رواية هي كده الفصل العشرون20 بقلم ابتسام محمود الصيري

رواية هي كده الفصل العشرون20 بقلم ابتسام محمود الصيري

— بابا...

التفت عبدالله إليها، لكنه لم يمهلها فرصة ليسألها. نهضت على عجل، وأمسكت بذراعه تسحبه خلفها نحو الممر.

— قوم بسرعة!

— في إيه يا تبارك؟

— تعالى معايا، مفيش وقت!

قادته إلى غرفة جانبية في الطابق الأرضي، نادرًا ما كانت تُستخدم، ودفعته إلى الداخل. التفتت تتأكد من خلو الممر، ثم عادت إليه، وقد ارتسم الذعر على ملامحها.

— أرجوك، متتكلمش مهما سمعت، وأوعى تطلع من هنا.

نظر إليها عبدالله بقلق، وشعر بالندم لأنه دخل الفيلا من الأساس. وجوده هنا قد يعرّضها لمشكلة أكبر.

أمسكت بيده، وتوسلت إليه بصوت كاد ينقطع:

— والنبي يا عبدالله، أوعى تطلع!

لم يرَ في عينيها سوى الرعب، فأدرك أن بقاءه بعيدًا عن المواجهة قد يكون الشيء الوحيد الذي يستطيع فعله من أجلها الآن.

أومأ لها.

— حاضر، مش هطلع.

أغلقت الباب خلفها، وفي اللحظة نفسها دخل الشيخ سالم الفيلا.

وقفت تبارك في منتصف الصالة، تضم يديها أمامها، بينما تفحّصها بنظرة باردة توقفت عند فستانها الأسود وشعرها المنسدل على كتفيها.

لم يكن في ملابسها ما يستدعي كل هذا الغضب، لكن سالم لم يكن بحاجة إلى سبب حقيقي ليحوّل أبسط الأمور إلى ذريعة للعقاب.

سألها بجمود:

— إيه اللي إنتِ لابساه ده؟

ابتلعت ريقها، وحاولت أن تجيب:

— أنا كنت...

لم تكمل. باغتها بصفعة جعلت رأسها يميل إلى الجانب، فاصطدم كتفها بالحائط.

وضعت يدها على خدها، وظلت صامتة.

— افتكرتي إنك تعملي اللي إنتِ عايزاه وأنا مش موجود؟

— لأ والله يا بابا، أنا لقيته واسع ومريح، فقلت ألبسه.

رمق الفستان باحتقار.

— يعني عشان أنا مش موجود، تلبسي اللي على مزاجك؟

— والله ما كان قصدي أزعلك...

ضرب بكفه حافة الطاولة، فسقطت المزهرية وتحطمت على الأرض.

انتفض عبدالله داخل الغرفة، وتحرك نحو الباب دون تفكير، لكنه توقف قبل أن يمد يده إلى المقبض. تذكّر توسّل تبارك، فشدّ قبضته وأجبر نفسه على البقاء.

في الخارج، كانت تبارك تحدق في شظايا الزجاج، قبل أن تخفض رأسها وتقول:

— آسفة يا بابا... والله آسفة.

لم يبدُ على سالم أنه سمع اعتذارها أصلًا.

— لِمّي اللي وقع ده.

أسرعت إلى المطبخ، وعادت بمكنسة ومجرود. انحنت تجمع الزجاج المتناثر، حريصة على ألا تجرح أصابعها، بينما ظل يراقبها حتى انتهت.

أشار إلى الدرج بيده.

— اطلعي غيري الزفت اللي إنتِ لابساه. ولما أخلص دش، هنتحاسب.

ثم صعد إلى غرفته، تاركًا إياها واقفة في الصالة لا تعرف ما ينتظرها.

ما إن سمعت صوت باب الحمام يُغلق في الطابق العلوي، حتى أسرعت إلى الغرفة التي أخفت فيها عبدالله وفتحت الباب.

كان واقفًا في منتصفها، والغضب يشتعل في عينيه.

