات..تنهيدةٍ عميقةٍ أفلتتها من ثنايا روحها تداعب خصلاتهِ وتهمس:
ماعرفشِ إن كنت بتكرهني فعلًا ولَّا مجرَّد عند وخلاص، بس تأكَّد عمري ماكرهتك، بالعكس كنت بشوفَك حاجة كبيرة أوي، ماعرفشِ رغم اللي عملته بس ماعرفتِش أكرهك، وأتمنَّى إنتَ كمان تبادلني شعوري، أفلتت ضحكةً خافتةً واقتربت تطبعُ قبلةً على وجنتيه:
كلِّ سنة وإنتَ طيب يأسي، ماعرفش لسة فاكر ولَّا لأ، ظلَّت للحظاتٍ تراقبهُ بعينيها، ثم توقفت وغادرت الغرفة …فتحَ عينيهِ
ينظرُ لطيفها الذي اختفى، ليعتدلَ جالسًا يمسحُ على وجهه، يشعرُ بتناقضٍ شديدٍ بحالته، ورغم تناقضهِ وفكرهِ المتردِّدَ بعقله الذي يُنكرُ حماقةَ دقَّاتهِ داخلَ قفصهِ الصدري، إلا أنه تمنى عدم خروجها من غرفته، اغمض عيناه وهناك شعور يراوده بالوصول إليها وسحقها بأحضانه ولكن كبريائه يرفض ذلك، ذهبَ ببصرهِ لتلكَ الكعكةِ التي وُضعت على الطاولة، نهضَ من مكانهِ ينظرُ إليها بتدقيق.. علمَ بأنَّ فريدة من أعدَّتها.
أمسكَ هاتفهِ قائلًا:
مستنيكي في الاوضة، اوعي ممتجيش جلسَ على الطاولة ومازالت نظراتهِ على تلكَ الكعكة، مرَّت عدَّةُ دقائقَ إلى أن استمعَ إلى طرقاتٍ على بابِ غرفتهِ لتدلفَ قائلة:
دلفت بخطواتٍ بطيئةٍ إلى أن توقَّفَ أمامها يشيرُ إلى الكعكةِ قائلًا:
حد يجيب حاجة ويرميها كدا ويمشي؟..
طالعتهُ مستفهمة، سحبَ كفَّها إلى أن أصبحت بجواره:
جبتي دي ومشيتي ليه؟..
رفعت رأسها قائلة:
لقيتَك نايم ماحبِّتش أقلقَك..ثبَّتَ عينيهِ
وسحبَ كفَّيها وأجلسها بجوارهِ وظلَّ يطالعها لعدَّةِ لحظات..وذكرياتهِ معها كشريطٍ سينمائي ..هاجَ القلبُ بالنبضِ حينما ابتسمت تغمزُ بعينيها:
حلوة وزي القمر صح..،
حاوطَ كتفها يضُمُّها لأحضانهِ وأطلقَ ضحكةً رجوليةً صاخبةً جعلت قلبها يتقاذفُ بينَ ضلوعها، لترفعَ وجهها تنظرُ إلى ملامحهِ عن قرب، حتى فقدت السيطرة على نبضِ شقِّها الأيسر، لترفعَ أناملها على وجههِ بلحظةِ هروبِ العقل وتحكُّمِ القلبَ هامسةً بصوتٍ ممزوجٍ بالبكاء:
تعرف ماشفتِش ضحكتك من إمتى، تجهَّمت ملامحهِ فجأةً وانقلبَ حالهِ وكأنَّ الذي أمامها غيرَ الذي كان يضحكُ منذُ لحظات، توقَّفَ وجذبَ سجائرهِ مبتعدًا بنظرهِ عنها:
حبيت أشكُرك على التورتة، بس أنا ماليش في الحلويات، والمفروض تبقي عارفة ..
خطت إلى وقوفهِ وتوقَّفت أمامه:
إيه رأيك نبدأ صفحة جديدة، ننسى المشاكل اللي بينا ونقرَّب من بعض مش يمكن علاقتنا تكون غير؟..
احتضنَ وجهها وانحنى ينظرُ لعينيها:
ميرال إنتِ ليه مفكَّرة إنِّك عدوتي، مانكرشِ أفعالك مزعجة، بس دا مايديش إنِّي بكرهك،
طيب بتحبِّني؟.،
تجمَّدَ بوقوفهِ للحظات، وسحبَ كفَّيهِ مبتعدًا عنها وسلَّطَ عينيهِ على الكعكة:
خدي التورتة وانزلي عايز أنام ماليش في شغل البنات وأعياد الميلاد دي.
