رواية وادي الذئاب المنسيه
الفصل الثالث عشر13
بقلم عمرو عبد الحميد
كنت لا أزال طريح الأرض مدكوك الرأس والوجه أسفل حذاء الجندي عندما أخذت كلاب الصيد تتسمم جسد ناي الغارق في دمائه قبل أن تطلق نباحًا نصيرا وتبتعد عنها في اتجاه عربة الجنود وكأنه إشعار منها أنها فارقت الحياة، حينذاك تقدم قائد الجنود نحو جثتها، فأغمضت عيني كي لا أرى ما سيفعله بها، لكنه اكتفى بنزع رمحه من صدرها واستدار سريعا ليأمر جنوده بأن ينسحبوا إلى عربتهم، توقعت أن يهوي سيف في تلك اللحظة على عنقي ليفصل رأسي عن جسدي إلا أنهم لسبب لا أعرفه تركوني ومضوا في طريقهم، فزحفت بصعوبة على يدي وركبتي اليمنى نحو ناي، كانت راقدة مغمضة العينين شاحبة كالثلج، احتضنتها وأنا أناجيها أرجوك يا ناي انهضي أرجوك لا تتركيني وحيدا، انهضي وسنغادر هذا البلد بأكمله، أرجوك. قبل أن أصرخ إلى عنان السماء صرخة جعلت طيور الأشجار تحلق من أعشاشها.
بعدما استعدت بأسي بعض الشيء مزقت بنطالي، ولففت قماشة منه بقوة حول فخذي النازفة، ثم حملت ناي عائدا إلى بيتها، بدا على أبيها وأمها أنهما كانا عائدين لبيتهما منذ قليل وقد بحثا عنها بعضا من الوقت دون أن بعرفا شيئًا عن مطاردة الجنود لها، جريا نحوي في جنون، ولما رأيا وجهها الساكن الشاحب وثوبها الغارق في دمائها توقفا مذهولين وكأن صاعقة
أصابتهما، قبل أن تصرخ خالتي ريحانة وهي تهز جسدها . وتنادي باسمها
قلت باكيا:
- لقد قتلها الجنود، ولم أستطع إنقاذها.
هوى العم بهلول إلى الأرض يلطم وجهه فيما واصلت خالتي ريحانة عويلها ونداءها جثة ناي راجية لها بأن تنهض وضعت ناي إلى الأرض برفق وابتعدت خطوات باكيًا، فاحتضناها وهما ينتحبان غير مصدقين ريحات بعد دقائق تحسست خالتي ريحانة صدر ناي أسفل فستانها، ثم مزقت عنق الفستان كاشفة صدرها وكانها تبحث عن شيء ما، فأبعدت عيني قبل أن تغمغم إلى زوجها وهي تنشج:
- لقد طعنت في قلبها، ماتت ابنتنا بلا رجعة.
وصرخت وهي تضم ناي إليها بكيت بحرقة أنا الآخر، ثم نهضت هائما متجها إلى حافة البحيرة التي جلست عندها في الليلة السابقة، وعندما وصلت إليها هبطت إلى أرضيتها، كانت القنينة لا تزال هناك سليمة كما ألقيتها التقطتها، وعدت إلى قريتي كان الجميع ينظرون نحوي في تعجب وانا أسير أعرج عاري الصدر ممزق البنطال، تتجلط الدماء على وجهي ورقبتي وظهري، وتتساقط من فخذي المُضمدة قطرات من الدماء، حاول البعض إيقافي لسؤالي عما حدث لم أتوقف سمعت البعض يتهامسون عن خبر مقتل ناي وكأن الجنود نشروه في القرية، فامتلأت عيناي بالدموع وانا أواصل تقدمي، كانت أمي تقف عند باب البيت، وحصان أبي معقولا في وتد على جانبه يأكل التين تقدمت، قالت أمي والدموع في عينيها:
- إنني أسفة يا نوح، إنني آسفة يا بني. لم أجبها، وواصلت تقدمي أنظر إلى أبي الذي كان يجلس في المردمة يحدق إلي دون أن يقول شيئًا، لم أزح عيني عن عينه، فوجدته يحرك يده نحو فأسه التي كانت تقبع بجواره، واصلت اقترابي منه، ثم صرخت فيه:
- لماذا؟!
