رواية هي كده الفصل الثاني عشر12بقلم ابتسام محمود الصيري

رواية هي كده الفصل الثاني عشر12بقلم ابتسام محمود الصيري
وقبل أن تتمكن سارة من الإيماء برأسها، ظهرت سيارة جيب سفاري فجأة من الجانب الأيسر، واصطدمت بسيارة ميشو.

دوّى صوت الاصطدام، واهتزت السيارة بعنف، فصرخت رنا دون إرادة منها، بينما تشبثت سارة بالمقعد أمامها. أدار ميشو المقود بسرعة محاولًا تفادي اصطدام آخر، ثم ضغط على المكابح حتى توقفت السيارة أخيرًا.

ساد الصمت لثوانٍ، لم يقطعه سوى أنفاس رنا المتسارعة:

— إيه اللي حصل؟!

— إنتوا كويسين؟

— سأل ميشو وهو ينظر إليهما سريعًا.

أومأت سارة برأسها، أما رنا فوضعت يدها على صدرها، تحاول تهدئة قلبها الذي كاد يقفز من مكانه.

ترجّل ميشو من السيارة، وتبعه الآخر بعدما تمكن من السيطرة على سيارته. تفحّص ميشو الضرر، فوجد المصباح الأمامي والصدام مكسورين. ضرب كفًّا بكف، ثم رفع رأسه ليرى المتسبب في الحادث.

كان شابًا متوسط الطول، أسمر البشرة، يرتدي ملابس متواضعة جعلت ميشو يرجّح أنه مجرد سائق للسيارة. لم يكن يعرف كيف يتعامل مع هذا الموقف، لكنه كان متأكدًا من شيء واحد، وهو أن إصلاح سيارته لن يكون رخيصًا.

نزلت رنا وسارة ووقفتا بجواره، بينما بدأ المارة يتجمعون حول السيارات. وعلى عكس السائق الذي أخذ يتحدث بصوت مرتفع، محاولًا تبرير خطئه وإلقاء اللوم على ميشو، ظل الأخير هادئًا. أخرج هاتفه واتصل بشركة التأمين، ثم أبلغ الشرطة بالحادث.

لكن السائق استمر في رفع صوته، وكأنه يحاول أن يخيفه بكثرة كلامه.

قاطعه ميشو بنبرة حادة:

— بقولك إيه، ما تغرقش شكلي يلا، أنا جايبها من تحت، فتكلم عدل عشان ما أعدلكش. أنا بسوق من وأنا عندي عشر سنين، تيجي إنت تقولي واقف في الطريق؟!

تراجع السائق قليلًا، لكنه لم يتوقف عن التبرير. استغرق الأمر وقتًا حتى وصلت الشرطة ومندوب شركة التأمين، وبعد معاينة الحادث، تبيّن أن الخطأ يقع على سائق الجيب السفاري.

حاول أحد الموجودين إقناع ميشو بالتنازل عن حقه، مستعطفًا إياه بحال السائق الذي لا يملك المال الكافي لتحمّل تكلفة الإصلاح.

ظل ميشو صامتًا للحظات، ثم وافق في النهاية على التنازل.

لم تتدخل رنا في الأمر، لكنها كانت تراقبه من بعيد. لم تكن تعرف إن كان تنازله نابعًا من طيبة حقيقية أم من رغبته في إنهاء الموقف بأسرع وقت، لكنها لاحظت أنه لم يفكر مرة واحدة في سؤالها إن كانت قد خافت أو أصابها مكروه، وكأن وجودها بجواره أمر مفروغ منه، لا يحتاج إلى الاطمئنان عليه.

بعد انتهاء الإجراءات، استأذنت سارة وغادرت بمفردها، بعدما أخبرتهما أنها ستعود إلى المنزل.

التفت ميشو إلى رنا، ومسح وجهه بكفّه في إرهاق.

— أنا خلاص فصلت. تعالي نروح البيت.

ترددت رنا قليلًا قبل أن تقول:

— بس ما ينفعش.

رفع حاجبه مستنكرًا.

— عمومًا، هقولك كلمتين... أنا مش واحد رجعي عشان أفكر إنك شمال لمجرد إنك جيتي معايا البيت، ولا هقعد أحكم عليكي بالطريقة دي. أنا عشت بره وشخص مودرن، وبعدين هو أنا هاكلك مثلًا؟

— أكيد لأ... بس...

