رواية ضغينة قلب الفصل الرابع4بقلم رقية الانصاري
_ هو ابوكي مقالكيش انهم كانوا صحاب كلهم زمان؟
_ يعني إيه كانوا صحاب يا ماما.
ماما رفعت عينيها وبصتلي باستغراب.
_ يعني كان صاحبهم يا ملك هو إنتي مستغربة ليه.
_ أصل بابا عمره ما جاب سيرة إن عمو شريف كان يعرف عاصم السيوفي.
_ ما هو أبوكي عمره ما كان بيحكي عن الفترة دي أصلًا.
سكت شوية وأنا بفكر، وماما رجعت تقلب في صور الهدايا اللي كنا بنختار منها، لكني مكنتش مركزة معاها خالص.
_ طب هو عمو شريف كان بيشتغل إيه وقتها.
_ والله يا بنتي مش فاكرة التفاصيل دي كلها بس كان عنده شغله وكان بيتعامل مع شركة أبوكي وعاصم كتير.
_ وكانوا أصحاب للدرجة دي.
ماما رفعت عينيها ليا تاني.
_ أيوه يا ملك إحنا كنا بنخرج مع بعض ونتعزم عند بعض كمان هو إنتي بتسألي الأسئلة دي كلها ليه.
اترددت لحظة قبل ما أرد، لأني مكنتش عايزة أخبي عنها، وفي نفس الوقت مكنتش عارفة أحكيلها إيه من غير ما أقلقها.
_ مفيش بس كنت بفكر في الكلام اللي سمعته من بابا وشريف.
ماما اتنهدت وحطت الموبايل جنبها.
_ يا حبيبتي أنا عارفة إن الموضوع شاغلك بس متعيشيش نفسك وسط مشاكل حصلت من سنين.
_ أنا مش عايزة أعيش نفسي وسط حاجة يا ماما بس إنتي مش شايفة إن كل ما بسأل بابا عن حاجة بيتهرب مني.
_ يمكن عشان الموضوع بيوجعه.
_ طب وزين الموضوع مبيوجعوش.
بصتلي شوية، وبعدها قالت بهدوء.
_ أنا مقولتش كده.
_ أنا بس حاسة إن فيه حاجة مش مفهومة وكل الناس عارفاها إلا أنا.
ماما مدت إيدها ومسكت إيدي.
_ إنتي مش مطالبة تحلي مشاكل الكبار يا ملك.
_ عارفة بس أنا كمان مش عايزة أبقى شغالة مع حد ممكن يكون أبويا ظلمه وأنا مش عارفة.
_ ومش عايزاكي تظلمي أبوكي لمجرد إنك سمعتي كلام ناقص.
هزيت راسي، وهي كان معاها حق في النقطة دي…مهما كنت متضايقة من بابا مكنتش أقدر أحكم عليه من مكالمة سمعتها بالصدفة ولا أقدر أروح لزين أقوله على حاجة أنا نفسي مش فاهمة معناها.
غيرنا الموضوع ورجعنا نختار هدية خالتو، وبعد شوية طلعت أوضتي وأنا مقررة إني أسيب الحكاية دي شوية لحد ما أعرف أفكر فيها بعقل، بدل ما أفضل طول الوقت بسأل نفس الأسئلة ومبوصلش لأي حاجة.
تاني يوم الصبح، أول ما وصلت المكتب، لقيت ليلى بتتصل بيا، فرديت وأنا بحط الشنطة على الكرسي.
_ أيوه يا ست ليلى.
_ صباح النور يا حبيبتي إنتي وصلتي.
_ أيوه لسه داخلة.
_ طب أنا عايزة أعرف إنتي عملتي إيه في موضوع باباكي.
قعدت وفتحت اللابتوب.
_ ولا حاجة.
_ يعني إيه ولا حاجة.
_ يعني اتكلمنا واتخانقنا ورجعنا نتعامل عادي من غير ما نجيب سيرة الموضوع.
ليلى سكتت شوية.
_ طب وإنتي مرتاحة لكده.
_ لا بس مش عارفة أعمل إيه تاني.
حكيتلها عن اللي سمعته بخصوص التوقيع، وعن كلام ماما إن شريف كان يعرف عاصم السيوفي من زمان، ولأول مرة وأنا بحكي بصوت عالي حسيت قد إيه الحكاية معقدة.
_ استني بس يا ملك يعني شريف قال إن التوقيع مش توقيع الراجل الحقيقي.
_ أيوه.
_ وباباكي قال إيه.
_ كلام كتير عن تفويضات وموافقات بالكلام بس في الآخر مجاوبنيش مين اللي مضى.
_ طب بصي أنا مش هقولك تنسي الموضوع عشان واضح إنه كبير بس برضو متعمليش حاجة من ورا أبوكي وإنتي مش عارفة الحقيقة.
_ يعني أعمل إيه.
_ متعمليش حاجة دلوقتي أصلًا وركزي في شغلك ولما يبقى فيه فرصة تتكلمي معاه بهدوء اتكلمي.
اتنهدت.
_ أنا أصلًا مش عايزة أخسر علاقتي بيه بسبب حاجة حصلت وأنا صغيرة.
_ يبقى متستعجليش.
سكتنا لحظة، وبعدها ليلى غيرت نبرتها فجأة.
_ المهم قوليلي أخبار المهندس اللي بيزعقلك كل يوم إيه.
ضحكت.
_ بطل يزعق الحمد لله.
_ يا خسارة كنت بدأت أحب الحكايات دي.
_ لا متقلقيش هو لسه مستفز بس بقى بيستفزني بأدب.
ليلى ضحكت بصوت عالي.
_ طب وصاحبه الحلو.
_ سليم.
_ هو فيه غيره.
_ كويس جدًا الحمد لله.
_ إنتي بقيتي بتمدحي فيه كتير على فكرة.
بصيت للموبايل باستغراب.
_ يا بنتي عشان هو فعلًا كويس.
_ ماشي يا ستي.
ضحكت وأنا بقفل الملف اللي قدامي.
_ روحي شوفي وراكي إيه بدل التحقيق ده.
_ حاضر يا قلب ليلى خلي بالك من نفسك.
قفلت معاها، وبدأت أراجع مواعيد اليوم، وكان عندي معاينة مهمة في الدور الرابع، فجمعت الرسومات وأخدت التابلت ونزلت.
وطبعًا أول ما وصلت اكتشفت إني نسيت الملف المطبوع اللي فيه النسخة المعتمدة.
وقفت قدام الأسانسير أبص في الشنطة كأني متوقعة الملف يظهر لوحده، ولقيت سليم جاي من آخر الممر وماسك قهوته.
_ صباح الخير يا ملك.
رفعت عيني له وأنا متضايقة.
_ صباح النور.
