رواية وادي الذئاب المنسيه الفصل الثامن عشر18 بقلم عمرو عبد الحميد

رواية وادي الذئاب المنسيه 
الفصل الثامن عشر18
بقلم عمرو عبد الحميد

مروة 
هبطنا القرية مع طلوع الشمس حمل خالد حقيبته على ظهره دون أن يلاحظ أي اختلاف في وزنها بينما سرت وراءه أتطلع كل دقيقة إلى تعابير اوجهه وأدعو الله في سري ألا يكتشف أمر هروب الذئب وأن نجد مخرجنا قريبا، قال عندما وصلنا إلى مدخل القرية لا تبتعدي عني كثيرا، لا تعرف ما قد نواجهه.
اومات برأسي إيجابًا، وتحركنا في الشارع الترابي الرئيسي نحو أقرب البيوت طرق خالد بابه برفق وعندما لم يجب أحد فتحه بدفعة قوية بقدمه. كان البيت خاويًا يغطي الغبار أثاثه، تجولنا بحذر في غرفه الثلاث، كانت إحدى الغرف تحتوي جوالا من الدقيق، قال خالد وهو يمسك حفنة منه في يده
- لم يهجر هذا البيت منذ وقت طويل.
خرجنا إلى البيت الذي يليه وجدنا الشيء نفسه، التراب يغطي كل شيء. ولا يوجد بشر في داخله، وعظيمات دجاج مطهي تتناثر في أرضيته، خرجنا إلى البيوت الأخرى كانت جميعها خواء وفي  أحدها عثر خالد على خنجر  مغمد فوضعه أسفل قميصه على جانب خصره دون أن يقول شيئا، ثم تحركنا إلى بناء أوسع كانت الطاولات والمقاعد المغطاة بالأتربة موزعة في داخله. وكؤوس الشراب الزجاجية متراصة في شكل هرمي على طاولة طوبية عالية تقع في الركن المواجه للباب وفي خزانة خشبية خلف تلك الطاولة كانت هناك ثلاث زجاجات فارغة لمع زجاجها مع ضوء النهار المتسلل عبر فتحة  دائرية في السقف عندما فتحنا باب الخزانة أمسك خالد إحداها  من قاعدتها بحرص ورفعها نحو فتحة السقف وأخذ يتفحصها وهو يقول: 
هناك بصمات بشرية على عنقها. ثم وضعها على الطاولة وقال:
 كان البشر يسكنون هذه القرية حتى وقت قريب. 
وأكمل وهو ينظر إلى الحانة:
 ووفقا لهذا العدد من الطاولات كان عددهم كبيرا، أين ذهبوا ؟ ولماذا اختفوا؟؟ 
لم أكن أملك إجابة، فسكت
 جلسنا بعد ذلك على مقعدين بجوار أقرب الطاولات الخشبية، ووضع خالد حقيبته على سطحها، خشيت حينذاك أن يفكر في فتحها، فنهضت سريعا أتظاهر بأنني أبحث عن أي آثار للبشر في أرجاء الحانة، وبدأت أزيح المقاعد  عن مواضعها محدثة جلبة شديدة كي أشتت انتباهه عن الحقيبة، بالفعل بدأ ينظر إلى ما أفعله مستغربا، قبل أن يصيح في متذمرا كي أتوقف عما أفعله  لكني تجاهلت طلبه وواصلت إبعاد المقاعد والطاولات عن منتصف الحانة بجدية أكبر دون أي هدف نهض وحمل حقيبته على ظهره من جديد، واقترب مني وأمسك بذراعي، وقال غاضبا: 
ربما تأتي هذه الجلبة بشر نخشاه، هيا علينا أن نغادر هذه الحانة
لنكمل البحث في باقي القرية.
هززت رأسي إيجابا وهممنا لنغادر، لكننا توقفنا عندما سمعنا صرير باب يفتح يأتي فجأة من ركن بعيد في الحانة، نظرت في عينيه خائفة فوضع يده على مقبض خنجره بينما أسرعت للاحتماء خلفه، همست إليه متوسلة بأن نواصل طريقنا للخروج، لكنه تقدم بحذر نحو الركن الذي صدر منه هذا الصرير، وقبل أن نصل إلى ذلك الركن فوجئنا بسيدة نحيفة ترتدي فستانا قديما شعرها طويل كثيف وعيناها رماديتان تتحرك نحونا ممسكة فأسا وتصرخ الينا: 
من انتما؟؟ 
رفع خالد يديه كي تهدأ. بينما عدت بأقدامي خطوات الى االخلف مقتربة من باب الحانة قالت السيدة من جديد: 
من انتما؟ 
قال خالد نحن تائهان ونبحث عمن يدلنا على طريقنا
نظرت في عينيه بشيء من الارتياب، ثم تفحصت ملابسه وملابسي وتساءلت في تعجب: 
هل أتيتما عبر إحدى العابرات؟
 لم أفهم مقصدها بالعابرات واعتقد أن خالد لم يفهم مقصدها هو الآخر لكنه قال: 
لسنا من هذا العالم، لقد جئنا إلى هذه الأرض مرغمين، لقد أتي بنا ذئب إلى هنا
فتساءلت  في لهفة: 
أي ذئب ؟
فقلت في تلعثم: 
ذئب من الذئاب الرهيبة، أتى إلى عالمنا قبل مائة عام.
فنطقت على الفور: 
ذئب صامون؟! 
قال خالد: 
لا نعرف ماذا تسمونهم هنا، لكنه انتقل إلى أرضنا عبر طاحونة قديمة قبل مائة عام، وظل مدفونا في قبر في قريتي مع قاتله  ، اخرجته فقط قبل ستة شهور.....
وأصاب طفلي بلعنة  جعلتني أغامر بالقدوم إلى هنا لاعادته  إلى موطنه
قالت غاضية: 
أنتما السبب في كل ما حدث؟
وضربت طاولة قريبة بفأسها فحطمتها، وتابعت لقد أعدتما الشاهد للظهور من جديد 
قال خالد: 
لم نفعل شيئًا
صرخت فينا: 

