
رواية بين عينيك وطن الفصل الثاني2بقلم ملك احمد محمد
التفت ببطء نحو مصدر الصوت، وقد ارتسمت على ملامحه علامات الضيق، قبل أن تقع عيناه على صديقه الذي كان يقترب منه بخطوات هادئة، وكأن شيئًا لم يحدث.
رفع حاجبه وهو ينظر له ، ثم ألقى نظرة سريعة على ساعة يده.
ـ راكان : أهلًا يا أستاذ زياد.
ابتسم زياد ابتسامة مرتبكة، وهو يحاول أن يبدو طبيعيًا أمام النظرات التي يعرف جيدًا معناها.
ـ زياد : معلش يا عم، آسف إني اتأخرت شوية.
توقفت يد راكان عن تقليب الأوراق التي يحملها، ورفع عينيه إليه ببطء.
ـ راكان : شوية؟
ـ زياد : أيوه، يعني الطريق كان زحمة شوية، وبعدين حصلتلي حاجة كده عطلتني...
قاطعه راكان وهو يرفع ساعته أمامه.
ـ راكان : حضرتك متأخر ساعتين بحالهم، يا أستاذ! ساعتين يا زياد، مش عشر دقايق ولا ربع ساعة.
زفر زياد بضيق، ثم مرر يده في شعره محاولًا إنهاء الحديث قبل أن يتحول إلى محاضرة جديدة عن الالتزام بالمواعيد.
ـ زياد : طب خلاص يا سيدي، حصل خير. أنا هروح أبدأ شغل أهو.
ـ راكان : حصل خير بالنسبة لك، إنما مش بالنسبة للشغل. إحنا مش جايين هنا نقضي وقت، وكل دقيقة بتضيع ممكن تعطلنا عن تسليم المشروع في معاده.
ـ زياد : يا عم حاضر، والله ما هتتكرر.
نظر إليه راكان لثوانٍ، ثم أعاد الأوراق إلى الملف الذي يحمله.
ـ راكان : أتمنى فعلًا إنها ما تتكررش.
تحرك زياد ليغادر، لكنه توقف فجأة، وكأنه تذكر شيئًا مهمًا.
ـ زياد : استنى بس، كنت هنسى أقولك.
التفت إليه راكان بنفاد صبر.
ـ راكان : خير؟
ـ زياد : عمو يحيى عايزك في الشركة.
عقد راكان حاجبيه قليلًا، ثم نظر إلى موقع البناء الممتد أمامه، حيث كان العمال يتحركون بين المعدات، وأصوات الآلات تملأ المكان.
ـ راكان : دلوقتي؟
ـ زياد : معرفش، بس هو كلمني من شوية وقال لي أول ما أشوفك أقولك تيجي له.
أومأ راكان برأسه، ثم أغلق الملف الذي كان يتفحصه.
ـ راكان : ماشي، هروح له وأشوف عايز إيه.
ـ زياد : طب وأنا؟
نظر إليه راكان نظرة جانبية.
ـ راكان : إنت؟ روح اشتغل، وحاول تعوض الساعتين اللي ضاعوا منك.
ضحك زياد بخفة وهو يرفع يديه مستسلمًا.
ـ زياد : حاضر يا باشمهندس، أوامرك!
لم يرد راكان، واكتفى بابتسامه قبل أن يتحرك نحو سيارته.
كان يعرف أن والده لا يستدعيه إلى الشركة في منتصف يوم العمل دون سبب، ويعرف أيضًا أن ذلك الرجل لا يحب تأجيل أي شيء إلى الغد، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمشروع جديد.
لكن ما لم يكن يعرفه، أن تلك الزيارة الصغيرة التي ينتظرها لم تكن سوى بداية سلسلة من الأحداث التي ستقلب الكثير من الأمور رأسًا على عقب.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في دار النشر...
كانت الحركة داخل الدار تسير كعادتها؛ أصوات الموظفين تتداخل مع صوت الطابعة، وأوراق تتنقل من مكتب إلى آخر، ورائحة الكتب القديمة تمتزج برائحة القهوة التي اعتاد العاملون احتساءها في ساعات الصباح الأولى.
وقفت جود أمام أحد المكاتب، تحمل مجموعة من الملفات بين يديها، بينما كانت تراجع بعض الأوراق بعناية شديدة، وكأنها تخشى أن يفوتها تفصيل واحد.
كانت على وشك المغادرة حين سمعت صوتًا يناديها من خلفها.