هزَّت رأسها، وانسحبت تحملُ تلكَ الكعكةَ مع الغصص التي انتابت حلقها، أطبقت على جفنيها، فيكفي إذلالًا له على سرقةِ بعض لحظاتٍ تجمعهم.
بمنزلِ يزن:
أفاقَ من نومهِ على صوتِ هاتفه:
أيوة..
الباشمهندس يزن؟.،اعتدلَ على الفراشِ يعدلُ من تمرُّدِ خصلاتهِ وأجابها بصوت ٍ مفعمٍ بالنوم:
أيوة يافندم مين معايا؟..
أنا رحيل العمري ..ظلَّ صامتًا إلى أن استمعَ إلى حديثها:
الباشمهندس مالك العمري منتظرَك بكرة في مكتبُه الساعة تسعة.،
تمام …قالها وأغلقَ الهاتف دونَ حديثٍ آخر ..استمعَ إلى صوتِ أخيهِ وأختهِ بالخارج، نهضَ من فوقِ الفراشِ وتحرَّكَ للخارج، ينظرُ بساعةِ الحائط:
مالكم صوتكم عاالي ليه؟..
أشارَ معاذ على إيمان ..أبلة إيمان مش مخلياني أنام، و أنا نعسان.
رفعَ حاجبهِ لإيمان قائلًا بمزاح:
إخص عليكي ياإيمان، ليه تحرميه من النوم أبلة إيمان؟…
ضحكت إيمان قائلة:
بيهرب من المذاكرة، هوَّ هاينام دلوقتي!.. دا لسة الساعة تسعة
حاوطَ كتفهِ وتحرَّكَ لغرفةِ المعيشة:
تعالَ يامعاذ، هاشوفك عامل إيه في الهندسة وبعدين نام، قاطعهم صوتُ رنينُ جرسَ الباب، تحرَّكَت إيمان إلى الباب وفتحته..توقَّفَ كريم:
مساء الخير ياإيمي..
نظرت للأسفلِ بخجلٍ قائلة:
أهلًا يادكتور كريم، استمعَ إلى صوتِ يزن
تعالَ يادوك…
عامل إيه ياهندسة…أشارَ لهُ بالجلوسِ قائلًا لأخته:
إعمليلنا قهوة ياإيمي …حمحمت وهتفت بخفوت:
أنا جهزت العشا، إنتَ ماتغديتش..
اتَّجهَ ببصرهِ إلى كريم متسائلًا:
تاكل يالا، ماليش نفس لو هاتاكُل معايا وتفتح نفسي هاكل …قالها كريم بشقاوة …أشارَ إلى أخته:
جهزيه حبيبتي، اقتربَ منهُ يلكزه:
مافيش أخبار عن الراجل اللي أنقذته؟..
تراجعَ بظهرهِ يمسحُ على وجههِ وأجابه:
بنته لسة مكلماني.،
زوى مابينَ حاجبيهِ متسائلا:
عايزة إيه؟..هزَّ كتفهِ للأعلى والأسفل قائلًا :
ماعرفش ومش رايح..
ليه ماترُحشِ، روح شوفه عايز إيه.
أطبقَ على جفنيهِ قائلًا:
أكيد عايز يعوَّضني، أصل الناس اللي زي دي كل كلامهم مقابل.
جذبَ كريم تفاحةً من أيدي معاذ وهتف:
عارف الراجل دا قريب المحروس عريس خطيبتَك الصفرة.
ضيّّقَ عينيهِ محاولًا استيعابَ حديثه، بدأ يلوكُ التفاحة مستلِّذًا طعمها وتحدَّث إلى معاذ
أنتوا بقيتوا أغنيا إمتى يابني وجايبين تفاح أمريكاني!..ضربهُ يزن على رأسهِ بخفَّة:
اتلَّم ياحلوف، عايز أعرف إزاي بقيت دكتور..توجَّهَ بنظرهِ يفتحُ كفَّيهِ مازحًا:
كنت نايم فأمي صحتني وقالتلي مبروك ياكيمو بقيت دكتور جراحة قد الدنيا.
قهقهَ يزن عليهِ يضربُ كفوفهِ ببعضهما:
ربنا يعينِّي عليك…دلفت إيمان قائلة:
العشا جاهز ياأبيه، نهضَ يسحبهُ من كفِّهِ إلى مائدةِ الطعام متسائلًا:
ماقولتليش إزاي مالك العمري بيكون يقرَب الواد؟..
