رواية فرصة ثانية الفصل العشرون20بقلم همس هشام

رواية فرصة ثانية الفصل العشرون20بقلم همس هشام


تجلس نهى في أحضان ملك التي تمسد عليها بحنان، وقالت لها:
- أزمة وهتعدي يا حبيبتي، إحنا كلنا جنبك.

انتفاضتها إثر البكاء لا تتوقف، أجابتها بتقطع:
- أنا مأذتش حد لدرجة إنه يعملي سحر يا ملك.

- النفوس وحشة، إنتي مش ذنبك حاجة.

ابتعدت عنها ملك وأمسكتها من كتفيها، وقالت:
- النهاردة تاخدي وقتك في الزعل، لكن من بكرا ترجعي شغلك، وتهتمي بنفسك وجوزك والبيبي اللي جاي في الطريق.

وضعت نهى يدها على بطنها وأدمعت عينيها قائلة:
- أنا حتى معرفتش أفرح بحملي من الرعب اللي عيشاه.

طالعتها بحزن وأردفت:
- والشيخ قالي إزاي أحصن نفسي وأقلل الضرر، لكن مقاليش مين عملهولي.

- إزاي مقالش؟

نفت نهى برأسها قائلة:
- قالي إن صعب أعرف مين عملهولي، وعشان يتفك لازم ألاقي العمل.

ثم بكت قائلة:
- وألاقي فين العمل ده، أكيد اللي عمله دافنه أو مخبيه في حتة، ألاقيه فين بس؟

عانقتها ملك مرة أخرى تخفف عنها مأساتها، فقالت:
- خلي أملك في ربنا كبير يا نهى، قريب إن شاء الله الكابوس ده هيخلص.

دخلت ناهد وبيدها هاتف ملك وتقول:
- ماهر بيتصل عليكي يا ملك.

ابتعدت عن نهى وأخذت هاتفها، ثم قالت لناهد:
- خليكي معاها يا خالتو، عقبال ما أرد على التليفون.

أومأت ناهد وتركتها ملك متجهة إلى الشرفة تجيب على ماهر:
- أيوه يا ماهر.

- إيه يا ملك، قلقتيني عليكي، كل ده في العزا؟

- لا، نهى تعبانة فعديت عليها شوية.

- تعبانة مالها؟

- مرهقة من الحمل عادي.

- ألف سلامة عليها.

ثم أردف بعد أن صمت لثوانٍ:
- طب هشوفك إمتى عشان نتكلم عن يحيى؟

- بص يا ماهر، المواجهة بينك وبين يحيى مش هتنفع دلوقتي، استنى شوية وهقولك إمتى تقعد وتتكلم معاه.

تنهد قائلًا:
- تمام يا ملك، اللي إنتي شايفاه.

- ياريت متعملش أي حاجة من دماغك تضر يحيى يا ماهر.

- حاضر... حاضر.

- تمام، هقفل أنا دلوقتي.

- سلام.

- سلام.

أغلقت المكالمة ثم أرسلت رسالة لوالدها تخبره أنها تجلس مع نهى قليلًا وسوف تتأخر في العودة، ثم اتجهت إلى نهى فوجدت أن ناهد وأمير بجانبها لتقول بمزاح لتخفف الأجواء:
- إيه ده، الكناريا اجتمعوا؟

ابتسمت نهى، فقال لها أمير:
- أهي الغرابة دي اللي جيبانا ورا.

نظرت له بعبوس وجلست بجانب نهى، وقالت لها بحزم مصطنع:
- بما إني دكتورة نفسية، فدي الإرشادات اللي لازم أتبعها، التركيز على ما قاله الشيخ، ثانيًا العودة للعمل، ثالثًا تتصرفي عادي كأن مفيش حاجة.

ليؤيدها أمير قائلًا:
- آه، أنا كمان من رأيي ترجعي الشغل، أنا واحشني ندخل المستشفى سوا.

فقالت ناهد تؤيد الأمر:
- أيوه يا حبيبتي، واهتمي بنفسك، إنتي حامل، ونفسيتك أهم حاجة، وإن شاء الله ربنا هيظهر الحق.

أراحت نهى رأسها على كتف أمير وقالت:
- حاضر، هحاول.

_____________

تجلس حياة مع عمها والمحامي الخاص بوالدها، فقالت بجدية:
- أنا هتنازل عن ورثي لعمي لو عاوزه، أنا مش عايزة فلوس معرفش مصدرها.

نظر لها جلال بصدمة قائلًا:
- بس أنا مش عايزهم، ولا عايز الفلوس اللي جاية من ناحية طارق.