— طيب، بصي، أنا على آخري. أوصلك ولا هتيجي معايا؟

كانت تريد أن تخبره أنها لا تريد الذهاب إلى مكان آخر معه قبل أن يتحدثا، وأنها تعبت من تأجيل كل ما يؤلمها. لكنها، كعادتها، خافت أن يتحول اعتراضها إلى سبب جديد لابتعاده عنها.

— هروح معاك.

بعد وقت، وصلا إلى منزل ميشو داخل أحد الكمبوندات. لم يكن المكان فخمًا، لكنه كان مناسبًا لشاب أعزب؛ غرفة نوم وصالة صغيرة تضم أريكة وطاولة طعام، إلا أن الفوضى كانت حاضرة في كل زاوية. ملابس متناثرة، وأحذية مصطفة بجوار الباب، ورائحة السجائر عالقة في الجو، بينما كان صوت القرآن الكريم ينبعث بهدوء من التلفاز.

وقفت رنا في منتصف الصالة تتأمل المكان للحظات، ثم التفتت إليه. كانت قد قررت ألّا تغادر هذه المرة قبل أن تقول ما يثقل قلبها، حتى لو لم يعجبه ما ستقوله.

— ميشو، أنا مش هعرف أتعامل معاك غير لما أقول اللي جوايا.

خلع ساعته ووضعها على الطاولة، ثم نظر إليها بإرهاق.

— وإنتِ شايفة إن ده وقته؟

انطفأت الحماسة التي جمعتها لتتحدث، وشعرت بالضيق يتسلل إلى صدرها. حتى الآن، لم يأتِ الوقت المناسب في نظره أبدًا.

لاحظ صمتها، فتنهد وقال:

— ها، قولي.

شبكت أصابعها ببعضها، وحاولت أن تثبّت صوتها.

— أنا بقيت أخاف طول ما إنت بعيد عني. ببقى مش عارفة إنت فعلًا مشغول ولا بتتجاهلني. كل مرة بتختفي فيها، بقعد أفكر أنا عملت إيه غلط، وأفضل مستنياك لحد ما ترجع وكأن مفيش حاجة حصلت.

رفعت عينيها إليه، وقد بدأت نبرتها ترتجف رغم محاولتها التماسك.

— ميشو، أنا بحبك ومش عايزة أخسرك. بالله عليك، قرّب مني وخلي بالك مني. أنا مش عايزة منك حاجة كبيرة، أنا بس عايزة أحس إني فارقة معاك. والله مش هتلاقي واحدة تحبك زيي.

ظل ينظر إليها قليلًا، ثم حكّ ذقنه وقال بفتور:

— رنا، أنا مش بعرف أكون رومانسي. مش بعرف أقول إيه في المواقف دي. أنا شخص عملي جدًا، فاستحمليني شوية.

كانت تنتظر منه كلمة تطمئنها، أو حتى اعترافًا بأنه فهم ما تحاول قوله. لكنه تعامل مع خوفها كأنه عيب في شخصيتها عليها أن تتعايش معه.

وقبل أن تتمكن من الرد، رن هاتفه معلنًا وصول مكالمة عبر ماسنجر. نظر إلى الشاشة، ثم تغيّرت ملامحه قليلًا، وظهرت على وجهه ابتسامة لم ترها منذ أن ركبت معه السيارة.

— اقعدي على الكنبة التانية، ومتتكلميش دلوقتي.

رمقته رنا باستغراب، لكنها جلست دون اعتراض. لم تكن تريد أن تبدأ شجارًا جديدًا، خصوصًا بعدما أقنعت نفسها بأنه ربما يحتاج إلى إنهاء أمر يخص العمل.

فتح المكالمة، فظهرت على الشاشة امرأة في الخمسين من عمرها تقريبًا، أنيقة المظهر، تتحدث إليه بالإنجليزية. اعتدل ميشو في جلسته، واختفت نبرة الإرهاق من صوته، وحلّت محلها خفة واهتمام واضحان.

ابتسم لها وقال:

— يا إلهي! ما أروع إطلالتك اليوم!