أين الذئب؟ 
قال خالد في هدوء: 
سأخبرك، ولكن اتركب هذه الفأس
سرخت مجددا: 
أين هو؟
ألقى خالد الحقيبة نحوها وقال:
- إنه في داخلها.
ابتلعت ريقي، إن كان مصيرنا معلقا برؤية تلك السيدة لعظام الذئب
فنحن هالكون لا محالة، حدقت السيدة إلى الحقيبة، ونظرت إلى خالد كأنها لا تصدقه، ثم قالت:
منذ متى جئتما إلى هذه الأرض؟
قال:
- فجر الأمس
محال أن يبقى معكما كل هذا الوقت لن يترككما الشاهد والمديون الناهضون 
لم نفهم ما تعنيه، لكن خالد قال وهو يهبط على ركبتيه: 
 سأثبت لك صدق قولي سيدتي تراجعت للخلف وهي تحدق إليه، فأمسك بالحقيبة وفتح سحابها، أخرج الكمامة الجلدية أولا وألقاها جانبًا، ثم نظر إلى داخل الحقيبة نظرة مطولة. والتفت لينظر إلي غير مصدق. ثم قلب الحقيبة ليفرغ محتوياتها، فسقطت منها الصخور الصغيرة متدحرجة فقال للسيدة: 
اقسم لك لقد كانت عظامه هنا، إنني من وضعتها هنا بيدي، أليس كذلك يا مروة ؟