جذبَ المقعدُ وعينيهِ على تلكَ العصفورة التي تضعُ الطعامَ أمامَ معاذ ليلكزهُ يزن:
مش بترد ليه
أه..أرُّد على إيه؟..صمتَ ولم يعلِّق على حديثه، فحمحمَ معتذرًا:
من قرابة الأم، عرفت بالصدفة، رحيل دي المالك الوحيد لمجموعةِ العمري عندها خال وخالتين، واحدة بتكون أم المحروس والتانية قاعدة في ألمانيا، أه وفيه واحدة تانية بس ميتة.
استمعَ إليه بإنصاتٍ متسائلًا:
إنتَ بتعرف الأخبار دي منين؟..
لوَّحَ بكفيه قائلًا:
أووووه دا أنا مخبر قديم أوي يابني…
ألقاهُ بشريحةِ خيار:
اتكلِّم عدل وجاوب وبس، الأخبار دي بتيجي لك إزاي؟…
لو مكنتش تحلف..شيَّعهُ بنظرةٍ حذرةٍ فأجابه:
شهاب ..إنتَ نسيت إن الراجل انضرب بالنار وقعد ليلة في بيتك، وشهاب استلم القضية كان لازم يعمل فحص عائلي فحكالي عرفت كدا ارتحت.،
وضعَ الطعام بفمهِ يلوكهُ بهدوءٍ ثمَّ هزَّ رأسهِ وأجابه:
لا مارتحتِش…ذهب بذاكرتهِ إلى تلكَ الليلة قاسيةَ البرودةِ منذُ أسبوعٍ عندما دلفَ إلى منزلهِ ووجدهُ غارقًا بدمائه، يتشبثُ بقميصهِ قائلًا:
إنقذني عايزين يقتلوني…صمتَ للحظاتٍ وبعدَ رجاءٍ دامَ لدقائقَ ساعدهُ بالوقوفِ واتَّجهَ بهِ إلى منزلهِ، فتحَ البابَ ودلفَ بعودةِ التيارِ الكهربائي:
يزن مين دا؟..أشارَ إليها بالدخول:
إيمي أدخُلي إعملي أي عصير، لمَّا أكلِّم كريم..وصلَ كريم بعدَ فترةٍ وقامَ بالكشفِ عليه..فاتَّجهَ بنظرهِ إليه:
لازم ننقله مستشفى..
هيَّ الإصابة خطيرة…تسائل بها يزن؟.. هزَّ رأسهِ بالنفي واستأنفَ مستطردًا:
دا رجل أعمال مشهور، عارف يعني إيه ينضرب في بيتَك؟.. دي مصيبة، لازم ناخدُه المستشفى وهمَّا يتعاملوا معاه، هانقول لقيناه قدَّام البيت.
تخصَّرَ قائلًا:
مادا اللي حصل فعلًا:
سحبهُ من ذراعهِ يشيرُ إلى الرجل:
يابني دا لو حصلُّه حاجة الدنيا هاتتقلب عليك بلاش اسمع مني، إصابتُه محتاجة عملية ماينفعشِ أخرَّج الرصاصة هنا
قطعَ حديثهما صوتُ الرجل:
عايز تليفون، اتِّصل ببنتي قالها بينَ الوعي واللاوعي …اقتربَ منهُ كريم بعدما وجدَ شحوبَ وجهه، ثمَّ أشارَ إلى حقيبته:
هات الشنطة أحاول أعمل حاجة لحد ما نشوف هانعمِل إيه..قامَ بعملِ إسعافاتٍ أوليَّة بوقفِ النزيف، ثمَّ هتفَ متسائلًا:
لو سمحت لازم ننقلَك مستشفى، أنا دكتور أه بس مافيش إمكانيات هنا، حاولت أوقف النزيف، لازم نخرَّج الرصاصة..
همسَ بنتي، اتصل برحيل بنتي …أشارَ إلى جاكيتهِ ليسحبَ هاتفهِ يعطيهِ له:
تليفونك أهو..حاولَ رفعَ يدهِ لفتحِ الهاتف ولكن لم يستطع السيطرة على تلكَ الغمامة.