ضحكت المرأة بخفة، ثم قالت:

— شكرًا لك يا عزيزي! ما رأيك في القصة الجديدة؟

أجابها بحماس:

— إنها رائعة جدًا، أعجبني حقًا تطور الشخصيات فيها.

ابتسمت المرأة برضا، ثم انتقلت إلى الحديث عن العمل.

— ماذا عن حجز المركز؟ هل أحرزت أي تقدم؟

— المكان أصبح شبه مضمون، وأنا أبحث حاليًا عن معدات الغوص.

— لا تجعلني أضطر إلى تذكيرك مرة أخرى بأن كل شيء يجب أن يُسجَّل باسمك. وإذا احتجت إلى أي أموال، فاطلبها مني مباشرة.

— بالتأكيد، أنتِ تعرفين أنني أقدّر ذلك.

— أريد أن يكون كل شيء قد اكتمل خلال بضعة أشهر. أريد أن آتي فأجد المشروع يعمل بالفعل.

— لا تقلقي، امنحيني شهرين، وسيكون كل شيء جاهزًا.

— هذا ما أحب سماعه. بالمناسبة يا عزيزي، ماذا تريد أن أحضر لك معي؟

— سأرسل إليك رسالة بكل ما أحتاج إليه حتى لا تنسي شيئًا.

ضحكت المرأة وقالت:

— أوه، يستحيل أن أنسى شيئًا طلبته مني.

ابتسم ميشو ابتسامة واسعة، ثم واصل الحديث معها، متنقلًا بين تفاصيل العمل وبعض الأحاديث الجانبية. كان يصغي إليها باهتمام، ويجيبها دون تململ، بل يسألها أحيانًا عن رأيها ويمازحها.

أما رنا، فجلست في مكانها تراقبه بصمت.

في البداية، حاولت إقناع نفسها بأن الأمر مجرد عمل، وأن من الطبيعي أن يكون لطيفًا مع مديرته. لكن كلما طال الحديث، ازدادت الغصة في حلقها.

قبل قليل، كانت تقف أمامه وتكاد تتوسل إليه أن يمنحها بعض الاهتمام، فلم تجد منه سوى كلمات مقتضبة ونظرات شاردة. أما الآن، فقد أصبح شخصًا آخر؛ يبتسم، ويضحك، ويختار كلماته بعناية، وكأن الحديث معها لا يحتاج إلى كل هذا الجهد الذي بدا عليه معها.

لم يكن يؤلمها أنه يتحدث إلى امرأة أخرى بقدر ما كان يؤلمها أنه يعرف كيف يمنح الاهتمام، لكنه لا يمنحها منه إلا القليل.

راحت تعبث بأصابعها، وتحاول إشغال نفسها بالنظر إلى التلفاز، لكن صوت ضحكته كان يعيد انتباهها إليه في كل مرة. تساءلت في سرها إن كانت هي التي أصبحت ثقيلة عليه، أم أنه لم يعد يرى في وجودها ما يستحق أن يبذل من أجله جهدًا.

مرّت نصف ساعة قبل أن ينهي ميشو المكالمة أخيرًا، ثم وضع الهاتف جانبًا والتفت إليها وكأنها لم تنتظر طوال هذا الوقت.

— قومي اغسلي لنا تين من التلاجة.

رفعت رنا رأسها إليه، وفي داخلها سؤال لم تستطع تأجيله أكثر.

— هي مين دي يا قلب البيبي؟

لم يبدُ عليه أي ارتباك.

— دي المديرة بتاعتي.

— أيوه، بتكلمك دلوقتي ليه؟

— عادي، بنتكلم في شغل، زي ما سمعتي.

ترددت للحظة، ثم قالت بحذر:

— بص يا ميشو، أنا مش عايزة أضايقك، بس الست دي مش باين إنها بتعاملك كمدير أو موظف وبس. دي واحدة بتتمحك فيك، وعارفة إيه نقاط ضعفك، اللي هو البزنس، وبتلعب عليها عشان تغريك وتجيبك ناحيتها، وفي الآخر تتجوزها.

استمع إليها دون أن يقاطعها، ثم هز كتفيه ببساطة.

— طيب، وفين المشكلة؟

حدقت فيه غير مصدقة.

