رواية هي كده الفصل السادس6بقلم ابتسام محمود الصبري
في مكانٍ آخر...
كانت الفيلا أشبه بقصرٍ كلاسيكي صمم ليبهر كلَّ من تطأ قدماه عتبته؛ واجهةٌ واسعة تحيط بها حديقة منسّقة بعناية، ونوافذ طويلة تتدلّى على جانبيها ستائر فاخرة، بينما اصطفت السيارات اللامعة أمام المدخل الحجري.
وفي الداخل، امتزجت فخامة الأثاث العتيق ببريق الثريات الكريستالية، وتوزّعت اللوحات الفنية والبراويز المذهّبة على الجدران، بينما انتشرت المزهريات الكبيرة فوق الطاولات الرخامية. كان كل شيء في مكانه، نظيفًا ولامعًا، وكأن الفوضى لا يُسمح لها بدخول هذا البيت أبدً، ومع ذلك، كان المكان يفتقر إلى شيءٍ لا تستطيع الأموال شراءه؛ الدفء.
تحرّك الخدم في كل اتجاه، يحمل بعضهم المفروشات، ويرتّب آخرون أدوات المائدة، بينما ارتفعت أصوات التعليمات من حينٍ إلى آخر استعدادًا للحفل الذي ستستضيفه الفيلا مساءً. لم يكن هناك وقت لحديثٍ عابر، ولا مساحة لجلسة عائلية هادئة؛ فلكل شخصٍ ما يشغله، ولكل دقيقةٍ حسابها.
في منتصف هذا الصخب المنظّم، كانت شيري تقف ببريقها المعتاد، تشرف على التجهيزات وتتنقّل بين العاملين بخطوات سريعة.
كانت امرأة في أواخر عقدها الثالث، طويلة القامة، ممشوقة الجسد، ذات بشرة قمحية صافية وعينين خضراوين لامعتين، ورثت عنهما ابنتها رنا ، أما شعرها الكيرلي، فكانت تصفّفه بعناية ليبدو أنيقًا رغم خصلاته المتمرّدة. بدت شيري أصغر من عمرها، أنيقة وواثقة، تعرف كيف تجعل كل تفصيلة في بيتها مثالية، وكيف تترك انطباعًا لا يُنسى لدى ضيوفها.
لكن خلف انشغالها بالتفاصيل، كانت أفكارها تتزاحم؛ هل اكتملت قائمة الضيوف؟ هل وصل الطعام في موعده؟ وهل جُهّز المجلس بالطريقة التي طلبتها؟
أشارت إلى إحدى العاملات بتعديل موضع باقة زهور، ثم أسرعت نحو المطبخ لتتأكد بنفسها من ترتيب الأطباق.
وقبل أن تنهي ملاحظاتها، شعرت بيدين تحيطان بخصرها من الخلف، وصوت زوجها يأتيها بنبرة إعجاب:
— طول عمرك زي الفراشة يا شيري، عمرك ما بتحسسيني بضغط أي مناسبة في الفيلا. كل حاجة بتبقى متظبطة على إيدك.
ابتسمت شيري، والتفتت إليه قليلًا، ثم وضعت يدها فوق يده بحنان.
— حبيبي، كفاية عليك شغلك في الشركة. الحفلات دي بقى من اختصاصي أنا. لازم أخلي حبيبي يعمل صفقاته على رواق، من غير ما يشغل باله بأي حاجة تانية.
ابتسم الرجل بامتنان، ونظر إليها بإعجاب واضح:
— وده بالظبط السبب اللي بيخليني أدخل أي صفقة وأنا مطمّن، وعارف إن كل حاجة ورايا متظبطة.
لمعت عينا شيري بالرضا، وكادت ترد عليه، لولا أن صوتًا مألوفًا قاطع حديثهما:
— بابا! وحشتني أوي.
كانت رنا قد ظهرت عند مدخل الصالة، واندفعت نحو والدها بحماسٍ صادق. كانت ترتدي ملابس منزلية أنيقة، وشعرها الكيرلي يحيط بوجهها، فيما أضاءت عيناها الخضراوان حين رأته.