نفخَ بضجرٍ يمسحُ على شعرهِ بعنفٍ وصاحَ بغضب:
أنا هاتَّصل بالإسعاف الراجل هايموت، وهاتبقى مصيبة ليك يايزن..قاطعهم رنينُ هاتفَ مالك، ليرفعهُ كريم سريعًا بعدما وجدَ اسمِ وصورةِ ابنتهِ.. أجابها سريعًا:
اسمعيني كويس ياآنسة، والدِك فيه ناس حاولوا يقتلوه وإحنا أنقذناه ودلوقتي لازم يتنقل للمستشفى بأقربِ وقت، عايز من غير شوشرة عربية إسعاف بسرعة على العنوان دا.
فاقَ يزن من شرودهِ على صوتِ كريم:
شهاب بيقول شاكين إن فيه حد من أعدائهِ بس بنته بقى بتتِّهم مين تخيَّل؟..
طالعهُ باهتمامٍ متسائلًا:
راجح الشافعي، وأبو عريس الغفلة.
عندَ آدم وصلَ إلى الجامعة بأوَّلِ يومٍ دراسيٍّ له، كانت تقفُ مع صديقاتها رأتهُ يترجَّلُ من سيارته، ظلَّت تراقبهُ بنظراتها إلى أن لكزتها صديقتها:
سرحتي في إيه يا دكتورة؟.،
التفتت إليهِ مردّّدَةً
أه..لا مفيش، ياله علشان مانتأخَّرشِ على المحاضرة
بعدَ عدَّةِ ساعاتٍ خرجت من الجامعة تلتفتُ حولها تبحثُ عن سيارته، تأفَّفت بضجرٍ بعدما علمت بمغادرته، استقلَّت سيارةَ أجرة إلى منزلها وصلت على تجمِّعٍ من الناسِ أمامَ المنزل، ترجلَّت تنظرُ بضياعٍ إلى الحشود، وقلبها يؤلمها من الصراخ، هرولت للداخلِ وجدت والدها متسطِّحًا على الأريكة وزوجتهِ تتمتمُ بكلماتٍ غيرَ مفهومة .. توقَّفت متسائلة :
بابا مالُه..هنا فاقت سهام زوجةُ والدها:
أهي جت وش المصايب اللي أبوها أخد قرض علشانها وفي الآخر يطلعوا عليه قطَّاع الطرق يضربوه وياخدوا الفلوس آه يامراري وآدي كلية الطب ومصايبها، مفكَّرة نفسها هاتطلع أحمد زويل، أومال لو مش طول الليل وضحكات مع الشباب وقال إيه بتسمع محاضرات أهي ياختي أهي …انسابت عبراتها على وجنتيها تنظرُ للحشدِ الذي يطالعها مشمئزًا …هرولت للداخلِ وعبراتها تفرشُ طريقها ، أخرجت هاتفها بيدٍ مرتعشة وهاتفت متيِّمَ قلبها:
آدم…توقَّفَ بالسيارة على طرفِ الطريقِ وهزَّةٍ أصابت قلبهِ وهو يستمعُ إلى شهقاتها قائلة:
أنا موافقة على الجواز، جاهزة في أي وقت.
ثقلُت أنفاسهِ ورجفة قويَّة ضربت سائرَ جسدهِ مما شعرَ بانسحابِ أنفاسهِ متسائلًا بلسانٍ ثقيل:
إيه اللي حصل ماأنا عارف إنِّك وافقتي، بابا قالي.
بكت بصوتٍ مرتفعٍ حتى وصلَ لوالدها بالخارج:
أنا مستنية تيجي تاخدني من الجحيم دا…صفَّقت زوجةُ والدها:
شوفوا البت البجحة، لا..كمان مش مكسوفة وبدل ماتيجي تترمي تحتِ رجلِ
أبوها وتعتذِر.. رايحة تكلِّم حبيب القلب …لكزت زوجها بقوَّة:
قوم ربِّي بنتك يامحمود اللي ناقصة تربية
عندَ أرسلان.. وصلَ إلى منزلهِ ودلفَ لداخلِ مكتبهِ يغلقهُ خلفهِ وفتحَ جهازهِ الخاص بعملِ المخابرات، دقائقَ معدودة وظهرت تلكَ العمارة أمامه، تحدَّثَ بهاتفِ المنزل:
إعملي قهوة وهاتيها المكتب، بعدَ فترة ومازالَ يراقبُ تحرُّكاتِ تلكَ العمارة، ويرتشفُ من قهوتهِ حتى ظهرت أمامهِ تلكَ الفتاة التي أغشي عليها بمحطَّةِ القطار، تدلفُ لتلكَ العمارة، كبَّر شاشةَ جهازهِ يراقبُ دلوفها وكأنَّها تعلمُ المكان جيدًا، ظلَّت نظراتهِ عليها إلى أن صعدت الطابقَ الذي بهِ تلكَ الشقة..