— إنت بتهزر؟

— حبيبتي، كبّري دماغك شوية. إنتِ عارفة دي بتتحكم في كام مليار؟

— وأنا مالي؟ أنا اللي يفرق معايا إنت!

خرجت الكلمات من قلبها قبل أن تتمكن من كبحها. لم تكن تتحدث عن المال، ولا عن منصب المرأة، بل عن خوفها من أن يأتي يوم تجد فيه نفسها خارج حياته، بعدما قضت وقتًا طويلًا تحاول أن تثبت لنفسها أنها ما زالت مهمة بالنسبة إليه.

لكنه رد بهدوء زاد ألمها بدلًا من أن يخففه:

— وفين المشكلة؟ ما أنا معاكي.

نظرت إليه طويلًا، تحاول أن تفهم إن كان يتحدث بجدية أم أنه لا يدرك حجم ما يقوله.

— إنت بتتكلم بجد؟

— أيوه.

— يعني ممكن تتجوزها؟

أجاب بلا تردد:

— لو طلبت مني أتجوزها، عادي. وغير كده، ده بيزنس، وغير كده مش شايفة شكلها ولا جسمها باين أوي إنها كبيرة؟ خليكي واثقة من نفسك.

شعرت رنا كأن شيئًا باردًا انسكب داخل صدرها. لم يكن مجرد احتمال زواجه من امرأة أخرى هو ما جرحها، بل الطريقة التي تحدث بها عن الأمر؛ وكأنه قرار تجاري يمكن أن يوافق عليه إن كان العرض مناسبًا.

ابتلعت ريقها، وأجبرت نفسها على الابتسام ابتسامة باهتة.

— أنا هقوم أغسل التين أحسن.

نهضت قبل أن يرى ما في عينيها، واتجهت إلى المطبخ. كانت تغلي من الداخل، لكن الغضب اختلط بإحساس أقسى منه؛ إحساسها بأنها لا تستطيع حتى الاعتراض بحرية، خوفًا من أن يملّ منها ويبتعد. غسلت حبات التين، ثم عادت وجلست بجواره. تناولت واحدة، بينما أخذ هو أخرى، ثم نظر إليها وسأل:

— هو ده غسيل؟

نظرت إلى الثمرة في يده، ثم إليه:

— ماله؟ ما غسلته قدامك.

لم يرد، وانشغل بهاتفه من جديد. بعد قليل، وصل الطعام الذي طلبه، وكان عبارة عن وجبة سمك. نهضت رنا لتساعد في إخراج الطعام من الأكياس ووضعه في الأطباق، ثم جلست بجواره تحاول أن تتصرف بصورة طبيعية. نظرت إلى السمك، ثم إليه وقالت:

— أفصص لك؟

— ماشي، بس لو بتعرفي.

تجاهلت سخريته وبدأت تفصل اللحم عن الشوك بحذر. لم تكن خبيرة في الأمر، لكنها حاولت قدر استطاعتها، راغبة في أن تفعل شيئًا يسعده، ولو كان بسيطًا.

وحين وصلت إلى منتصف القطعة، نظر ميشو إلى ما تفعله، ثم قال بضيق:

— بس، بس! شكلك مش بتعرفي تعملي حاجة خالص.

توقفت يدها في مكانها. لم تكن الجملة قاسية في حد ذاتها بقدر ما كانت آخر ما تحتاج إلى سماعه في تلك اللحظة. طوال اليوم، حاولت أن تجد له عذرًا، وتجاوزت تجاهله وسخريته، وأقنعت نفسها بأن حبه لها لا بد أن يكون موجودًا، حتى لو لم يعرف كيف يعبّر عنه، لكنها بدأت تشعر بأنها الوحيدة التي تحاول. وضعت ما في يدها جانبًا، وأخفت إحراجها خلف نظرة متماسكة، رغم الدموع التي تجمعت في عينيها:

— أنا هنزل، عشان اتأخرت.

رفع رأسه إليها بضيق:

— تاني كلمة همشي دي وترجعي تزعلي؟

هزت رأسها، وهذه المرة لم تحاول إخفاء نفاد صبرها:

— لا، مش هزعل. هنزل أركب من تحت على طول في تاكسي.

— استني، هخلص وأوصلك.

— لا، أنا تمام. كمّل براحتك.

