رواية للصدفة حديث اخر الفصل الخامس5بقلم سلسبيل احمد
ديجااااا! اصحي يلااا.!
فتحت عيني بالعافية على صوت زينة اللي كانت واقفة فوق دماغي، وأنا مش فاهمة إحنا فين ولا إيه اللي بيحصل.
— في إيه يا زينة؟ البيت بيولع؟!
— لأ، بس إحنا عندنا شغل، والساعة تمانية!
بصيت في الساعة، وبعدين بصتلها بصدمة.
— يا نهار أبيض! تمانية؟! طب ما تصحيني بدري شوية
— يا بنتي أنا بقالي ربع ساعة بصحيكي، إنتِ اللي نايمة نوم أهل الكهف!
قمت بسرعة وأنا بدور على هدومي.
بعد شوية، نزلنا لقينا سليم في المطبخ بيعمل سندوتشات، وفارس قاعد على الكرسي مستني نصيبه، ويحيى واقف عند الباب ماسك موبايله.
فارس أول ما شافني قال:
— صباح الفل على الأستاذة اللي كانت هتخلينا نتأخر عن الشغل!
بصيتله وأنا باخد سندوتش من إيد سليم.
— صباح النور ي فارس، هو إنت مالكش شغل غير مراقبتي أنا؟
— لا، عندي شغل كتير، بس إنتِ مشروع تخرجي.
سليم ضحك، وزينة قعدت جنبي.
أما يحيى فرفع عينه من الموبايل وبصلي.
— خلصتي؟ عشان لازم نمشي.
رديت وأنا باكل:
— أيوه ي يحيى، ثانيتين بس أبلع السندوتش، مش هسيبه ينزل لوحده يعني!
فارس كتم ضحكته، ويحيى هز راسه بيأس.
— يلا طيبب.
وصلنا لمكان أثري قديم، عبارة عن شارع ضيق ببيوت من الطوب الطيني وأبواب خشب كبيرة، وتفاصيل صغيرة تحسسك إن كل حتة فيه وراها حكاية.
يحيى جمعنا وبدأ يوزع المهام.
— سليم، إنت هتبدأ باللقطات الأساسية للشارع والبيوت. فارس، ظبط المعدات واتأكد إن كل حاجة جاهزة. زينة، راجعي اللقطات أول بأول. وخديجه ...
بصلي.
— عايزك تصوري تفاصيل المكان اللي ممكن نستخدمها في الحملة التسويقية، بس خلي بالك من الإضاءة والزوايا.
هزيت راسي بحماس.
— تمام.
بدأنا الشغل، وكل واحد انشغل بمهمته.
كنت ماشية في الشارع وبصور باب خشبي قديم، ولقيت إن زاوية معينة بتخلي الشمس واقعة على نص الباب، والنص التاني في الضل.
جتلي فكرة.
روحت ليحيى، اللي كان واقف مع سليم بيراجعوا لقطة.
— يحيى، بص كده. أنا عندي فكرة ممكن نعملها في التصوير.
بصلي وقال:
— قولي.
شورت على الباب.
— إيه رأيك نصور الباب ده من زاوية منخفضة، ونخلي الضوء داخل من الجنب، وبعدها نعمل لقطة قريبة للتفاصيل اللي في الخشب؟
ممكن نستخدمها في الإعلان ونكتب عليها حاجة عن إن كل باب وراه حكاية.
ل سلسبيل احمد
يحيى بص للباب شوية، وبعدها قال:
— لأ، مش هتنفع.
استغربت.
— ليه؟
— الزاوية دي هتخلي شكل الباب مش واضح، وإحنا محتاجين اللقطة تبين تفاصيل المكان.
— ما أنا هصور لقطة واسعة الأول، وبعدها أقرب على التفاصيل.
أنا بتكلم عن لقطة إضافية، مش هنلغي الأساسية.
يحيى رد وهو بيبص في الكاميرا اللي مع سليم:
— يا ديجا، إحنا مش فاضيين نجرب كل فكرة تيجي في دماغنا. عندنا خطة لازم نمشي عليها.
حسيت إن طريقته ضايقتني، بس حاولت أتكلم بهدوء.
— وأنا مش بقول نسيب الخطة، أنا بقول نضيف لقطة ممكن تفيدنا. إيه المشكلة إننا نجرب؟
— المشكلة إننا لو كل واحد اشتغل بمزاجه، مش هنخلص.
بصيتله بصدمة.