وقف قدامي وبص للشنطة المفتوحة.
_ إيه بتدوري على ايه.
_ بدور على مخي.
ضحك.
_ ليه بس.
_ نسيت الرسومات اللي المفروض أراجع عليها فوق.
بص للتابلت اللي في إيدي.
_ طب ما معاكي نسخة إلكترونية.
_ أيوه بس الاستشاري طالب النسخة المعتمدة اللي عليها الملاحظات الأخيرة وكنت طبعا طبعاها وسايباها على مكتبي.
سليم شرب من قهوته وهو مبتسم.
_ طب ما ترجعي تجيبيها.
_ الاجتماع بعد خمس دقايق والمكتب في المبنى التاني.
_ الله عليكي.
بصيتله بغيظ.
_انت مبسوط بالمصيبة دي.
ضحك.
_ لا والله بس إنتي اللي مكبرة الموضوع.
طلع موبايله وفتح النظام اللي بنحفظ عليه ملفات المشروع.
_ بصي النسخة المعتمدة موجودة هنا ومعاها كل الملاحظات هنفتحها على التابلت ولما نحتاج نثبت حاجة نرجع للأصل.
بصيتله باستغراب.
_ هو انت حافظ مكان كل الملفات.
_ بحكم إني مضطر أتعامل مع زين بقالنا سنين اتعلمت أبقى مستعد لأي كارثة.
ضحكت.
_ ربنا يقويك.
_ آمين يا رب.
فتحلي الملف المطلوب واتأكدنا إن كل التعديلات موجودة وبعدها اتحركنا ناحية الغرفة اللي فيها المعاينة.
وقبل ما ندخل، سليم وقف ومدلي كوباية تانية كانت في إيده ومخدتش بالي منها.
_ اتفضلي.
بصيت للكوباية وبعدين ليه.
_ إيه دي.
_ لاتيه من غير سكر.
أخدتها وأنا مستغربة فعلًا.
_ إنت لسه فاكر.
رفع حاجبه.
_ فاكر إيه.
_ إني بشربه من غير سكر.
_ أيوه يعني هو أنا عندي فقدان ذاكرة.
ضحكت وأنا ببص للكوباية.
_ لا أصل أنا نفسي ساعات بنسى حاجات تخصني.
_ خلاص اعتبريها ميزة من مميزاتي الكتير.
_ لا كده واضح إننا محتاجين نقعد نعد المميزات دي.
ضحك وفتح الباب.
_ بعد الاجتماع عشان زين لو لقانا واقفين بنعد مميزاتي هيخصم مني اليوم.
دخلنا وإحنا بنضحك، ولقيت زين واقف قدام الرسومات وبيتكلم مع المهندس المسؤول عن التنفيذ.
أول ما شافنا بص للساعة.
_ حلو إنكم افتكرتوا إن عندنا معاينة.
سليم بصلي بسرعة وبعدها رد.
_ يا عم إحنا متأخرناش.
_ دقيقتين.
بصيت لزين وأنا بحط الكوباية على الترابيزة.
_ هو حضرتك حاسبهم بالثانية.
بصلي بنص ابتسامة.
_ أبدأ أحسبهم بالدقيقة الأول؟
ضحك سليم وأنا كمان، وبعدها بدأنا شغلنا.
الغريب إن اليوم اللي كنت متوقعة يبدأ بمشكلة بسبب الملف اللي نسيته، عدى كويس جدًا، وخلصنا المعاينة من غير أي اعتراضات كبيرة.
ولما رجعت مكتبي بعد الظهر لقيت سليم باعتلي على واتساب جدول الخامات اللي طلبته منه، وتحته رسالة صغيرة.
_ ومتنسـيش الرسومات بكرة يا بشمهندسة.
ضحكت ورديت عليه.
_ حاضر يا أستاذ سليم شكرًا على التذكير.
رد بعدها بثواني.
_ العفو خدمة العملاء متاحة طول الأسبوع.
فضلت أضحك لوحدي شوية، وبعدين رجعت لشغلي.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
عدى أسبوع تقريبًا، وكنا خلصنا مرحلة مهمة من تشطيبات الدور الأول بعد ضغط شغل استمر أيام، وسليم قرر إن الإنجاز العظيم ده يستحق إننا نخرج ناكل سوا بدل ما كل واحد يرجع بيته وينام.
كنت قاعد في مكتبي لما دخل عليا من غير ما يخبط وحط موبايله قدامي.
_ اختار.
بصيتله باستغراب.
_ أختار إيه.
_ مطعم.
_ ليه.
_ عشان هنخرج النهارده.
رجعت بصيت للشاشة.
_ مين اللي هيخرج.
_ أنا وإنت والفريق اللي شغال معانا.
_ وأنا وافقت إمتى.
سليم قعد قدامي وحط رجل على رجل.
_ بص يا زين إحنا بقالنا أسبوعين بنشتغل لحد بعد المغرب والناس تعبت وأنا تعبت وإنت غالبًا متعبتش عشان إنت مش طبيعي بس ده مش معناه إننا منخرجش.
ضحكت وأنا بقفل اللابتوب.
_ يا سلام هو أنا بقيت للدرجة دي.
_ لا إنت محتاج تتعملك صيانة دورية بس.
_ طب روحوا إنتوا وأنا هروح البيت.
_ لا يا حبيبي وجودك مهم.
_ ليه.
_ عشان تحاسب.
بصيتله، فضحك بسرعة.
_ بهزر والله بس بجد أنا عايزك تيجي.
اتنهدت.
_ ماشي يا سليم.
ابتسم ابتسامة واسعة.
_ قلب سليم.
_ عيل ملزق جتك نيله.
قام من مكانه وبدأ يتصل بالناس، وأنا رجعت أخلص شوية شغل قبل ما نمشي.
في حدود الساعة سبعة وصلنا مطعم قريب من المشروع، وكان سليم حاجز ترابيزة كبيرة، وبدأ الفريق يوصل واحد ورا التاني.
ملك وصلت مع زميلة ليها من المكتب الاستشاري، وكانت لابسة بنطلون أسود وقميص بسيط، وشعرها سايب على كتفها، وأول ما دخلت وقفت تبص حوالين المكان لحد ما سليم شاورلها.
_ هنا يا ملك.
قربت وهي مبتسمة.
_ مساء الخير يا جماعة.
ردينا عليها، وقعدت جنب زميلتها في الناحية المقابلة ليا، وسليم بدأ يوزع المنيوهات ويتأكد إن كل الناس طلبت.
بعد شوية واحد من المهندسين بدأ يحكي عن موقف حصل معاه في أول سنة شغل، وإزاي كان بيسأل عن حاجة بسيطة وهو فاكرها مصطلح هندسي معقد، والكل قعد يضحك عليه.