الله الله كان ناقصني إنتِ وبعدين بقى، دا شكل الدنيا كدا دخلت في بعضها، إيه علاقة البت دي بالأجنبي دا..شكل أيامِك مرار ياستِّ سندريلا..
بمكانٍ آخرٍ، لأوّّلِ مرَّةٍ نذهبُ إليهِ بعدَ سنوات …فيلَّا عصرية على أحدثِ التجهيزات كانت تجلسُ تضعُ ساقًا فوقَ الأخرى تنفثُ سجائرها:
وبعدين ياعطوة، يعني العملية فشلت، لازم تفكَّر كويس هانتخلَّص منه إزاي، كفاية طارق الحيوان اللي غرَّفنا وراح يلعب ببنت بيئة، وسايب الكنز..
ارتشفَ عطوة من قهوتهِ وأجابها:
بصِّي ياستِّ الناس، دلوقتي الحكومة عينيها على الراجل وماينفعشِ نقرَّب منُّه حاليًا، بس وعد في أقرب وقت هاقتلُه.
نفثت سجائرها قائلة:
دا متأكدة منُّه، أهو لحدِّ ماأليِّن دماغ الحيوان طارق.
سؤال هنا ياستِّ الناس، هيَّ البنت وحشة علشان ماتعجبشِ طارق بيه؟..
تهكَّمت تهمسُ لنفسها:
لأنُّه واد غبي طالع لأمُّه، سايب النعمة وبيبُص في القاذورات.
بتقولي إيه ياستِّ الناس؟..
لوَّحت بكفَّيها متمتمة:
سيبَك من دا كلُّه..قولي لسة راجح بيروح للبتِّ ولَّا إيه؟..
الصراحة ومن غير زعل أه، راحلها من يومين، وعرفت كمان أنُّه طلب من طارق يزورها.
هبَّت فزعة واستنكرت مافعله، ليتلوَّن الحقدُ بداخلها وهي تضيفُ بنبرةٍ سامةٍ:
ماعرفشِ إزاي البنت دي كل ما أحاول أقتلها تفلت منِّي، دي فريدة ماأخدتشِ غلوة في إيدي.
توقَّفَ عطوة وتشدَّقَ بما جعلَ قلبها سيصابُ بسكتةٍ قلبيةٍ حينما استمعت إليه:
عرفت مكان فريدة ياستِّ الناس، بس قبل ماأتكلِّم دي في عش دبابير، جوزها لوا كبير في الشرطة، وابنِ جوزها ظابط في الأمنِ القومي.
توسَّعت عيناها تضربُ على صدرها:
إنتَ بتقول إيه؟!..
1
بفيلَّا السيوفي قبلَ حفلِ الزفافَ بيومين، طرقَ على بابِ غرفتها ثمَّ دلفَ للداخلِ وجدها تخرجُ بثيابِ الحمام، شهقت بفزعٍ من وجودِه، رفعت كفَّيها بعفويةٍ تغلقُ فتحةَ روبِ الحمام، وتحدَّثت بتقطِّع:
إزاي تدخل كدا من غير استئذان؟!..
اقتربَ منها وعينيهِ تخترقُ جسدها متمتمًا بمزاح:
ليه مش دي أوضة مراتي البايرة؟..بلعت ريقها بصعوبة، تتراجعُ للخلفِ ورجفةً بسائرِ جسدها جعلها متخبِّطة ..إلى أن استندت على الحائط:
إلياس اطلع برة عيب كدا ..سحبتهُ أقدامهِ إليها أكثر وأكثر حتى التصقَ بها وقامَ بنزعِ منشفتها التي فوقَ خصلاتها لينسابَ شعرها المندَّى تتساقطُ بعضَ القطراتِ على عنقها، هنا فقدَ عقلهِ وتعقُّلهِ بالكامل لينزلَ ببصرهِ على تفاصيلَ جسدها من شعرها المنسدلَ إلى بشرتها الناعمة ..هزَّة لكليهما حينما مرَّر أناملهِ الخشنة فوقَ عنقها ..بلَّلت ريقها بصعوبة:
إلياس إلعِد..ابتسمَ بجاذبيةٍ مستندًا بذراعيهِ على الجدار:
ليه مش أنا بارد والمفروض يحطُّوني على منصَّة الإعدام مش دا كلامك؟..
