رواية بياع الفاكهة الفصل الثالث3بقلم ايه شاكر
- أنا عارف إني غلطت وعارف إني مكنش المفروض أسيبك، بس والله أنا لسه بحبك.
بصيتله باستغراب وقلت:
- مش إنت متجوز؟!
- أيوه، بس... أنا مش مرتاح، وكل يوم بتأكد إني خسرتك، أنا عاوزك ترجعي لحياتي، حتى لو زوجة تانية، المهم متبعديش عني.
في اللحظة دي افتكرت كلام الحجة سندس، وابتسمت بسخرية:
- بس أنا مش عاوزاك يا أدهم، لا زوجة أولى ولا تانية، وياريت متحاولش تكلمني تاني.
كنت واخده بالي من نظراته ليه، كان بيبص في وشي بعمق وكأنه بيتأكد أنا كويسه ولا تعبانه...
وسبته ومشيت بسرعه، وأنا مستغربة إزاي كنت في يوم من الأيام شايفة إن ده الإنسان اللي مش هقدر أعيش من غيره!
وعشان متقابلش معاه تاني، قررت ألف من شارع تاني أول مره أمشي منه، وأنا ماشية سمعت صوت ست بتنادي على شاب:
يلا يا شَريف، اتأخرنا يا حبيبي!
- حاضر يا ماما، جايلك أهو.
الاسم رن في وداني، فوقفت مكاني... شَريف؟!
افتكرت كلام الحجة سندس:
«وقريب هيدق بابك شَريف، وإياكي ترفضيـه، ده رزقك الحلو في الدنيا»
لفيت وشي ناحية الصوت، وفضلت أدور بعيني على الشخص اللي بتنادي عليه الست...
لحد ما ظهر من ورا عربية راكنة، وهو بيعدل نظارته بإيده...
اتسعت عيني وأنا ببصله بذهول، ولما التفت وبص ناحيتي، ظهرت عليه الصدمة هو كمان..
فضلنا للحظات باصين لبعض، مش قادرين نتحرك، ولا نبعد عيوننا عن بعض..
كنت حاسة إن حد مكتفني ورجلي لاصقه في الأرض... زقلبي بيدق أسرع من أي وقت فات!
هو ده... نفس الشاب الغريب اللي شوفته عند سند بياعة الفاكهة!
وطلع اسمه شَريف!
ومتحركتش من مكاني غير لما لاحظت إن والدته بدأت تركز إن نظراته عليا فيصت ناحيتي... ساعتها ارتبكت، ونزلت عيني وأخيرًا رجلي اتحركت ومشيت من قدامهم...
ــــــــــــــــــ
- مين دي يا شريف؟ إنت تعرفها؟!
بصيت لأمي:
- هي دي يا أمي اللي كنت بحلم بيها بقالي فتره، واللي بتمد إيديها ليا وتقول: محتاجالك! أنا مش قادر أفهم إيه اللي بيحصلي!
قلتها وأنا بمسح على شعري بحيرة، فابتسمت أمي:
- بس واضح إنها هي كمان تعرفك... تكونش بتحلم بيك هي كمان؟
وبدأت تغني وهي بتضحك: بحلم بيك أنا بحلم بيك!
وضحكت على ضحكتها...
الحقيقة إني كنت منجذب للبنت دي بطريقة غريبة، رغم إني خاطب، والمفروض أكون مشغول بخطيبتي ومفكرش في حد غيرها!
أنا خاطب بقالي تلات شهور، بعد ما فركشت تلات مرات قبل كده من غير أسباب منطقية... فجأة أهل البنت يتصلوا ويقولوا: كل شيء قسمة ونصيب!
ودلوقتي برضه مش مرتاح مع خطيبتي، لكن مكمل وخلاص، وحاسس إن هي كمان مش مرتاحة، ومستني في أي لحظة أسمع نفس الجملة المعتادة: كل شيء قسمة ونصيب!
وحقيقي، لو مكنتش خاطب، كنت هفكر في البنت اللي كانت واقفة قدامي من شويه..
من أول مرة شوفتها فيها عند بياعة الفاكهة، لفتت انتباهي بشكل غريب، وفضلت صورتها في دماغي..
والأغرب من كده إني بقيت أحلم بيها كل ليلة تقريبًا، لمدة شهر كامل، وفي كل حلم كانت بتقول نفس الكلمة: «محتاجالك». ومش بتقول حاجة تانية، ولا حتى بتشرح هي محتاجالي في إيه!
على العموم أنا أقنعت نفسي إنه أكيد عقلي الباطن وكلها أضغث أحلام... هو من يوم ما شوفتها وعقلي الباطن بيألف لا إرادي مني..
والنهارده كنا رايحين نزور خطيبتي، وهما اللي طلبوا إن أمي تيجي معايا... لكن كان عندي إحساس إن الخطوبة دي مش هتكمل زي اللي قبلها بالظبط.
وفعلًا، الخطوبة اتفسخت، والعروسة قالت إنها مش مرتاحة ومش حاسة إنها عاوزة تكمل! وإديني الدهب والهدايا الي جيبتهالها...
وقتها حسيت إن فيه حاجة مش طبيعية بتحصلي، لكن مكنتش عارف أفسرها...