— مين الراجل ده يا تبارك؟

لم تجبه.

أشار إلى خدها المحمر وسألها:

— هو اللي ضربك؟

— امشي يا عبدالله... أرجوك.

حدّق فيها غير مصدق.

— إنتِ لسه بتقوليلي أمشي بعد كل اللي شوفته؟

— لو فضلت هنا، هتضيع.

اقترب منها خطوة، وقال بصوت خشن من شدة ما يكتمه:

— مش هسيبك تواجهِي ده لوحدك.

رفعت عينيها إليه، ولم يكن في ذهنها سوى احتمال أن يصيبه سالم بالأذى.

— أنا أقدر أستحمل... بس مش هقدر أستحمل لو حصلك حاجة بسببي.

أشعلت كلماتها غضبه، فالتفت نحو الباب.

— افتحي الباب.

تراجعت بفزع.

— هتمشي، صح؟

— لأ، هطلع له.

اتسعت عيناها، وأسرعت تمسك ذراعه بكلتا يديها.

— لا يا عبدالله!

نظر إليها، فوجدها ترتجف وهي تتشبث به.

— بالله عليك، متطلعش. لو شافك، هيقتلك!

رد بعصبية:

— وأنا يهمني إيه؟

خرج جوابها قبل أن تفكر فيه:

— يهمني أنا!

توقف عبدالله عن الكلام، وظل ينظر إليها. وما إن أدركت ما قالته، حتى أفلتت ذراعه وأشاحت بوجهها.

— قصدي... هتبقى مصيبة لو عرف إنك هنا.

لان صوته، لكن نظرته بقيت جادة.

— إنتِ لسه بتحاولي تخبي عني، حتى بعد كل اللي حصل.

عادت تنظر إليه، ولم تجد ما تقوله.

تابع:

— من أول يوم عرفتك، وأنا حاسس إن فيه حاجة أكبر بكتير من اللي بتحكيه. وكل مرة أسألك، بتطلبي مني أستنى.

ابتلعت ريقها.

— والله هقولك كل حاجة... بس مش دلوقتي.

— إمتى يا تبارك؟

— أول ما يمشي.

هز رأسه رافضًا.

— مش همشي من هنا غير لما أفهم إنتِ عايشة إزاي، وليه بتخافي منه بالشكل ده.

أمسكت يده، وتوسلت إليه:

— عبدالله، أرجوك. أقسم بالله هتعرف كل حاجة، بس لو خرجت دلوقتي، كل حاجة هتبوظ.

تأمل وجهها لحظات. لم تكن تطلب منه الرحيل هذه المرة لتبعده عنها، بل كانت تحاول حمايته من رجل تعرف جيدًا ما يمكن أن يفعله.

تنهد أخيرًا.

— حاضر، مش هطلع.

ارتخت أصابعها قليلًا، لكنه أضاف بجدية:

— بس أوعديني إن دي آخر مرة تقوليلي «بعدين» من غير ما تحددي إمتى.

أومأت بسرعة.

— أوعدك.

وقبل أن يضيف شيئًا، شق صوت الشيخ سالم سكون الفيلا:

— تبارك!

أغمضت عينيها لحظة، ثم أجابت:

— حاضر يا بابا، جاية.

ألقت على عبدالله نظرة أخيرة، ترجوه بصمت أن يلتزم بوعده، ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها.

كان سالم قد انتهى من الاستحمام وبدّل ملابسه. وقف في الصالة ينتظرها، وما إن رآها حتى قال:

— لسه مغيرتيش؟

أجابته بحذر:

— حضرتك ناديت عليّا، فجيت.

تقدم نحوها، ثم أشار إلى العصا الرفيعة الموضوعة بجوار الحائط.

— واضح إن كلامي مبقاش يتسمع.

تراجعت خطوة، وشبكت يديها أمامها.

— لا يا بابا، أنا آسفة. مش هلبسه تاني، والله.