— بمزاجي؟! هو أنا جاية أضيّع وقتكم؟!
سليم بدأ يحس إن الجو بيتوتر، فحاول يدخل بينهم.
— طب يا جماعة، ممكن نجرب اللقطة بسرعة ونشوف...
لكن يحيى قاطعه:
— سليم، خلينا في الخطة اللي متفقين عليها.
بصيت ليحيى وأنا حاسة إن كل الحماس اللي كنت نازلة بيه اتبخر.
— خلاص، براحتك. أنا هعمل اللي إنت عايزه.
قال بنبرة حادة شوية:
— أنا مش ضدك يا ديجا، بس لازم تتعلمي إن الشغل مش مجرد أفكار حلوة وخلاص.
الكلمة دي كانت آخر حاجة محتاجة أسمعها منه.
بصيتله وقلت:
— وأنت لازم تتعلم إن مش معنى إنك الليدر إنك الوحيد اللي بيفهم! ممكن تسمع الفكرة الأول وبعدين تحكم عليها، بدل ما ترفضها لمجرد إنها مش فكرتك!
المكان سكت للحظة.
حتى فارس، اللي عمره ما بيسيب فرصة للهزار، بطل كلام.
يحيى بصلي بحدة وقال:
— أنا مش هقعد أجادل في كل قرار باخده.
رديت بسرعة:
— وأنا مش هقعد أشرح نفسي لحد مش عايز يسمعني أصلًا!
لفيت ومشيت قبل ما أقول كلام أندم عليه.
سمعت زينة بتنادي عليا، لكني كملت طريقي.
وقفت عند طرف الشارع، وطلعت موبايلي أحاول أشغل نفسي بالصور اللي صورتها.
كنت متضايقة من طريقته أكتر من رفضه للفكرة نفسها.
أنا عارفة إنه الليدر، وعارفة إن عليه مسؤولية، لكن ده مش معناه إنه يقلل من شغلي أو يحسسني إن رأيي ملوش قيمة.
وبصراحة؟
مكنتش مستعدة أعدّيها بسهولة المرة دي.
بعد ساعة — في موقع التصوير
رجعت أكمل شغلي، وقررت إني هركز في اللي مطلوب مني وبس.
يحيى كان بيتكلم مع سليم عن لقطة، ولما شافني بقرب، قال:
— ديجا، ممكن تيجي تراجعي الصورة دي؟
قربت وبصيت للصورة.
— حلوة.
رفع عينه ليا.
— حلوة بس؟ إيه رأيك في الإضاءة؟
— كويسة.
سكت لحظة، وبعدين قال:
— طب شايفة محتاجة تعديل في حاجة؟
— لأ.
رجعت لمكاني.
فارس كان واقف قريب مني، فمال ناحيتي وهمس:
— هو إنتِ عاملة اشتراك في باقة الردود المختصرة النهارده؟
بصيتله من غير ما أبتسم.
— فارس، والله ، مش ناقصة.
رفع إيديه باستسلام.
— خلاص يا ستي، تمام .
زينة قربت مني وسألت بهدوء:
— إنتِ لسه زعلانة؟
بصيت قدامي وقلت:
— مش زعلانة يا زينة، أنا بس مش بحب حد يحسسني إني مش بفهم، خصوصًا لما أكون بتكلم عن حاجة أنا فعلًا فكرت فيها.
زينة هزت راسها بتفهم.
— معاكي حق تزعلي، بس إنتِ عارفة يحيى ساعات بيبقى مركز في الشغل زيادة عن اللزوم، وبيتكلم قبل ما يفكر.
— دي مشكلته هو، مش مشكلتي أنا.
زينة ابتسمت ابتسامة صغيرة.
— عندك حق، بس اديله فرصة يفهم إنه غلط.
بصيتلها وقلت:
— لما ييجي يعتذر، نبقى نشوف.
ورجعت أكمل تصويري.
أما يحيى، فكان من بعيد بيراجع الصور، وكل شوية عينه تروح ناحيتي.
واضح إنه كان عايز يتكلم، لكنه كل مرة كان بيتراجع.
ولأول مرة من ساعة ما عرفته، أنا اللي مكنتش عايزة أسمع منه أي كلمة.خلصنا شغلنا ورجعنا البيت، وكل واحد فينا كان مرهق.
بقلمي سلسبيل احمد
سليم دخل المطبخ يشوف هنعمل أكل إيه، وفارس دخل وراه يعلن ، وزينة راحت تغير هدومها.