ملك شاركتنا بموقف من أيام الجامعة، وكانت بتحكي بطريقتها اللي بتخلي اللي قدامها يضحك قبل حتى ما توصل لنهاية الحكاية.
_ والله يا جماعة الدكتور دخل علينا مرة وقالنا المشروع اللي هيتسلم بكرة عايز يتعدل من أول وجديد.
واحدة من زميلاتها سألتها.
_ وعملتوا إيه.
_ عملنا اللي أي طلبة محترمين بيعملوه طبعًا.
سليم بص لها وهو مبتسم.
_ عيطتوا.
ضحكت.
_ بالظبط بس بعد العياط اشتغلنا.
الكل ضحك، وملك كملت.
_ أنا فاكرة إني رجعت البيت يومها وقولت لماما إني هسيب الكلية وأفتح محل ورد.
بصيتلها.
_ وكان هيبقى مشروع ناجح على فكرة.
لفت ناحيتي باستغراب.
_ ليه حضرتك شايف إني مش نافعة في الهندسة؟
ابتسمت.
_ لا بس واضح إنك عندك خبرة في التعامل مع الكوارث فهتعرفي تتعاملي مع الزباين.
سليم ضحك، وهي بصتلي بغيظ مصطنع.
_ حضرتك حتى بره الشغل بتعرف تستفز الناس.
_ دي موهبة خلي بالك.
ضحكت وهي بتهز راسها، وبعدها رجعنا نتكلم في حكايات تانية.
القعدة كانت لطيفة بشكل مكنتش متوقعه، ويمكن عشان أول مرة نقعد كلنا من غير ملفات أو مواعيد تسليم أو مكالمات من المقاولين.
حتى ملك كانت مختلفة عن شكلها في الموقع…هناك كانت طول الوقت مستعجلة وبتراجع في الرسومات وبتجادل أي حد مش مقتنعة برأيه، لكن هنا كانت بتضحك براحتها وتحكي عن أهلها وصحابها من أيام الدراسة.
في نص القعدة سليم كان بيحاول يقنعنا نطلب حاجه حلوه وأنا كنت شايف إننا كلنا أكلنا بما فيه الكفاية.
_ يا جماعة إحنا جايين نحتفل ولا نعمل تحليل سكر جماعي.
سليم بصلي.
_ إنت مالك وإحنا هناكل من فلوسك.
_ لا الحمد لله.
ملك رفعت إيدها.
_ أنا مع سليم.
بصيتلها.
_ ما طبعًا لازم تبقي مع سليم.
ضحكت.
_ لا والله أنا بحب الحلو بس.
سليم فتح المنيو وحطه قدامها.
_ايوه بتفهمي.
_ شكرًا يا بشمهندس.
بصيت للاتنين وقلت.
_ اتفقوا براحتكم بس متشتكوش بكرة إنكم مش قادرين تطلعوا السلم.
ملك ضحكت.
_ أنا أصلًا مش هطلع سلم بكرة.
_ ليه.
_ عشان إجازتي.
سليم رفع عينه بسرعة.
_ إجازة.
_ أيوه يا سليم بكرة الجمعة.
الكل ضحك، وأنا بصيت لسليم.
_ واضح إنك محتاج الإجازة فعلًا.
سليم حط المنيو على وشه وهو بيضحك، وفضلنا نهزر عليه شوية.
بعد حوالي ساعتين، الناس بدأت تستأذن وتمشي، وملك كانت واقفة بره المطعم بتكلم ليلى اللي جاية تاخدها عشان يكملوا خروجتهم.
أنا وسليم وقفنا جنب العربيات، وكان بيحكيلي عن موقف حصل في المطعم، ولقيت ملك قربت مننا.
_ أنا همشي بقى تصبحوا على خير.
سليم ابتسم.
_ وإنتي من أهله يا ملك اتبسطي النهارده
_ جدًا بصراحة شكرًا على العزومة.
بصيت لسليم.
_ اشكريه هو أصلًا كان هيهددنا لو مجيناش.
ضحكت ملك.
_ لا يستاهل الشكر والله.
سليم ابتسم.
_ ربنا يخليكي يا بشمهندسة.
سلمت علينا ومشيت ناحية عربية ليلى اللي كانت وصلت، وأنا ركبت عربيتي بعد ما اتفقت مع سليم على معاد بكرة اللي بعد الإجازة.
وأنا راجع البيت افتكرت القعدة وهزار الناس، وحسيت إن سليم كان عنده حق.
يمكن مش كل حاجة لازم تبقى شغل طول الوقت.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
رجع سليم البيت متأخر شوية، ولما دخل لقى أخته مريم قاعدة في الصالون بتتفرج على مسلسل، وحاطة طبق فشار قدامها.
أول ما شافته وقفت المسلسل وبصتله.
_ يا أهلا باللي بنشوفه في المناسبات.
سليم ضحك وهو بيحط مفاتيحه على الترابيزة.
_ يعني ما أنا ببقى في البيت كل يوم.
_ ما أنت بتيجي تنام وتصحى تنزل محدش بيشوفك
قعد جنبها وأخد شوية فشار.
_ طب أنا موجود أهو اتفضلي قولي عايزة إيه.
_ عايزاك تبطل تاكل من الفشار بتاعي.
ضحك وأخد حفنة تانية، فضربته بالمخدة اللي جنبها.
_ سليم.
_ حاضر خلاص.
رجع ضهره للكنبة، ومريم بصتله شوية.
_ إنت مبسوط النهارده حساك.
_ الحمد لله.
_ لا بجد شكلك رايق كده.
ابتسم.
_ خرجنا نتعشى مع فريق المشروع.
_ يا سلام أخيرًا افتكرتوا إن فيه حياة.
_ ما أنا بحاول أقنع زين بالكلام ده من سنين.
ضحكت.
_ وجه معاكم.
_ أيوه بالعافية.
_ طب انبسطت؟
_ آه والله القعدة كانت حلوة.
مريم رجعت تشغل المسلسل، لكن سليم فضل يحكيلها عن المواقف اللي حصلت في المطعم، ولما وصل لحكاية ملك مع دكتور الجامعة ضحك تاني وهو بيفتكرها.
_ والبنت فضلت تحكي بتقول كانت هتسيب الكلية وتفتح محل ورد.
مريم بصتله.
_ بنت مين.
_ ملك مهندسة التصميم اللي معانا.
_ آه.
سكتت لحظة، وبعدها قفلت المسلسل تاني.
_ هي دي اللي إنت قلتلي عليها قبل كده.
بصلها.
_ أيوه هي.
مريم ابتسمت.
_ شكلها دمها خفيف.
_ جدًا بصراحة.
فضلت باصاله وهو بيتكلم عن الشغل، ولاحظت إنه كل ما يجيب سيرتها يبتسم من غير ما ياخد باله.