هزَّت رأسها بالنفي مع ابتسامتها الخلَّابة وهي تعضُّ شفتيها تنظرُ للأسفلِ بخجلٍ متمتمة:
إنتَ بضايقني أعمل إيه.. بطلَّع غلِّي من برودَك.
جانبًا سعيدًا من شقاوتها التي تشبهُ شقاوةُ الأطفال، أعادت إليهِ الكثيرَ من الطفولة،وجانبٍ حزينٍ أنَّها أصابت قلبهِ بسهامِ اتهاماتها ..هتفَ دونَ وعي:
موافقة على جوازنا ياميرا؟..أنا جايلك لحدِّ عندِك من غير أي ضغوط من حد
موافقة…طبقة كرستالية زيَّنت عيناها وهي تطالعهُ بترجِّي أن يرحمَ شقَّها الأيسر، كيفَ لا تشعرَ بقلبي الذي لا ينبضُ سوى بجواركَ.. إلى متى سأعاني التجاهلَ حبيبي.. حبيبي ردَّدَها قلبها قبلَ لسانها لتغلقَ عيناها تهربَ من نظراتهِ التي أضعفتها وجعلتها رخوةً ولم ترد سوى التنعَّمَ بأحضانه.
كانت نظراتهِ تتجوَّلُ على ملامحها دونَ انقطاع، ولكن حربهِ الداخلية أقوى من ذاكَ النبضِ الذي ينبضُ بعنف، هل هذا العشقَ عذابًا لقلبه…
ميرال..فتحت عينيها على صوتهِ الرخيم لتجيبهُ ومازالت بحالةِ غياهبِ العشق.
-يعني مش هاتقولي مش عايزة الجوازة دي تاني؟..
هزَّت رأسها سريعًا بالنفي بعدما استمعت لصوتهِ الحنون، ونظراتهِ المعاتبة..
ابتسامة شقَّت ثغره، ليرفعَ كفِّهِ على خصلاتها يزيحها بعيدًا عن عيناها:
طيب علشان نبقى متفقين مش عايز لبس عريان، ودا مش علشان دماغِك التافهة، دا علشان الصح، الأوَّل ماكنشِ من حقِّي ..تناست مابينهم واقتربت منهُ وعينيها تحتضنُ عينيه:
طيب دلوقتي إيه اللي اختلف؟.،قالتها بدقَّاتٍ عنيفةٍ تريدُ أن تصلَ لمرادِ قلبها.
ابتسمَ على كلماتها المغلَّفة بالتبرير لاعترافه، جذبَ رأسها لأوَّلِ مرَّةٍ لصدرهِ
ولفَّ ذراعيهِ حولَ أكتافها:
دلوقتي بقيتي مراتي ومن حقِّي أمنعك عن اللي مايعجبنيش، قالها وهو يغمضُ عينيهِ مسلِّذًا بذاكَ القرب، أمَّا هي دفنت رأسها بصدرهِ تستنشقُ أكبرَ كمٍّ من رائحته، وقلبًا ينبضُ بالسعادةِ.. رفعَ ذقنها وأخرجها من أحضانهِ ينظرُ إليها بنظراتٍ ينبثقُ منها معاني الحب التي تذيبُ الآلامَ وتمحو الاحزان. .
حاوطت خصرهِ لأوَّلِ مرَّةٍ تضعُ رأسها على ذاكَ النبضِ العنيف، ليبتعدَ سريعًا ويهربَ من ضعفهِ بحضرتها
هرولَ بخطواتٍ متَّسعةٍ وكأنَّ أحدهم يطاردُه، اصطدمَ بفريدة التي دلفت للداخلِ بذهنٍ شارد..توقَّفَ معتذرًا..
طالعتهُ بأعينٍ كلونِ الدماء، ذُهلَ من حالتها فدنا منها:
مالك…ابتسمت من بينِ آلامِ أحزانها لأوَّلِ مرَّةٍ يسألها مابها، ماذا ستقولُ له..