لم يمهلها فرصة لإكمال اعتذارها. دفعها بقسوة إلى الأرض، فاختنق صوتها بصرخة حاولت كتمها حتى لا يسمعها عبدالله.

رفعت عينيها إلى العصا، ثم إليه، وقالت بتوسل:

— أرجوك يا بابا، أنا غلطت. مش هلبسه تاني، والله.

⸻

وخلف الباب المغلق، ظل عبدالله واقفًا، ممزقًا بين وعده لتبارك بألا يتدخل، وعجزه عن تركها تواجه ما يحدث وحدها.

ظل يحدق في الباب، متمنيًا أن تفتحه في أي لحظة، وتخبره أن كل ما يراه ويسمعه ليس إلا كابوسًا.

لكن صوت الشيخ سالم جاءه من الخارج، باردًا وخاليًا من الانفعال، أعقبه صوت تبارك الخافت، متوسلًا بكلمات لم يستطع تمييزها.

أغمض عبدالله عينيه، محاولًا إقناع نفسه بأنها مجرد مشادة عابرة، حتى دوّى صوت ارتطام قوي.

فتح عينيه فجأة، وشدّ قبضتيه. كان أشبه بأسد حبيس قفص، لا يفصله عن المواجهة سوى حاجز يعجز عن تحطيمه.

توالت أصوات متقطعة من الخارج؛ شيء سقط على الأرض، ثم شهقة مكتومة، أعقبها صمت ثقيل.

لم يدم الصمت طويلًا، حتى سمع صوت سالم من جديد، هادئًا على نحو مرعب:

— كاتك القرف، متعبة!

تبع ذلك صوت خطوات تبتعد، ثم انفتح باب الفيلا وأُغلق خلفه بعنف.

اندفع عبدالله نحو النافذة، وألقى نظرة من خلفها، متابعًا سالم بعينيه حتى استقل سيارته وغادر.

ما إن اختفت السيارة عن ناظريه، حتى أسرع عبدالله إلى تبارك.

خرج من الغرفة يبحث عنها، فوجَدها على الأرض، بالكاد تقوى على رفع رأسها. وقف أمامها، والغضب يكسو ملامحه. لم يستطع أن يصرف نظره عن الكدمات التي بدأت تظهر على ذراعها، ولا عن آثار الدموع على وجهها. لم يستوعب كيف تحوّلت الفتاة التي كانت تضحك معه على شاطئ البحر قبل ساعات إلى شخص بالكاد يستطيع الوقوف.

سألها بصوت مخنوق:

— هو عمل فيكي كل ده ليه؟

رفعت تبارك عينيها إليه بصعوبة.

— امشي يا عبدالله دلوقتي...

اقترب خطوة، وهز رأسه رافضًا.

— سألتك سؤال. ليه ضربك بالوحشية دي؟

أخفضت رأسها، وتمتمت:

— أرجوك... امشي.

قبض عبدالله على يده، محاولًا السيطرة على غضبه.

— لأ، مش همشي غير لما أفهم. إيه اللي أنا شوفته ده؟ وليه بتخافي منه بالشكل ده؟ ده مستحيل يكون أب!

رفعت رأسها فجأة، وفي عينيها رجاء يائس.

— بالله عليك، امشي. ممكن يرجع تاني، ولو شافك هنا... هيقتلك.

— أنا مش هسيبك.

تقدمت نحوه خطوة، متجاهلة ألمها، وأمسكت طرف كم قميصه بأصابع مرتجفة. كانت تلك أول مرة تتشبث به بهذا الشكل.

— علشان خاطري يا عبدالله... امشي، لو سمحت.

وقعت عيناه على يدها المتشبثة به، ثم عاد ينظر إلى وجهها. لم يكن ما رآه مجرد خوف من رجل غاضب، بل رعبًا بدا أعمق من أن تصفه الكلمات.

لان صوته قليلًا.

— طيب، فهميني... هو بيعمل فيكي كده ليه؟

صمتت تبارك طويلًا، قبل أن تجيبه بصوت خافت:

— عشان الشيخ سالم عامل للبيت قوانين.

