
حضن أبي
لم تكن تعرف معنى الخوف…
ففي عالمها الصغير، كان هناك شخص واحد يجعل كل شيء يبدو بخير.
والدها.
كانت ترى الحياة من خلال عينيه، وتعرف أن العالم مهما كان كبيرًا ومخيفًا، هناك مكان صغير تستطيع العودة إليه دائمًا…
حضنه.
منذ كانت طفلة صغيرة، كانت تركض نحوه كلما سقطت، ليس لأنها تألمت فقط، بل لأنها كانت تعرف أن دموعها ستختفي بين ذراعيه.
كان يمسح على شعرها ويقول:
"لا تبكي يا صغيرتي، فأنتِ شجاعة."
فتنظر إليه بعينيها البريئتين وتسأله:
"هل أنا شجاعة مثلك يا أبي؟"
فيبتسم ويجيب:
"بل أنتِ أقوى مني."
كانت تضحك، ثم تعود للاختباء في حضنه وكأنها لا تريد أن تتركه أبدًا.
كان والدها رجلًا بسيطًا، لكنه كان يملك قلبًا كبيرًا.
لم يكن يغمرها بالهدايا فقط، بل كان يمنحها شيئًا أهم…
الأمان.
كان يعرف موعد نومها، ويعرف الطعام الذي تحبه، ويعرف من نظرة واحدة لعينيها إن كانت حزينة أو تخفي شيئًا.
وفي كل ليلة، كان يجلس بجانب سريرها ويحكي لها قصة قبل النوم.
وفي نهاية كل قصة كان يقول:
"وتعيش البطلة سعيدة لأنها لم تستسلم."
فتسأله:
"هل سأكون أنا البطلة يا أبي؟"
يبتسم ويقول:
"أنتِ بطلة قصتي أنا."
كانت تلك الجملة تكفيها لتنام وهي مبتسمة.
مرت السنوات وهي تكبر تحت ظل حبه.
لكن رغم أنها كانت تكبر في العمر، بقيت تلك الطفلة التي تمسك يده في كل مكان.
وفي ذلك الصباح…
كان هناك شعور غريب يسكن قلبها الصغير.
جلست على الكرسي بجانب والدها، تراقبه وهو يستعد للخروج.
قال لها بابتسامة:
"هيا يا صغيرتي، ارتدي ملابسك، ستتأخرين عن المدرسة."
لكنها لم تتحرك.
نظر إليها باستغراب:
"ما بكِ اليوم؟"
اقتربت منه وأمسكت بيده.
"لا أريد الذهاب يا أبي."
ضحك بلطف:
"ولماذا؟ هل أصبحت المدرسة لا تعجبك؟"
هزّت رأسها، ولم تعرف ماذا تقول.
لم يكن هناك سبب واضح…
فقط قلبها الصغير كان يشعر بشيء لا تفهمه.
اقتربت منه أكثر، ثم ارتمت في حضنه وبكت.
تفاجأ والدها، لكنه احتضنها بسرعة.
"ماذا حدث يا طفلتي؟"
قالت بصوت ضعيف:
"لا أعرف… فقط أريد أن أبقى معك اليوم."
مسح دموعها وقبّل رأسها:
"سأعود يا صغيرتي، وسأجدك تنتظرينني كعادتك."
رفعت رأسها وسألته:
"وعد؟"
ابتسم ووضع يده على قلبه:
"وعد."
لم تكن تعرف أن بعض الوعود لا نستطيع أن نفي بها، ليس لأننا لا نريد…
بل لأن الحياة تكون أقوى منا.
خرج والدها من المنزل، والتفت إليها قبل أن يغادر.
لوّح لها بيده وابتسم.
ولوّحت له وهي تبتسم أيضًا.
كانت آخر مرة ترى فيها ابتسامته.
في ذلك اليوم…
لم تفقد طفلة والدها فقط.
بل فقدت المكان الذي كانت تختبئ فيه من العالم.
فقدت الحضن الذي كان يجعلها تشعر أن لا شيء يمكن أن يؤذيها.
ومنذ ذلك اليوم…
يتبع