ـ محمد : استني يا جود!
التفتت إليه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة بسيطة.
ـ جود : نعم يا محمد؟
اقترب منها محمد بخطوات مترددة، ثم توقف أمامها، وكأنه كان يحفظ كلمات معينة طوال الطريق، لكنه نسيها بمجرد أن أصبحت أمامه.
ـ محمد : كنت عايز أقولك حاجة.
رفعت جود حاجبيها باهتمام.
ـ جود : اتفضل، في إيه؟
نظر محمد إلى الأوراق التي تحملها، ثم عاد ببصره إليها.
ـ محمد : بصراحة، أنا من فترة وأنا...
توقف فجأة، وتبدلت ملامحه قليلًا، بينما كانت هي تنتظر أن يكمل حديثه.
ـ جود : اتفضل ....
فتح فمه ليجيب، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة، وألقى نظرة سريعة حوله.
ـ محمد : يعني... كنت عايز أتكلم معاكي في موضوع كده.
ابتسمت جود
ـ جود : طب ما تتكلم يا محمد ...
ضحك بخفة، لكن التوتر ظل واضحًا في عينيه.
ـ محمد : لا، طبعًا، بس الموضوع مش سهل أوي زي ما إنتِ فاكرة.
وقبل أن يتمكن من قول المزيد، جاءها صوت إحدى الموظفات من داخل المكتب.
ـ الموظفة : يا جود، لو سمحتي، محتاجينك هنا ضروري!
التفتت جود ناحية الصوت، ثم أجابت:
ـ جود : حاضر، دقيقة جاية!
عادت تنظر إلى محمد، وكأنها تعتذر له عن المقاطعة.
ـ جود : اتفضل، أنا سامعاك.
صمت محمد للحظات، يتأمل ملامحها التي بدت طبيعية تمامًا، بينما كان هو يخوض معركة صغيرة مع نفسه، بين رغبته في قول ما يريد، وخوفه من رد فعلها.
وفي النهاية، أطلق تنهيدة قصيرة، ثم هز رأسه.
ـ محمد : خلاص، بعدين مش مشكلة.
عقدت جود حاجبيها باستغراب.
ـ جود : متأكد؟
ـ محمد : أيوه، متقلقيش. لما يبقى فيه وقت مناسب هبقى أقولك.
نظرت إليه قليلًا، ثم ابتسمت ابتسامة هادئة.
ـ جود : براحتك، بس متجيش بعدين تقول لي إني مش بسمعك.
ـ محمد : حاضر يا ستي
ابتسمت ثم تحركت نحو المكتب الذي ناداها أصحابه، بينما ظل محمد واقفًا مكانه يتابعها بعينيه.
كانت خطواتها سريعة، تحمل أوراقها بإحدى يديها، وتلقي التحية على الموظفين في طريقها، قبل أن تختفي خلف أحد الأبواب.
خفض محمد عينيه، ثم نظر إلى الأوراق التي كانت بين يديه.
ـ محمد : بعدين يا محمد... لما تلاقي الشجاعة الكافية.
أطلق تنهيدة أخرى، وعاد إلى مكتبه محاولًا التركيز في عمله.
أما جود، فلم يكن لديها وقت للتفكير في حديثه الغامض؛ فقد كانت هناك عشرات المهام التي تنتظرها، ومشكلات صغيرة لا تنتهي داخل الدار.
وكانت آخر ما تتوقعه أن مشكلة جديدة ستطرق باب المكان بعد وقت قصير
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في شركة المهندس يحيى...
توقفت سيارة سوداء أمام المبنى الزجاجي الضخم، ونزل منها راكان كان يرتدي قميصًا أسود وبنطالًا أنيقًا، ويحمل في يده الجاكيت الخاص ببدلته.
أغلق باب السيارة، ثم رفع عينيه نحو المبنى للحظة، قبل أن يتجه إلى الداخل بخطوات واثقة.
كان يعرف المكان جيدًا؛ فقد اعتاد التردد عليه منذ سنوات، لكنه لم يعتد يومًا على قواعد والده الصارمة، خصوصًا تلك المتعلقة بالمظهر والانضباط.
وما إن وصل إلى الطابق الذي يوجد به مكتب والده، حتى أبطأ خطواته قليلًا.
كان على وشك الدخول، لكنه توقف أمام الباب الزجاجي حين وقعت عيناه على الجاكيت الذي يحمله.
تأمله لثوانٍ، ثم أطلق ضحكة خافتة.