وفي نفس اليوم، وإحنا راجعين، أمي طلبت مني نعدي على بياعة الفاكهة، الحجة سندس، وحكتلي إنها قالتها على الخطوبه دي مش هتكمل...
الست دي غريبة فعلًا، وكل مرة قبل ما أفركش كانت بتقولي إني مش هكمل، وفعلاً مكنتش بكمل! بس يمكن صدفه مش أكتر... أنا مش برتاح للست دي لكن أمي كانت بتحبها ومش بتاكل فاكهه إلا من عندها، وأول ما سندس شافتنا قالت بابتسامة:
- يا أهلاً يا أم شريف، منورين! رايحين فين كده؟
ردت أمي:
- احنا جايين يا ستي... شريف فركش تاني!
ضحكت سندس وهي بتوزنلنا فاكهة من غير ما نطلب وقالت:
- ما أنا قولتلك فيه حد موقف حال ابنك، مش مصدقاني!
رديت بسخرية:
- يا حاجة، مفيش الكلام ده... أنا بس عايز أعرف إنتي إزاي بتعرفي إني هفركش؟
بصتلي بثقة وقالت:
- كل مره بقراها في وشك!
وبعدين بصت لأمي وقالت بجدية:
- طيب، بلاش الكلام اللي ابنك مش بيصدقه ده، أنا عندي له عروسة تانية، ومتأكدة إنها هتعجبكم والموضوع هيكمل.
وقبل ما أمي ترد اتدخلت أنا بسرعة:
- أنا أصلًا مش عايز عرايس دلوقتي!
ابتسمت سندس وهي بتحط الفاكهة في الكيس:
- اسمع بس كلامي المرة دي، ولو الموضوع تم يبقى ليا الحلاوة... بس أهم حاجة مش عايزة أظهر في الصورة دلوقتي أنا هقول لصاحب القهوه اللي تحت بيتهم هياخدلكم الميعاد ويتفق معاكم على كل حاجه.
ردت أمي بحـ.ـماس:
- ماشي يا حاجة، ولو الموضوع تم ليكي عندي هدية حلوة...
فضلت أبص لهم بالتبادل وأنا مش مقتنع...
إيه الست الغريبه العجيبه دي؟!
مش عارف أمي بتحبها وبتصدق كلامها إزاي!
بس أنا... كدا عرفت سر الدهب اللي لابساه في ايديها... الست دي تبان من بره بياعة فاكهه لكنها في الأصل خاطبه... بتوفق راسين في الحلال وتاخد الحلاوة..
وفضلت سندس تتكلم مع أمي عن البنت، وتوصفلها أخلاقها وأهلها، لحد ما أمي اقتنعت ووافقت.
أما أنا، فمكنتش موافق نهائي، وكنت مركز مع الدهب اللي في ايديها.. وبفكر أشتغل الشغلانه دي أوفق راسين في الحلال وأخد الحلاوة... دا أنا لو عملت كده هكسب كتير وكله بما يرضي الله..
انتبهت لما غمزتني والدتي عشان نمشي...
ولما لقيت أمي مصممة، قررت أريحها وأروح أشوف العروسة، مع إني من جوايا كنت ناوي أرفض... ما هو مش منطقي أفركش النهارده وأروح أتقدم لعروسه تانيه بكره! هو صحيح العمر بيجري وأنا هدخل التلاتين بعد إسبوع لكن دا مش مبرر برده...
تاني يوم بعد العشاء..
روحنا بيت العروسة اللي سندس رشحتهالنا...
ومجرد ما دخلت البيت، حسيت بإحساس غريب... كأن المكان مألوف بالنسبالي، وكأني دخلت بيتي!
استقبلنا والدها بترحاب، وقعدنا شوية نتكلم في أمور عامة، وبعدها نادى على بنته عشان تقعد معانا..
وأول ما دخلت، ورفعت عيني أبصلها حصلت حاجة مكنتش متوقعها أبدًا!
دي هي! نفس البنت اللي بحلم بيها! معقول؟!
البنت أول ما شافتنا، وشها اتخطف، وفضلت واقفة على عتبة الباب متنحة، وكأنها شافت عـ.ـفريت!
وأنا كمان اتصدمت، وقمت وقفت من غير ما أحس، ولقيتني باخد منها الصينيه اللي عليها كوبايات العصير وبحطها على الترابيزة...
مش عارف عملت كده إزاي، ولا حتى إمتى!
بصيت لأمي، لقيتها بتبصلي باستغراب، حقها تستغرب أنا نفسي مستغرب، هو أنا بعمل ايه؟!
رجعت بصيت للبنت اللي لسه واقفة مكانها، لحد ما انتبهت لصوت والدها وهو بيقول:
- تعالي يا إقبال، سلمي على الحاجة.
اسمها كان غريب، وأول مرة أسمعه... إقبال!
وكمل والدها:
- على فكرة، بنتي اسمها ريم، بس أنا بحب أناديها باسم أمي، لأنها شبهها سبحان الله... نسخة من أمي.
كنت مركز مع إقبال، أو ريم، وهي بتسلم على أمي، وحسيت إن والدها لاحظ إني ببصلها كتير، لأني مكنتش قادر أشيل عيني من عليها...
لكن أنا كنت مذهول مش أكتر!
ولما أمي غمزتلي، اتعدلت في قعدتي، ونزلت عيني للأرض، وسكت خالص...