استدار والدها إليها، وابتسم ابتسامة سريعة، ثم أفلت ذراعه من حول زوجته ليربّت على كتف ابنته:
— وإنتِ كمان يا حبيبتي.
اقتربت منه رنا أكثر، وكأنها تخشى أن تنتهي اللحظة قبل أن تقول ما جاءت من أجل:
— كويس إني لقيتك! كنت عايزة أحكيلك عن....
— رنا، بابا مش فاضي دلوقتي. عنده صفقة النهارده ولازم يكون مركز فيها.
قاطعتها شيري بسرعة، دون أن تمنحها حتى فرصة لإكمال جملتها، فنظر الأب إلى ابنته نظرة اعتذارٍ عابرة، ثم انحنى ليقبّل وجنة زوجت:
— بالظبط يا رنا، نتكلم بعدين، ماشي؟ ادعيلي بس الصفقة تتم على خير.
ثم قبّل رأس ابنته على عجل، ومضى باتجاه مكتبه، منشغلًا بهاتفه قبل أن يبتعد عن الصالة.
ظلت رنا واقفة في مكانها، تتابعه بعينيها حتى اختفى خلف الباب. كانت ابتسامتها قد خفتت تدريجيًّا، وحلّ محلها ذهول صغير لم تحاول حتى إخفاءه.
لم تكن تريد منه مالًا، ولا هدية، ولا وعدًا بشراء شيءٍ جديد. كانت تريد دقائق قليلة فحسب، يجلس فيها معها ويسألها عن يومها، أو يستمع إلى ما يدور في رأسها دون أن ينظر إلى ساعته كل بضع ثوانٍ.
ابتلعت غصّتها، ثم التفتت نحو أمها التي عادت بالفعل إلى تفحّص قائمة التجهيزات:
— ماما، أنا كنت بدوّر عليكي.
لم ترفع شيري عينيها عن الورقة التي تحملها.
— رنا، غداكي في أوضتك. خلي بالك تاكلي كويس، عشان متقوليش بعدين إنك جعانة.
تعلّقت عينا رنا بوجه أمها، تنتظر أن تلتفت إليها ولو للحظ:
— مش عايزة غدا يا ماما. أنا كنت عايزة أقولك على حاجة، وآخد رأيك في موضوع كده.
رفعت شيري رأسها أخيرًا، لكن نظرتها لم تحمل الاهتمام الذي انتظرته ابنتها؛ بل بدت مستعجلة، وكأن رنا أضافت مهمة جديدة إلى قائمة لا تنتهي.
— حبيبتي الفلوس هتلاقيها على الكمود، ولما تحتاجي حاجة ابعتيلي.
هزّت رنا رأسها بسرعة:
— برضه مش عايزة فلوس يا ماما.
تنهدت شيري، ونظرت إلى ساعتها قبل أن تتطلع الورقة:
— رنا، هو إنتِ شايفة إني فاضية لأي نقاش دلوقتي؟ عندي مية حاجة لازم أخلصها قبل ما الضيوف يوصلوا.
— بس أنا كنت عايزة آخد رأيك في....
وضعت شيري يدها على جبينها، ثم أغمضت عينيها للحظة وكأنها تحاول استعادة ترتيب أفكارها:
— يا رنا، إنتِ كده بتنسّيني أنا كنت عايزة أعمل إيه! اتفضلي على أوضتك دلوقتي، ولما أخلص هبقى أجيلك.
سكتت رنا لثوانٍ، ثم سألتها بصوتٍ خافت:
— بجد يا ماما؟ هتيجي؟
كانت شيري قد بدأت تتحرك بالفعل، تشير إلى إحدى العاملات بتعديل ترتيب الطاوله:
— أيوه يا حبيبتي، نص ساعة وأكون خلصت وأجيلك.
قالتها وهي تعطيها ظهرها، دون أن تنتبه إلى الطريقة التي تعلّقت بها عينا ابنتها بملامحها، وكأنها تحاول أن تحفظ الوعد في ذاكرتها خشية أن يضيع هو الآخر.
خفضت رنا رأسها، وهمست بكلماتٍ لم تصل إلى أمها:
— واللي كنت عايزة أقولهولك؟
لم تتلقَّ إجابة، وقفت لحظة أخرى، ثم استدارت وصعدت الدرج ببطء. كانت تسمع خلفها صوت أمها وهي توزّع التعليمات، وصوت الخدم وهم يتحرّكون، ورنين هاتف والدها القادم من ناحية المكتب.