_ سليم.
_ نعم.
_ إنت معجب بيها.
سليم بص لها باستغراب، وبعدها ضحك.
_ إيه السؤال المفاجئ ده.
_ بسألك.
_ لا يا بنتي إحنا زمايل شغل.
_ أنا مقولتش إنكم مرتبطين أنا بسألك معجب بيها ولا لأ.
سليم سكت لحظة، وبعدها أخد من طبق الفشار.
_ هي بنت جميلة ومحترمة ودمها خفيف.
مريم وسعت عينيها وهي مبتسمة.
_ الله الله.
ضحك.
_ إنتي بتكبري الموضوع ليه.
_ عشان إنت عمرك ما قعدت توصفلي واحدة بالشكل ده.
_ عشان إنتي عمرك ما سبتيني أتكلم عن واحدة من غير ما تعملي فرح.
ضحكت مريم، وسليم قام من مكانه وهو بيعدل التيشيرت.
_ تصبحـي على خير يا ست مريم.
_ وإنت من أهله يا عريس.
لف وبصلها بغيظ مصطنع.
_ وربنا هاجي اديكي على وشك.
ضحكت بصوت عالي وهو طالع السلم.
في أوضته، سليم بدل هدومه وقعد على السرير شوية، وبعدها فتح موبايله يراجع كام رسالة من الشغل.
كان فيه صورة جماعية بعتها واحد من المهندسين في جروب المشروع، فاتفرج عليها وهو مبتسم، وافتكر هزارهم في المطعم.
عينه وقفت لحظة عند ملك الواقفة جنب زميلتها، لكن بعدها قفل الصورة وحط الموبايل على الشاحن.
كان معجب بيها فعلًا، وبدأ يعترف لنفسه بده، لكن الإعجاب لسه بسيط، ومكنش شايف إن فيه داعي يفسره أو يستعجل أي خطوة.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
بعد الخروجة بكام يوم، حصلت مشكلة في توريد خامات الأرضيات الخاصة بجزء من منطقة الاستقبال، وكنت أول واحدة تاخد بالها منها لما روحت أراجع العينات اللي وصلت المخزن.
اللون كان قريب من اللي اخترناه، لكن ملمس السطح مختلف، ودرجة اللمعان أعلى من المواصفات اللي اتفقنا عليها، وده غير إن الكود المكتوب على العبوات مكنش نفس الكود المعتمد.
اتصلت بمسؤول المخزن وطلبت منه ميصرفش أي كمية للتنفيذ لحد ما نراجع التوريد، وبعدها كلمت المورد.
الراجل حاول يقنعني إن الاختلاف بسيط وإن الخامة الجديدة أحسن من اللي اخترناها.
_ يا بشمهندسة دي نفس الخامة تقريبًا بس تشغيلة مختلفة.
بصيت للعينة اللي في إيدي.
_ حضرتك عارف إن كلمة تقريبًا دي متنفعش في بند متوافق عليه بمواصفات محددة.
_ بس الفرق مش هيبان بعد التركيب.
_ الفرق موجود في الكود والملمس ودرجة اللمعان وأنا مش هقدر أعتمد حاجة غير اللي اتفقنا عليها.
_ طب كده التنفيذ هيتعطل.
_ يبقى نحل مشكلة التوريد مش نعتمد خامة غلط.
بعدها قفلت معاه وبعت إيميل رسمي بالملاحظات، لكن بعد أقل من ساعة لقيته جاي الموقع ومعاه مسؤول المشتريات، وكان واضح إن الاتنين مش مبسوطين من قراري.
دخلوا المكتب، والمورد بدأ يتكلم بنبرة فيها ضيق.
_ يا بشمهندسة إحنا بنحاول نخلص الشغل وإنتي موقفاه عشان درجة لون.
اتعدلت في قعدتي.
_ أنا موقفاه عشان الخامة مش مطابقة للمواصفات مش عشان درجة لون بس.
_ دي فروق طبيعية في التصنيع.
_ لو فروق طبيعية يبقى حضرتك تجيبلي شهادة من المصنع تثبت إن المنتج مطابق للمواصفات المعتمدة.
مسؤول المشتريات تدخل.
_ طيب ما نرفع الموضوع للإدارة ونشوف.
_ معنديش مشكلة بس لحد ما يتراجع التوريد مش هعتمده.
المورد بصلي بضيق.
_ حضرتك بتعقدي الدنيا على الفاضي.
كنت هرد عليه، لكن الباب اتفتح ودخل زين، وكان واضح إنه سمع آخر جملة.
_ في إيه.
مسؤول المشتريات قام من مكانه.
_ يا بشمهندس فيه خلاف على خامات الأرضيات اللي وصلت والبشمهندسة رافضة تعتمدها.
زين بصلي.
_ ليه يا ملك.
قومت من مكاني وأخدت العينة المعتمدة وحطيتها جنب العينة اللي وصلت.
_ لأن الكود مختلف ودرجة اللمعان أعلى من المطلوب وكمان السطح مش نفس التشطيب اللي اخترناه.
قرب وبص للعينتين، وبعدها طلب مني ملف المواصفات.
فتحناه مع بعض، وفضل يراجع الأرقام والكود، وبعدها بص للمورد.
_ الخامة دي مش هي المعتمدة.
المورد اتعدل في وقفته.
_ يا فندم هي بديل مكافئ.
زين رفع عينه له.
_ البديل المكافئ لازم يتقدم للاعتماد قبل التوريد مش بعد ما العربية توصل الموقع.
_ بس كده هنخسر وقت.
_ الوقت اللي هنخسره وإحنا بنغير التوريد أقل من اللي هنخسره لو ركبنا خامة غلط واضطرينا نفكها.
المورد حاول يتكلم تاني، لكن زين كمل بهدوء.
_ أنا محتاج من حضرتك خلال النهارده موقف واضح يا إما توريد الخامة المعتمدة يا إما تقديم بديل رسمي للمراجعة من غير ما نبدأ تنفيذ قبل الموافقة.
سكت الراجل، ومسؤول المشتريات بدأ يكتب الملاحظات، وبعد شوية خرجوا عشان يراجعوا مع الشركة.
فضلت واقفة جنب المكتب وأنا لسه متضايقة من الطريقة اللي المورد كلمني بيها، وزين كان بيقفل الملف.
_ كويس إنك وقفتي التوريد.
بصيتله.
_ كنت متوقعة حضرتك تتضايق عشان الجدول.
_ هتضايق لو سمحنا بتنفيذ غلط عشان نلحق الجدول.
هزيت راسي، فبصلي وكمل.
_ بس المرة الجاية ابعتي ملاحظة فنية للمشتريات في نفس وقت إيقاف الصرف عشان يبقى القرار موثق عند كل الأطراف.