نظر لهم المحامي بعدم فهم وقال:
- أمال مين اللي هيدير الأملاك والفلوس اللي سابها الأستاذ طارق؟

رفعت حياة كتفيها بعدم معرفة وقالت:
- طالما عمي مش عايزهم وأنا مش عايزاهم، فهنتبرع بيهم.

اتسعت عين المحامي قائلًا:
- إنتي عارفة حجم الورث اللي سايبه والدك؟

- مش عايزة أعرف، ولا عايزاهم، أنا كل اللي هحتاجه بعد ما أخرج من المصحة ورث مامي الله يرحمها.

تنهد المحامي بقلة حيلة، فقال جلال:
- أظن فهمت اللي عايزينه يا أستاذ محسن، أنا هسافر النهاردة الفجر، فلما الورق يخلص ابعتهولي على الميل وهوقعه وأبعتهولك.

وقف المحامي قائلًا:
- تمام، أنا كده فهمت إنتوا عايزين إيه، لما الورق يجهز هبلغكوا.

وقفا جلال وحياة يودعان المحامي، ثم قالت حياة لجلال:
- هتسافر على طول كده؟

- أيوه، ورايا شغل كتير أوي.

ثم أردف متسائلًا:
- وإنتي هترجعي المصحة إمتى؟

- المفروض بعد بكرا الصبح، لكن هاخد آخر يوم عزا بكرا وهمشي بليل أرجع... مش طايقة أقعد في البيت.

نظر لها جلال بأسف، ثم اقترب وعانقها قائلًا:
- أنا آسف على كل اللي اتعرضتيله يا حياة، آسف على كل حاجة.

عانقته حياة قائلة:
- متتأسفش يا عمو، إنت ملكش ذنب في أي حاجة.

ابتعد عنها وداعب شعرها قائلًا:
- إزاي، أنا كان لازم أحميكي من شر أخويا، بس بعدي عنكوا، وشغلي وسفري... غصب عني.

ابتسمت حياة بحزن ووضعت يدها على يده قائلة:
- ده نصيبي وأنا راضية بيه، الحمد لله على كل شيء.

- ربنا يكملك بعقلك، هسيبك ترتاحي أكيد تعبتي طول اليوم.

- أنا عايزة أنام فعلًا.

- طب يلا، تصبحي على خير.

- وإنت من أهله يا عمو.

تركته وصعدت غرفتها، استلقت على الفراش تطالع رسمتها التي رسمها يحيى بعد أن وضعتها في برواز، حتى غفت.

__________________________

في اليوم التالي، يجلس يحيى يتناول طعامه بدون شهية، أبعد الطبق ونهض يحادث عائلته عبر الهاتف، فقد أخبرته ملك اليوم أن لديه مكالمة مع عائلته، دلفت الغرفة وأعطته الهاتف، ضغط على الأرقام ووضعه على أذنه ليأتيه صوت والدته بعد ثوانٍ:
- يحيى، عامل إيه يا بني؟

- الحمد لله يا أمي، طمنيني عنك وعن نسمة.

- أنا بخير الحمد لله، ونسمة كويسة.

- بتاخدي دواكي ومنتظمة فيه؟

- أيوه الحمد لله، في نعمة.

ثم أردفت متسائلة:
- طمني إنت عليك، بقالك شهر عندك مفيش خبر عن خروجك.

- لا يا أمي، لسه شوية، بس خلاص هانت.

- ربنا يرجعك لينا بالسلامة.

ليستمع إلى صوت نسمة تتساءل عن المتصل، فتقول لها:
- ده يحيى يا نسمة.

لتأخذ منها الهاتف تحادثه بشوق:
- يحيى، وحشتني أوي.

ابتسم بحنين قائلًا:
- وإنتي كمان وحشتيني، طمنيني عليكي وعلى أنس.

- كلنا بخير يا حبيبي، مستنيين رجوعك لينا.

- قريب إن شاء الله، عاملة إيه في شغلك؟

- أهو روتيني عادي.

- وحسين؟

نظرت لوالدتها، ورحلت بالهاتف إلى الشرفة، فقالت له:
- معرفش، كان بيحاول معايا على طول، بس فجأة سكت.

صمت قليلًا ثم قال:
- ممكن بيديكي مساحتك.

زفرت بحيرة قائلة:
- مش عارفة... بس أنا صليت استخارة وحاسة إني مرتاحة، لكن مش هعمل أي خطوة غير لما تخرج بالسلامة.

- متوقفيش حياتك عشاني يا نسمة، لو لاقيتي الوقت المناسب استغليه.

نفت قائلة:
- الوقت المناسب هييجي وإنت معانا.