كل شيء في البيت كان حيًّا، يتحرّك، ويتحدّث، ويستعد لاستقبال عشرات الأشخاص في المساء.
إلا هي..... دخلت غرفتها وأغلقت الباب، ثم جلست على طرف سريرها الكبير. كانت الغرفة وحدها كفيلة بأن تمنحها كل ما قد تتمناه فتاة في مثل عمرها؛ أثاث أنيق، وخزانة ممتلئة بالملابس، ومكتب واسع، وهاتف حديث، وكل ما يمكن أن تطلبه دون أن تفكر طويلًا في ثمنه.
ومع ذلك، شعرت بوحدةٍ لا تعرف كيف تشرحها.
لم تكن تفتقد شيئًا يمكنها شراؤه، بل كانت تفتقد شخصًا يسألها عمّا ينقصها دون أن تضطر إلى طلبه.
مدّت يدها إلى هاتفها، وفتحته على محادثة الشخص الذي صار يحتل جزءًا كبيرًا من يومها. لم تكن قد رأته منذ يومين، لكنها كانت تنتظر رسائله كما ينتظر المرء شيئًا صغيرًا يبدّد به ثقل يومه.
كتبت له:
رنا: بتعمل إيه؟
لم تمرّ سوى ثوانٍ حتى ظهر الرد.
هو: بفكر فيكي.
اتّسعت ابتسامتها تلقائيًّا، وكأن الجملة البسيطة أزاحت عن صدرها شيئًا من الحزن الذي تراكم منذ دقائق.
رنا: بجد؟ ولا بتقول كده وخلاص؟
هو: هو أنا هكدب عليكي ليه؟ إنتِ مش بتغيبي عن بالي أصلًا.
وضعت رنا يدها على فمها لتخفي ابتسامتها، ثم أسرعت في الكتابة.
رنا: وإنت كمان دايمًا على بالي. كنت لسه عايزة أحكيلك على حاجة حصلتلي النهارده.
هو: احكي يا ستي، أنا سامعك.
توقفت أصابعها فوق الشاشة للحظة. كانت تلك الجملة تحديدًا هي ما احتاجت إلى سماعه؛ أنا سامعك.
بدأت تكتب عن والدها الذي لم يمنحها سوى لحظات قليلة، وعن أمها التي وعدتها بالقدوم ثم انشغلت عنها، وعن شعورها بأنها غريبة داخل بيتها. لكنها قبل أن ترسل الرسالة، وصلتها رسالة أخرى منه.
هو: بس ثانية، أنا في الشارع ومش مركز أوي. ابعتيلي اللي عايزاه، وهقرأه لما أفضى.
ترددت رنا، ثم مسحت ما كتبته. لم ترد أن تثقل عليه، ولم ترد أن تبدو فتاة كثيرة الشكوى، خصوصًا أنه كان يمنحها اهتمامًا لم تستطع الحصول عليه من أقرب الناس إليها.
رنا: خلاص، مش مهم. كنت بس عايزة أسمع صوتك.
هو: طب ما تقولي من الأول يا حبيبتي ❤️
ضحكت رنا بخفة، وضمّت الهاتف إلى صدرها للحظة، شعرت بالراحة لمجرد أنه ناداها بتلك الكلمة وسألته بسعاده:
- اتصل؟
لم يفتح آخر رسالة ومع ذلك ابتسمت من جديد، وتراجعت في سريرها، مستندة إلى الوسائد. لم تنتبه إلى أن حديثهما عاد سريعًا إلى انشغاله، ولا إلى أنه لم يسألها مرة أخرى عمّا كانت تريد أن تحكيه، كان يكفيها أنه قال إنه يفكر فيها.
مرّت الدقائق، ثم تحوّلت إلى نصف ساعة كاملة.
رفعت رنا رأسها فجأة، ونظرت إلى الساعة المعلّقة على الحائط. انتهت النصف ساعة التي وعدتها بها أمها منذ وقت طويل.