_ أنا بعت الإيميل فعلًا.
رفع عينه.
_ إمتى.
_ من حوالي ساعه.
بص في موبايله وفتح الإيميل، وبعد ثواني ابتسم ابتسامة صغيرة.
_ تمام.
ضحكت.
_ كنت مستني تلاقيني ناسية حاجة صح.
بصلي وهو بيقفل الموبايل.
_ لا بس كنت هقولك عليها لو نسيتي.
_ طبعًا مفيش فرصة بتضيع.
ابتسم.
_ بس عمومًا تصرفك كان صح.
بصيتله شوية، وبعدها قلت.
_ شكرًا.
_ العفو.
كان هيمشي، لكن وقفته.
_ بشمهندس زين.
لف ناحيتي.
_ نعم.
اترددت لحظة قبل ما أتكلم.
_ أنا كنت محتاجة حد يراجع الموضوع فعلًا مش بس يوافقني عشان يسكت المورد.
بصلي بهدوء.
_ وأنا موافقتكيش عشان أسكت حد يا ملك أنا راجعت المواصفات ولقيتك صح.
ابتسمت.
_ عارفة عشان كده بشكرك.
هز راسه، وبعدها خرج.
فضلت واقفة مكاني كام ثانية قبل ما أرجع أقعد.
الحقيقة إني كنت مبسوطة إن الموقف اتحل، بس كان فيه حاجة تانية مريحة بالنسبة لي، وهي إن زين وقف في صف القرار الصح حتى لو ده هيعطل التنفيذ شوية.
وأول مرة من ساعة ما عرفته أحس إننا ممكن نختلف في مية حاجة، لكن وقت الجد هنعرف نشتغل مع بعض من غير ما واحد فينا يظلم التاني.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في نهاية الأسبوع التاني، كان فؤاد قاعد في مكتبه في الشركه لما دخل عليه شريف وحازم، وكانوا لسه راجعين من اجتماع بخصوص مشروع جديد.
شريف حط الملف على المكتب وقعد.
_ أنا شايف إن عرض الأسعار محتاج يتراجع تاني.
فؤاد هز راسه.
_ هخلي الحسابات تراجعه الصبح.
حازم كان واقف قدام الشباك وبيتكلم في التليفون، ولما خلص رجع قعد معاهم.
_ على فكرة يا عمي فؤاد أنا كنت عايز أستأذن حضرتك في حاجة.
فؤاد بصله.
_ اتفضل يا حازم.
_ كنت بفكر نخرج كلنا الجمعة الجاية نتغدى بره لو حضرتكوا فاضيين.
شريف ابتسم وهو بيبص لابنه.
_ كلنا يعني.
حازم ضحك.
_ أيوه يا بابا كلنا.
فؤاد ابتسم هو كمان.
_ فكرة حلوة والله وأنا هكلم نادية.
شريف رجع للملف اللي قدامه، لكن حازم فضل مبتسم شوية قبل ما يقوم يستأذن عشان عنده مشوار.
بعد ما خرج، شريف بص لفؤاد.
_ الولد واضح إنه معجب بملك بجد.
فؤاد سند ضهره للكرسي.
_ وأنا معنديش أي اعتراض عليه.
_ بس ملك شكلها مش بتديله فرصة.
_ ملك دماغها كلها في شغلها اليومين دول.
شريف ابتسم.
_ ما هي لو ارتاحت له هتغير رأيها.
فؤاد هز راسه.
_ انا مش عايز أضغط عليها في موضوع زي ده.
سكت لحظة، وبعدها كمل.
_ بس بصراحة أنا نفسي أشوفها مستقرة مع حد أعرفه وأكون مطمن عليها.
شريف بصله شوية، وبعدها قال.
_ حازم عمره ما هيزعلها.
فؤاد ابتسم، لكن ابتسامته اختفت لما شريف ذكر مشروع المستشفى اللي ملك شغالة فيه.
_ لسه مصممة تكمل هناك.
فؤاد اتنهد.
_ أيوه.
_ وزين.
_ مفيش جديد.
شريف سكت، وفؤاد بصله بجدية.
_ أنا مش عايز اكلمها في الموضوع ده نهائي أصلا.
هز شريف راسه.
_ براحتك يا فؤاد.
رجعوا لشغلهم، لكن واضح إن موضوع ملك وزين كان لسه موجود في دماغ الاتنين، حتى وهما بيحاولوا يتعاملوا كأن الماضي خلص.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
يوم الجمعة خرجنا نتغدى مع شريف ومراته وحازم، وكان بابا مبسوط جدًا بالخروجة خصوصًا إننا بقالنا فترة مكناش بنخرج كلنا مع بعض.
أنا وافقت عشان مكنتش عايزة أفضل رافضة كل حاجة يقترحها بابا وكمان عشان ماما كانت نفسها نخرج ونغير جو بعيد عن الشغل والخناقات.
وصلنا المطعم وقعدنا، وكان حازم واخد باله من كل التفاصيل تقريبًا، من أول المكان اللي هنقعد فيه لحد إنه يطلبلي نوع العصير اللي كنت بشربه زمان.
بصيتله وأنا بابتسم.
_ إنت لسه فاكر إني بحب المانجا.
ضحك.
_ دي حاجة تتنسي.
_ أنا نفسي بقيت أغير طلبي كل شوية.
_ طب أطلبلك حاجة تانية.
_ لا خلاص المانجا حلوة.
قعدنا نتكلم، وكان الجو لطيف، لكن كل ما حد يقوم أو ينشغل في كلام تاني، حازم كان بيحاول يفتح معايا موضوع جديد.
بعد الأكل خرجنا نقعد في الجزء المفتوح من المطعم، وكان فيه مساحة هادية بعيد عن الزحمة، فقعدت على كرسي جنب السور، وحازم قرب وقعد جنبي.
_ إنتي مشغولة في الشغل أوي اليومين دول.
هزيت راسي.
_ جدًا.
_ طب هو المشروع ده هيخلص إمتى.
_ لسه قدامه شوية.
_ يعني مش ناوية ترتاحي قريب.
ضحكت.
_ هو الشغل فيه راحة؟
ابتسم.
_ لا بس الواحد لازم يبقى عنده وقت لحياته برضو.
_ أكيد طبعًا.
سكت شوية، وبعدها سألني.
_ إنتي عمومًا بتفكري في الارتباط ولا مركزة في شغلك بس.
بصيتله، والسؤال كان مباشر المرة دي أكتر من كل مرة.
_ بصراحة مش بفكر فيه حاليًا.
_ ليه.
_ مفيش سبب معين بس أنا مرتاحة كده ولسه عايزة أركز في شغلي.
هز راسه.
_ طب ولو جه الشخص المناسب.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
_ لما ييجي نبقى نشوف.