أما أنا، فطلعت أوضتي غيرت هدومي، وغسلت وشي، ونزلت أقعد معاهم.
كان سليم جهز الأكل، وقعدنا كلنا حوالين السفرة.
فارس أول ما شافني قال:
— أخيرًا! كنت فاكر إنك هتفضلي فوق لحد ما نخلص الأكل ونغسل المواعين كمان.
رديت وأنا بقعد:
— متقلقش، أنا لو كنت عايزة أهرب كنت خدت الأكل معايا.
ضحك سليم.
— طب الحمد لله إنك نزلتي، عشان أنا مش مستعد أطبخ لشخصين زيادة.
زينة بصت ليحيى اللي كان قاعد قصادي، وبعدين بصتلي، وحاولت تغيّر الجو.
— طب يا جماعة، مين عايز شاي بعد الأكل؟
فارس رفع إيده بسرعة.
— أنا. وأطالب بحقي في كوبايتين، بسبب المجهود البدني والنفسي اللي بذلته النهارده.
سليم بصله باستنكار.
— إنت عملت إيه بالظبط؟
— شجعتكم من بعيد.
ضحكنا كلنا، حتى أنا ابتسمت غصب عني.
لكن طول القعدة، يحيى مكنش بيتكلم معايا غير في الضروري، وأنا كمان كنت بتعامل معاه بنفس الطريقة.
لحد ما خلصنا أكل، وزينة قامت تعمل الشاي، وسليم وفارس بدأوا يتخانقوا على مين هيغسل الأطباق.
وأنا خرجت الجنينة أقعد شوية في الهوا.
---
الجو كان هادي، والهوا لطيف، والنجوم مالية السما.
قعدت على كرسي خشب جنب الشجرة الكبيرة، وسندت ضهري وأنا ببص للسما.
بعد دقايق، سمعت صوت خطوات بتقرب.
بصيت لقيت يحيى شايل كوباية شاي، وواقف جنبي.
— ممكن أقعد؟
بصيت للكرسي اللي قدامي وقلت ببرود:
— الجنينة مش بتاعتي يا يحيى، اقعد براحتك.
قعد جنبي، وحط كوباية الشاي على الترابيزة الصغيرة.
سكت شوية، وأنا فضلت باصة للسما، مستنية أشوف هو عايز إيه.
لحد ما قال بهدوء:
— ديجا، أنا آسف.
لفيت وشي ناحيته، لكنه كمل قبل ما أتكلم.
— وكان لازم أسمعك الأول بدل ما أرفض فكرتك بالطريقة دي.
أنا كنت مركز في إننا نخلص الشغل في معاده، وبدل ما أفكر في اللي إنتِ بتقوليه، حكمت على الفكرة بسرعة.
فضلت ساكتة.
بصلي وقال:
— أنا عارف إن ده ضايقك، وعندك حق.
بصيتله وقلت:
— عارف يا يحيى، أنا مكنتش مستنية إنك توافق على فكرتي لمجرد إني اللي اقترحتها. لو الفكرة مش نافعة، قول إنها مش نافعة واشرحلي ليه. أنا هتفهم عادي.
هز راسه وهو بيسمعني.
كملت:
— لكن متقوليش إني بشتغل بمزاجي، ولا تحسسني إني مش فاهمة. أنا بحاول أتعلم، وبحاول أساعد، ومش داخلة الشغل عشان أضيع وقت حد.
يحيى نزل عينه لحظة، وبعدين بصلي تاني.
— أنا فاهم. ومش هبرر اللي قلته، لأني فعلًا غلطت في طريقتي معاكي.
سكت، وبعدها قال:
— وحقك عليا.
الكلمة خلتني أهدى شوية، لكني لسه كنت متضايقة.
قلتله:
— أنا قبلت اعتذارك يا يحيى، بس مش معنى كده إني نسيت اللي حصل.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
— متنسيش، بس اديني فرصة أثبتلك إني اتعلمت.
بصيتله بطرف عيني.
— هنشوف.
ضحك بهدوء وقال:
— طب ينفع أشرب الشاي اللي جايبه، ولا هتخليني أفضل قاعد هنا أعتذر لحد الصبح؟
غصب عني ضحكت.
— اشرب يا أخويا، هو أنا ماسكة الكوباية من إيدك؟!
ابتسم وقال:
— أهو ده صوت ديجا اللي أعرفه. أنا كنت فاكر إنك هتفضلي تردي عليا بكلمة واحدة لحد آخر الرحلة.