ـ راكان : يا ساتر! لو دخلت من غيره، هفضل أسمع محاضرة لحد آخر اليوم.
ارتدى الجاكيت بسرعة، وعدل ياقة قميصه، ثم مرر يده على شعره قبل أن يطرق الباب طرقتين خفيفتين.
ـ يحيى : ادخل.
فتح الباب ودخل، ليجد والده جالسًا خلف مكتبه الكبير، يتفحص بعض الأوراق بتركيز شديد.
رفع يحيى عينيه إليه، ثم أعاد نظره إلى الأوراق التي يحملها، قبل أن يقول بنبرة هادئة:
ـ راكان : أهلًا يا بابا.
لم يرفع والده رأسه في البداية، بل ظل يقلب إحدى الصفحات، ثم قال فجأة:
ـ يحيى : ده على أساس إني مشفتش حضرتك وإنت بتلبس الجاكيت بره؟
توقفت خطوات راكان للحظة، ثم ظهرت ابتسامة على وجهه
ـ راكان : صباح الخير الأول يا باشمهندس!
رفع يحيى رأسه أخيرًا، ونظر إليه نظرة تحمل شيئًا من الجدية وشيئًا من الاعتياد على تصرفاته.
ـ يحيى : صباح النور. وبعدين؟
اقترب راكان من المكتب، ثم جلس على المقعد المقابل له دون أن ينتظر دعوة.
ـ راكان : اعذرني بقى، بس إنت عارف إني مش بحب الخنقة. يعني هو لازم الجاكيت يفضل عليَّ طول الوقت؟ ده أنا كنت هختنق من الحر بره.
ـ يحيى : يا حبيبي، إنت ابن مهندس معروف، وبتتعامل مع شركات وعملاء، فلازم تهتم بمظهرك. الناس مش بتبص للشغل بس، ساعات كتير بتاخد انطباعها الأول من الشخص اللي قدامها.
ـ راكان : تمام يا سيدي، هنراعي الانطباعات من هنا ورايح.
قالها بابتسامة مستفزة قليلًا، فرفع والده حاجبه.
ـ يحيى : بلاش الهزار وتعالى ندخل في الموضوع اللي جايبك عشانه.
اعتدل راكان في جلسته، وقد اختفت ابتسامته تدريجيًا.
ـ راكان : اتفضل، سامعك.
أخرج يحيى ملفًا من الدرج، ووضعه أمامه، ثم فتحه على مجموعة من الصور والمخططات الهندسية.
ـ يحيى : إحنا داخلين على مشروع جديد، وعايزين نبدأ فيه خلال الفترة الجاية. المكان اللي اخترناه مناسب جدًا، وموقعه ممتاز، لكن فيه مشكلة صغيرة لازم نحلها الأول.
اقترب راكان من الملف، وأخذ يتفحص الصور واحدة تلو الأخرى.
ـ راكان : مشكلة إيه؟
ـ يحيى : المكان فيه مبنى قديم، ولازم يتشال علشان نقدر ننفذ المشروع بالشكل اللي إحنا مخططين له.
قلب راكان إحدى الصفحات، ثم توقف عند صورة واجهة مبنى قديم.
ـ راكان : طيب، ما دام المكان مناسب، إيه المشكلة؟ نقدر نبدأ إجراءاتنا ونشوف التصاريح المطلوبة.
ـ يحيى : الموضوع مش بالبساطة دي. المكان تابع لدار نشر، وأصحابه متمسكين بيه، ومش موافقين على فكرة إن المبنى يتشال.
رفع راكان عينيه عن الملف.
ـ راكان : دار نشر؟
ـ يحيى : أيوه. والمطلوب منك إنك تروح لهم، وتتكلم معاهم، وتحاول توصل لحل مناسب.
ـ راكان : يعني عايزني أقنعهم يوافقوا على هدم المكان؟
ـ يحيى : بالضبط.
صمت راكان للحظات، ثم عاد يتأمل الصور أمامه.
كان المبنى قديمًا بالفعل، وواجهته تحتاج إلى ترميم، لكن ذلك لم يكن كافيًا بالنسبة إليه ليقرر أن هدمه هو الحل الوحيد.
ـ راكان : طب ما فكرتش إنهم ممكن يكونوا رافضين علشان المكان ليه قيمة عندهم؟ مش كل حاجة قديمة تبقى لازم تتشال.
نظر إليه يحيى باهتمام، وكأنه لم يتوقع أن يسمع منه ذلك الاعتراض.