قال في برود:
لن يتلوث نسلك بهم . لقد فعلت ما في مصلحتك.
زعفت فيه:
. إنك أحقر من رأيت في حياتي.
ثم أمسكت رأسه بقوة حاول أن : يضربني بفأسه، فأمسكت بمعصمه وضربت يده في مسند الأريكة التي كان يجلس عليها، فسقطت الفأس منها
صرخت أمي :
إنه أبوك يا نوح
قلت:
- لا، إنه قاتل حبيبتي.
ثم قبضت على فكه السفلي باقصى قوتى لأفتحه، وبإبهام يدي الأخرى ازلت سدادة قنينة السم، وأفرغت ما فيها بالكامل في حلقه، ثم أغلقت فيه من جديد بإحكام، وعندما سقط أمامي ينازع اختناقه محتقن الوجه جاحظ العينين غادرت راكبًا حصانه عائدا إلى الغابة مرة أخرى.
في فناء بيت العم بهلول كان الجمود لا يزال مسيطرا على كل شيء، جثة ناي في الموضع نفسه الذي تركتها فيه، يجلس بجوارها أبوها وأمها هائمين ساكنين يحدقان نحوها بأعين زائغة ولا يدريان شيئًا من حولهما، نزلت من فوق حصاني وتقدمت إليهما، وحاولت النطق لكني لم أستطع، فجلست بجوارهما صامتا. لم يأتِ أي من أهل القرية لمواساتهما في مصيبتهما، كان جميعهم جبناء خشوا أن يتورطوا في إخفائهم أمر وجود ناي كل تلك السنوات فيعاقبهم الجنود، أنذال، مثلهم مثل أبي يستحقون جرعة كبرى من السم الأبيض.
عند اقتراب الشمس من المغيب نطقت إلى العم بهلول اخيرا بأصعب شيء قد أقوله:
أين تريدني أن أحفر قبرا سيدي؟ لم يجبني وظل صامنا غارقا في شروده، لكن خالتي ريحانه قالت وهي ترتشف دموعها:
نريد برميلا من القار الأسود أولا يا نوح.
تعجبت من طلبها، وتساءلت:
- لماذا؟!
قالت بصوت تخنقه الدموع:
حتى لا يصلها ضوء الشاهد عندما يظهر في السماء من جديد نريدها أن ترقد في سلام إلى نهاية الزمان.
أطلقت زفيري في سأم، وهمست إلى نفسي:
- النبوءة مجددا!
ثم حدثتها مفكرًا في أن الصدمة أتلفت عقلها:
. إن الشاهد إن ظهر سينهض الذئاب فحسب، خالتي.
قالت دون أن تنظر إلي:
والملديون كذلك
توقفت عند كلمتها مستغربًا، ورغم أنني كنت أشك فـي سلامة عقلها في تلك اللحظة فإنني قلت مؤكدًا ومستفهما في الآن نفسه:
- لم تذكر النبوءة شيئًا عن الملديين الموتى.
قالت:
- نعم هذا صحيح.
قبل أن تتابع:
لكن ما لا يعرفه الناس أن ما دون على حائط الرؤى هو نصف النبوءة فقط.
وأكملت . حين نظرت لها متعجبا من نبرتها الواثقة ، لقد كان جدي الأكبر، هو من استطاع تلقي رؤية الشاهد الأخيرة، ودون على حائط الرؤى الجزء المتعلق بالذئاب فحسب، أما الجزء المتعلق بنهوض الملديين مع الذئاب فاكتفى به لنفسه ولذريته من بعده خوفا من إحراق الناس لكل من يشكون في كونه ملديا.
أطلقت إيماءة مستنكرة، وقلت:
وما الفارق بين الموت حرقا والموت بأي وسيلة أخرى؟!
قالت:
اعتقد جدي أن الشاهد سيستطيع رؤية ذئب صامون، ويعاود الظهور خلال العشرة أعوام الأولى بعد اختفائه على الأكثر، قبلما تتحلل الأجساد وتصير عظاماً، لكن السنوات مرت تباعا ولم يظهر الشاهد وعندما شعر بقرب انتهاء أجله مرر لنسله من البشر قنائن السم كي يتناوله من يأت ملديا من ذريته ليموت بأعضاء سليمة ينهض بها إن جاء يوم وظهر الشاهد من جديد..