أيعقَلُ أن تقصَّ لهُ ماصار، أيعقلُ أن تخبرهُ بأنَّها أجبرت والدهِ على الفحص النووي له، ماذا عليها أن تفعلَ وهي كالذي يرقدُ على موقدٍ مشتعلٍ بالنيران…كيفَ لها أن تتعايشَ مع ذاكَ الألمِ بعدما دقَّقت بملامحهِ التي تشيرُ أنَّهُ الأقربَ إلى زوجها المتوفي، كيفَ تغاضت عن ذاك..،
لأوَّلِ مرَّةٍ يسحبُ كفَّيها ويحاوطُ أكتافها ليصلَ بها إلى أقربِ مقعدٍ عندما وجدَ ارتجافَ جسدها وشحوبه:
جلسَ أمامها قائلًا:
أنا مانكرشِ بتحفُّظي عليكي، بس برضو أنا حزين على حالتِك، بقالِك أسبوع على طول قافلة على نفسِك وسرحانة، غير نظراتِك ليَّا على الأكل، لو شايفة إنِّي ماانفعشِ بنتك وقَّفي الجواز، أنا كدا كدا مش فارق معايا أتجوِّز مين، قد مافارق معايا يكون عندي عيلة …صدَّقيني ميرال من غيرها مش فارق.،
بقلبٍ ممزَّقٍ واستفهامٍ مؤلمٍ خرجَ من ثنايا روحها هاتفةَ من خلفه:
وأنا كمان ياسيادة الظابط مش فارق معايا إنتَ ولَّا غيرك، أهو راجل والسلام علشان أريَّح أمي اللي بقيت عبئ عليها..
وقعت الكلمة على مسامعهِ هو وفريدة كصاعقةٍ شقَّت صدورهم لنصفين، ليتوقَّفَ بجسدٍ مشدودٍ وكأنَّ حديثها فتَّتَ عظامهِ من شدَّةِ قسوته..
دنا منها بأنفاسٍ ثقيلةٍ مستنكرًا كلِّ كلمةٍ تفوهَّت بها ثمَّ أشارَ إليها بإعادةِ الحديث: أي راجل، راجل والسلام، كادَ الوجعُ أن يلقيها صريعةً أمامهِ لتقتربَ منهُ بكبرياءِ أنثى دعسَ على كرامتها وغرزت عينيها بمقلتيه:
إيه مش دا كلامَك ياإلياس باشا، ولَّا حلال لحضرتَك وحرام ليَّا…
نهضت فريدة بعدما تأزَّمَ الوضعُ تقتربُ منهما ولكن حاوطتها غمامةً سوداءَ لتسقطَ على الأرضية بصرخاتِ ميرال باسمها..
صباح اليوم التالي بعد ليلة مرت على الجميع بقلوب تئن بألمًا يزهق الأرواح
حاول مهاتفتها عدة مرات ولكن هاتفها مغلق .. صباح اليوم التالي
خرج متجهًا إلى غرفتها دلف بعدما طرق عدة مرات، قابلته على الباب
-صباح الخير…اومأت له دون حديث
رفع ذقنها يتعمق بعيناها متسائلًا:
-منمتيش..غاصت في لذة قربه تنظر إلى ملامحه الحادة واردفت قائلة
-هفطر وأنام، مش ورايا حاجة
تنهد بصوت مرتفع بعدما علم بما تعني، اتخذ نفسًا طويلًا وزفره،
-شيل ايدك عايزة اعدي
انحنى وطبع قبلة على وجنتيها يهمس بجوار أذنها:
-فيه واحدة نسيت تقول لجوزها حبيبها كل سنة وانت طيب
رفرفت اهدابها عدة مرات تطالعه بصدمة، لف ذراعيه حول خصرها يقربها إليه أكثر
-عندي شغل 4 ساعات نامي كويس علشان هرجع علشان هننزل تختاري فستان الفرح يامراتي البايرة ..قالها وغادر
ابتسامة شقت ثغرها تهمس لنفسها
-الراجل دا هيدخلني العباسية لا محالة
1
عند ارسلان
دلفت إلى العمارة وصعدت للطابق المنشود كعادتها، طرقت على الباب وإذ فجأة يسحبها أحدهم للداخل، بعد لحظات دلف إلياس مع طاقمه العسكري دون إحداث شغب
-مش عايز خساير بشرية، أشار إلى فريقه بالتحرك بكافة الاتجاهات …لحظات واقتحمت الشقة وتم القبض على من بها
كان يغفو على مقعده استمع الى رنين هاتفه ..زفر بضيق واجابه
-والله انا لو بشتغل دكتور نسا ماهصحى كدا، ارحم ابويا يااسحاقوا، بقيت انام زي الخفاش بالنهار
-اسمعني وبطل رغي، أمن الدولة اقتحم الشقة، اكيد عرفوا، لحظة وتخفي كل حاجة، سمعتني
تنهد وظل صامتا
-صقر سمعتني …هو انا بعمل حاجة غير اني اسمعك، سمعت خلاص، لحد ما دماغي فرقعت منك، ياريتك بتقلني المطافي ..وتابع بمزاح
-رسلان روح رسلان تعالى، انا خايف يكون متجوزني في السر..قالها واغلق الهاتف..قبض الآخر على خصلاته بعنف كاد أن يقتلعها..دلفت دينا بوجه شاحب تنظر إليه للحظات، جلس يطالعها بصمت، هب واقفًا كالملدوغ حينما اردفت
-اسحاق انا حامل
مساءَ اليوم دلفَ مصطفى وجدها تجلسُ بالشرفةِ تنظرُ بشرودٍ وكأنَّها شيدت لنفسها عالمًا لها لوحدها منذ معرفتها بأنَّه ليس ابنه ..