ـ يحيى : أنا مقدر ده، وعشان كده طلبت منك تتكلم معاهم الأول. إحنا مش داخلين نفرض نفسنا على حد، لكن لازم نوصل لحل يخدم المشروع.
ـ راكان : تمام، هروح أشوف الموضوع بنفسي. بس لو فيه إمكانية إننا نلاقي حل من غير هدم، يبقى أحسن.
أغلق يحيى الملف، ثم دفعه ناحيته.
ـ يحيى : دي حاجة ترجع لدراستك للمكان، لكن متنساش إنك رايح تمثل الشركة، مش رايح تتفرج على مبنى قديم.
ابتسم راكان وهو يأخذ الملف.
ـ راكان : متقلقش يا باشمهندس، هعرف أتصرف.
ـ يحيى : أنا معتمد عليك.
نهض راكان من مكانه، ثم اتجه نحو الباب، لكنه توقف قبل أن يخرج.
ـ راكان : على فكرة، لو أصحاب الدار دول رفضوا الكلام معايا، هنعمل إيه؟
ـ يحيى : حاول الأول، وبعدين ابقى اسأل.
هز راكان رأسه باستسلام.
ـ راكان : تمام
خرج راكان وأغلق الباب خلفه، ثم نظر إلى الملف الذي يحمله.
لم يكن متحمسًا كثيرًا لهذه المهمة، لكنه كان يعرف أن إقناع أصحاب المكان لن يكون صعبًا إلى الحد الذي يتخيله والده.
ففي النهاية، هو يتعامل مع الأرقام والمخططات والمساحات، ويعرف كيف يجد حلولًا للمشكلات المعقدة.
لكن ما لم يدركه بعد، أن أصعب ما سيواجهه في ذلك المكان لن يكون مبنى قديمًا، ولا مشروعًا متعثرًا.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في صباح اليوم التالي...
نزل راكان من غرفته مرتديًا ملابس رياضية مريحة، بينما كان يمرر يده في شعره محاولًا إعادته إلى وضعه المعتاد.
كان المنزل هادئًا في ذلك الوقت من الصباح، ولم يكن يُسمع سوى أصوات خفيفة قادمة من المطبخ، حيث كانت والدته تستعد ليومها.
وما إن وصل إلى أسفل الدرج، حتى وجدها تقف بالقرب من طاولة الطعام.
ابتسم وهو يتجه نحوها.
ـ راكان : صباح الخير ...ازيك ؟
التفتت إليه والدته، وارتسمت على وجهها ابتسامة دافئة.
ـ والدته : صباح النور يا ولدي، أنا بخير ولله الحمد. إنت كيفك يا حبيبي؟
ـ راكان : الحمد لله، تمام.
اقترب منها وقبّل رأسها، ثم اتجه نحو الطاولة ليأخذ زجاجة المياه الخاصة به.
ـ والدته : وش هالطلعة من بدري؟ ما تقعد تفطر معنا أول؟
ـ راكان : معلش يا ماما، عندي شوية شغل بابا طلب مني أخلصه، وعايز أروح أشوف المكان قبل ما الدنيا تزحم.
ـ والدته : طيب يا حبيبي، اصبر شوي. أجهز لك فطور تاكله قبل لا تطلع.
ـ راكان : مش هتعب نفسي، هاكل حاجة بره.
نظرت إليه والدته بعتاب خفيف.
ـ والدته : يا ولدي، كل يوم تقول لي إنك بتاكل بره، وبعدين ترجع آخر اليوم وأنت ما أكلت زين. كذا ما يصير يا حبيبي، لازم تهتم بنفسك.
ضحك راكان وهو يقترب منها.
ـ راكان : خلاص يا ستي، أوعدك هاكل. كده رضيتي؟
ابتسمت له والدته، ثم رفعت يدها لتعدل ياقة قميصه الرياضي.
ـ والدته : الله يهديك يا حبيبي، أنا ما أبي منك إلا إنك تهتم بنفسك وتريح بالي عليك.
ـ راكان : عارف والله يا حبيبتي
ـ والدته : الله يوفقك ويسهّل لك أمورك، ويفتحها بوجهك يا رب، ويحفظك من كل شر.
ـ راكان : آمين يا رب.
أخذ مفاتيح سيارته من فوق الطاولة، ثم اتجه نحو الباب.
وقبل أن يخرج، التفت إليها مرة أخيرة.