ابتسم على حديثها ليجد أن الممرض يشير له لإنهاء المكالمة، فقال لنسمة:
- مضطر أقفل بقى يا نوسة، سلميلي على أنس، وسلمي على ماما.
- ماشي يا حبيبي، خلي بالك من نفسك.

- حاضر، وإنتي خلي بالك من نفسك ومن ماما وأنس.

- في عيوني متقلقش.

- قدها وأنا عارف... سلام.

- سلام.

أغلق الهاتف وأعطاه للممرض، غادر الغرفة، وسار باتجاه غرفته، يستعد للنوم.

_______________

في صباح اليوم التالي، يجلس يحيى ينظر إلى الطعام بشرود، فقطع شروده جلوس حياة أمامه وعلى وجهها ابتسامة صغيرة، طالعها بعيون متسعة لحضورها المفاجئ، وقد زارته تلك الوخزة اللطيفة التي تراوده عند التفكير بها في فترة غيابها، وقد أدرك ما تلك الوخزة... وخزة الشوق. اتسعت ابتسامتها وقالت:
- صباح الخير.

رمش قائلًا:
- صباح النور.

فقالت بمزاح:
- أكيد الأيام اللي فاتت مكنتش عارف تاكل من غيري.

ابتسم وقال:
- عايزة الصراحة؟

فأكملت مزاحها قائلة:
- لا، بنت عمها.

أشاح بنظره عنها وأغمض عينيه ونبس:
- أبو تقل دمك.

اقتربت بجزئها العلوي وقالت:
- سامعاك... سامعة برطمتك.

طالعها قائلًا:
- ما تسمعي، هخاف منك يعني؟

رمقته بعبوس وشرعت في الطعام، شرد بها وهي تأكل، وقد أحس أن شهيته قد عادت، فقالت له وهي تنظر إلى طعامها:
- إيه، عمال تبصلي كده ليه؟ وحشتك أوي كده؟

نظر سريعًا إلى طعامه كأنه لم يكن ينظر لها، طالعته بابتسامة خبيثة، ثم اصطنعت تركيزها في الطعام، ودون إدراك منه عاد يتأملها مرة أخرى، لم يشعر بقدر اشتياقه غير المبرر لها إلا عندما وجدها أمامه، لترفع عينيها سريعًا، ليرتبك عندما أمسكته متلبسًا، لتضحك عاليًا فقالت بين ضحكاتها:
- قفشتك يا تقيل.

نظر إلى الطعام وحاول تجاهل محاولتها في إغاظته وكأنها غير موجودة، وقفت لتغادر وقبل أن تغادر قالت له:
- خليك كده بتلعب تماثيل إسكندرية لوحدك، وأنا هروح عشان عليا جلسة.

لم يجبها وفضحكت على تصرفه وغادرت متجهة إلى غرفتها، فنظر إلى آثارها ومتعجب من حالتها الغريبة، أليس المفترض أن تكون حزينة بعض الشيء؟ 
بينما هي وجدت أن إبراهيم ينتظرها أمام غرفتها، ركضت إليه وقالت:
- سوري يا دكتور إبراهيم، بس كنت بفطر واتأخرت.

- ولا يهمك، أنا اللي كنت فاكرك هتبقي غير كده فجيت بدري.

ضحكت وهي تدلف الغرفة، قائلة:
- كده إزاي يعني؟

جلس على المقعد وجلست معه، ثم قال:
- حيوية بطريقة زيادة عن اللزوم، غير حيوية حياة اللي متعودين عليها.

عقدت حاجبيها ونظرت إلى الأرض، فقال إبراهيم:
- حياة، ليه بتهربي من حزنك، ليه بتمثلي إنك كويسة وكله تمام، طبيعي إنك تزعلي وتعيطي على باباكي حتى لو هو إنسان مش كويس.

حمحمت لتخرج صوتها المتحشرج:
- أنا زعلت ٣ أيام العزا، أظن كفاية، واتبرعت بفلوسه كلها، أنا مش عايزة منه حاجة.

- بس لسه جواكي زعل، باين عليكي، خرجيه وبلاش تراكمي جواكي.

رفعت عينيها التي لمعت من الدموع وقالت:
- أنا تعبانة أوي ومخنوقة.

- طلعي كل اللي جواكي ومتكتميش، وكل التعب والخنقة هيروحوا.

ظلت تبكي بجانبه، فمد يده بمناديل وكوب من الماء لعلها تهدئ نيران الحزن بداخلها، ظل بجانبها حتى هدأت تمامًا، ومسحت دموعها فقال لها:
- أحسن؟

هزت رأسها بالإيجاب قائلةً:
- الحمد لله.

- متراكميش جواكي يا حياة، طلعي مشاعرك وعبري عنها.