حازم ضحك.
_ يعني فيه أمل.
بصيتله وأنا بحاول أكون واضحة من غير ما أحرجه.
_ حازم أنا مش عايزة أديك انطباع غلط أنا فعلًا مش بفكر في ارتباط دلوقتي.
فضل باصصلي لحظة، وبعدها ابتسم.
_ فاهمك يا ملك ومش مستعجلك على حاجة.
_ شكرًا.
غير الموضوع وبدأ يحكيلي عن سفرية كان فيها من فترة، وأنا شاركته الكلام بشكل طبيعي، لكن جوايا كنت مرتاحة إني قلتله موقفي بوضوح.
بعد ما رجعنا البيت، ماما دخلت أوضتي وأنا بغير هدومي، وقعدت على طرف السرير.
_ اتبسطتي النهارده.
_ آه الحمد لله.
_ وحازم.
لفيت وبصيتلها.
_ ماله يا ماما.
ابتسمت.
_ بلاش تعملي نفسك مش فاهمة.
ضحكت وأنا بقعد جنبها.
_ يا ماما هو محترم ولطيف وكل حاجة بس أنا مش شايفاه أكتر من ابن صاحب بابا.
ماما هزت راسها.
_ خلاص يا حبيبتي براحتك.
_ هو بابا قالك حاجة.
_ لا بس هو وشريف أكيد نفسهم يشوفوكوا مع بعض.
اتنهدت.
_ ما أنا عارفة.
ماما مسكت إيدي.
_ محدش هيغصبك على حاجة يا ملك بس خليكي واضحة مع حازم عشان ميتعلقش بحاجة مش موجودة.
ابتسمت.
_ أنا قلتله النهارده إني مش بفكر في ارتباط.
_ كويس.
حضنتها، وهي باستني على راسي وقامت تسيبني أنام.
كنت مبسوطة إن ماما فاهماني، لكن في نفس الوقت كان واضح إن موضوع حازم مش هيخلص بسهولة خصوصًا مع قرب بابا وشريف من بعض.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
رجعت البيت بعد يوم طويل في الشركة، ولقيت أمي قاعدة على الأرض قدام دولاب كبير في أوضة أبويا القديمة، وحواليها كام صندوق وصور وملفات.
وقفت عند الباب وبصيتلها.
_ إيه يا ست الكل إنتي بتعملي إيه في الأرض.
رفعت راسها وابتسمت.
_ برتب شوية حاجات قديمة يا حبيبي.
دخلت وقعدت جنبها.
_ طب ما كنتي قوليلي أساعدك.
_ مكنتش عايزة أعطلك.
_ تعطّليني إيه بس.
بدأت أساعدها ترتب الملفات، وكان فيه صور قديمة من أيام شغل أبويا، وصور لينا وإحنا صغيرين، وحاجات كتير مكنتش شفتها من سنين.
أمي طلعت صورة من صندوق خشب صغير، وبصتلها وهي مبتسمة ابتسامة حزينة.
_ فاكر الصورة دي.
أخدتها منها، ولقيت أبويا واقف قدام أول مكتب فتحه، وكان لابس قميص أبيض وبنطلون أسود، وضاحك وهو ماسك مفتاح المكان.
ابتسمت من غير ما أحس.
_ دي من يوم افتتاح المكتب القديم.
_ أيوه.
فضلت أبص للصورة شوية، وبعدها قلت.
_ كان فرحان يومها أوي.
أمي هزت راسها.
_ كان حاسس إن تعبه بدأ يجيب نتيجة.
سكتنا لحظة، وبعدها حطيت الصورة جنبي وبدأت أقلب في باقي الصور.
كان أبويا موجود في كل مرحلة تقريبًا من طفولتي، في أول يوم مدرسة، وفي عيد ميلادي، وفي رحلاتنا الصغيرة اللي كان بيحاول يعملها رغم انشغاله.
افتكرت إزاي كان بيرجع البيت متأخر، ومع ذلك ييجي يقعد جنبي ويسألني عملت إيه في يومي، وكان دايمًا يقولي إن الشغل مهم، بس مفيش حاجة أهم من إن الواحد يبقى عنده ناس يحبهم ويلاقيهم مستنيينه.
أمي بصتلي وأنا ساكت.
_ بتفكر في إيه يا زين.
اتنهدت.
_ بفكر إنه تعب أوي عشان يبني كل حاجة وفي الآخر خسرها.
أمي حطت إيدها على كتفي.
_ أبوك مخسرش كل حاجة يا زين.
بصيتلها.
_ إزاي بس يا أمي.
_ سابك إنت وساب سيرة حلوة عند الناس اللي عرفته بجد.
سكت شوية، وبعدها قلت.
_ بس فيه ناس لحد دلوقتي بتتكلم عنه كأنه السبب في كل اللي حصل.
أمي فهمت قصدي من غير ما أقول اسم فؤاد.
_ الناس بتقول كتير يا حبيبي.
_ أنا عارف.
_ وأبوك الله يرحمه مكنش ملاك ولا كان عمره بيدّعي إنه ملاك كان بيغلط زي أي حد بس عمره ما كان يقصد يظلم حد.
بصيت للصورة اللي في إيدي.
_ أنا نفسي أفهم ليه وثق فيهم للدرجة دي.
أمي اتنهدت.
_ عشان كان بيعتبرهم أهله يا زين.
سكتت شوية، وبعدها كملت.
_ أبوك كان عيبه إنه لما يحب حد أو يثق فيه بيبقى صعب عليه يصدق إنه ممكن يأذيه.
الكلام ضايقني، مش عشان غريب، لكن عشان كنت عارف إنه حقيقي.
_ يمكن لو كان خد باله بدري مكنش كل ده حصل.
أمي مسحت على شعري زي ما كانت بتعمل وأنا صغير.
_ يمكن بس إحنا منعرفش الغيب يا حبيبي.
فضلنا قاعدين شوية، وبعدها بدأت أحكيلها عن الشغل وعن المرحلة اللي خلصناها في المستشفى، وهي كانت مبسوطة وبتسألني عن تفاصيل المشروع.
وفي وسط الكلام سألتني عن ملك.
_ والبشمهندسة ملك أخبارها إيه.
ابتسمت.
_ كويسة الحمد لله.
_ لسه بتتخانقوا.
ضحكت.
_ لا الحمدلله بقينا ناس محترمين.
ضحكت هي كمان.
_ الحمد لله.
_ البنت شاطرة فعلًا وعملت موقف كويس الأسبوع ده في موضوع توريد خامات.
_ ربنا يوفقها.
هزيت راسي، وبعدها رجعنا نرتب الصور.
قبل ما أقوم، أخدت صورة أبويا اللي قدام المكتب القديم وحطيتها في إيدي.