لم تنتظر رده. التقطت حقيبتها وغادرت الشقة، وهي تحاول الحفاظ على خطوات ثابتة حتى لا تنهار أمامه.

لكن ما إن أُغلق باب الشقة خلفها حتى انهمرت دموعها. وقفت للحظات في الممر، تمسح وجهها بيد مرتجفة، ثم نزلت إلى الخارج وطلبت سيارة عبر تطبيق.

جلست في المقعد الخلفي، وأدارت وجهها نحو النافذة، بينما كانت أضواء الشوارع تمر أمام عينيها مشوشة خلف الدموع. لم تكن تريد منه هدايا، ولا مالًا، ولا وعودًا كبيرة. كانت تريد أن يسألها إن كانت بخير، وأن ينتبه إلى حزنها حين تتغير ملامحها، وأن يشعر بأن وجودها إلى جواره ليس أمرًا مضمونًا مهما فعل. وكان أكثر ما يؤلمها أنها، رغم كل ما حدث، لم تستطع أن تتوقف عن حبه.

وضعت رأسها على الزجاج البارد، وأغمضت عينيها، تحاول أن تمنع شهقاتها من الارتفاع.

للمرة الأولى، لم تكن تعرف أيهما أشد وجعًا، أن تفقد ميشو، أم أن تبقى معه وتواصل فقدان أجزاء صغيرة من نفسها، مرة بعد أخرى.

خرجت تبارك وعبدالله من السينما، وما زالت ضحكاتها تتردد كلما تذكرت أحد مشاهد الفيلم الكوميدي. أما عبدالله، فكان يسير بجوارها مبتسمًا، وقد أمضى معظم الوقت ينظر إليها أكثر مما ينظر إلى الشاشة، حتى شعر أن ضحكتها وحدها تستحق ثمن التذكرة.

التفتت إليه فجأة، فوجدته ينظر إليها، فضيقت عينيها بشك.

— إنت بتبصلي كده ليه؟

— هو أنا عملت حاجة؟

— من ساعة ما خرجنا من السينما وإنت بتبصلي وتضحك لوحدك في إيه؟

هز كتفيه ببراءة مصطنعة:

— أصل الفيلم كان حلو، بس البطلة كانت بتضحك على حاجات غريبة جدًا.

رفعت حاجبها:

— قصدك إيه؟

— قصدي إن فيه مشاهد مكنتش تستاهل كل الضحك ده، بس واضح إن ذوقك في الكوميديا محتاج مراجعة.

حدقت فيه لحظة، ثم ضربته بخفة على ذراعه:

— إنت رخم على فكرة!

ضحك وهو يتفادى ضربة أخرى منها.

— أهو ده جزاء اللي يخرجك على حسابه!

— مين قالك إني طلبت منك تدفع؟

— لا، كده بقى! يعني دفعت التذكرة، واستحملت اختياراتك في الضحك، وفي الآخر أنا اللي رخم؟

ابتسمت تبارك وهي تهز رأسها، ثم أسرعت في السير أمامه.

— خلاص، مش هخرج معاك تاني.

لحق بها بخطوات هادئة، وقال بثقة:

— ماشي، بس لما تحبي تخرجي تاني ابقي كلميني.

التفتت إليه بطرف عينيها، وحاولت إخفاء ابتسامتها، لكنه لمحها ولم يعلّق. كان يعرف أنها لا تحب أن تشعر بأنها محاصرة بالاهتمام، لذلك ترك لها مساحة تنكر فيها سعادتها كما تشاء.

بعد قليل، وصلا إلى ممشى هادئ بمحاذاة البحر، بعيدًا عن ضجيج الشوارع وازدحام الناس. امتدت الأضواء الذهبية على طول الكورنيش، وانعكست فوق صفحة الماء كأنها خيوط من نور تتراقص مع الأمواج. كان النسيم لطيفًا، يحمل رائحة البحر ويحرّك خصلات شعر تبارك المنسدلة على كتفيها.

توقفت أمام أحد محال الآيس كريم، وأخذت تتأمل النكهات المعروضة خلف الزجاج. لاحظ عبدالله ترددها، فوقف بجوارها وقال:

— اختاري.

— إنت هتجيب؟

— لا، مش بحبه.

التفتت إليه بغيظ مصطنع:

— خلاص، مش عايزة.