هزت رأسها بالإيجاب، فقال لها:
- بصي يا حياة، النهاردة في اجتماع للأطباء هناقش فيه حالات اللي كل دكتور ماسكها، وإجراءات خروجك هتبدأ بعد الاجتماع ده.
- تمام يا دكتور إبراهيم.

قال إبراهيم وهو ينهض:
- تمام، همشي أنا، وزي ما اتفقنا.

نهضت حياة معه وقالت بابتسامة باهتة:
- زي ما اتفقنا.

__________________

تجلس نهى على مكتبها في المستشفى تنتظر كشفها التالي، سمعت صوت طرق على بابها، فسمحت بالدخول، وكانت دينا. رسمت نهى ابتسامة مقتضبة لتقابل ابتسامة دينا الصفراء، فهي لم تحبها ولم ترتح لها قط، فقالت نهى:
- اتفضلي يا دينا، في حاجة؟

أجابتها دينا وهي تنظر إلى الأريكة:
- لا أبدًا، كنت جاية أقولك حمد لله على السلامة لما عرفت إن حضرتك رجعتي.

أومأت لها نهى بتفهم وقالت:
- الله يسلمك يا دينا.

نظرت إلى موضع نظر دينا على الأريكة، وأردفت:
- في حاجة ضايعة منك ولا إيه يا دينا؟

طالعتها دينا بارتباك وقالت:
- لا أبدًا... استأذنك عشان تكملي شغلك.

أومأت نهى لها والتفتت دينا لتغادر، وظلت نهى تطالع شعرها المصبوغ بالأشقر بشرود.

____________

يجلس خالد المدير السابق ليحيى في سيارته أمام المصحة، يمسك هاتفه ويتصل بماهر عدة مرات، لكن لا رد، وفي المرة الأخيرة أغلق ماهر المكالمة، ليضع الهاتف بجانبه وترجل قائلًا:
- كده إنت جبت آخرك معايا يا ماهر.

وقف أمام بوابة المصحة، ليوقفه رجل الأمن يسأله:
- حضرتك جاي لمين؟

- الدكتورة ملك عادل.

- استنى هنا أبلغ حضرتك، أقولها مين؟

- خالد الأبصيري.

أومأ وذهب الرجل إلى مكتب ملك التي كانت تحادث والدها عبر الهاتف:
- معرفش يا بابا بجد، بس نهى تعبانة أوي.

لتسمع صوت طرق على الباب فقالت:
- ثواني يا بابا... ادخل.

ليدلف رجل الأمن، يقول لها:
- دكتورة ملك، في واحد برا اسمه خالد الأبصيري عايز يدخل لحضرتك.

نظرت باستغراب ثم قالت:
- دخله.

ذهب رجل الأمن فقال عادل:
- طب هسيبك تكملي شغلك ونتكلم لما نرجع البيت.

- أوكي يا بابا.

- مع السلامة، وخلي بالك من نفسك.

- مع السلامة.

أغلقت الهاتف واعتدلت في جلستها تنتظر خالد، وبعد ثوانٍ، كان يطرق خالد الباب فسمحت له بالدخول، فتح الباب وطل منه ثم تقدم بخطواته الواثقة وجلس على المقعد، فقالت له:
- أهلًا يا أستاذ خالد.

- أهلًا بيكي يا دكتورة ملك.

- قالولي إنك عايزني، حضرتك تعرفني؟

- مش أوي، لكن أعرف أخوكي ماهر كويس جدًا.

وعند سماع اسم ماهر أيقنت أنه أمر جديد سوف يقلب حياتها رأسًا على عقب بالتأكيد، فقالت:
- ماله ماهر؟

- ماهر جه واتفق معايا من فترة على مبلغ، عشان أقولك إنه رجعلي الشركة، لكن في الحقيقة هو لا رجعلي الشركة ولا اداني الفلوس.

كانت تستمع له ملك وبداخلها شيء ينكسر، قبضت على يدها بقوة، تفرغ بها غضبها من ماهر، ابتلعت غصتها وقالت:
- والمطلوب مني؟

- فلوسي، أنا بتصل عليه لكن مش بيرد.

وقفت بغضب وقالت:
- اطلع برا.

وقف أمامها خالد بتحدٍ وقال:
- مش هطلع إلا لما تتصلي بماهر ويجيبلي فلوسي لحد عندي.

ذهبت تجاه الباب وفتحته وهي تنظر له بعيون تطق شرار، وقالت بحدة:
- بقولك اطلع برا بدل ما أنده الأمن.

- دكتورة ملك.

نظرت ملك إلى مصدر الصوت، وكان المنادي يحيى، يقف أمام الباب يطالع ملك وخالد باستنكار، وفي رأسه الكثير من الأسئلة.

تعليقات



<>