اعتدلت في جلستها، وأصغت إلى الأصوات القادمة من الخارج. سمعت ضحكات الخدم وهم يتبادلون الحديث أثناء ترتيب الصالة، ثم صوت شيري وهي تطلب تجهيز المدخل، وبعده رنين هاتفها وهي تجيب عن مكالمة جديدة.
لكن خطوات أمها لم تقترب من غرفتها.
انتظرت رنا قليلًا، ثم فتحت باب الغرفة وأطلت برأسها نحو الممر. كان البيت لا يزال يعجّ بالحركة، وأمها تقف في الطابق السفلي، تتحدث مع إحدى العاملات وتراجع قائمة الطعام، وكأن وعدها لم يكن موجودًا من الأساس.
عادت رنا إلى غرفتها ببطء، وأغلقت الباب خلفها.
لم تبكِ. لم تعد تملك طاقةً كافية حتى للعتاب.
جلست إلى مكتبها، وسحبت كتابها الدراسي أمامها فكان لديها امتحان غدا، وكانت تعرف أن عليها أن تذاكر جيدًا، لكنها ظلت تنظر إلى الصفحة دون أن تستوعب كلمة واحدة.
رنّ هاتفها مجددًا، فالتقطته بسرعة، آملةً أن تكون أمها قد تذكّرتها أخيرًا.
كانت رسالة منه.
هو: هتوحشيني، بس لازم أقفل دلوقتي. هكلمك لما أفضى يا حبيبتي ❤️
كتبت له: «ماشي، هستناك»، ثم أرسلتها قبل أن تفكر إن كان يستحق كل هذا الانتظار.
وضعت الهاتف إلى جوار الكتاب، وأجبرت نفسها على البدء في المذاكرة.
وفي الطابق السفلي، كانت شيري تضحك مع إحدى المدعوّات عبر الهاتف، وتطمئن إلى أن كل شيء يسير كما خططت له.
أما رنا، فبقيت وحدها في غرفتها الواسعة، تحاول أن تجمع انتباهها بين سطور الكتاب وشاشة هاتفها.
__________
مر الوقت سريعًا بين تبارك وعبدالله، أحاديث كثيرة دارت بينهما، أغلبها كانت تبارك بطلتها.
كانت تتنقل من موضوع إلى آخر بعفوية طفلة، تضحك، وتحكي، وتسأل، ثم تقاطع نفسها لتبدأ حكاية جديدة، وكأن الكلمات كانت محبوسة داخلها منذ سنوات، وأخيرًا وجدت من يستمع إليها.
أما عبدالله...فلم يمل بتاتاً ، كان رجلًا قليل الكلام، يفضل الإنصات على الحديث، لكن هذه المرة لم يكن يستمع من باب المجاملة.
بل كان يستمع بشغف، كان يراقب تعابير وجهها وهي تتحدث، والطريقة التي تلمع بها عيناها كلما تذكرت موقفًا مضحكًا، ثم تختفي تلك اللمعة فجأة كلما مر طيف ذكرى مؤلمة داخلها، كل دقيقة تمر كانت تؤكد له شيئًا واحدًا.
أن الفتاة التي تجلس أمامه ليست كما تبدو، كانت تضحك كثيرًا... وكأنها تخشى أن يمنحها الصمت فرصة لتتذكر.
وفجأة... اهتز هاتفها معلنًا وصول رسالة، ألقت عليها نظرة عابرة، لكن في اللحظة التالية...
اتسعت حدقتاها بصورة مخيفة عندما قرأت اسم المرسل الذي كان مسجل ب "بابا".
ومحتوى الرسالة:
" أنا في الطريق للبيت "
اختفى اللون من وجهها.
وتوقفت أنفاسها للحظة، ارتجفت يدها وهي تمسك الهاتف، ثم نهضت بسرعة، حتى كاد المقعد يسقط خلفها.
بدأت تجمع أغراضها بعشوائية، ويديها ترتجفان بوضوح.
حتى هوكي، كلبها، اعتدل على الفور من نومه على الأرض، وقد شعر بتوترها، فأصدر نباحًا خافتًا، التفتت إليه، ثم مالت نحوه وربّتت على رأسه بحنان.
— اهدى يا هوكي...