— يا ستي بهزر، شوفي اللي يعجبك هاتي.

فكرت قليلًا، ثم ابتسمت ابتسامة مريبة:

— ماشي، بس عندي شرط.

ضيّق عبدالله عينيه:

— شرط إيه؟

— كل واحد يختار للتاني.

— موافق.

اختارت له نكهة لم تكن تفضّلها هي نفسها، ثم وقفت تنتظر رد فعله بترقب واضح. وما إن تذوقها حتى تغيرت ملامحه للحظة، لكنه تدارك نفسه سريعًا.

— حلوة جدًا.

ضحكت تبارك.

— كداب! وشك اتقلب أول ما دوقتها.

— أنا بس اتفاجئت من كمية الإبداع اللي عندك.

— يعني مش عاجباك؟

— لا، عاجباني جدًا، وأحلى ما في الموضوع إنك عزمتي.

شهقت باعتراض، ثم ضحكت وهي تهز رأسها:

— طبعًا، متقلقش، أنا لما بعزم بعزم بقلب...

رمقها بنظرة جانبية، ينتظر أن تكمل حديثها.

— لأن ببساطة أنا بعزم، وإنت هتدفع.

ضحك على ثقتها وقال:

— طالما أنا اللي هدفع، أختار لك حاجة كبيرة كده.

أغمضت عينيها وهي تتمتم بصوت مسموع:

— يا رب أصعب عليه ويختار حاجة بحبها.

ضحك على حركاتها الطفولية، وهي تكمل بصوت مرتفع:

— تحب أساعدك وأقولك نفسي في إيه؟

— تؤ.

كان هذا ما يريده، فاختار لها نكهة الفراولة الممزوجة بالفانيليا. أخذتها منه وهي تتوقع أن تكون مجرد محاولة منه للرد على مقلبها، لكنها فوجئت بأنها أعجبتها فعلًا. راقب تعبير وجهها، ثم قال بانتصار:

— ها؟ قولي بقى إنك شريرة، إني طيب وبفهمك.

— بلاش غرور، دي ضربة حظ.

— ضربة حظ؟ طب ماشي. هنشوف الحظ ده هيعمل إيه في المرات الجاية.

توقفت للحظة عند كلماته، ثم انشغلت بملعقتها الصغيرة، متظاهرة بأنها لم تنتبه إلى ما يقصده. أما هو، فلم يحاول انتزاع رد منها، واكتفى بابتسامة هادئة.

تابعا سيرهما بمحاذاة البحر، يتبادلان التعليقات الساخرة حول الفيلم، وكلما حاول أحدهما إثبات أن الآخر لم يفهم مشهدًا معينًا، تحولت المناقشة إلى جدال مضحك.

وبينما كان عبدالله يتحدث، التفتت تبارك نحو جزء واسع من الممشى، ثم نظرت إليه بنظرة متحدية.

— إيه رأيك نتسابق؟

نظر إلى الاتجاه الذي تشير إليه، ثم عاد ببصره إليها.

— نتسابق على إيه؟

— نجري لحد العمود اللي هناك. واللي يوصل الأول يكسب.

تأملها للحظة، ثم قال بجدية مبالغ فيها:

— إنتِ متأكدة؟ أنا مش عايز أحرجك قدام نفسك.

ضحكت باستهزاء:

— ده أنا هسبقك قبل ما تبدأ الجري أصلًا.

— خلاص يا ستي، وريني قدراتك.

وقفا بجوار بعضهما، وحددت تبارك نقطة النهاية، ثم نظرت إليه وهي تسبقه بخطوات، قائلة:

— كده على ما أظن عدل، إنت أطول مني.

هز رأسه، ورجع خطوتين إلى الخلف وهو يضحك ويقول:

— كده على ما أعتقد عدل أكتر.

هزت رأسها بغرور وهي تبتسم، ثم رفعت يدها لتبدأ العد.

— واحد... اتنين... تلاتة!

انطلقت تبارك بأقصى سرعتها، وقد عقدت العزم على الفوز، بينما اندفع عبدالله خلفها متظاهرًا بأنه يبذل مجهودًا هائلًا. أخذ يلوّح بذراعيه بطريقة مبالغ فيها، ويصدر أصواتًا تدل على الإرهاق، حتى إنه أبطأ خطواته كلما التفتت إليه لتتأكد من تقدمه.