أمي بصتلي.
_ هتاخدها معاك.
_ آه هحطها في مكتبي.
ابتسمت.
_ ماشي.
بوست راسها وقومت، وأنا ماسك الصورة بحرص.
مكنتش عايز أعيش طول عمري متعلق بالماضي، لكن مكنتش مستعد أنساه برضو.
بس يمكن الفرق بين الاتنين أصعب مما كنت فاكر.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في نهاية الأسبوع التالت كنا قربنا نخلص مراجعة جزء كبير من غرف المرضى لكن حصل تعديل في معاد زيارة الاستشاري واضطرينا نراجع بعض الملاحظات قبل تاني يوم.
كنت في المكتب حوالي الساعة ستة ولقيت سليم داخل وهو بيبص في ساعته.
_ يا ملك إنتي لسه هنا.
رفعت عيني من اللابتوب.
_ أيوه عندي شوية تعديلات لازم تخلص.
_ زين قالي إنكم هتراجعوا الدور التالت النهارده.
_ اه بس مستنياه يخلص مكالمته.
سليم حط ملف على المكتب.
_ بصي أنا رتبتلك كل الملاحظات هنا ومعاها آخر نسخة من الرسومات.
ابتسمت.
_ الله ينور عليك.
_ ربنا يخليكي.
بصيتله وهو بيجمع حاجته.
_ إنت ماشي خلاص؟
_ أيوه عندي قعدة عائلية كده على الضيق وماما هتقتلني لو اتأخرت.
ضحكت.
_ طب روح ربنا يستر عليك.
_ إنتي محتاجة حاجة قبل ما أمشي.
_ لا تسلم.
سكت لحظة وبعدين قال.
_ طب متسهروش أوي.
_ حاضر يا سليم متقلقش.
ابتسم.
_ أشوفك الأحد إن شاء الله.
_ إن شاء الله.
خرج، وبعد حوالي عشر دقايق زين دخل ومعاه التابلت والرسومات، وكان واضح إنه لسه خارج من مكالمة طويلة.
_ جاهزة.
قفلت اللابتوب وقومت.
_ أيوه.
_ طب يلا عشان نخلص قبل ما الوقت يأخر.
نزلنا الدور التالت وبدأنا نراجع الغرف واحدة ورا التانية، وكان المكان أهدى من المعتاد بعد ما معظم العمال والمهندسين مشيوا.
في الأول كنا مركزين في القياسات والملاحظات، وكل شوية زين يراجع حاجة على التابلت وأنا أكتب التعديل المطلوب، لحد ما خلصنا جزء كبير من الشغل وقعدنا شوية في غرفة الاجتماعات الصغيرة اللي جنب الدور.
حطيت القلم على الترابيزة واتنهدت.
_ الحمد لله.
زين رفع عينه من التابلت.
_ لسه عندنا نقطتين.
بصيتله باستنكار.
_ يا بشمهندس حرام عليك أنا بقالي عشر ساعات هنا.
ابتسم.
_ وأنا بقالي حداشر.
_ يعني المفروض أصعب عليك.
_ لا المفروض نخلص ونروح.
ضحكت وأنا برجع أمسك القلم.
_ حاضر.
خلصنا النقطتين بعد حوالي نص ساعة، وبعدها زين قفل التابلت وسند ضهره للكرسي.
_ كده تمام.
بصيتله وأنا مبتسمة.
_ الحمد لله أخيرًا.
ضحك.
_ إنتي بتشتكي كتير على فكرة.
_ عشان حضرتك بتطلب كتير.
_ هو شغلنا كده.
_ لا شغلنا حلو بس حضرتك بتحب تعذب الناس شوية.
ابتسم وهو بيهز راسه.
_ ماشي يا ملك ماشي.
قعدنا شوية نرتب الملفات، وبعدها لاحظت إنه بيبص في صورة صغيرة حاططها جوه جراب التابلت.
مكنتش واضحة من مكاني، لكن كان باين فيها شخصين واقفين قدام مبنى قديم.
بصيتله.
_ دي صورة إيه.
رفع عينه وبعدين بص للصورة.
_ دي من أول مشروع اشتغلته أنا وسليم لوحدنا.
ابتسمت.
_ بجد.
هز راسه ومدلي التابلت عشان أشوفها.
كانت الصورة لزين وسليم وهما أصغر شوية، واقفين قدام مبنى تحت التشطيب، والاتنين بيضحكوا، وسليم كان ماسك خوذة في إيده وزين حاطط إيده على كتفه.
ضحكت وأنا ببص للصورة.
_ يا نهار أبيض إنتوا كنتوا صغيرين أوي.
زين ضحك.
_ من قليل مش من عشرين سنة يعني.
_ لا بس شكلكوا مختلف.
_ ما طبيعي.
_ وسليم لسه بيضحك بنفس الطريقة.
ابتسم.
_ ده عمره ما اتغير.
رجعتله التابلت وأنا بسأله.
_ هو أول مشروع ليكم كان صعب.
سند ضهره للكرسي.
_ جدًا.
_ ليه.
_ عشان كنا فاكرين إننا عارفين كل حاجة.
ضحكت.
_ وطلعتوا مش عارفين.
_ طلعنا عارفين حاجات كتير على الورق بس التنفيذ كان حكاية تانية.
بدأ يحكيلي عن أول مشروع مسكوه مع بعض، وإزاي كانوا متحمسين يثبتوا نفسهم لدرجة إنهم قبلوا جدول تنفيذ أصعب من إمكانيات الفريق، واضطروا يشتغلوا ساعات طويلة عشان يلحقوا التسليم.
_ وسليم كان كل يوم يقولي إحنا هنفلس قبل ما نخلص.
ضحكت.
_ وكان عنده حق.
_ للأسف أيوه.
_ طب وعملتوا إيه.
_ اتعلمنا إن الحماس لوحده مش كفاية وإن لازم نحسب كل خطوة قبل ما ناخدها.
ابتسمت وأنا بسند على الترابيزة.
_ أنا أول تصميم عملته لعميل اترفض بالكامل.
زين رفع حاجبه.
_ بالكامل؟
_ أيوه يعني مفيش حتى جزء صغير عجبه.
ضحك.
_ قاسية دي.
_ اوي يعني مش قادره اقولك ده أنا يومها رجعت البيت وفضلت أقول لماما إني مش نافعة في الشغل ده.
_ وعملتي إيه بعد كده.
_ قعدت يومين زعلانه وبعدين رجعت بدأت من الأول.
_ واتقبل.
ابتسمت بفخر.
_ اتقبل والعميل نفسه رشحني لحد تاني بعدين.
زين ابتسم.
_ طب الحمدلله كويس انك مفتحتيش محل ورد.
فتحت بوقي باستغراب.