انتظر أن تكمل، لكنها التزمت الصمت.

عقد حاجبيه وسألها:

— الشيخ سالم ده إيه بالنسبة لك؟

ترددت، وكأن مجرد ذكر الحقيقة يثقل لسانها، ثم همست:

— جوز أمي.

انعقد حاجباه أكثر.

— جوز والدتك؟!

أومأت برأسها.

— الله يرحمها.

ظل ينظر إليها لحظات، يحاول استيعاب ما يسمعه، ثم سألها:

— طب إنتِ كنتِ بتقولي له بابا ليه؟

أغمضت عينيها، وانسابت دمعة على خدها.

— بقولها من زمان... هو عوّدني على كده.

تأملها عبدالله، ثم سألها بحذر:

— يعني... هو مش أبوكي؟

هزت رأسها نفيًا.

ساد الصمت بينهما، قبل أن يعود ويسألها:

— طب ليه يعمل فيكي كده؟

تراجعت تبارك خطوة، وكأن السؤال أعادها إلى شيء لا تقوى على مواجهته. هزت رأسها رافضة، ثم قالت بصوت متقطع:

— مش النهارده... أرجوك، مش هقدر.

تحرك عبدالله نحوها، لكنه توقف قبل أن يقترب أكثر، تاركًا لها مساحتها.

— بصيلي يا تبارك.

رفعت عينيها إليه، والدموع تملؤهما.

قال بنبرة هادئة:

— أنا مش هضغط عليكي، ومش هسألك عن حاجة إنتِ مش مستعدة تحكيها. بس متطلبش مني أمشي وأسيبك بالحالة دي.

هزت رأسها بإصرار.

— لازم تمشي.

— ليه؟

أجابته بصوت مرتجف:

— لأنك لو فضلت، هيحصلك حاجة بسببي... وأنا مش هستحمل.

صمت عبدالله لحظة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه.

— أول مرة أشوفك خايفة على حد بالشكل ده.

نظرت إليه سريعًا، فتابع محاولًا التخفيف عنها:

— ده إنتِ من شوية كنتِ بتحاولي تطرديني!

مسحت دموعها بكفها، وقالت بصوت واهن:

— عشان أمشيك... مش عشان أبعدك.

خفتت ابتسامته، واستقرت عيناه عليها. بدأ يفهم أن محاولاتها المستمرة لإبعاده لم تكن رفضًا له بقدر ما كانت خوفًا عليه.

اتجه نحو باب الفيلا، لكنه توقف قبل أن يفتحه، ثم التفت إليها.

— أنا همشي عشان إنتِ طلبتي مني، مش عشان اقتنعت إن ده الصح.

سكت لحظة، ثم أكمل:

— بس اسمعيني كويس يا تبارك... مهما كانت الحكاية، ومهما كان اللي مخبياه عني، إنتِ مش لوحدك. وأنا مش هبطل أخبط على الباب، لحد ما ييجي يوم وتفتحيه بإيدك.

ثبت نظره عليها للحظة أخيرة، ثم غادر.

وما إن أُغلق الباب خلفه، حتى خارت قواها، فهبطت إلى الأرض وضمّت ركبتيها إلى صدرها.

انهمرت دموعها بصمت، بينما ظل سؤال واحد يطاردها:

لو عرف الحقيقة كلها... هيبصلي بنفس النظرة، ولا هيمشي زي كل الناس؟

⸻

خرج عبدالله من الفيلا بخطوات بطيئة، مثقلًا بعجز لم يعرف كيف يتعامل معه. كانت صورة تبارك لا تفارق ذهنه، ولم يستطع نسيان ما رآه من آثار الضرب على جسدها.

لم يبتعد كثيرًا، وظل ينتظر اتصالها، ملتزمًا بوعده أن يترك لها حرية الاختيار.

⸻

رنّ هاتف تبارك، وكان اسم سارة ظاهرًا على الشاشة. تركته يرنّ لثوانٍ قبل أن تجيب بصوت خافت ومرهق:

— ألو...