كانت تبارك تضحك وهي تجري، ثم أسرعت أكثر عندما رأته يقترب منها.

— مش هتعرف تلحقني!

— استني بس... أنا لسه بسخّن!

لم تلتفت إليه هذه المرة، بل ركزت على الوصول إلى النهاية، حتى سبقتْه بخطوة، ثم استدارت إليه بانتصار.

— شوفت؟! قلتلك!

رفع عبدالله يديه مستسلمًا، وهو يلتقط أنفاسه بصوت مسموع.

— لا، لا، أنا كده محتاج أراجع لياقتي البدنية.

وضعت تبارك يديها على خصرها، تنظر إليه بشماتة واضحة:

— لياقة إيه؟ إنت محتاج تبدأ من الصفر.

انتظر حتى انتهت من سخريتها، ثم أشار إلى العمود خلفها.

— طب بصي وراكي كده.

التفتت دون تفكير، فوجدت أنهما لم يصلا بعد إلى النقطة التي اتفقا عليها، وأنها توقفت قبلها بمسافة قصيرة، بينما كان عبدالله يقف بجوار العلامة التي حددتها.

استدارت إليه ببطء، وقد اتسعت عيناها.

— إنت بتضحك عليا؟!

انفجر عبدالله ضاحكًا.

— والله ما ضحكت عليكي، إنتِ اللي جريتي بحماسك ونسيتي خط النهاية!

— يا كداب! إنت كنت بتعمل نفسك تعبان.

— وأنا أعمل نفسي تعبان ليه؟ ده أنا كنت بموت فعلًا.

دفعته بخفة من كتفه، فضحك أكثر، ثم تراجعت هي خطوتين وهي تحاول التظاهر بالغضب، لكن ضحكتها سبقتها.

— خلاص، مش هكلمك تاني.

— طب استني، نعيد السباق.

— لا، مش هعيده. إنت غشاش.

— طيب، المرة دي هسيبك تكسبي.

رفعت إصبعها محذرة.

— لو سبتني أكسب، هزعل منك أكتر.

نظر إليها مبتسمًا:

— أهو ده اللي محيرني فيكي. أسيبك تكسبي تزعلي، وأكسب تزعلي... أعمل إيه طيب؟

ضحكت تبارك حتى اضطرت إلى الانحناء قليلًا، بينما وقف عبدالله يراقبها بسعادة لم يحاول إخفاءها هذه المرة.

كانت ضحكتها مختلفة حين تنسى نفسها؛ صافية وعفوية، لا تشبه ابتسامتها الحذرة التي اعتاد أن يراها. شعر أنه يتعرف إليها من جديد، وأن خلف هدوئها الذي يراه الجميع روحًا مرحة لا تظهر إلا حين تشعر بالأمان.

وحين هدأت ضحكاتها، أشار إلى مقعد قريب.

— طب تعالي اقعدي شوية قبل ما تدخلي في سباق تاني وتطلبي إسعاف.

جلست تبارك وهي تتنفس بعمق، ثم نظرت إليه باستنكار.

— أنا اللي محتاجة أقعد؟ ده إنت اللي كنت بتنهج من أول خمس ثواني!

جلس بجوارها، مع ترك مسافة مريحة بينهما.

— طبعًا، ما أنا كنت بجري وراكي، دي مسؤولية كبيرة.

نظرت إليه لحظة، ثم ابتسمت وهي تهز رأسها:

— خف حسك الفكاهي، أحسن هتجبلي تهتك في الرئة من فرط الضحك؟

— لا يا ستي، ده أنا كده محتاج أعملك إنعاش، واضح إنك مش متعودة على الكوميديا التقيلة دي.

ضحكت مرة أخرى، ثم ساد بينهما صمت مريح. أخذت تنظر إلى البحر، بينما كان عبدالله يراقب انعكاس الأضواء فوق الماء.

لاحظ بعد قليل أنها تحرك قدمها بحذر، وكأن الصندل بدأ يضايقها. لم يسألها مباشرة حتى لا يشعرها بأنه يراقب كل حركة تقوم بها، بل أسند ظهره إلى المقعد وقال متصنعًا الإرهاق:

— أنا كده محتاج أرتاح خمس دقايق كمان.