_ إنت فاكر الحكاية دي.
ضحك.
_ ما إنتي حكيتيها في المطعم قدامنا كلنا.
_ بس أنا فاكرة إن حضرتك كنت مشغول بتقول لسليم يبطل يطلب حلويات.
ضحك أكتر.
_ كنت بسمع برضو.
قعدنا نتكلم شوية عن مواقف الشغل، وكل واحد فينا حكى للتاني عن غلطة اتعلم منها، وعن عميل كان صعب في التعامل، وعن حاجات بسيطة بتحصل في أي مشروع.
والغريب إن الكلام كان سهل جدًا.
مكنش فيه توتر ولا إحساس إننا لازم نثبت لبعض مين الأشطر، وحتى لما كنا بنختلف في الرأي كنا بنضحك ونكمل الكلام عادي.
بعد شوية بصيت للساعة واتخضيت.
_ يا نهار أبيض الساعة تسعة ونص.
زين بص في ساعته هو كمان.
_ اه الوقت خدنا جامد.
قومت بسرعة وأنا بجمع حاجتي.
_ دي ماما هتموتني.
ضحك وهو بيقوم.
_ طب كلميها طمنيها إنك خلصتي.
طلعت الموبايل وبعتلها رسالة سريعة إني نازلة، وبعدها مشينا ناحية الأسانسير.
المبنى كان هادي جدًا، والأنوار في الممرات شغالة بشكل جزئي، ولما وصلنا للدور الأرضي خرجنا ناحية الباركينج.
زين كان ماشي جنبي وهو ماسك التابلت.
_ إنتي جايه بعربيتك.
_ أيوه.
_ تمام.
بصيتله وأنا بابتسم.
_ على فكرة يا بشمهندس زين.
_ نعم.
_ أنا بدأت أصدق الحمدلله إنك ممكن تقعد ساعتين كاملين من غير ما تتخانق معايا.
بصلي وهو بيضحك.
_ ساعتين بس؟
_ آه ده رقم قياسي بالنسبة لحضرتك.
_ طب متفرحيش أوي بكرة عندنا مراجعة تانية.
ضحكت.
_ يعني الهدنة هتخلص.
ابتسم.
_ على حسب شغلك بقى.
بصيتله باستنكار.
_ لا كده إحنا رجعنا لنقطة الصفر.
ضحك وهو بيقف جنب عربيتي.
_ تصبحي على خير يا ملك.
ابتسمت.
_ وإنت من أهله.
فتحت العربية وحطيت شنطتي على الكرسي، وبعدها لفيت لقيته لسه واقف.
_ في حاجة.
هز راسه.
_ لا بس بتأكد إن العربية هتدور المرة دي.
ضحكت بصوت عالي.
_ لا متقلقش غيرت البطارية خلاص.
ابتسم.
_ طب كويس سوقي بالراحة.
_ حاضر.
ركبت العربية ودورتها، ولما اشتغلت بصيتله من الشباك ورفعت إيدي بإشارة انتصار صغيرة.
زين ضحك وهز راسه، وبعدها اتحرك ناحية عربيته.
وأنا طالعة من الباركينج افتكرت كلامنا في غرفة الاجتماعات، وإزاي الوقت عدى من غير ما أحس وابتسمت لما افتكرت تعليقاته عن أول مشروع اشتغلت فيه.
أنا كنت فاكرة إن علاقتي بزين هتفضل طول الوقت مجرد اجتماعات وخلافات وشغل، لكن واضح إننا بدأنا نعرف نتعامل مع بعض بشكل طبيعي.
ودي كانت حاجة مريحة بالنسبة لي.
خصوصًا إن المشروع لسه قدامه وقت طويل، ومكنتش مستعدة أقضي الشهور الجاية كلها وأنا بتخانق معاه على كل تفصيلة.
وصلت البيت بعد العشرة بشوية، وأول ما دخلت لقيت ماما قاعدة مستنياني في الصالون.
_ حمد لله على السلامة يا ملك.
قربت وبوستها.
_ الله يسلمك يا حبيبتي.
_ إنتي اتأخرتي أوي النهارده.
_ والله يا ماما كان عندنا مراجعة مهمة ولازم نخلصها.
_ طب أكلتي.
_ لا جعانة اوي.
قامت معايا ناحية المطبخ، وفضلت تحكيلي عن يومها وإحنا بنسخن الأكل، وبعد شوية سألتني.
_ هو مين اللي كان معاكي لحد الوقت ده.
_ زين.
ماما بصتلي.
_ زين السيوفي.
_ أيوه يا ماما كنا بنراجع الشغل.
هزت راسها، وبعدها قالت.
_ واضح إنكوا بقيتوا بتتفاهموا أحسن من الأول.
ضحكت وأنا بقعد على الكرسي.
_ الحمد لله ده كان لازم يحصل عشان مكنش ينفع نفضل نتخانق طول عمر المشروع.
ماما ابتسمت.
_ المهم تكوني مرتاحة في شغلك.
_ أنا مرتاحة الحمد لله.
بدأت آكل وهي قاعدة قدامي، وبعد شوية دخل بابا المطبخ عشان يشرب مية.
أول ما شافني ابتسم.
_ حمد لله على السلامة يا حبيبتي.
_ الله يسلمك يا بابا.
قرب وباس راسي، وبعدها سألني.
_ اتأخرتي ليه النهارده.
_ مراجعة شغل.
_ مع مين.
سكت لحظة قبل ما أرد.
_ مع فريق المشروع يا بابا.
مكنتش عايزة أكذب، بس مكنتش عايزة أفتح خناقة جديدة وإحنا لسه بدأنا نتعامل طبيعي.
بابا هز راسه وقال.
_ ربنا يعينك يا حبيبتي.
خد المية وخرج، وأنا فضلت باصة وراه شوية قبل ما أرجع للأكل.
كان نفسي أقول له إن زين مش الشخص الوحش اللي هو متخيله، وإنه في الشغل محترم وعادل وبيفهم كويس جدًا هو بيعمل إيه.
لكن افتكرت مكالمة شريف والكلام اللي سمعتُه عن التوقيع وحسيت إن فيه حاجات كتير لسه واقفة بين العيلتين، أكبر بكتير من مجرد مشروع بنشتغل فيه سوا.
رجعت أبص لماما وبدأت أحكيلها عن موقف مضحك حصل في الموقع، وهي فضلت تضحك معايا لحد ما خلصت أكل.
ولأول مرة من فترة، نمت من غير ما أفضل أفكر في كل الأسئلة اللي ملهاش إجابات.
يمكن عشان اليوم كان طويل ومتعب.
ويمكن عشان وسط كل المشاكل اللي حواليا، بدأت ألاقي ناس الشغل معاهم بقى أسهل وألطف مما كنت متوقعة.