— إنتِ فين يا بنتي؟ بنتصل بيكي من بدري! إنتِ قررتي تعيشي دور الغموض وتخلينا نقلق عليكي، ولا إيه؟

حاولت سارة أن تضحكها كعادتها، لكن تبارك لم تُبدِ أي استجابة.

— معلش، مسمعتش الفون.

— إيه ده؟ هو أنا بكلم خدمة العملاء؟ مالك يا بنتي، صوتك عامل كده ليه؟

— سارة، أنا تعبانة. في حاجة عايزة تقوليها مهمة؟

اختفى المزاح من صوت سارة للحظة، قبل أن تجيب:

— مهمة إيه بس؟ النتيجة هتظهر النهارده، وأنا ورنا مع بعض. تعالي اقعدي معانا بدل ما نفضل متوترين لوحدنا.

— مش هينفع... بابا هنا.

— خلاص، خليكي معانا عالفون لحد ما النتيجة تظهر. كلها كام دقيقة بس، وأهو أحكيلك على...

قاطعتها تبارك بصوت واهن:

— سارة، معلش... أنا هنام. هبقى أكلمك بكرة.

سكتت سارة لحظة، وقد اختفى الحماس من صوتها.

— تبارك، إنتِ مالك؟

— مفيش، كنت نايمة. سبيني أرتاح شوية، ولما أفوق هكلمك.

— إنتِ مش بتتكلمي كده حتى وإنتِ لسه صاحية من النوم. إنتِ تعبانة؟

— شوية بس... عايزة أنام.

لم تقتنع سارة. كانت تعرف تبارك جيدًا، وتعرف أنها حين تتعب نفسيًا تحاول إنهاء الحديث بدلًا من أن تشرح ما بها، فقالت محاولةً أن تعيد إليها شيئًا من روحها المعتادة:

— طب بصي، لما النتيجة تظهر وتلاقيني جبت مجموع أعلى منك، متجيش تقوليلي يا سارة يا حبيبتي ساعديني أختار أحسن كلية طب!

لكن تبارك لم تضحك، ولم تعلّق. اكتفت بالصمت.

ازداد قلق سارة، فتابعت بجدية:

— تبارك، طمنيني عليكي. إنتِ كويسة فعلًا؟

أغمضت تبارك عينيها، وأجابت بعد لحظة:

— آه يا سارة... متقلقيش عليا. هكلمك بكرة.

لم تجد سارة ما تقوله أمام إصرارها، لكنها لم تستطع تجاهل ذلك الصوت المنطفئ.

— ماشي يا حبيبتي. ارتاحي، وأنا هستنى مكالمتك بكرة. بس لو احتجتيني في أي وقت، كلميني.

— أكيد.

أنهت تبارك المكالمة، وأبقت الهاتف في يدها للحظات قبل أن تضعه جانبًا.

أما سارة، فظلت تنظر إلى شاشة هاتفها بقلق. لم تكن تبارك قد قالت شيئًا يستدعي الخوف، لكن صمتها وطريقتها في الكلام كانا كافيين لتشعر بأن هناك ما تخفيه عنها.

⸻

مرّت ساعة كاملة من القلق والتوتر، اجتمعت خلالها سارة ورنا ووالدة سارة وأم كريم، مساعدة والدتها في المنزل، حول الحاسوب في انتظار ظهور النتيجة.

وحين ظهرت أسماء أوائل الثانوية العامة، أغمضت سارة عينيها بقوة، وشبكت أصابعها بتوتر، وكأنها تحاول أن تحمي نفسها من خيبة أمل لم تحدث بعد.

أما رنا، فكانت أقل توترًا منها، أو ربما استسلمت لفكرة أنها لن تجد اسمها بين الأوائل من الأساس. مدت يدها وأخذت الحاسوب من سارة، التي كانت على وشك الانهيار من شدة القلق.

وبعد لحظات قليلة، أطلقت رنا صرخة مدوية، وقفزت من مكانها بحماس جعل والدة سارة تنتفض واقفة، واضعة يدها على قلبها من شدة المفاجأة.