حاولت أن تبتسم له، لكن القلق ظل واضحًا في عينيها... كان المشهد كله قد تبدل في ثانية واحدة.
رفع عبدالله رأسه إليها بدهشة، منذ لحظات كانت تضحك حتى دمعت عيناها؛ والآن... بدت وكأنها رأت حكمًا بالإعدام، وقف بسرعة، ثم اقترب منها، أمسك يدها برفق، محاولًا تهدئتها، وقال بقلق:
— حصل إيه...؟
رفعت عينيها إليه، كانت نظرتها مليئة بالخوف، خوف لم تره في عينيها حتى يوم رآها تبكي أمام المدرسة.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وفي داخلها... كانت تتمنى، ولو لمرة واحدة، أن تتوقف عن التظاهر بالقوة، كانت تتمنى أن ترتمي داخل حضنه، أن تبكي، أن تخبره بكل شيء، أن تقول له إنها تعبت، لكنها لم تستطع...
لم تستطع حتى أن تنطق بكلمة، كرر سؤاله هذه المرة بصوت أكثر هدوءًا:
— إنتِ كويسة...؟
هزت رأسها بالنفي دون أن تشعر، كانت الحركة عفوية، صادقة، خرجت منها قبل أن تتمكن من ارتداء قناعها المعتاد.
نظر إليها عبدالله لثوانٍ، ثم قال دون تردد:
— تحبي أوصلك؟
وكأن كلماته أيقظتها، انتفضت فجأة، واتسعت عيناها أكثر.
هزت رأسها بسرعة، وقالت بصوت اختلط فيه الخوف بالارتباك:
— لا... لا، لا... شكرًا... بعد إذنك.
التقطت حقيبتها، وأمسكت بطوق هوكي، ثم استدارت مسرعة.
— تبارك!
ناداها عبدالله.
لكنها لم تلتفت.
واصلت ركضها، وهي تضم هوكي إلى جوارها، وكأنها تخشى أن يضيع منها هو الآخر، خرجت من المقهى، واستقلت سيارتها بسرعة، أدارت المحرك، لكنها قبل أن تتحرك... رفعت رأسها نحوه، ألقت عليه نظرة أخيرة، نظرة طويلة، كأنها تحاول أن تحفظ ملامحه داخل ذاكرتها، فهي لم تكن تعلم...هل ستراه مرة أخرى؟ ولا متى سيكون ذلك؟ ولا إن كانت الحياة ستمنحها فرصة أخرى من الأساس، انطلقت بسيارتها، بينما ظل عبدالله واقفًا مكانه، يتابع ابتعادها بعينين امتلأتا بالحيرة.
أما هي... فكانت تقود وقلبها يزداد ثقلًا مع كل متر تقترب فيه من وجهتها، لم تستطع منع عقلها من العودة إلى الساعات القليلة التي قضتها معه، منذ وقت طويل... لم تتحدث مع أحد من قلبها، منذ وقت طويل... لم تضحك دون أن تجبر نفسها على ذلك، وكادت تنسى نفسها.
تبارك... الفتاة التي كانت تمد يدها لكل من يحتاجها، وتساعد الجميع دون أن تنتظر مقابلًا، الفتاة التي كانت تظن أن رسالتها في الحياة هي أن تخفف ألم الآخرين... بينما لم تجد يومًا من يخفف ألمها هي، اقتربت السيارة من الفيلا، وبدأت أنفاسها تضيق شيئًا فشيئًا، كانت أصابعها ترتجف فوق عجلة القيادة، أما قلبها... فكان يخفق بعنف، حتى خيل إليها أنه سيخرج من بين ضلوعها قبل أن تصل إلى الباب، وكان بداخلها يقين مرعب... أن ما ينتظرها هذه المرة... لن يكون سهلًا، كانت المسافة بين بوابة الفيلا وبابها الرئيسي قصيرة... لكنها بدت لها أطول من عمرها كله، أوقفت السيارة، ثم ترجلت منها ببطء، بينما كان هوكي يقفز حولها فرحًا، يلوح بذيله كعادته، ينتظر منها أن تضمه إليه، انحنت نحوه، واحتضنته طويلًا، أغمضت عينيها وهي تدفن وجهها داخل فروه الكثيف، ثم همست بصوت متكسر:
— سامحني يا هوكي... بابا جاي.