رديت وأنا بحاول أخبي ابتسامتي:
— متفرحش أوي، لسه ممكن أرجع أعمل كده.
— لا، خلاص، أنا اتعلمت الدرس.
— يا سلام! بالسرعة دي؟
— أصل أنا طالب علم مجتهد.
ضحكت، وهو ضحك معايا، ولأول مرة من الصبح حسيت إن الزعل بدأ يخف.
مش معنى إني سامحته إن كل حاجة رجعت زي الأول في ثانية، لكن على الأقل هو جه واتكلم معايا واعترف بغلطه.
وده كان فارق معايا.
وفجأة، صوت فارس جه من ورا الشجرة:
— خلصتو ولا لسهه؟
لفينا إحنا الاتنين بسرعة.
لقينا فارس واقف، وزينة وراه، وسليم جايب صينية عليها باقي الشاي.
بصيت لفارس بصدمة.
— إنت كنت واقف تسمع؟!
قال وهو بيقعد على الكرسي:
— لا والله، أنا كنت معدي صدفة.
زينة قعدت جنبي وقالت:
— صدفة إيه؟ ده كان واقف ورا الشجرة من أول ما يحيى قال «ديجا، أنا آسف»!
سليم حط الصينية على الترابيزة وقال:
— طب الحمد لله إن الصلح تم، عشان كنا هنضطر نقسم الفريق نصين.
فارس رفع إيده وقال بجدية مصطنعة:
— وأنا كنت هختار صف ديجا طبعًا، عشان هي اللي بتدافع عن حقوق المظلومين.
بصله يحيى وقال:
— طب ما تيجي بكرة الموقع بدري ساعتين، يا مدافع عن الحقوق.
فارس سكت لحظة، وبعدين قال:
— لا يا جماعة، أنا مع الحق، بس الحق مش لازم يكون على حساب نومي!
انفجرنا كلنا بالضحك.
زينة بدأت تحكيلنا عن موقف حصل معاها في أول يوم تصوير، وسليم افتكر موقف تاني لفارس لما نسي شنطة المعدات في العربية، وفارس فضل يحاول يثبت إن ده كان جزءًا من خطة ذكية، محدش اقتنع بيها.
وأنا كنت قاعدة بضحك معاهم، ويحيى قاعد جنبي بيشاركنا الكلام والهزار.
وفي وسط الضحك، فارس بص لنا وقال:
— بما إن النهارده كان يوم طويل، وبما إننا تقريبًا خلصنا الشغل، أنا عندي اقتراح تاريخي.
سليم قال:
— يا ساتر، قول.
— بكرة يوم من غير شغل، ننزل السوق نتمشى ونشتري حاجات من سيوة، ونعيش حياتنا بدل ما إحنا عايشين بين الكاميرات والمعدات!
زينة اتحمست فورًا.
— أنا موافقة! عايزة أجيب شوية حاجات من السوق.
بصيتلهم بحماس.
— وأنا كمان موافقهه.
يحيى بصلي بابتسامة جانبية وقال:
—ماشي .
فضلنا قاعدين في الجنينة، نشرب الشاي ونتكلم ونهزر، لحد ما الوقت اتأخر وكل واحد طلع ينام .
يُتبع...
___________________
> "أوقات كتير بنفتكر إننا عشان إحنا اللي شايلين المسؤولية يبقى احنا الوحيدين اللي بنفهم، وبنستعجل ونحكم على أي فكرة لمجرد إنها مش طالعة من دماغنا. بنرفض قبل ما نسمع، وبنحكم قبل ما نفهم، ومن غير ما ناخد بالنا ممكن بكلمة واحدة نطفي حماس حد كان جاي بكل شغف عشان يساعد.
> الحقيقة إن السمع مش ضعف، السمع احترام. إنك تدي اللي قدامك فرصة يتكلم ويشرح وجهة نظره للآخر، حتى لو انت مش مقتنع، ده اللي بيخلي أي شغل يكبر وأي علاقة تستمر.
> مش كل فكرة مختلفة تبقى غلط، ومش كل رأي مخالف يبقى تقليل منك. جربوا تسمعوا بعض بجد، تفهمو بعض، تناقشو بعض، لأن ساعات الفكرة اللي انت مستقل بيها ومش مديها اهتمام، ممكن تطلع هي الفكرة اللي كانت هتغير كل حاجة."