يبدو أن ناي لم تستطع استخدام قنينتها رغم أنني أفنيت عمري أحدثها كذبا عن تمثيل الجنود بجثتها إن أمسكوا بها، كنت أريدها أن تحتفظ بقلبها سليما لعل الشاهد يظهر قبل تحلل جسدها وتعود للحياة مرة أخرى، أما الآن فإن نهضت مع ذلك القلب الممزق داخل صدرها فلن تكون إلا شبحًا لا دماء فيه، ميتا يتحرك، لذا لا بد وأن نغطي قبرها بطبقة من القار مثل الوادي الأسود، لن يرحمها الناس إن نهضت، سيمزقونها وسيطعمونها للكلاب، حتى وإن لم يفعلوا فلا جدوى من
عيشها.
قلت مندهشا مما تقوله:
- لا أصدق شيئًا من ذلك.
قالت مصممة:
- إنها الحقيقة، أليس كذلك يا بهلول؟ كان العم بهلول لا يزال صامتاً محدقا إلى جثة ابنته، لكنه هز راسه إيجابا.
فكرت فى أن ناي ليست ملدية مكتملة الصفات يحملها صفات بشرية سائدة مثل إبصارها وطبيعة شعرها، لذا احتمالية بقاء جسدها سليما ملا العشرة أعوام التالية كان أمرًا مستبعدا من الأساس، لكن ماذا لو كان ما تحدثت بشأنه خالتي ريحانة حقيقيا؟ ماذا لو وعد الشاهد حقا بعودة الملديين مع الذئاب؟ ماذا إن عادت ناي للحياة مرة أخرى ؟! بعد عام بعد عامين بعد عشرة ؟! حتى لو بعد أعوام أكثر من ذلك ؟! حينذاك اعدت سؤالي إليها:
هل أنت صادقة بشأن ذلك الجزء من النبوءة يا خالتي أم أن موت ناي أثر على عقلك ؟
قالت في هدوء:
اذهب إلى حائط الرؤى ستجد النبوءة محفورة عليه وبجوارها حروف منقوشة على مسافات، إنها الحروف الأولى من النصف الباقي من النبوءة «سينهض الملديون وستشع عيونهم بالأصفر من جديد ليقودوا الذئاب أخوة متعاهدين ضد البشر»
س او س ع ب م ج ل ا أم ضا
ظنُّ الناس أن ذلك نوع من السحر، لكنها رموز وضعها جدي كي يثبت رؤيته فيما بعد.
قلت وأنا أفكر في أنني لم أر حائط الرؤى من قبل خاصة أنه نقل إلى «تيبيانا» قبل عقود، ويُقال إنه مُلقى هناك في مكان قذر، وقد تهشم جزء كبير منه:
- أريد دليلا آخر. "
صرخت في:
إني أخبرك بالحقيقة إن كنت تحبها حقا أحضر لها ذلك القار اللعين
صرخت فيها:
أريد دليلا آخر على أن ناي قد تنهض إن عاد الشاهد للظهور. نطق العم بهلول للمرة الأولى:
انظر إلى لون عينيها، لن تجده أصفر مثلما تعودت أن تراه
نظرت إليه مستغربًا، كانت عينا ناي مغلقتين منذ اللحظة التي سقطت فيها غارقة في دمائها ولم أحاول فتحهما، ودون أن أقول شيئا تحركت نحوها، وبرفق رفعت جفن عينها وحينها انتفض جسدي إذ وجدتها زرقاء كالسماء الصافية.
فأردف:
- ستعود للونها إن نهضت قبل تحللها، لكن بلا قلب سليم ستكون شبحًا مثلما قالت ريحانة، لن تعود ناي التي تعرفها أبدًا.
واصلت تحديقي في ناي، ومددت يدي وفتحت العين الأخرى كانت زرقاء أيضًا، هنالك أغلقت عينيها في رفق، وقلت لأبويها:
- لن أغطيها بالقار مثلما تريدان، ولن أدع جسدها يتحلل، إنني أستطيع الحفاظ على سلامة جسدها حتى يظهر الشاهد من جديد أو أموت، أيهما أولا....