رفع الكلب رأسه إليها، ولعق يدها برفق، وكأنه يشعر بما تعجز هي عن البوح به، ابتسمت ابتسامة باهتة، ثم قادته إلى بيته الصغير الموجود بجانب الفيلا، فتحت الباب، دخل مطيعًا، لكنه ما إن رآها تغلق الباب حتى بدأ ينبح بضيق، كان يكره تلك اللحظات.
وكأن قلبه الصغير حفظ أن كل مرة يغلق فيها هذا الباب... تعود إليها رائحة الحزن.
وضعت كفها على الباب للحظات، وهمست:
— معلش... مش هتأخر.
ابتعدت بسرعة قبل أن تخونها دموعها.
كان نباحه يلاحقها حتى اختفى خلف باب الفيلا.
أغلقت الباب خلفها، ثم ألقت نظرة سريعة على ساعة الحائط. شهقت بخفوت حين أدركت أن موعد وصوله قد اقترب.
ركضت نحو غرفتها، وألقت حقيبتها فوق السرير، ثم أسرعت بفتح خزانة ملابسها، تعبث بين الثياب بأصابع مرتجفة، بينما راحت تتمتم بقلق:
— يا رب استرها معايا... مش كل مرة قبل الامتحان يخليني أفقد الوعي!
توقفت يداها فجأة، وجمدت عيناها على نقطةٍ مجهولة أمامها.
لم تكن كلماتها مجرد شكوى عابرة، بل ذكرى حاولت طويلًا أن تدفنها في أعماقها، ذكرى لم يمر عليها وقتٌ كافٍ حتى تتوقف عن مطاردتها.
قبل ذلك بيوم...
بعد أن ابتلع الظلام ما تبقى من صوتها، لم يبقَ في الغرفة سوى الضوء الأحمر المرتجف، ورنين السلاسل المتصادمة، وأنفاس فتاةٍ تحاول عبثًا إقناع نفسها بأن ما يحدث سينتهي هذه المرة.
كانت تبارك قد استنفدت قدرتها على المقاومة، ولم تعد توسلاتها تخرج من بين شفتيها سوى همساتٍ واهنة، تتلاشى قبل أن تبلغ مسامع من تقف أمامه.
حاولت التشبث بوعيها، قاومت ثقل جفنيها، وتعلقت عيناها بالباب المغلق، وكأنها تنتظر أن ينفتح فجأةً ويمنحها فرصةً للنجاة.
لكن جسدها لم يعد يحتمل.
تلاشت الأصوات من حولها تدريجيًا، وبدأ الضوء الأحمر يتراقص أمام عينيها، حتى فقدت قدرتها على تمييز الأشياء. ترنحت رأسها إلى الجانب، وانسابت دموعها بصمتٍ فوق وجنتيها، قبل أن يستسلم جسدها أخيرًا، وتغيب عن الوعي.
ولم يكن هناك من يهتم إن كانت لا تزال تتنفس بانتظام، أو إن كانت ستستعيد وعيها قريبًا.
⸻
تسلل ضوء الصباح الباهت من النافذة الصغيرة، معلنًا بداية يومٍ جديد، بينما كانت تبارك لا تزال غارقةً في غيابها عن العالم.
لم تستعد وعيها إلا على صوت هاتفها الذي أخذ يهتز بإلحاحٍ فوق الطاولة، معلنًا اقتراب موعد الامتحان.
فتحت عينيها بصعوبة، وحاولت التحرك، لكن الألم الذي اجتاح جسدها جعلها تطلق أنينًا خافتًا. احتاجت إلى لحظاتٍ طويلة حتى تستوعب المكان الذي توجد فيه، ثم اندفعت الذكريات إلى رأسها دفعةً واحدة.
شهقت، واعتدلت في جلستها بفزع.
— لأ... لأ، مش معقول!
بحثت بعينين مذعورتين عن هاتفها، وما إن وقعت عيناها على الساعة حتى شعرت بأن قلبها توقف عن النبض.
لم يتبقَّ على الامتحان سوى دقائق قليلة.
— يا نهار أسود! الامتحان!