ـ راكان : محتاجة حاجة وأنا راجع؟
ـ والدته : سلامتك يا ولدي
ـ ابتسم لها و خرج
خرج من المنزل، واتجه نحو سيارته، ثم استقلها وانطلق إلى وجهته.
طوال الطريق، كان يفكر في المهمة التي كلفه بها والده، محاولًا ترتيب النقاط التي سيبدأ بها حديثه مع أصحاب الدار.
كان يفضل دائمًا أن يعرف كل شيء عن المكان قبل أن يتخذ أي قرار، ولذلك قرر أن يذهب بنفسه، ويتفحص المبنى من الخارج والداخل، ثم يبدأ حديثه مع المسؤولين عنه.
أوقف سيارته بالقرب من المبنى، وأطفأ المحرك، ثم حمل الملف من المقعد المجاور له.
ترجل من السيارة، وأغلق الباب، قبل أن يرفع عينيه نحو الواجهة القديمة التي ظهرت أمامه.
تأملها للحظات، ثم عقد حاجبيه.
ـ راكان : هو ده المكان؟!
كانت الواجهة مختلفة تمامًا عن المباني الحديثة التي اعتاد التعامل معها؛ جدران قديمة تحمل آثار الزمن، ونوافذ خشبية، وباب واسع بدا أنه شهد سنوات طويلة من العمل والحكايات.
لم يكن المكان فخمًا، لكنه امتلك طابعًا خاصًا، جعل راكان يتوقف للحظات أطول مما توقع.
رفع الملف أمامه، ليتأكد من العنوان المكتوب في الصفحة الأولى، ثم أعاده إلى يده.
ـ راكان : أهو، نفس العنوان. بس المكان شكله قديم أوي.
تقدم نحو الباب، وهو يفكر في الطريقة التي سيبدأ بها حديثه مع المسؤولين.
لم يكن يحب المقدمات الطويلة، وكان يفضل الدخول في صلب الموضوع مباشرة، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالعمل.
لكن قبل أن يمد يده نحو الباب، جاءه صوت من خلفه
ـ جود : استنى عندك!
توقف راكان في مكانه، والتفت ببطء نحو مصدر الصوت.
وجد فتاة تقف على بعد خطوات منه، تحمل مجموعة من الأوراق بين ذراعيها، وتنظر إليه بتركيز واضح.
كانت ترتدي ملابس بسيطة ، وقد انسدل شعرها الأسود حول وجهها، بينما انعكست أشعة الشمس على عينيها البنيتين الواسعتين.
لم تكن ملامحها لافتة بطريقة مبالغ فيها، لكنها امتلكت نظرة يصعب تجاهلها؛ نظرة تجمع بين الثقة والحدة
رفع راكان حاجبه باستغراب، ثم أشار إلى نفسه.
ـ راكان : بتكلميني أنا؟
اقتربت منه الفتاة خطوتين، دون أن يبدو عليها أي تردد.
ـ جود : أيوه، إنت. هو أنا شايفة حد غيرك واقف هنا؟
نظر راكان خلفه للحظة، ثم عاد ينظر إليها.
ـ راكان : لا، أصل كنت فاكر إنك بتكلمي حد تاني.
ـ جود : لأ، بكلم حضرتك. اتفضل.
قالتها وهي تمد يدها بالأوراق التي تحملها، ثم أشارت إلى الباب برأسها.
ـ جود : امسك، بص دي الأوراق اللي عايزة تتطبع. دخلهم جوه يلا، علشان محتاجاهم بسرعة.
ظل راكان واقفًا مكانه، محدقًا في الأوراق التي امتدت نحوه، ثم رفع عينيه إليها ببطء.
لم يستوعب في البداية ما تقوله، وظن أنه ربما أساء فهم كلماتها.
ـ راكان : نعم؟!
أشارت إلى الأوراق مرة أخرى، وكأنها تتعامل مع شخص لا يفهم أبسط التعليمات.
ـ جود : الأوراق يا أستاذ، خدها.
ـ راكان : إنتِ بتتكلمي جد؟
نظرت إليه باستغراب.
ـ جود : أيوه، هو فيه إيه؟
ألقى راكان نظرة على ملابسه، ثم عاد ينظر إليها، قبل أن يشير إلى الملف الذي يحمله.
ـ راكان : طب بصي كده، أنا شكلي واحد جاي يشتغل عندك في المطبعة مثلًا؟
رمشت الفتاة بعينيها مرتين، ثم نظرت إلى الملف الذي يحمله، قبل أن تعود إلى وجهه.