فريدة..ردَّدها مصطفى لتستديرَ إليهِ برأسها.،
رفعَ يديهِ بالمظروفِ قائلًا:
جبت التحليل ..هبَّت من مكانها وهرولت إليه ..وقلبها كالمضخةِ التي تكادُ تصيبها بأزمةٍ قلبية؛
تناولتهُ بجسدٍ منتفض، ثمَّ رفعت عينيها إليه:
أنا بعمل الصح ماتزعلشِ مني، ماكُنتش عايزة حد يعرف قبلي علشان كدا منعتك من فتحه..
احتضنَ وجهها يهاتفها بصوتهِ الحنون:
فريدة إهدي حبيبتي وكلِّ حاجة في الدنيا نصيب لولا إصرارِك على كدا مستحيل أوجَع قلبك، بس كان لازم أعمِل كدا…علشان إلياس بدأ يشك من نظراتِك له، وسألني إنتي بتشتكي من حاجة؟..
ابتعدت عن حنانِ يديهِ ورغمًا عنها هزَّت رأسها ولم تستطع الألم الذي يعصفُ بداخلها:
حسيتُه ابني يامصطفى، أنا كنت مستبعدة الإحساس دا علشان قولت مستحيل، أهو إحساس أمومي يامصطفى ماعرفشِ صح ولَّا لأ، أرجوك ماتزعلشِ مني، خلِّي نار قلبي تبرد، لو ابني وقتها بس أعرف قد إيه إن كرم ربنا فوق الوصف، أمَّا لو مش ابني قلبي هايرتاح علشان مافضلشِ موسوسة، وفي نفس الوقت بقول ربنا رحيم بيَّا وأكيد كلَّها تدابير زي ماقالتها غادة زمان..
طبعَ قبلةً على جبينها وتحدَّث:
طيب حبيبتي إهدي واسحبي نفس وقبل أي حاجة إعرفي أنا معاكي، وحاولي تتماسكي يافريدة، سواء ابنك ولا لا ..هزت رأسها سريعًا وهي تفتحُ المظروفَ بيدٍ مرتعشة، وقلبًا ينتفضُ برعب، تتمتم:
أنا قوية حبيبي وهاتحمِّل كلِّ حاجة..فتحت المظروفَ تطالعهُ،
حاوطها بذراعيه، قائلًا بصوتهِ الحنون:
إهدي، خدي نفس، جسمِك بيرتعش ليه، انسابت عبراتها على وجنتيها كزخاتِ المطر وهي تفتحُ ذاكَ المظروفَ الذي يُعتبَرُ جنَّتها وجحيمها ، قرأت بعينيها مرَّة واثنان وعشرة ودموعها التي أصبحت تجري كمجرى شلال…
هوت على ركبتيها وصرخة شقَّت صدرهِ وهي تطالعه:
ابني..إلياس ابني يامصطفى، قالتها وازدادَ بكاؤها مع دلوفهِ من البابِ الرئيسي يطوفُ بنظراتهِ عليهما وعلى جلوسها بتلكَ الحالة:
مالكم فيه إيه؟..ومدام فريدة بتصرُخ ليه…
توقفت تستند على ذراع مصطفى تنظر إليه بلهفة أم تردد دون وعي
“يوسف”..مع رنين هاتفه
-إلياس باشا جبتلك الست اللي اسمها اسراء