نهضت مترنحة، وكادت تسقط من شدة الدوار، لكنها تشبثت بالحائط وأجبرت قدميها على حملها. لم يكن لديها وقتٌ لتفكر في ألمها، أو في آثار ما حدث، أو حتى في الدموع التي انهمرت من عينيها دون إرادة منها.
كل ما كان يشغلها هو الوصول إلى المدرسة.
ارتدت ملابسها على عجل، وجمعت أغراضها بيدين مرتجفتين، ثم اندفعت نحو الخارج، تتلفت حولها في خوفٍ غريزي، كأنها تخشى أن يظهر أمامها في أي لحظة.
وحين وصلت إلى سيارتها، ألقت حقيبتها على المقعد المجاور، وجلست خلف المقود، ثم أغلقت الباب بسرعة.
عادت من ذكريتها بقلب مرتجف... نزعت ثيابها التي خرجت بها منذ الصباح، وأخفتها داخل الخزانة وكأنها تخشى أن يراها بها أحد.
اختارت أحد الفساتين الهادئة التي اعتادت ارتداءها داخل المنزل.
فستان رقيق، بألوان هادئة، يخفي تفاصيل جسدها تمامًا.
ذلك النوع من الملابس الذي كان الشيخ سالم يختاره لها دائمًا.
أما الملابس الأخرى... فكانت تبقى معلقة داخل الخزانة، لا تجرؤ حتى على لمسها، إلا أثناء سفره، ولم يكن يطيل الغياب أبدًا، فغالبًا ما كان يعود خلال أسبوع واحد، ينهي أعماله سريعًا حتى لا يتركها بمفردها وقتًا طويلًا، مشطت شعرها الطويل بسرعة، ثم أعادت ضفره كما اعتادت، وقفت أمام المرآة، حدقت في نفسها للحظات، لم تكن ترى فتاة في السابعة عشرة، كانت ترى شخصًا يتقن أداء دورٍ فرض عليه منذ سنوات، نظرت إلى الساعة مرة أخرى، اقترب الموعد، شعرت بأن عقاربها لا تعد الدقائق... بل تعد أنفاسها، خرجت من غرفتها، ونزلت إلى الطابق السفلي، جلست على الأريكة، واحتضنت ركبتيها، أخذت نفسًا عميقًا، ثم نجحت بصعوبة في رسم ابتسامة صغيرة على شفتيها، ابتسامة لا تشبهها، لكنها تعلمت أن ترتديها كلما اقترب موعد عودته، فهو لا يحب البكاء، ولا الشكوى، ولا كثرة الكلام، كان يرى أنه يوفر لها حياة يحلم بها الجميع؛ فيلا فاخرة، وسيارة، ومدرسة مرموقة، وكل ما تطلبه ينفذ دون نقاش، وفي المقابل... كان للبيت قوانينه، وعليها أن تلتزم بها كما هي، من دون سؤال، ومن دون اعتراض.
قطع سكون الفيلا صوت محرك سيارة فارهة اقتربت ببطء من البوابة، انقبض قلبها، توقفت سيارة سوداء فاخرة، من أحدث طراز، أمام الفيلا، نزل منها رجل تجاوز الخمسين بقليل، كان طويل القامة، ممتلئ الجسد، لديه شنب عريض، يمشي بخطوات واثقة لا تعرف التردد طريقًا إليها.
يرتدي ثوبًا أبيض ناصعًا، فوقه بشت أسود مطرز بخيوط ذهبية، وساعة فاخرة تلمع حول معصمه، بينما تفوح منه رائحة عطر شرقي ثقيل يسبقه أينما سار.
أما داخل هذه الفيلا... فكان حضوره وحده كافيًا ليجعل الصمت يسبق خطواته، وقبل أن يتجه إلى الباب، وقعت عيناه على سيارة تبارك، توقف، اقترب منها ببطء، رفع كفه ووضعها فوق غطاء المحرك، ظل ساكنًا لثوانٍ، ثم سحب يده، ما زال المحرك يحتفظ بحرارته، أغمض عينيه لثانية قصيرة، وكأنه يعيد ترتيب الوقت داخل رأسه، ثم همس بصوت بالكاد يسمع:
— لسه راجعة من بره...