— إيه يا بنتي؟! حصل إيه؟!

لكن سارة لم تنتظر إجابة، فقد انفجرت بالبكاء، بينما التفتت رنا إليها، وعيناها تلمعان بفرحة لم تستطع إخفاءها.

— إنتِ وتبارك من أوائل الدفعة!

للحظة، لم تستوعب سارة ما سمعته، ثم ارتفع صوت بكائها أكثر، لكن هذه المرة كانت دموع فرح خالصة.

أطلقت أم كريم ووالدة سارة زغروتة طويلة، ثم احتضنت والدة سارة ابنتها بقوة، تقبّل رأسها ووجهها، وكأنها تحاول أن تعوّضها في تلك اللحظات عن كل يوم انتظرت فيه هذه الفرحة.

— ألف مبروك يا حبيبتي! ربنا يفرح قلبك دايمًا يا رب!

وبعدما هدأت قليلًا، تركت ابنتها والتفتت إلى رنا التي كانت تقف بجوار الحاسوب.

— وإنتِ يا رنا؟ طمنيني، عملتي إيه؟

رفعت رنا حاجبيها، وأشارت إلى نفسها باندهاش مصطنع.

— طنط، بقولك الأوائل! أنا إيه اللي يحشرني وسط الناس المجتهدة دي؟

ضحكت والدة سارة، بينما هزت رنا كتفيها ببساطة، من دون حقد أو غيرة. لم تعد الفتاة التي كانت تحاول إخفاء أخطائها خلف العناد والإنكار؛ أصبحت أكثر تصالحًا مع نفسها، تتقبل تقصيرها وتعترف به، لا لأنها لم تعد تبالي، بل لأنها بدأت تتعلم أن الاعتراف بالخطأ هو أول خطوة لتغييره.

ابتسمت لها والدة سارة بحنان، وقالت:

— ربنا هيجبر بخاطرك زي ما فرحتي من قلبك لأخواتك يا بنتي.

وضعت رنا يدها على صدرها، ثم قالت بنبرة متوسلة:

— طنط، بلاش تنفخيني بالله عليكي! أنا عارفة نفسي، هسقط!

— هتنجحي يا رنا، بإذن الله.

— بلاش عشمك الزايد، أنا مش ناقصة صدمات!

— يا بت، خلي عندك يقين بالله!

وفي تلك اللحظة، كانت سارة قد أمسكت بالحاسوب مجددًا، تتنقل بعينيها بين الأسماء والنتائج، قبل أن تتوقف فجأة.

اتسعت عيناها، واقتربت بوجهها من الشاشة، ثم تمتمت بعدم تصديق:

— لا، لا، لا!

التفتت إليها رنا بسرعة.

— إيه؟ حصل إيه؟ أكتر من إني سقطت؟

لم تجبها سارة، بل ظلت تحدق في الشاشة وكأنها تخشى أن تكون قد قرأت الرقم خطأ.

— لا، مش معقول!

اقتربت منها رنا، بينما سألتها والدتها بقلق:

— حصل إيه يا بنتي؟!

رفعت سارة رأسها ببطء، ثم نظرت إلى رنا، وعلى وجهها ابتسامة اتسعت شيئًا فشيئًا.

— إنتِ نجحتي!

تجمدت رنا في مكانها.

— إيه؟! إزاي؟!

— أهو! قدامك أهو!

لم تحتج الفتاتان إلى أكثر من ذلك. صرختا معًا، ثم تعانقتا وقفزتا فوق السرير كطفلتين تحقق لهما حلم لم تتوقعاه، بينما انطلقت زغاريد والدة سارة وأم كريم، وامتلأت الغرفة بالضحكات والتهاني.

صفقت أم كريم بسعادة، وقالت:

— طب استنوا عليّا، هنزل أعمل لكم أحلى كيكة بالشوكولاتة احتفالًا بالنجاح!