التفتت إليه باستغراب:

— إنت لسه قاعد من شوية.

— أعمل إيه؟ جسمي مش متعود على المجهود العنيف ده.

نظرت إلى قدميها، ثم إليه، وأدركت أنه يحاول منحها فرصة للراحة دون أن يحرجها بالسؤال. لم تعلق، لكنها شعرت بدفء صغير يستقر في صدرها. لم يكن اهتمامه صاخبًا، ولم يحاول أن يجعلها مدينة له بشيء. كان يلاحظ، ثم يتصرف ببساطة، وكأن راحتها أمر طبيعي لا يحتاج إلى إعلان.

بعد أن استراحا قليلًا، خلعت صندلها وأمسكته في يدها اليمنى، وتابعا السير حتى وصلا إلى جزء هادئ من الشاطئ. كانت الأمواج تقترب من الرمال برفق، ثم تتراجع تاركة خلفها خطوطًا رقيقة من الماء.

وقفت تبارك تتأمل البحر، بينما ظل عبدالله إلى جوارها. لم يكن هناك ما يستدعي الكلام، ومع ذلك لم يشعر أيٌّ منهما بالحاجة إلى إنهاء الصمت. التفت إليها عبدالله فجأة، وسألها مبتسمًا:

— الفيلم عجبك بجد؟

ضحكت وهي تتذكر أحد المشاهد.

— أيوه، كان حلو.

— مع إنك ضحكتي على حاجات أنا مش فاهم إيه المضحك فيها؟

— مش بقولك إنت محتاج تطور حسك الفكاهي.

— لا، أنا بدأت أشك إنك بتضحكي على أي حاجة وخلاص.

— طيب، المرة الجاية اختار إنت الفيلم، ونشوف ذوقك العبقري.

ابتسم عبدالله، ثم عاد ينظر إلى البحر.

— اتفقنا.

تبادلا بعض التعليقات الساخرة، ثم سكت فجأة. ظل يتأمل الأفق طويلًا، وقد خفتت ابتسامته قليلًا، كأن شيئًا كان يخفيه وراء المزاح بدأ يجد طريقه إلى صوته.

لاحظت تبارك تغيره، فالتفتت إليه:

— مالك؟ سكت ليه؟ سكوتك بقى مش يطمني.

قالت الجملة الأخيرة بخبث ماكر وهي تضحك. أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بهدوء:

— تعرفي... أنا كنت فاكر إني عايش، بس اكتشفت إني كنت بكرر نفس اليوم كل يوم.

نظرت إليه دون أن تقاطعه.

— أصحى، أروح شغلي، أرجع، وأنام. وأفضل أكرر نفس الحكاية من غير ما أحس إن فيه حاجة مختلفة مستنياني.

التفت إليها، وظهرت على وجهه ابتسامة خفيفة.

— من يوم ما عرفتك، بقيت أضحك وأخرج وأستنى بكرة. بقيت أصحى وأنا مستني أشوفك، ومستني رسالة منك، حتى الحاجات العادية بقت ليها طعم مختلف.

توقفت تبارك عن النظر إلى البحر، وأخذت تتأمله بصمت.

لم تكن معتادة على أن تكون سببًا في سعادة أحد. لطالما شعرت أنها تحمل داخلها ما يكفي من الحزن حتى لا تملك شيئًا تمنحه للآخرين، لكنها الآن تسمع عبدالله يتحدث عن وجودها وكأنه أضاف إلى أيامه شيئًا لم يكن يعرف أنه ينقصه.

ابتسم لها، ثم تابع بصوت أكثر دفئًا:

— حتى نفسي... بقيت حاسس إنها رجعتلي.

شعرت تبارك بارتباك لم تعرف كيف تخفيه، فخفضت عينيها نحو الرمال. أرادت أن تقول شيئًا، أي شيء، لكن الكلمات بدت بعيدة عنها.

أما عبدالله، فكان قد حسم أمره. لم يرد أن يترك مشاعره معلقة بين المزاح والتلميحات إلى الأبد. استدار نحوها، ونظر في عينيها مباشرة:

— تبارك...

رفعت عينيها إليه.
تردد لثانية، ثم قال:
 أنا بحبك.
تعليقات



<>