أومأت برأسي إيجابًا دون أن أنطق، فواصل مغمغما في ذهول:
 لقد استمحل إلى صخور، دونه لن نستطيع العودة إلى بلدنا.
صاحت فيه: 
أتظنني طفلة، لا تتحول العظام إلى صخور.
قال:
 لقد رأينا منه العجائب منذ أن أخرجته من قبره.
قالت:
إن كنت صادقا في قولك وعدت بذئب صامون إلى هناء وأضعته بعدما كان في حوزتك فلقد حكمت على أمة كاملة بالموت. 
 ثم وضعت الفأس جانبًا، وجلست على مقعد قريب منها، ووضعت رأسها بين كفيها وقالت بصوت ضعيف: 
انتهى كل شيء.
فاقترب منها خالد، وسألها:
ماذا حدث؟ وأين نحن؟ وما علاقة الذئب بمصير الأمة التي تحدثت عنها؟ ومن أنت؟ وأين اها هذه القرية؟
ارتشفت دموعها، وقالت:
 اسمي «سارة» مالكة هذه الحانة منذ أكثر من عشرين عاما ثم بدأت تروي لنا قصة وادي الذئاب وما حدث فيه قبل مائة عام بعد عبور ذئب صامون إحدى العابرات خلف بعض المتسللين ومقتله على يد بشري في عالم آخر، وما أدى إليه ذلك من حرب شنعاء بين الذئاب والبشر واختفاء شاهد الوادي من السماء، وإغلاق العابرات وتلك النبوءة التي نقشها أحد الملديين على حائط الرؤى، 
كنا نستمع إليها ذاهلين، ولولا أنني رأيت بنفسي ما حدث في السرداب ونهوض عظام الذئب لتركض أمامي لما صدقت كلمة واحدة مما تقوله، اما خالد فلم ينزل عينه عنها، وظل مشدوها لكل كلمة تقولها خاصة عندما قالت 
- ظللنا سنوات طويلة نظن أن النبوءة مجرد وهم كتبه أحد الملديين،لكننا فوجئنا بالشاهد يعاود الظهور في السماء قبل ستة أشهر، لتدرك صدق المنقوش على حائط الرؤى، رغم ذلك كنا مطمئنين نوعا ما لما فعله أجدادنا بدفن عظام الذئاب وأغلب الملديين أسفل طبقة سميكة من القار في وادٍ بعيد اسمه  وادي الذئاب المنسية. وعندما نهضت بضعة هياكل عظمية لذئاب لم تدفن قديما في ذلك الوادي تولى الجنود أمرها ببساطة وأحرقوا عظامها حتى صارت رمادا إذ كانت أعدادها قليلة للغاية.
ثم تنفست بعمق وأخرجت زفيرها وتابعت:
 - أما بداية الرعب الحقيقي فحدث مع عظام الملايين الذين لم يتوقع أحد أن ينهضوا هم الآخرون مع ظهور الشاهد بعدما كان ذلك الجزء مخفيا من النبوءة كما أخبرتكما، إذ فوجئنا بهياكلهم العظمية تهاجم  ليلا القرى القريبة من الجبال مثل قريتنا وتختفي أوقات النهار، أمر الحاكم  وقتها بتشديد تأمين وادي الذئاب المنسية وزيادة سمك طبقة قاره. 
وإخلاء القرى هنا، وإرسال حملات عسكرية لمطاردة لتلك الهياكل في الجبال، واعلن عن نيته إحراق الغابة محددا إن عبرتها تلك الهياكل، ثم فوجئنا قبل شهرين ونصف تقريبا بإعلانه التخلص من هياكل الملديين جميعها من قبل الجنود المطاردين لهم، ودفنهم في قبور غطيت بالقار  هي الاخرى،  واقيمت احتفالات بالعاصمة«براقيا»  وكأن الامر انتهى  وانتصرنا لكنا كنا نعلم أن الأمر لن ينتهي بهذه السهولة إذ بث الشاهد  قبل أسابيع رؤية استطاعت ملدية صديقة تلقيها، كانت تلك الرؤية تؤكد عودة ذئب «صامون» إلى وادينا، ليصل فيما بعد إلى أم العابرات  كي يكمل القطعة الناقصة فيما يريده الشاهد. 
فسألتها  في قلق:
 أي قطعة ناقصة ؟!
قالت: 
- منذ عودة الشاهد إلى سمائنا ولم يستطع فتح العابرات الست مع عدم وجود ذئب «صامون» لا أعرف كيف جئتم إلى عالمنا، ربما توجد عابرة أخرى غير تلك الست. 
ثم تابعت بحسرة:
لكن ما إن يصل الذئب الذي أحضرتموه معكم إلى أم العابرات، سيستطيع الشاهد فتح العابرات الست من جديد، وحينها أن
تعرف ماذا سيأتي عبرها من العوالم والأزمنة الأخرى لإعادة عهد
الذئاب في هذه الأرض....
تعليقات



<>