هتفت سارة بحماس:

— أيوه بقى يا دادة! هو ده الكلام!

وأضافت رنا وهي تشير إليها بإصبعها:

— وزوّدي الشوكولاتة، بلاش بخل! إحنا نجحنا يا جماعة!

ضحكت أم كريم وهي تغادر الغرفة، تاركة خلفها ضجيج الفرح الذي ظل يتصاعد لدقائق، حتى بدأت الحماسة تهدأ قليلًا.

عندها، ألقت رنا نظرة على هاتفها، ثم رفعت رأسها فجأة.

— غريبة... تبارك متصلتش بينا ولا حتى بعتت رسالة.

تلاشت ابتسامة سارة تدريجيًا، وعادت إلى ذهنها المكالمة التي تلقتها منها في وقت سابق؛ صوتها الخافت، وكلماتها المقتضبة، وإصرارها على إنهاء الحديث.

قالت بقلق:

— تبارك عندها مشكلة، وشكل المشكلة كبيرة أوي... ربنا يسترها معاها.

نظرت إليها رنا، وقد اختفى المرح من ملامحها.

— طب ما نتصل بيها؟ نفرحها ونطمن عليها.

هزت سارة رأسها ببطء، ثم قالت بصوت خافت:

— مفتكرش إن في حاجة هتفرحها دلوقتي.

سكتت لحظة، قبل أن تضيف:

— ساعات الوجع بيبقى أكبر من إن الفرحة تعرف توصل لصاحبها... كأنك بتسمع خبر حلو، بس قلبك مش قادر يحس بيه من كتر اللي شايله.

تنهدت رنا، وخفضت عينيها إلى الهاتف.

— ربنا يعينها، يا رب.

ولأن الصمت لم يكن من عادتها طويلًا، سرعان ما التفتت رنا إلى الحاسوب الذي لا يزال مفتوحًا أمامهما، ثم رمقت مجموعها بنظرة فاحصة، وقالت بجدية مصطنعة:

— يا سارة، هو ده مجموع ولا شحن تليفون؟!

انفجرت سارة بالضحك، بينما خطفت رنا الحاسوب من يدها، وحدقت في النتيجة مرة أخرى.

— أنا راضية، والله راضية! بقولك كنت متأكدة إني ساقطة، فالنتيجة دي وشّ رضا أوي!

ثم هدأت نبرتها قليلًا، وأضافت وهي تنظر إلى اسم تبارك:

— والحمد لله إن المادة اللي تبارك شالتها بره المجموع. هي تستحق تكون الأولى فعلًا.

أومأت سارة موافقة، وقد عادت ابتسامتها هادئة هذه المرة.

— فعلًا. تبارك مجتهدة جدًا، وساعات بحس إنها بتشرح أحسن من المدرسين نفسهم. نجاحي في مواد كتير يرجع لشرحها ليا.

وبينما كانتا تتحدثان، رن هاتف رنا، فظهر اسم والدها على الشاشة.

أجابت على الفور، وارتسمت ابتسامة واسعة على وجهها.

— ألو، يا بابي!

جاءها صوته محملًا بالحنان والفخر:

— مبروك يا روحي! أنا أول ما نزلت من الطيارة شوفت رسالتك. كنت واثق في بنتي إنها قوية وشاطرة.

ابتسمت رنا، ثم قالت بنبرة امتزج فيها الامتنان بشيء من الخجل:

— الله يبارك فيك يا بابي، بس المجموع مش حلو أوي.

— ولا يهمك يا حبيبتي. هتدخلي الجامعة اللي إنتِ عايزاها، بس بشرط تثبتي من أول يوم إنك قد المسؤولية، وإنك تستحقي المكان اللي هتدخليه.

لمعت عينا رنا، وقالت بصدق:

— بجد، شكرًا يا بابي.

وقبل أن ترد، امتدت يد والدتها وأخذت الهاتف منها، معترضة بابتسامة:

— سبني أنا كمان أبارك لبنتي!

ضحكت رنا، ثم قالت فور أن سمعت صوت والدتها:

— مامي! حمد الله على السلامة!

— الله يسلمك يا قلب مامي.

تغيرت نبرة الأم قليلًا، فظهر فيها شيء من الاعتذار والحنين.

— كان نفسي أكون معاكي النهارده، وأحضنك أول ما النتيجة تظهر، بس إنتِ اللي أصريتي إني ما أسيبش بابا لوحده.

ابتسمت رنا، وأجابت بعفوية:

— يا مامي، بابي من غيرك يغرق في شبر مية! كل حاجة إنتِ بتعمليها، هو خلاص اتكل عليكي فيها. مستحيل يعرف يجمع بين كل حاجة لوحده!

ضحكت والدتها، فتابعت رنا بحماس:

— حتى البدلة بتاعته، مش بيعرف ينزل بيها غير لما تديله الأوكي عليها! وده دليل إنك أحسن مديرة أعمال، ومخلّياه يركز في شغله المهم، وإنتِ بتتابعي معاه أدق التفاصيل.

ضحكت الأم من قلبها، بينما ابتسمت سارة وهي تستمع إليهما، وعادت أجواء الفرح تملأ المكان من جديد.

⸻

في مكان آخر، كانت تبارك تجلس على الأريكة، وقد استقرت بجوارها علبة الدواء وكوب ماء.

كان هاتفها قريبًا منها، وشاشته مضاءة بإشعارات متتالية، ورسائل تهنئة من زميلات لم تتحدث مع بعضهن منذ أشهر. وبين تلك الرسائل، ظهر اسم سارة ورنا، وصورتهما معًا، وعبارات الفرح التي أرسلتاها لها.

حدقت تبارك في الشاشة لثوانٍ، ثم أغلقتها بهدوء.

لم تكن تكره فرحتها، ولم تكن تحسد أحدًا عليها. على العكس، كانت سعيدة من أجلهما، وتعرف جيدًا كم تعبت سارة حتى تصل إلى تلك اللحظة، وكم كانت رنا تحتاج إلى انتصار صغير يعيد إليها ثقتها بنفسها.

لكنها، حين حاولت أن تشعر بالفرحة نفسها، لم تجد شيئًا.

لا حماس، ولا رغبة في الضحك، ولا حتى تلك اللهفة التي تخيلت طويلًا أنها ستغمرها حين ترى نتيجتها.

كانت قد نجحت. بل أصبحت من أوائل الدفعة، وحققت خطوة كبيرة نحو حلمها بأن تصبح طبيبة.

ومع ذلك، بدا الخبر بعيدًا عنها، كأنه يخص فتاة أخرى لا تعرفها.

أسندت مرفقيها إلى ركبتيها، وأراحت رأسها بين كفيها. كان جسدها لا يزال مثقلًا بالإرهاق، وكل حركة بسيطة تذكرها بما مرت به قبل ساعات. حتى أنفاسها بدت أثقل من المعتاد، وكأنها لم تعد تملك الطاقة الكافية لتشعر بشيء آخر غير التعب.

رفعت رأسها ببطء، وأخذت تتأمل الغرفة المحيطة بها.

الأثاث الفاخر، والستائر الثقيلة، والثريا التي تتدلى من السقف، والخزانة الممتلئة بالملابس، والمجوهرات المحفوظة في علبها الأنيقة. كل شيء في المكان كان يشير إلى الثراء، إلى حياة وفيرة لا ينقصها شيء مما قد يتمناه الآخرون.

حتى الأشياء التي لم تكن تحتاج إليها، كانت تملك منها الكثير.

لكنها، وسط كل ذلك، لم تجد شيئًا واحدًا تستطيع أن تشعر بأنه يمنحها الأمان.

تأملت يديها طويلًا، ثم رفعت عينيها نحو المرآة المقابلة. رأت وجهًا شاحبًا، وعينين أرهقهما السهر والبكاء، وملامح تحاول أن تبدو طبيعية رغم كل ما تخفيه.

تعليقات



<>